كان المايسترو عبد الحميد بلعلجية شديد الصرامة عند قيادته فرقة الإذاعة أثناء التمارين إلى حدّ مخاطبة عناصرها بلواذع الكلام عندما يحيدون عن الموضوع وخصوصا حين يكون بصدد إعطاء توجيهاته الفنية. ولأنه يعرفهم جيدا ومطّلع على أدق تفاصيل حياتهم بحكم علاقته القديمة بهم كثيرا ما كان يعايرهم بشواهد من ماضيهم بأسلوب مثير للضحك رغم جدّية الموقف: هذا المُنشد كان يختلس "الدلاّع" (البطيخ الأحمر) من وراء العربات المحمّلة إلى السوق المركزية، وذاك العازف كان جزّارا وملاكما في أوقات الفراغ ولم يتعوّد بعدُ على رقة الأداء، والآخر كان صبيّا في ورشة درّاجات ولا تزال أصابعه تنزلق على أوتار آلته كأنها ملوّثة بالشحم، وهؤلاء المنشدات يتجادلن بصوت مرتفع كأنهن في حمّام عمومي.
وُلدت الفرقة الموسيقية للإذاعة من رحم الميدان المتعسّر بقيصريّة صعبة فضمت مزيجا غير متجانس من عناصر متفاوتي الكفاءة لأن المناخ العام لم يهيّئ الظروف المطلوبة لمثل هكذا حدث. فالنظرة الدونية للعمل الفني الموروثة من تراكمات تاريخية باعتباره وسيلة لهو وترفيه لا يمتهنه إلا أهل الذمة والمارقون عن الأعراف الحميدة لم تكن لتشجّع شرائح المجتمع المحافظ على انتهاجه وظيفة عضوية فاعلة. وقد ذكر لنا بعض الفنانين الأوائل أن الموسيقيين كانوا يتستّرون على صفتهم أمام العموم ويُخفون آلاتهم تحت البرنس أو المعطف، وقد رأينا من يحمل كمانه في حقيبة ملابس كأنه ذاهب إلى الحمام، كما أن البعض يغيّر اسمه أو لقبه حتى لا يتفطّن أهله مثل المطرب عز الدين الذي تخلى عن اسمه الأصلي عماد الدين.
وقد يتبادر إلى الذهن أن هذا الوضع ناتج عن غياب مؤسسات تعليم الموسيقى وهياكل التنفيذ ذات الصلة، لكن الواقع هو عكس ذلك تماما. فعلاوة على قسم الموسيقى بالكلية الحربية (1842) الذي كان يشرف عليه مدرّبون أوروبيون وتخرّج منه عازفون مُجيدون على مختلف الآلات الهوائية عملوا بالطواقم العسكرية ثم بالجمعيات المدنية، تأسست بالعاصمة أول مدرسة عمومية للتعليم الموسيقي بحي باب الخضراء عام 1896 لكنها لم تستقطب سوى أبناء الجاليات الأوروبية.
ويبدو لنا أن عزوف أبناء البلد عن ارتياد هذه المدرسة يعود قبل كل شيء إلى نوعية التعليم الإفرنجي الذي تلقّنه والمختلف عن التقاليد السائدة خاصة أن التأسيس كان إثر انتصاب الحماية بسنوات قليلة فبدا كأنه ترسيخ لوجودها وطمس للهوية الوطنية. وبالرجوع إلى دفاتر المدرسة التي صارت عام 1911 تابعة لإدارة التعليم العمومي ثم معهدا عام 1932 يُعدّ لمناظرات التعليم العالي لم نجد فيها حتى سنة 1952 سوى تونسي واحد هو الملحن عبد الحميد السلايتي الذي درس ثلاث سنوات متتالية نظريات "الهارموني" في قسم المدير لويس ڤافا Louis Gava.
إلى جانب المدرسة الحكومية الفرنسية كان للإيطاليين معهد لتعليم الموسيقى يحمل اسم الموسيقار الإيطالي فيردي Verdi نشط حتى أواخر الثلاثينات لكنه احترق في الحرب العالمية الثانية وأتلفت جميع وثائقه، وبالتالي فإنه يصعب معرفة ما إذا درس به تونسيون أم لا.
إذن أين تعلّم التونسيون الموسيقى النظرية والتطبيقية طيلة تلك الفترة ؟
يجد الباحث في دليل الهاتف لثلاثينات القرن الماضي أن عدد أساتذة الموسيقى بالعاصمة يبلغ ثلاثين أستاذا أغلبهم إيطاليون متنوعي الاختصاص بين الغناء والبيانو والكمان يعطون دروسا في بيوتهم للهواة والراغبين في تحسين أدائهم وهو عدد مرتفع بالنسبة لمدينة لا يكاد يبلغ تعداد سكانها مائتي ألف حسب الإحصائيات الرسمية. وهؤلاء الأساتذة هم الذين كانوا يباشرون مع آخرين مصاحبة عروض الأوبرا وتنفيذ الحفلات السيمفونية ومنهم مشاهير في مجالهم أمثال أنطونان لافّاج (كمان آلطو) وبول فريمو (تشيللو) وسترينو الأب والابن (كمان) الذين تتلمذ عليهما محمد التريكي (1899-1998) وقدور الصرارفي (1913-1977) ورضا القلعي (1931-2004) وآخرون.
عام 1934 أنشئ معهد "الرشيدية" للموسيقى التونسية فالتحق به هواة الموسيقى والمحترفون وتولّى تعليم الآلات ومنها الكمان ولكن بالطريقة العربية. وكان ضمن إطار التدريس عازف الكمان محمد التريكي وعازف الناي علي الدرويش الحلبي (1882-1952) وعازف الربابة محمد غانم (1881-1947) وعازف التشيلو الإيطالي نيكولا بونورا (1900-1977) الذي كان يدرّس الكمان أيضا.
(يتبع)
كان المايسترو عبد الحميد بلعلجية شديد الصرامة عند قيادته فرقة الإذاعة أثناء التمارين إلى حدّ مخاطبة عناصرها بلواذع الكلام عندما يحيدون عن الموضوع وخصوصا حين يكون بصدد إعطاء توجيهاته الفنية. ولأنه يعرفهم جيدا ومطّلع على أدق تفاصيل حياتهم بحكم علاقته القديمة بهم كثيرا ما كان يعايرهم بشواهد من ماضيهم بأسلوب مثير للضحك رغم جدّية الموقف: هذا المُنشد كان يختلس "الدلاّع" (البطيخ الأحمر) من وراء العربات المحمّلة إلى السوق المركزية، وذاك العازف كان جزّارا وملاكما في أوقات الفراغ ولم يتعوّد بعدُ على رقة الأداء، والآخر كان صبيّا في ورشة درّاجات ولا تزال أصابعه تنزلق على أوتار آلته كأنها ملوّثة بالشحم، وهؤلاء المنشدات يتجادلن بصوت مرتفع كأنهن في حمّام عمومي.
وُلدت الفرقة الموسيقية للإذاعة من رحم الميدان المتعسّر بقيصريّة صعبة فضمت مزيجا غير متجانس من عناصر متفاوتي الكفاءة لأن المناخ العام لم يهيّئ الظروف المطلوبة لمثل هكذا حدث. فالنظرة الدونية للعمل الفني الموروثة من تراكمات تاريخية باعتباره وسيلة لهو وترفيه لا يمتهنه إلا أهل الذمة والمارقون عن الأعراف الحميدة لم تكن لتشجّع شرائح المجتمع المحافظ على انتهاجه وظيفة عضوية فاعلة. وقد ذكر لنا بعض الفنانين الأوائل أن الموسيقيين كانوا يتستّرون على صفتهم أمام العموم ويُخفون آلاتهم تحت البرنس أو المعطف، وقد رأينا من يحمل كمانه في حقيبة ملابس كأنه ذاهب إلى الحمام، كما أن البعض يغيّر اسمه أو لقبه حتى لا يتفطّن أهله مثل المطرب عز الدين الذي تخلى عن اسمه الأصلي عماد الدين.
وقد يتبادر إلى الذهن أن هذا الوضع ناتج عن غياب مؤسسات تعليم الموسيقى وهياكل التنفيذ ذات الصلة، لكن الواقع هو عكس ذلك تماما. فعلاوة على قسم الموسيقى بالكلية الحربية (1842) الذي كان يشرف عليه مدرّبون أوروبيون وتخرّج منه عازفون مُجيدون على مختلف الآلات الهوائية عملوا بالطواقم العسكرية ثم بالجمعيات المدنية، تأسست بالعاصمة أول مدرسة عمومية للتعليم الموسيقي بحي باب الخضراء عام 1896 لكنها لم تستقطب سوى أبناء الجاليات الأوروبية.
ويبدو لنا أن عزوف أبناء البلد عن ارتياد هذه المدرسة يعود قبل كل شيء إلى نوعية التعليم الإفرنجي الذي تلقّنه والمختلف عن التقاليد السائدة خاصة أن التأسيس كان إثر انتصاب الحماية بسنوات قليلة فبدا كأنه ترسيخ لوجودها وطمس للهوية الوطنية. وبالرجوع إلى دفاتر المدرسة التي صارت عام 1911 تابعة لإدارة التعليم العمومي ثم معهدا عام 1932 يُعدّ لمناظرات التعليم العالي لم نجد فيها حتى سنة 1952 سوى تونسي واحد هو الملحن عبد الحميد السلايتي الذي درس ثلاث سنوات متتالية نظريات "الهارموني" في قسم المدير لويس ڤافا Louis Gava.
إلى جانب المدرسة الحكومية الفرنسية كان للإيطاليين معهد لتعليم الموسيقى يحمل اسم الموسيقار الإيطالي فيردي Verdi نشط حتى أواخر الثلاثينات لكنه احترق في الحرب العالمية الثانية وأتلفت جميع وثائقه، وبالتالي فإنه يصعب معرفة ما إذا درس به تونسيون أم لا.
إذن أين تعلّم التونسيون الموسيقى النظرية والتطبيقية طيلة تلك الفترة ؟
يجد الباحث في دليل الهاتف لثلاثينات القرن الماضي أن عدد أساتذة الموسيقى بالعاصمة يبلغ ثلاثين أستاذا أغلبهم إيطاليون متنوعي الاختصاص بين الغناء والبيانو والكمان يعطون دروسا في بيوتهم للهواة والراغبين في تحسين أدائهم وهو عدد مرتفع بالنسبة لمدينة لا يكاد يبلغ تعداد سكانها مائتي ألف حسب الإحصائيات الرسمية. وهؤلاء الأساتذة هم الذين كانوا يباشرون مع آخرين مصاحبة عروض الأوبرا وتنفيذ الحفلات السيمفونية ومنهم مشاهير في مجالهم أمثال أنطونان لافّاج (كمان آلطو) وبول فريمو (تشيللو) وسترينو الأب والابن (كمان) الذين تتلمذ عليهما محمد التريكي (1899-1998) وقدور الصرارفي (1913-1977) ورضا القلعي (1931-2004) وآخرون.
عام 1934 أنشئ معهد "الرشيدية" للموسيقى التونسية فالتحق به هواة الموسيقى والمحترفون وتولّى تعليم الآلات ومنها الكمان ولكن بالطريقة العربية. وكان ضمن إطار التدريس عازف الكمان محمد التريكي وعازف الناي علي الدرويش الحلبي (1882-1952) وعازف الربابة محمد غانم (1881-1947) وعازف التشيلو الإيطالي نيكولا بونورا (1900-1977) الذي كان يدرّس الكمان أيضا.