أنظمة سياسية مختلفة حد التناقض تجد ضالتها في هذه المنظمة البريكسية التي تلتقي فيها مصالح اقتصادية ومالية لدول يجمع بينها نفس الهدف وهو احتلال مكانة في الصدارة
بقلم د. الصحراوي قمعون
صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة
يشهد العالم حاليا ميلاد حقبة تاريخية جديدة . وهي ليست نهاية التاريخ، كما نظر لذلك مؤرخو الغرب الاستعماري الروماني مثل الأمريكي فرانسيس فوكو ياما، بل هي عودة التاريخ إلى مساره الصحيح واستمراره على النهج الذي حدده العلامة المؤرخ وعالم الاجتماع عبد الرحمان بن خلدون حول تداول الحضارات الحتمي بجدلية التاريخ، وكما بينه في أسباب وأشكال ظهور وازدهار وتراجع ثم أفول الحضارات ، والذي جربه علميا وتطبيقيا في مخبره المسمي " المقدمة" لكتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر".
مؤشرات الصعود الحتمي التاريخي
وفي إطار هذا المسار التاريخي الحتمي، ظهرت كتلة بريكس كمجموعة من الدول الصاعدة الراغبة في التمكن من أخذ مكانة في الشمس التي حجبتها طوال قرون أربعة من الاستعمار الغربي بمختلف تلويناته وخاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي كرست فيها القوى الغربية هيمنتها الكاملة على العالم سياسيا واقتصاديا وماليا وفكريا أيضا .
وفي نظر المحللين فإن بروز هذه المجموعة ليست فترة جديدة أو حلقة أخرى من مسلسل الحرب الباردة بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب، بل هي صيرورة تاريخية حتمية تعيد التوازن المفقود للساحة الدولية وتفتح الأفاق أمام الدول الوازنة ذات الإرث الحضاري الضارب في التاريخ لعقود وقرون خلت . وهي ليست حقبة أخرى من حقب الصراع بين الكتلة الشيوعية والكتلة الرأسمالية والتي أنهكت العالم وقسمته منذ نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 . بل هي صعود تاريخي وعودة إلى ميكانيزمات التاريخ الخلدوني بتصميم إرادة دول كانت في السابق مساهمة في المسيرة الكونية دون إقصاء لهذا أو ذاك، قبل أن تستولي عليها الحضارة الإغريقية الرومانية المعززة بالتحالف المسيحي اليهودي منذ طرد المسلمين من الأندلس وسقوط غرناطة واكتشاف أمريكا في نفس سنة 1492 من طرف الأسبان الرومانيين . وهو تحالف مازال قائما ويظهر بوجهه القبيح في مساندة الحروب العدوانية للدولة اليهودية إسرائيل منذ سبعين سنة ضد الشعب الفلسطيني المحتل، كما هو الحال هذه الأيام .
وهي مجموعة تضم في فضائها حكمة حضارة الهند وحكمة حضارة الصين وقوة حضارة روسيا القيصرية وعنفوان حضارة إفريقيا المتخلصة من العنصرية وحكمة الحضارة الفارسية ممثلة في إيران . وهي كلها دول حضارية تتسم باللين والعقل والحكمة، عكس المجموعة الرومانية الأوروبية المعروفة بنزعتها العدوانية العسكرية التي أنجبت الاستعمار المقيت والعبودية والحروب الإقليمية والعالمية المعاصرة والقديمة .
وهي مجموعة على المستوي السياسي تضم دولا بلا إيديولوجيا محنطة مسيطرة عليها في مجال النظام السياسي المعتمد. فهي تضم في صفوفها دولا ديمقراطية على النموذج الكوني المعتمد في أمريكا وارويا، ودولا أخرى ديمقراطية على مقاسها الخصوصي وإرثها الحضاري في السلطوية أو الاستبداد . وهي تضم في نفس الوقت الهند المعتبرة أكبر ديمقراطية في العالم وهي مجربة علي مدى عقود في مجال التداول السلمي علي السلطة بصندوق الاقتراع وأثبتت ثباتها وجدارتها حتي مقارنة بالديمقراطية الأم في بريطانيا الإمبراطورية الآفلة مثل فرنسا الشقيقة العدوة اللدودة .
وهي مجموعة تضم بالمقابل الصين المنفتحة اقتصاديا وتجاريا أكثر من دول الغرب والمنغلقة سياسيا حد الشطط حيث لازال يحكمها الحزب الشيوعي الصيني بلجنته المركزية الضاربة. وهي تضم أيضا إيران الفارسية الإسلامية بنظام ولاية الفقيه الأعلى مع التنافس السياسي بصندوق الاقتراع بين المحافظين والليبراليين . وهي تضم أيضا كلا من البرازيل وجنوب إفريقيا الديمقراطيتين المجربتين في التداول السلمي علي السلطة. كما تضم مجموعة من الدول العربية الملتحقة أخيرا بنادي الكبار وهي السعودية ومصر والإمارات، وهي بلدان لها أنظمة سياسية مختلفة من السلطوية إلى الحكم التقليدي المحلي بنظام الإمارة إلي نظام حكم الدولة العميقة وأساسها المؤسسة العسكرية في مصر.
نموذج سياسي وتنموي جديد عبر العالم
كل هذه الأنظمة السياسية المختلفة حد التناقض تجد ضالتها في هذه المنظمة البريكسية القائمة علي الواقعية السياسية التي تلتقي فيها مصالح اقتصادية ومالية لدول يجمع بينها نفس الهدف وهو احتلال مكانة في الصدارة، بعد أن ظلت مهمشة في نظام عالمي جائر وقع تركيزه من طرف المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، ولم يكن فيه أي دور لبلدان العالم الثالث الكبيرة أو الصغيرة من مجموعة ال 77 لعدم الانحياز وبلدان الجنوب المغلوبين على أمرهم . وجاء اليوم الوقت المناسب لدول الجنوب لتصويب الوضع بالسياسة والصبر الصيني والحكمة الهندية أو بالقوة الاقتصادية والتجارية، دون الوصول إلى المواجهة العسكرية التي تبقى مفتوحة في قادم السنين أو العقود في سبيل الثار من بلدان الشمال المتعالي .
ويبدو في نظر مؤرخي اللحظة أن عاملي الحكمة والتدرج هما اللذان سيسودا مستقبلا في العلاقات الدولية ، كما هو لحد الآن في مجال الصعود الحتمي بالوقائع الاقتصادية والإنتاجية للاقتصاد العالمي وتحقيق رخاء البشرية، وليس بقوة السلاح، كما دأبت عليه القوى الغربية لأوروبا القديمة والجديدة ومعها أمريكا خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية والتي أشعل فيها الغرب عشرات الحروب الصغرى الإقليمية لإخضاع شعوب كاملة وفرض السلام الروماني ( بَاكْسْ رُومَانا) المعروف لدى المؤرخين، وكان يردده زعماء إمبراطورية روما وتحول في العصر الحديث منذ 1945 إلي السلام الأمريكي المفروض (باكسْ أمريكانا).
تعايش الأنظمة السياسية المختلفة
على مستوى النظم السياسية، تبدو هذه المجموعة الدولية الجديدة قادرة على قبول تعايش أنظمة سياسية خصوصية هدفها الأول ضمان استقرار النظام السياسي الدولي القائم عبر العالم وتطعيمه بالإصلاحات العادلة اللازمة لتوفير الحد الأدنى من الديمقراطية الشكلية الغربية مع إعطاء الأولوية للاقتصاد ورفع مستوى عيش السكان وجلب الرخاء لهم، مما قد يعوضهم عن الديمقراطية الشكلية الغربية القائمة على تواتر الانتخابات الشكلية في حين يزداد الأغنياء ثراء والفقراء فقرا حد الإملاق ، وتصرف الأموال على الحملات الانتخابية واللافتات المكلفة والشعب يتضور جوعا ولا تتوفر له الحدود الدنيا للكرامة البشرية . وهو تناقض مسجل في اغلب بلدان العالم الثالث أصاب المسار الديمقراطي الانتقالي الناشئ في مقتل، حيث أصبح الناخبون ألجوعى يصرحون للصحافة ووسائل الإعلام صراحة أنهم لم يعودوا يؤمنون بمرشحي القائمات الانتخابية وصندوق الانتخاب وحكاية التداول السلمي على السلطة في مجتمع يسيطر عليه الفاسدون من السياسيين الأثرياء وتصبح فيه الديمقراطية شعارا لتخدير شعب جائع لم يعد يهمه من تولى السلطة ومن دخل البرلمان وخرج ومن ظهر أو اندثر من الأحزاب في ساحة سياسية أصبحت بأحزابها وجمعياتها سوق عكاظ الشهير او "سوق ودلال" كما يقال في اللهجة الدارجة التونسية .
وداخل مجموعة بريكس أبانت الصين السلطوية المتجاورة مع الهند الديمقراطية أنها تعمل علي بعث نظام اقتصادي واجتماعي عالمي جديد يكون واقعيا ويعوض النظام الغربي الكلاسيكي القائم على تقديس الديمقراطية الانتخابية الشكلية .
وخلال العشريتين الأخيرتين فتحت الصين أبواب التعاون المتكافئ باستثمارات كبيرة زادت عن مائتي مليار دولار مع بلدان عدة في إفريقيا واسيا وسهلت عليهم عملية تحقيق التنمية وتطوير البنية الأساسية لديهم مقابل استغلال ثروات طبيعية في مقايضة استهدفت تحقيق الرخاء لهذه البلدان مثل إثيوبيا ورواند وكينيا والسودان وأوغندا وإفريقيا الوسطي دون ان تتدخل في نظامهم السياسي سواء كان ديمقراطيا او سلطويا او استبداديا او مستوحى من نظامهم السياسي القديم ذي الطابع القبلي . ويبدو النموذج الصيني ومعه النظام الروسي والإيراني ذا جاذبية لدى عدد متزايد من دول العالم الثالث الراغبة في الحصول علي الاعتمادات المالية اللازمة لسد الرمق أو تحقيق التنمية الدنيا دون المرور عبر صندوق النقد الدولي المتحكم فيه في واشنطن وبروكسال ويعطي القروض بشروط تطبيق الديمقراطية وإقامة العرس الانتخابي في بلدان يبيت فيها الناخب المسكين على الطوى وتشتري صوته المبحوح ببضعة دولارات وعلبة بسكويت، أحزاب وجمعيات تتلقى بدورها الدعم السخي من الجهات الاقراضية العالمية المتنفذة في حلقة مفرغة للتعاون الدولي أصبحت خارج الصلوحية وجب استبدالها على مراحل وعلى مدى عقود قادمة ، كما تنصح به الحكمة الصينية والهندية مع افق عام 2050 القريب.
ومع تراجع وأفول الهيمنة الأورو أمريكية الحامية لإسرائيل، تزول هذه الأخيرة تلقائيا بالتعايش السلمي مع أهل البلد والاندماج في المنطقة ، أو المغادرة القسرية، كما حدث للاستعمار الفرنسي المباشر للجزائر، بعد مائة وثلاثين سنة من الاحتلال ، غادر فيها المعمرون المستوطنون أرض الجزائر وتركوا كل ما بنوه من مستوطنات وضيعات، عائدين من حيث أتى أجدادهم خلال القرن الماضي.
أنظمة سياسية مختلفة حد التناقض تجد ضالتها في هذه المنظمة البريكسية التي تلتقي فيها مصالح اقتصادية ومالية لدول يجمع بينها نفس الهدف وهو احتلال مكانة في الصدارة
بقلم د. الصحراوي قمعون
صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة
يشهد العالم حاليا ميلاد حقبة تاريخية جديدة . وهي ليست نهاية التاريخ، كما نظر لذلك مؤرخو الغرب الاستعماري الروماني مثل الأمريكي فرانسيس فوكو ياما، بل هي عودة التاريخ إلى مساره الصحيح واستمراره على النهج الذي حدده العلامة المؤرخ وعالم الاجتماع عبد الرحمان بن خلدون حول تداول الحضارات الحتمي بجدلية التاريخ، وكما بينه في أسباب وأشكال ظهور وازدهار وتراجع ثم أفول الحضارات ، والذي جربه علميا وتطبيقيا في مخبره المسمي " المقدمة" لكتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر".
مؤشرات الصعود الحتمي التاريخي
وفي إطار هذا المسار التاريخي الحتمي، ظهرت كتلة بريكس كمجموعة من الدول الصاعدة الراغبة في التمكن من أخذ مكانة في الشمس التي حجبتها طوال قرون أربعة من الاستعمار الغربي بمختلف تلويناته وخاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي كرست فيها القوى الغربية هيمنتها الكاملة على العالم سياسيا واقتصاديا وماليا وفكريا أيضا .
وفي نظر المحللين فإن بروز هذه المجموعة ليست فترة جديدة أو حلقة أخرى من مسلسل الحرب الباردة بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب، بل هي صيرورة تاريخية حتمية تعيد التوازن المفقود للساحة الدولية وتفتح الأفاق أمام الدول الوازنة ذات الإرث الحضاري الضارب في التاريخ لعقود وقرون خلت . وهي ليست حقبة أخرى من حقب الصراع بين الكتلة الشيوعية والكتلة الرأسمالية والتي أنهكت العالم وقسمته منذ نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 . بل هي صعود تاريخي وعودة إلى ميكانيزمات التاريخ الخلدوني بتصميم إرادة دول كانت في السابق مساهمة في المسيرة الكونية دون إقصاء لهذا أو ذاك، قبل أن تستولي عليها الحضارة الإغريقية الرومانية المعززة بالتحالف المسيحي اليهودي منذ طرد المسلمين من الأندلس وسقوط غرناطة واكتشاف أمريكا في نفس سنة 1492 من طرف الأسبان الرومانيين . وهو تحالف مازال قائما ويظهر بوجهه القبيح في مساندة الحروب العدوانية للدولة اليهودية إسرائيل منذ سبعين سنة ضد الشعب الفلسطيني المحتل، كما هو الحال هذه الأيام .
وهي مجموعة تضم في فضائها حكمة حضارة الهند وحكمة حضارة الصين وقوة حضارة روسيا القيصرية وعنفوان حضارة إفريقيا المتخلصة من العنصرية وحكمة الحضارة الفارسية ممثلة في إيران . وهي كلها دول حضارية تتسم باللين والعقل والحكمة، عكس المجموعة الرومانية الأوروبية المعروفة بنزعتها العدوانية العسكرية التي أنجبت الاستعمار المقيت والعبودية والحروب الإقليمية والعالمية المعاصرة والقديمة .
وهي مجموعة على المستوي السياسي تضم دولا بلا إيديولوجيا محنطة مسيطرة عليها في مجال النظام السياسي المعتمد. فهي تضم في صفوفها دولا ديمقراطية على النموذج الكوني المعتمد في أمريكا وارويا، ودولا أخرى ديمقراطية على مقاسها الخصوصي وإرثها الحضاري في السلطوية أو الاستبداد . وهي تضم في نفس الوقت الهند المعتبرة أكبر ديمقراطية في العالم وهي مجربة علي مدى عقود في مجال التداول السلمي علي السلطة بصندوق الاقتراع وأثبتت ثباتها وجدارتها حتي مقارنة بالديمقراطية الأم في بريطانيا الإمبراطورية الآفلة مثل فرنسا الشقيقة العدوة اللدودة .
وهي مجموعة تضم بالمقابل الصين المنفتحة اقتصاديا وتجاريا أكثر من دول الغرب والمنغلقة سياسيا حد الشطط حيث لازال يحكمها الحزب الشيوعي الصيني بلجنته المركزية الضاربة. وهي تضم أيضا إيران الفارسية الإسلامية بنظام ولاية الفقيه الأعلى مع التنافس السياسي بصندوق الاقتراع بين المحافظين والليبراليين . وهي تضم أيضا كلا من البرازيل وجنوب إفريقيا الديمقراطيتين المجربتين في التداول السلمي علي السلطة. كما تضم مجموعة من الدول العربية الملتحقة أخيرا بنادي الكبار وهي السعودية ومصر والإمارات، وهي بلدان لها أنظمة سياسية مختلفة من السلطوية إلى الحكم التقليدي المحلي بنظام الإمارة إلي نظام حكم الدولة العميقة وأساسها المؤسسة العسكرية في مصر.
نموذج سياسي وتنموي جديد عبر العالم
كل هذه الأنظمة السياسية المختلفة حد التناقض تجد ضالتها في هذه المنظمة البريكسية القائمة علي الواقعية السياسية التي تلتقي فيها مصالح اقتصادية ومالية لدول يجمع بينها نفس الهدف وهو احتلال مكانة في الصدارة، بعد أن ظلت مهمشة في نظام عالمي جائر وقع تركيزه من طرف المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، ولم يكن فيه أي دور لبلدان العالم الثالث الكبيرة أو الصغيرة من مجموعة ال 77 لعدم الانحياز وبلدان الجنوب المغلوبين على أمرهم . وجاء اليوم الوقت المناسب لدول الجنوب لتصويب الوضع بالسياسة والصبر الصيني والحكمة الهندية أو بالقوة الاقتصادية والتجارية، دون الوصول إلى المواجهة العسكرية التي تبقى مفتوحة في قادم السنين أو العقود في سبيل الثار من بلدان الشمال المتعالي .
ويبدو في نظر مؤرخي اللحظة أن عاملي الحكمة والتدرج هما اللذان سيسودا مستقبلا في العلاقات الدولية ، كما هو لحد الآن في مجال الصعود الحتمي بالوقائع الاقتصادية والإنتاجية للاقتصاد العالمي وتحقيق رخاء البشرية، وليس بقوة السلاح، كما دأبت عليه القوى الغربية لأوروبا القديمة والجديدة ومعها أمريكا خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية والتي أشعل فيها الغرب عشرات الحروب الصغرى الإقليمية لإخضاع شعوب كاملة وفرض السلام الروماني ( بَاكْسْ رُومَانا) المعروف لدى المؤرخين، وكان يردده زعماء إمبراطورية روما وتحول في العصر الحديث منذ 1945 إلي السلام الأمريكي المفروض (باكسْ أمريكانا).
تعايش الأنظمة السياسية المختلفة
على مستوى النظم السياسية، تبدو هذه المجموعة الدولية الجديدة قادرة على قبول تعايش أنظمة سياسية خصوصية هدفها الأول ضمان استقرار النظام السياسي الدولي القائم عبر العالم وتطعيمه بالإصلاحات العادلة اللازمة لتوفير الحد الأدنى من الديمقراطية الشكلية الغربية مع إعطاء الأولوية للاقتصاد ورفع مستوى عيش السكان وجلب الرخاء لهم، مما قد يعوضهم عن الديمقراطية الشكلية الغربية القائمة على تواتر الانتخابات الشكلية في حين يزداد الأغنياء ثراء والفقراء فقرا حد الإملاق ، وتصرف الأموال على الحملات الانتخابية واللافتات المكلفة والشعب يتضور جوعا ولا تتوفر له الحدود الدنيا للكرامة البشرية . وهو تناقض مسجل في اغلب بلدان العالم الثالث أصاب المسار الديمقراطي الانتقالي الناشئ في مقتل، حيث أصبح الناخبون ألجوعى يصرحون للصحافة ووسائل الإعلام صراحة أنهم لم يعودوا يؤمنون بمرشحي القائمات الانتخابية وصندوق الانتخاب وحكاية التداول السلمي على السلطة في مجتمع يسيطر عليه الفاسدون من السياسيين الأثرياء وتصبح فيه الديمقراطية شعارا لتخدير شعب جائع لم يعد يهمه من تولى السلطة ومن دخل البرلمان وخرج ومن ظهر أو اندثر من الأحزاب في ساحة سياسية أصبحت بأحزابها وجمعياتها سوق عكاظ الشهير او "سوق ودلال" كما يقال في اللهجة الدارجة التونسية .
وداخل مجموعة بريكس أبانت الصين السلطوية المتجاورة مع الهند الديمقراطية أنها تعمل علي بعث نظام اقتصادي واجتماعي عالمي جديد يكون واقعيا ويعوض النظام الغربي الكلاسيكي القائم على تقديس الديمقراطية الانتخابية الشكلية .
وخلال العشريتين الأخيرتين فتحت الصين أبواب التعاون المتكافئ باستثمارات كبيرة زادت عن مائتي مليار دولار مع بلدان عدة في إفريقيا واسيا وسهلت عليهم عملية تحقيق التنمية وتطوير البنية الأساسية لديهم مقابل استغلال ثروات طبيعية في مقايضة استهدفت تحقيق الرخاء لهذه البلدان مثل إثيوبيا ورواند وكينيا والسودان وأوغندا وإفريقيا الوسطي دون ان تتدخل في نظامهم السياسي سواء كان ديمقراطيا او سلطويا او استبداديا او مستوحى من نظامهم السياسي القديم ذي الطابع القبلي . ويبدو النموذج الصيني ومعه النظام الروسي والإيراني ذا جاذبية لدى عدد متزايد من دول العالم الثالث الراغبة في الحصول علي الاعتمادات المالية اللازمة لسد الرمق أو تحقيق التنمية الدنيا دون المرور عبر صندوق النقد الدولي المتحكم فيه في واشنطن وبروكسال ويعطي القروض بشروط تطبيق الديمقراطية وإقامة العرس الانتخابي في بلدان يبيت فيها الناخب المسكين على الطوى وتشتري صوته المبحوح ببضعة دولارات وعلبة بسكويت، أحزاب وجمعيات تتلقى بدورها الدعم السخي من الجهات الاقراضية العالمية المتنفذة في حلقة مفرغة للتعاون الدولي أصبحت خارج الصلوحية وجب استبدالها على مراحل وعلى مدى عقود قادمة ، كما تنصح به الحكمة الصينية والهندية مع افق عام 2050 القريب.
ومع تراجع وأفول الهيمنة الأورو أمريكية الحامية لإسرائيل، تزول هذه الأخيرة تلقائيا بالتعايش السلمي مع أهل البلد والاندماج في المنطقة ، أو المغادرة القسرية، كما حدث للاستعمار الفرنسي المباشر للجزائر، بعد مائة وثلاثين سنة من الاحتلال ، غادر فيها المعمرون المستوطنون أرض الجزائر وتركوا كل ما بنوه من مستوطنات وضيعات، عائدين من حيث أتى أجدادهم خلال القرن الماضي.