أن تكون تونس أول دولة عربية يزورها الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، بعد توليه مهامه، فذلك يمثل اختيارا لا يخلو من أبعاد سياسية ودبلوماسية هامة، خاصة بالنظر إلى المكانة التاريخية التي تحظى بها بلادنا داخل منظومة العمل العربي المشترك، وإلى ما راكمته من حضور وأدوار هامة صلب جامعة الدول العربية.
فاختيار تونس لتكون فاتحة التحرك العربي يأتي في سياق تكتسب فيه بلادنا أيضا موقعا متقدما داخل هياكل الجامعة، من خلال ترؤس تونس مجلسها على المستوى الوزاري، بما يعكس حضورا تونسيا متواصلا داخل المنظومة العربية، وموقعا ظل قائما على الإيمان بضرورة الحوار والتشاور وتوحيد الجهود والرؤى.
ومن هذا المنطلق، مثّل اللقاء الذي جمع مؤخرا رئيس الجمهورية قيس سعيّد بالأمين العام الجديد للجامعة، بقصر قرطاج، مناسبة لطرح رؤية شاملة لمستقبل العمل العربي المشترك، في مرحلة دقيقة تمر بها المنطقة والعالم، بما يفرض على الدول العربية البحث عن مقاربات جديدة لمواجهة التحديات المشتركة.
وضمن هذه المقاربة، جاء لقاء قصر قرطاج ليفتح نقاشا يتجاوز، في جوهره، حدود العلاقة القائمة بين تونس والجامعة العربية، ليطال مستقبل العمل العربي ذاته، في وقت يرى فيه رئيس الدولة قيس سعيّد أن المنطقة والعالم يمران بتحولات عميقة تفرض على القادة العرب إعادة ترتيب الأولويات والبحث عن تصورات جديدة تجعلهم أكثر قدرة على حماية دولهم والدفاع عن مصالحها.
موقع ريادي في الفضاء العربي..
اختيار تونس ضمن الزيارات الأولى للأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية لا يمكن فصله عن الموقع الذي تحتله بلادنا داخل الفضاء العربي، وعن الدور الذي اضطلعت به تاريخيا في مسيرة الجامعة العربية نفسها. فرئيس الجمهورية قيس سعيّد استحضر خلال اللقاء أبرز المحطات التي مرت بها الجامعة منذ تأسيسها في 22 مارس 1945، كما ذكّر بالمرحلة التي احتضنت فيها تونس مقر الجامعة العربية إثر انتقاله من القاهرة سنة 1979.
وهذا الاستحضار التاريخي يراد منه التذكير بأن تونس لم تكن يوما على هامش العمل العربي المشترك، وإنما كانت مواكبة لمختلف محطاته، سواء من خلال احتضان مؤسساته أو عبر مختلف مواقفها السياسية والدبلوماسية.
واليوم، وفي مرحلة تتولى فيها تونس رئاسة مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري للفترة الممتدة من سبتمبر 2026 إلى مارس 2027، يعود هذا التاريخ ليتخذ منحى تصاعديا هاما. فبلادنا لا تكتفي برئاسة دورية لمجلس وزاري، وإنما تسعى، من خلال رؤيتها السياسية، إلى الدفع نحو حوار عربي شامل حول مستقبل المنطقة والآليات الكفيلة بحماية الدول العربية ومقدرات شعوبها.
وبالتالي، شكّل لقاء قرطاج، في جانب منه، محطة أكد من خلالها رئيس الدولة قيس سعيّد أن تونس تظل فاعلة على مستوى النقاش المتعلق بمستقبل العمل العربي، عبر تقديم تصورات وطرح أسئلة جوهرية حول ما يجب تغييره وما ينبغي تطويره.
فالمسألة اليوم لم تعد تتعلق فقط بالحفاظ على المؤسسات العربية القائمة، وإنما بضرورة البحث عن السبل الكفيلة بمنحها قدرة أكبر على الفعل والتأثير.
من إصلاح الجامعة إلى إعادة النظر في آليات العمل العربي ذاته
وفي هذا السياق، فإن من أبرز النقاط التي توقف عندها رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال اللقاء، ضرورة إصلاح مؤسسات العمل العربي المشترك وتطوير آلياتها بما يسمح لها بمواكبة التحولات المتسارعة، خاصة أن التحديات الراهنة، من قبيل الأمن الغذائي والمائي والطاقي والتكنولوجي، والسيادة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الأمنية والسياسية، تمثل جزءا من معادلة الأمن القومي للدول.
ومن هنا تأتي دعوة رئيس الدولة قيس سعيّد إلى تطوير منظومة العمل العربي الموحد وتحديث مؤسساتها وفق تصورات جديدة ومقاربات مبتكرة.
وهي دعوة تمثل، في جوهرها، تجاوزا لفكرة الإصلاح الشكلي أو الإداري للجامعة العربية، نحو التفكير في مضمون العمل العربي ذاته، لا سيما أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد تحدث عن ضرورة الانخراط الواعي في الثورة الاتصالية، بما يسمح للعرب بأن يكون لهم صوت مسموع في العالم، وأن ينتقلوا من موقع المتلقي للقرارات الدولية إلى موقع المشارك في صياغتها.
منظومة إنسانية جديدة
لعل من أكثر العبارات دلالة في تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد تأكيده أن "منظومة إنسانية جديدة هي بصدد التشكل".
هذه العبارة تختزل جانبا مهما من الرؤية التي عبّر عنها رئيس الدولة خلال اللقاء، بالنظر إلى أنها تضع القضايا العربية ضمن سياق عالمي شامل. فالعالم يعيش اليوم تحولات كبرى على مستوى موازين القوى والعلاقات الدولية والاقتصاد والتكنولوجيا، وهي تحولات لم تعد تسمح لأي منطقة أو دولة بأن تعيش بمعزل عما يحدث حولها.
ومن هذا المنطلق، يروم رئيس الدولة قيس سعيّد أن تدرك الدول العربية طبيعة المرحلة وأن تتعامل معها بوعي جماعي.
وهنا تبرز أهمية العمل الجماعي الذي شدد عليه رئيس الجمهورية. فالدول العربية، رغم اختلاف أوضاعها وإمكانياتها، تمتلك مقومات اقتصادية وجغرافية وبشرية وثقافية هائلة، يمكن أن تتحول إلى قوة فعلية في حال التنسيق الجيد وتحديد المصالح المشتركة.
فلسطين.. الحق الثابت
لم يخلُ حديث رئيس الجمهورية قيس سعيّد من التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية التي تتصدر الحقوق العربية التي يجب الدفاع عنها وعدم التفريط فيها.
وقد كان موقف تونس واضحا في هذا السياق، حيث جدد رئيس الدولة قيس سعيّد التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على كل أرض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.
غير أن هذا التأكيد يتجاوز حدود القضية الفلسطينية ليطال مستقبل العمل العربي المشترك، لا سيما أن القضية الفلسطينية شكلت، ومنذ تأسيس الجامعة العربية، أحد أهم الملفات التي مثلت أرضية مشتركة للمواقف العربية.
ومن هنا، فإن تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على عدم التفريط في الحقوق العربية «بأي شكل من الأشكال» يحمل رسالة تتجاوز الموقف المبدئي إلى التأكيد على ضرورة حماية هذه الحقوق في مرحلة تعرف فيها المنطقة ضغوطات ومحاولات لفرض وقائع جديدة.
نحو مفهوم شامل للأمن العربي
لم يحصر رئيس الجمهورية قيس سعيّد دعوته إلى تعزيز العمل العربي المشترك في المجال السياسي فقط، وإنما شدد أيضا على أهمية توطيد التعاون في المجالات الاقتصادية والأمنية والعلمية.
وضمن هذا التمشي، يتجلى البعد العملي للرؤية التي طرحت خلال اللقاء، فالوحدة السياسية الكاملة قد تكون هدفا بعيد المدى، لكن التعاون في مجالات محددة يمكن أن يشكل أرضية واقعية لبناء مصالح مشتركة على قاعدة متينة وصلبة.
فالاقتصاد، مثلا، يمثل أحد أهم المجالات التي يمكن للدول العربية أن تعزز من خلالها تعاونها، خاصة أن المنطقة تمتلك موارد وأسواقا وإمكانيات بشرية هائلة يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية فاعلة.
كما أن تعزيز التعاون العلمي والتكنولوجي بات اليوم ضرورة ملحة، فالعالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد المعرفة، والدول التي لا تستثمر في البحث العلمي والتكنولوجيا ستجد نفسها خارج دائرة المنافسة.
وفي هذا السياق، تكتسب دعوة رئيس الدولة قيس سعيّد إلى الانخراط في الثورة الاتصالية أهمية خاصة. فالتموقع اليوم يتجاوز من يمتلك الموارد ليطال من يمتلك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على التأثير صلب الفضاء الرقمي.
بداية مرحلة جديدة من الحوار
يحمل اللقاء أيضا بُعدا لا يقل أهمية يتعلق بمسار العلاقة بين تونس والأمانة العامة الجديدة لجامعة الدول العربية.
فالأمين العام الجديد يتولى مهامه في مرحلة دقيقة، وتونس تتولى في الوقت نفسه رئاسة مجلس الجامعة على المستوى الوزاري. وهذا التزامن يمكن أن يوفر أرضية لتنسيق أكبر بين الأمانة العامة ورئاسة المجلس.
ومن الواضح أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد أراد، من خلال اللقاء، تقديم تصور تونس لأولويات المرحلة، خاصة في ما يتعلق بضرورة تكثيف الحوار والتشاور والتنسيق.
وهنا تبرز أهمية أن تكون العلاقة بين مؤسسات الجامعة والدول الأعضاء قائمة على المبادرة المستمرة.
فالتحديات التي تواجه المنطقة اليوم تحتاج إلى تواصل دائم وإلى قدرة على التقاط التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات.
ومن هذا المنطلق، فإن زيارة الأمين العام الجديد إلى تونس يمكن أن تشكل بداية لمسار جديد من الحوار بين الطرفين حول كيفية إعطاء نفس جديد للعمل العربي المشترك.
من جهة أخرى، من بين الرسائل اللافتة التي وجهها رئيس الجمهورية قيس سعيّد دعوته إلى أن يكون للعرب صوت مسموع في العالم، وأن يكونوا مشاركين في صنع القرار الدولي.
وهذه الدعوة تعكس إدراكا بأن العالم اليوم لا ينتظر من لا يعي دقة اللحظة وخصوصيتها.
ولذلك، فإن بناء صوت عربي مسموع لا يعني بالضرورة تطابق المواقف إزاء جميع القضايا، فذلك أمر قد يكون صعب التطبيق في ظل اختلاف طبيعة المصالح، لكنه يعني، على الأقل، تحديد القضايا الكبرى التي يمكن أن تشكل أرضية تفاهم مشتركة.
في هذا الخضم، أراد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال لقائه بالأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، التأكيد على ما تراه تونس ضروريا في هذه المرحلة، والذي يشمل ضرورة إصلاح وتطوير العمل العربي المشترك، إلى جانب محاولة فهم طبيعة التحولات العالمية وعدم التعامل معها بمنطق الانتظار.
على أن الأهم هو ضرورة حماية الدول العربية من مخاطر التقسيم والتفتيت، واستعادة الدولة الوطنية لدورها في حماية المواطن وضمان كرامته.
وقد يكون الأهم في كل ذلك هو أن تونس، ومن خلال تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد، تساءلت في لحظة دقيقة حول واقع المستقبل العربي: أي جامعة عربية نريد؟ وأي عمل عربي مشترك يمكن أن يواكب عالم الغد؟ وكيف يمكن للدول العربية أن تحمي سيادتها ومصالح شعوبها وسط تحولات لم تعد تترك مجالا طويلا للتردد؟
وهذه الأسئلة قد لا تجد إجاباتها في لقاء واحد، لكنها تحتاج إلى أن تتحول إلى محور حوار عربي. وتونس، وهي تستقبل الأمين العام الجديد للجامعة وتتولى رئاسة مجلسها الوزاري، تبدو حريصة، بتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة، على أن تدفع في هذا الاتجاه.
فما يعيشه العالم اليوم لا يحتمل مزيدا من التردد أو الانتظار، وما تواجهه المنطقة لا يمكن لأي دولة أن تعالج تداعياته بمفردها.
منال حرزي
تونس-الصباح
أن تكون تونس أول دولة عربية يزورها الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، بعد توليه مهامه، فذلك يمثل اختيارا لا يخلو من أبعاد سياسية ودبلوماسية هامة، خاصة بالنظر إلى المكانة التاريخية التي تحظى بها بلادنا داخل منظومة العمل العربي المشترك، وإلى ما راكمته من حضور وأدوار هامة صلب جامعة الدول العربية.
فاختيار تونس لتكون فاتحة التحرك العربي يأتي في سياق تكتسب فيه بلادنا أيضا موقعا متقدما داخل هياكل الجامعة، من خلال ترؤس تونس مجلسها على المستوى الوزاري، بما يعكس حضورا تونسيا متواصلا داخل المنظومة العربية، وموقعا ظل قائما على الإيمان بضرورة الحوار والتشاور وتوحيد الجهود والرؤى.
ومن هذا المنطلق، مثّل اللقاء الذي جمع مؤخرا رئيس الجمهورية قيس سعيّد بالأمين العام الجديد للجامعة، بقصر قرطاج، مناسبة لطرح رؤية شاملة لمستقبل العمل العربي المشترك، في مرحلة دقيقة تمر بها المنطقة والعالم، بما يفرض على الدول العربية البحث عن مقاربات جديدة لمواجهة التحديات المشتركة.
وضمن هذه المقاربة، جاء لقاء قصر قرطاج ليفتح نقاشا يتجاوز، في جوهره، حدود العلاقة القائمة بين تونس والجامعة العربية، ليطال مستقبل العمل العربي ذاته، في وقت يرى فيه رئيس الدولة قيس سعيّد أن المنطقة والعالم يمران بتحولات عميقة تفرض على القادة العرب إعادة ترتيب الأولويات والبحث عن تصورات جديدة تجعلهم أكثر قدرة على حماية دولهم والدفاع عن مصالحها.
موقع ريادي في الفضاء العربي..
اختيار تونس ضمن الزيارات الأولى للأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية لا يمكن فصله عن الموقع الذي تحتله بلادنا داخل الفضاء العربي، وعن الدور الذي اضطلعت به تاريخيا في مسيرة الجامعة العربية نفسها. فرئيس الجمهورية قيس سعيّد استحضر خلال اللقاء أبرز المحطات التي مرت بها الجامعة منذ تأسيسها في 22 مارس 1945، كما ذكّر بالمرحلة التي احتضنت فيها تونس مقر الجامعة العربية إثر انتقاله من القاهرة سنة 1979.
وهذا الاستحضار التاريخي يراد منه التذكير بأن تونس لم تكن يوما على هامش العمل العربي المشترك، وإنما كانت مواكبة لمختلف محطاته، سواء من خلال احتضان مؤسساته أو عبر مختلف مواقفها السياسية والدبلوماسية.
واليوم، وفي مرحلة تتولى فيها تونس رئاسة مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري للفترة الممتدة من سبتمبر 2026 إلى مارس 2027، يعود هذا التاريخ ليتخذ منحى تصاعديا هاما. فبلادنا لا تكتفي برئاسة دورية لمجلس وزاري، وإنما تسعى، من خلال رؤيتها السياسية، إلى الدفع نحو حوار عربي شامل حول مستقبل المنطقة والآليات الكفيلة بحماية الدول العربية ومقدرات شعوبها.
وبالتالي، شكّل لقاء قرطاج، في جانب منه، محطة أكد من خلالها رئيس الدولة قيس سعيّد أن تونس تظل فاعلة على مستوى النقاش المتعلق بمستقبل العمل العربي، عبر تقديم تصورات وطرح أسئلة جوهرية حول ما يجب تغييره وما ينبغي تطويره.
فالمسألة اليوم لم تعد تتعلق فقط بالحفاظ على المؤسسات العربية القائمة، وإنما بضرورة البحث عن السبل الكفيلة بمنحها قدرة أكبر على الفعل والتأثير.
من إصلاح الجامعة إلى إعادة النظر في آليات العمل العربي ذاته
وفي هذا السياق، فإن من أبرز النقاط التي توقف عندها رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال اللقاء، ضرورة إصلاح مؤسسات العمل العربي المشترك وتطوير آلياتها بما يسمح لها بمواكبة التحولات المتسارعة، خاصة أن التحديات الراهنة، من قبيل الأمن الغذائي والمائي والطاقي والتكنولوجي، والسيادة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الأمنية والسياسية، تمثل جزءا من معادلة الأمن القومي للدول.
ومن هنا تأتي دعوة رئيس الدولة قيس سعيّد إلى تطوير منظومة العمل العربي الموحد وتحديث مؤسساتها وفق تصورات جديدة ومقاربات مبتكرة.
وهي دعوة تمثل، في جوهرها، تجاوزا لفكرة الإصلاح الشكلي أو الإداري للجامعة العربية، نحو التفكير في مضمون العمل العربي ذاته، لا سيما أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد تحدث عن ضرورة الانخراط الواعي في الثورة الاتصالية، بما يسمح للعرب بأن يكون لهم صوت مسموع في العالم، وأن ينتقلوا من موقع المتلقي للقرارات الدولية إلى موقع المشارك في صياغتها.
منظومة إنسانية جديدة
لعل من أكثر العبارات دلالة في تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد تأكيده أن "منظومة إنسانية جديدة هي بصدد التشكل".
هذه العبارة تختزل جانبا مهما من الرؤية التي عبّر عنها رئيس الدولة خلال اللقاء، بالنظر إلى أنها تضع القضايا العربية ضمن سياق عالمي شامل. فالعالم يعيش اليوم تحولات كبرى على مستوى موازين القوى والعلاقات الدولية والاقتصاد والتكنولوجيا، وهي تحولات لم تعد تسمح لأي منطقة أو دولة بأن تعيش بمعزل عما يحدث حولها.
ومن هذا المنطلق، يروم رئيس الدولة قيس سعيّد أن تدرك الدول العربية طبيعة المرحلة وأن تتعامل معها بوعي جماعي.
وهنا تبرز أهمية العمل الجماعي الذي شدد عليه رئيس الجمهورية. فالدول العربية، رغم اختلاف أوضاعها وإمكانياتها، تمتلك مقومات اقتصادية وجغرافية وبشرية وثقافية هائلة، يمكن أن تتحول إلى قوة فعلية في حال التنسيق الجيد وتحديد المصالح المشتركة.
فلسطين.. الحق الثابت
لم يخلُ حديث رئيس الجمهورية قيس سعيّد من التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية التي تتصدر الحقوق العربية التي يجب الدفاع عنها وعدم التفريط فيها.
وقد كان موقف تونس واضحا في هذا السياق، حيث جدد رئيس الدولة قيس سعيّد التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على كل أرض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.
غير أن هذا التأكيد يتجاوز حدود القضية الفلسطينية ليطال مستقبل العمل العربي المشترك، لا سيما أن القضية الفلسطينية شكلت، ومنذ تأسيس الجامعة العربية، أحد أهم الملفات التي مثلت أرضية مشتركة للمواقف العربية.
ومن هنا، فإن تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على عدم التفريط في الحقوق العربية «بأي شكل من الأشكال» يحمل رسالة تتجاوز الموقف المبدئي إلى التأكيد على ضرورة حماية هذه الحقوق في مرحلة تعرف فيها المنطقة ضغوطات ومحاولات لفرض وقائع جديدة.
نحو مفهوم شامل للأمن العربي
لم يحصر رئيس الجمهورية قيس سعيّد دعوته إلى تعزيز العمل العربي المشترك في المجال السياسي فقط، وإنما شدد أيضا على أهمية توطيد التعاون في المجالات الاقتصادية والأمنية والعلمية.
وضمن هذا التمشي، يتجلى البعد العملي للرؤية التي طرحت خلال اللقاء، فالوحدة السياسية الكاملة قد تكون هدفا بعيد المدى، لكن التعاون في مجالات محددة يمكن أن يشكل أرضية واقعية لبناء مصالح مشتركة على قاعدة متينة وصلبة.
فالاقتصاد، مثلا، يمثل أحد أهم المجالات التي يمكن للدول العربية أن تعزز من خلالها تعاونها، خاصة أن المنطقة تمتلك موارد وأسواقا وإمكانيات بشرية هائلة يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية فاعلة.
كما أن تعزيز التعاون العلمي والتكنولوجي بات اليوم ضرورة ملحة، فالعالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد المعرفة، والدول التي لا تستثمر في البحث العلمي والتكنولوجيا ستجد نفسها خارج دائرة المنافسة.
وفي هذا السياق، تكتسب دعوة رئيس الدولة قيس سعيّد إلى الانخراط في الثورة الاتصالية أهمية خاصة. فالتموقع اليوم يتجاوز من يمتلك الموارد ليطال من يمتلك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على التأثير صلب الفضاء الرقمي.
بداية مرحلة جديدة من الحوار
يحمل اللقاء أيضا بُعدا لا يقل أهمية يتعلق بمسار العلاقة بين تونس والأمانة العامة الجديدة لجامعة الدول العربية.
فالأمين العام الجديد يتولى مهامه في مرحلة دقيقة، وتونس تتولى في الوقت نفسه رئاسة مجلس الجامعة على المستوى الوزاري. وهذا التزامن يمكن أن يوفر أرضية لتنسيق أكبر بين الأمانة العامة ورئاسة المجلس.
ومن الواضح أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد أراد، من خلال اللقاء، تقديم تصور تونس لأولويات المرحلة، خاصة في ما يتعلق بضرورة تكثيف الحوار والتشاور والتنسيق.
وهنا تبرز أهمية أن تكون العلاقة بين مؤسسات الجامعة والدول الأعضاء قائمة على المبادرة المستمرة.
فالتحديات التي تواجه المنطقة اليوم تحتاج إلى تواصل دائم وإلى قدرة على التقاط التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات.
ومن هذا المنطلق، فإن زيارة الأمين العام الجديد إلى تونس يمكن أن تشكل بداية لمسار جديد من الحوار بين الطرفين حول كيفية إعطاء نفس جديد للعمل العربي المشترك.
من جهة أخرى، من بين الرسائل اللافتة التي وجهها رئيس الجمهورية قيس سعيّد دعوته إلى أن يكون للعرب صوت مسموع في العالم، وأن يكونوا مشاركين في صنع القرار الدولي.
وهذه الدعوة تعكس إدراكا بأن العالم اليوم لا ينتظر من لا يعي دقة اللحظة وخصوصيتها.
ولذلك، فإن بناء صوت عربي مسموع لا يعني بالضرورة تطابق المواقف إزاء جميع القضايا، فذلك أمر قد يكون صعب التطبيق في ظل اختلاف طبيعة المصالح، لكنه يعني، على الأقل، تحديد القضايا الكبرى التي يمكن أن تشكل أرضية تفاهم مشتركة.
في هذا الخضم، أراد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال لقائه بالأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، التأكيد على ما تراه تونس ضروريا في هذه المرحلة، والذي يشمل ضرورة إصلاح وتطوير العمل العربي المشترك، إلى جانب محاولة فهم طبيعة التحولات العالمية وعدم التعامل معها بمنطق الانتظار.
على أن الأهم هو ضرورة حماية الدول العربية من مخاطر التقسيم والتفتيت، واستعادة الدولة الوطنية لدورها في حماية المواطن وضمان كرامته.
وقد يكون الأهم في كل ذلك هو أن تونس، ومن خلال تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد، تساءلت في لحظة دقيقة حول واقع المستقبل العربي: أي جامعة عربية نريد؟ وأي عمل عربي مشترك يمكن أن يواكب عالم الغد؟ وكيف يمكن للدول العربية أن تحمي سيادتها ومصالح شعوبها وسط تحولات لم تعد تترك مجالا طويلا للتردد؟
وهذه الأسئلة قد لا تجد إجاباتها في لقاء واحد، لكنها تحتاج إلى أن تتحول إلى محور حوار عربي. وتونس، وهي تستقبل الأمين العام الجديد للجامعة وتتولى رئاسة مجلسها الوزاري، تبدو حريصة، بتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة، على أن تدفع في هذا الاتجاه.
فما يعيشه العالم اليوم لا يحتمل مزيدا من التردد أو الانتظار، وما تواجهه المنطقة لا يمكن لأي دولة أن تعالج تداعياته بمفردها.