◄ باحث في علم الاجتماع لـ«الصباح» : يجب معالجة الظاهرة حتى لا تتحول المدرسة إلى فضاء تتقاطع فيه مسارات التعلم والانحراف
حرب مفتوحة على المخدرات وإعدام مئات الكيلوغرامات من هذه السموم التي تنتجها دول وتمر عبر دول أخرى لتصل الى أيادي المروجين والمستهلكين، آفة المخدرات التي تمتد جذورها الى عقود لم تعد تقتصر على كبار المهربين والمروجين بل أصبحت اليوم تصل الى أيادي التلاميذ والطلبة، حتى ان بعضهم دخلوا عالم المخدرات من الباب الكبير وانخرطوا في شبكات ترويج وأصبحوا يبيعونها لزملائهم التلاميذ.
«الزطلة» ،«السوبيتاكس» ، «الاكستازي» ، «ليريكا»..آفة تسللت الى أيادي التلاميذ وباتت تجتذب المستهلكين من تلاميذ وطلبة ولم يعد التلاميذ مضطرين الى اقتنائها من مروجين وافدين من خارج المؤسسات التربوية بعد أن لعب عدد من التلاميذ دور المروج وانخرطوا في شبكات «جندتهم» للقيام بمهمة ايصال المخدرات الى أيادي زبائنهم من التلاميذ خاصة وان تلك الشبكات تعتبر المؤسسات التربوية سوقا مهمة لهم وتعمل على استقطاب أكبر عدد منهم.
تلاميذ مندسون في حرم المدارس والمعاهد محملين بالأقراص المخدرة والزطلة مهمتهم إقناع زملائهم بتجربتها ولو لمرة واحدة وخلال الأسبوع الجاري تمكنت الوحدات الأمنية من القبض على تلميذين يروجان المخدرات، التلميذ الأول من مواليد 2010 انقطع حديثا عن الدراسة دخل مدرسة إعدادية بسوسة بنيّة ترويج مواد مخدّرة في صفوف التلاميذ غير أن مدير المدرسة تفطن اليه بعد أن لاحظ تحركاته المشبوهة فسارع بالاتّصال بالوحدات الأمنيّة للتدخّل.
وفي قفصة تم القبض على تلميذ باكالوريا متلبسا بترويج الأقراص المخدرة للتلاميذ بمحيط المعهد وتم إيقافه مع ثلاثة تلاميذ آخرين.
آفة المخدرات وملذاتها الزائفة قطعت الطريق أمام تلاميذ ودمرت مستقبلهم وأحلامهم وفتحت أمامهم عالم الجريمة وأبواب السجن، وكما كانت المخدرات قاتلة لمتعاطيها والمدمنين عليها فقد كانت قاتلة ومدمرة لمستقبل أجيال كاملة كانوا يحلمون بالصعود في سلم العلم والمعرفة فوجدوا أنفسهم مدمنين ومجرمين تدفعهم حاجتهم الى شراء قرص مخدر أو «جونتة» زطلة الى السرقة لتأمين ثمن المخدرات، وقد يكون أول الضحايا العائلة الصغيرة من الوالدين والأخوة ثم تتسع إلى الأقرباء الأبعد والأجوار حتى تصل إلى تشكيل عصابات لسرقة المتاجر والمنازل في أحياء بعيدة.. ثم تفتح أمامهم أبواب السجن لتنقلب حياته من مشروع إنسان ذي تحصيل علمي ونافع للمجتمع الى مجرم يقضي عقوبة في قضية «زطلة»..
ولئن كان المشرع التونسي صارما في العقوبات التي نصها لمعاقبة كل المنخرطين في المخدرات سواء ترويجا أو تهريبا أو استهلاكا.. ولكن الأرقام مازالت مرتفعة وسجناء المخدرات مازالوا يمثلون الشريحة الأكبر..
وأمام تنامي الظاهرة أحال مجلس نواب الشعب مقترح قانون عدد 15 لسنة 2026 المتعلق بـ”الأمن القومي التربوي” إلى لجنة التشريع العام بعد أن تقدمت به مجموعة من النواب، وينصّ على إقرار عقوبة السجن المؤبد لمروّجي المخدرات داخل حرم المؤسسات التربوية ومرتكبي الاعتداءات الجنسية ضد القصر، كما ينصّ على عقوبات سجنية تتراوح بين 20 و30 سنة في جرائم أخرى تستهدف الوسط المدرسي، من بينها التحرش، والاستدراج الرقمي، والابتزاز، وتجنيد القصر في أنشطة إجرامية.
جيل جديد من مروجي المخدرات أنتجته محيطات المدارس
ويرى الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أن الوسط المدرسي في تونس شهد خلال السنوات الأخيرة تحوّلات نوعية تتجاوز مسألة التعاطي الفردي للمخدرات بوصفه سلوك مخاطرة مرتبطًا بمرحلة المراهقة، لتلامس مستوى أكثر خطورة يتمثل في انخراط بعض التلاميذ أنفسهم في ترويج المواد المخدرة داخل المؤسسات التربوية أو في محيطها المباشر.
ولا يمكن فهم هذا التحول بوصفه مجرد انحراف فردي أو انزلاق أخلاقي معزول، بل باعتباره نتيجة تفاعلات اجتماعية مركبة تتقاطع فيها الهشاشة الاقتصادية، تفكك الروابط الأسرية، تراجع أدوار المدرسة في الاحتواء، صعود ثقافة شبابية قائمة على المتعة الفورية، وتغلغل الاقتصاد غير المنظم في الأحياء الشعبية.
ولا تكمن خطورة الظاهرة فقط في انتشار مواد مخدرة بين التلاميذ، بل في تحوّل المدرسة، التي يفترض أن تكون فضاءً للتنشئة والحماية والاندماج، إلى حلقة ضمن شبكة تداول غير قانونية، بما يحوّل بعض التلاميذ من موقع الضحية المحتملة إلى موقع الفاعل داخل اقتصاد منحرف. ومن هنا تبرز ضرورة مقاربة سوسيولوجية عميقة تتجاوز التفسير الأخلاقي أو الأمني الضيق، لفهم المسارات الاجتماعية التي تُنتج “التلميذ المروّج” وتغذّي حضوره داخل الفضاء المدرسي.
أولًا: تشخيص الظاهرة في تقاطعها مع تصاعد الاستهلاك والجرائم ذات الصلة حيث تشير المعطيات الوطنية والتقارير الصادرة في السنوات الأخيرة حول حماية الطفولة والعنف المدرسي إلى تزايد تعرّض التلاميذ لمحيط تتوفر فيه مواد مخدرة، سواء داخل المؤسسات التربوية أو في محيطها القريب، كما تظهر العلاقة المتنامية بين الاستهلاك المبكر للمواد ذات التأثير النفسي وبين الانقطاع المدرسي، والعنف بين الأقران، وتراجع الشعور بالأمان داخل المؤسسة التعليمية.
إن ما يلفت الانتباه هو أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على استهلاك سري محدود، بل برزت حالات يتحول فيها التلميذ إلى وسيط توزيع داخل شبكته العلائقية المدرسية. فالثقة بين الأقران، والاحتكاك اليومي، وغياب المراقبة الدقيقة في بعض السياقات، توفّر شروطًا مواتية لتحويل الفصل أو ساحة المدرسة إلى فضاء تداول.
ويُلاحظ كذلك أن ترويج المخدرات داخل المؤسسات التربوية يرتبط غالبًا بجرائم مرافقة مثل السرقة لتسديد الديون، العنف الناتج عن النزاعات حول المال أو النفوذ، واستقطاب تلاميذ أصغر سنًا للدخول في شبكة الاستهلاك.
بهذا المعنى، يصبح الفضاء المدرسي جزءًا من اقتصاد موازٍ أوسع، ويغدو التلميذ حلقة في سلسلة توزيع تتجاوز حدود المؤسسة، ما يستوجب فهمًا لبنية الشبكات التي تستثمر في هشاشة الفضاءات التعليمية.
ثانيًا: بناء نموذج مثالي للتلميذ المروّج وفق المقاربة الفيبيرية
اعتمادًا على مفهوم “النموذج المثالي” كما صاغه عالم الإجتماع الألماني ماكس فيبر، يمكن بناء تصور تحليلي للتلميذ المروّج لا باعتباره وصفًا مطابقًا لكل الحالات، بل كأداة لفهم السمات المشتركة التي تتكرر في عدد معتبر من المسارات.
يبدأ النموذج المثالي بخلفية اجتماعية تتسم غالبًا بالهشاشة. فالانحدار من حي شعبي يعاني بطالة مرتفعة وضعف خدمات عمومية وتغلغل الاقتصاد غير الرسمي يخلق بيئة تُطبع فيها الأنشطة غير القانونية كجزء من الحياة اليومية، في مثل هذه السياقات، لا يُنظر إلى المال السريع باعتباره انحرافًا، بل كفرصة للنجاة أو تحسين الوضع.
على المستوى الأسري، قد يتسم المسار بوجود تفكك علائقي أو صراعات داخلية أو غياب أحد الوالدين، ما يُضعف الرقابة والتوجيه..وقد يترافق ذلك مع عنف أسري أو ضغط اقتصادي يدفع الطفل إلى البحث عن مصادر دخل بديلة.
أما المسار المدرسي فيتسم غالبًا بتعثر دراسي، وإحساس بعدم الانتماء، وتكرار الوصم من قبل المحيط (“مشاغب”، “فاشل”، “غير قابل للإصلاح”). هذا الوصم، قد يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها، إذ يتماهى التلميذ مع الصورة المفروضة عليه.
ينتقل التلميذ في هذا النموذج من موقع المستهلك التجريبي إلى موقع المروّج تدريجيًا.. يبدأ الأمر غالبًا عبر صداقة مع وسيط خارجي أو قريب أكبر سنًا يعرض عليه “فرصة” لكسب مال سريع مقابل توزيع كميات صغيرة داخل المدرسة. ومع الوقت، يتوسع الدور وتزداد الثقة، ويتحول النشاط إلى جزء من الهوية.
ولكي يحافظ التلميذ على توازنه النفسي، فإنه يُعيد تأويل سلوكه عبر تقنيات تبرير: “أنا لا أفرض على أحد”، “الجميع يفعل ذلك”، “المدرسة لم تنفعني”، أو “أساعد عائلتي”. هذه السرديات تُمكّنه من تقليص التوتر الأخلاقي وإضفاء معنى على فعله.
ثالثًا: السياقات الاجتماعية المغذية لهذا السلوك الانحرافي
لا يمكن فهم انخراط التلاميذ في الترويج دون تحليل السياقات المتعددة التي تغذي هذا السلوك.
يُعد السياق الاقتصادي أحد أبرز العوامل، ففي بيئات تعاني هشاشة مزمنة، يصبح المال معيارًا مركزيًا للاعتراف الاجتماعي. ومع محدودية فرص العمل القانوني، يظهر الاقتصاد الموازي كبديل جذاب، لا سيما في ظل ضعف الرقابة وتطبيع بعض الأنشطة غير المشروعة.
يساهم كذلك السياق الأسري بشكل حاسم في تصاعد هذه الممارسة الإنحرافية ،فالتفكك الأسري، والضغط المعيشي، وغياب المتابعة، كلها عوامل تقلص قدرة الأسرة على أداء دورها في التنشئة والرقابة. كما أن العنف داخل الأسرة قد يدفع الطفل إلى البحث عن اعتراف وقوة خارجها.
أما السياق المدرسي، فإنه حين يتحول من فضاء احتواء إلى فضاء إقصاء، يساهم في دفع بعض التلاميذ إلى البحث عن مكانة بديلة. الاكتظاظ، التركيز المفرط على التحصيل، ضعف الدعم النفسي، والاعتماد على العقاب بدل الإصغاء، كلها عناصر تعمق الشعور بالاغتراب المدرسي.
إلى جانب ذلك، تلعب الثقافة الشبابية المعاصرة دورًا مهمًا. فثقافة المتعة الفورية، والحاضرتية، والتمرد على السلطة، والبحث عن الهيبة داخل المجموعة، قد تجعل الترويج وسيلة لاكتساب مكانة ونفوذ.
ولا يمكن إغفال ما يُعرف بالعنف الهيكلي، أي تلك البنى الاجتماعية التي تُنتج الهشاشة دون أن تُمارس عنفًا مباشرًا. حين تتراكم الفوارق المجالية والاجتماعية، ويتعمق الإحساس بالحرمان والتهميش تتشكل بيئة خصبة لانخراط الأطفال في أنشطة منحرفة.
رابعًا: التداعيات والمخاطر
تتعدد مخاطر الظاهرة على المستوى الفردي والمؤسسي والمجتمعي.
على المستوى الفردي، يواجه التلميذ المروّج خطر الملاحقة القضائية، والسجن، والسجل العدلي الذي قد يلازمه طويلًا، ما يُغلق أمامه مسارات إدماج مستقبلية.. كما أن الانخراط في شبكات غير قانونية يعرضه لمخاطر العنف والابتزاز.
على المستوى المدرسي، يؤدي انتشار الترويج إلى تآكل الثقة بين التلاميذ، وارتفاع مناخ الخوف، وتطبيع العنف، وتحويل المؤسسة إلى فضاء صراع بدل أن تكون فضاء تعلم.
أما على المستوى المجتمعي، فإن الظاهرة تُسهم في إعادة إنتاج اقتصاد موازٍ، وتوسيع قاعدة الشباب المنخرطين في مسارات انحرافية، بما يرفع الكلفة الاجتماعية والأمنية على المدى البعيد.
خامسًا: نحو مقاربة شاملة للحلول
لا يمكن اختزال معالجة الظاهرة في مقاربة زجرية بحتة، رغم ضرورة تطبيق القانون. فالمقاربة الأمنية وحدها قد تدفع التلميذ إلى مزيد من التموقع داخل الشبكات الإجرامية.
تتطلب المواجهة مقاربة متعددة المستويات تبدأ داخل المدرسة عبر إدماج برامج للتربية على المخاطر، وتعزيز خلايا الإنصات، وتطوير آليات كشف مبكر دون وصم. كما يتعين دعم الأسر الهشة عبر سياسات اجتماعية تقلص الضغط الاقتصادي وتوفر مرافقة تربوية.
على المستوى المجتمعي، ينبغي العمل على الأحياء ذات الأولوية عبر إدماج الشباب في أنشطة رياضية وثقافية، وتوفير بدائل اقتصادية وتكوينية. كما يتطلب الأمر تنسيقًا بين وزارات التربية والشؤون الاجتماعية والداخلية في إطار إستراتيجية وطنية واضحة مبنية على معطيات دقيقة.
الأهم هو اعتماد منطق الإدماج بدل الإقصاء، عبر توفير مسارات إعادة تأهيل وتكوين مهني للتلاميذ الذين يتم ضبطهم، بما يفتح أمامهم أفقًا أفضل.
وخلص الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين بالقول إن التلميذ المروّج للمخدرات هو فاعل مسؤول عن سلوكه قانونيًا، لكنه في الآن ذاته نتاج شروط اجتماعية متشابكة. الفهم السوسيولوجي لا يبرر الانحراف، بل يتيح تفكيك آلياته، ويُظهر أن الظاهرة ليست مجرد مسألة أخلاق فردية، بل تعبير عن اختلالات أعمق في بنية المجتمع ومؤسساته.
وإذا لم تتم معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المغذية لهذا السلوك، فإن المدرسة ستظل عرضة لأن تتحول إلى فضاء تتقاطع فيه مسارات التعلم والانحراف، بما يهدد وظيفة التنشئة ذاتها ويعمق أزمة الاندماج الاجتماعي في تونس.
مفيدة القيزاني
◄ باحث في علم الاجتماع لـ«الصباح» : يجب معالجة الظاهرة حتى لا تتحول المدرسة إلى فضاء تتقاطع فيه مسارات التعلم والانحراف
حرب مفتوحة على المخدرات وإعدام مئات الكيلوغرامات من هذه السموم التي تنتجها دول وتمر عبر دول أخرى لتصل الى أيادي المروجين والمستهلكين، آفة المخدرات التي تمتد جذورها الى عقود لم تعد تقتصر على كبار المهربين والمروجين بل أصبحت اليوم تصل الى أيادي التلاميذ والطلبة، حتى ان بعضهم دخلوا عالم المخدرات من الباب الكبير وانخرطوا في شبكات ترويج وأصبحوا يبيعونها لزملائهم التلاميذ.
«الزطلة» ،«السوبيتاكس» ، «الاكستازي» ، «ليريكا»..آفة تسللت الى أيادي التلاميذ وباتت تجتذب المستهلكين من تلاميذ وطلبة ولم يعد التلاميذ مضطرين الى اقتنائها من مروجين وافدين من خارج المؤسسات التربوية بعد أن لعب عدد من التلاميذ دور المروج وانخرطوا في شبكات «جندتهم» للقيام بمهمة ايصال المخدرات الى أيادي زبائنهم من التلاميذ خاصة وان تلك الشبكات تعتبر المؤسسات التربوية سوقا مهمة لهم وتعمل على استقطاب أكبر عدد منهم.
تلاميذ مندسون في حرم المدارس والمعاهد محملين بالأقراص المخدرة والزطلة مهمتهم إقناع زملائهم بتجربتها ولو لمرة واحدة وخلال الأسبوع الجاري تمكنت الوحدات الأمنية من القبض على تلميذين يروجان المخدرات، التلميذ الأول من مواليد 2010 انقطع حديثا عن الدراسة دخل مدرسة إعدادية بسوسة بنيّة ترويج مواد مخدّرة في صفوف التلاميذ غير أن مدير المدرسة تفطن اليه بعد أن لاحظ تحركاته المشبوهة فسارع بالاتّصال بالوحدات الأمنيّة للتدخّل.
وفي قفصة تم القبض على تلميذ باكالوريا متلبسا بترويج الأقراص المخدرة للتلاميذ بمحيط المعهد وتم إيقافه مع ثلاثة تلاميذ آخرين.
آفة المخدرات وملذاتها الزائفة قطعت الطريق أمام تلاميذ ودمرت مستقبلهم وأحلامهم وفتحت أمامهم عالم الجريمة وأبواب السجن، وكما كانت المخدرات قاتلة لمتعاطيها والمدمنين عليها فقد كانت قاتلة ومدمرة لمستقبل أجيال كاملة كانوا يحلمون بالصعود في سلم العلم والمعرفة فوجدوا أنفسهم مدمنين ومجرمين تدفعهم حاجتهم الى شراء قرص مخدر أو «جونتة» زطلة الى السرقة لتأمين ثمن المخدرات، وقد يكون أول الضحايا العائلة الصغيرة من الوالدين والأخوة ثم تتسع إلى الأقرباء الأبعد والأجوار حتى تصل إلى تشكيل عصابات لسرقة المتاجر والمنازل في أحياء بعيدة.. ثم تفتح أمامهم أبواب السجن لتنقلب حياته من مشروع إنسان ذي تحصيل علمي ونافع للمجتمع الى مجرم يقضي عقوبة في قضية «زطلة»..
ولئن كان المشرع التونسي صارما في العقوبات التي نصها لمعاقبة كل المنخرطين في المخدرات سواء ترويجا أو تهريبا أو استهلاكا.. ولكن الأرقام مازالت مرتفعة وسجناء المخدرات مازالوا يمثلون الشريحة الأكبر..
وأمام تنامي الظاهرة أحال مجلس نواب الشعب مقترح قانون عدد 15 لسنة 2026 المتعلق بـ”الأمن القومي التربوي” إلى لجنة التشريع العام بعد أن تقدمت به مجموعة من النواب، وينصّ على إقرار عقوبة السجن المؤبد لمروّجي المخدرات داخل حرم المؤسسات التربوية ومرتكبي الاعتداءات الجنسية ضد القصر، كما ينصّ على عقوبات سجنية تتراوح بين 20 و30 سنة في جرائم أخرى تستهدف الوسط المدرسي، من بينها التحرش، والاستدراج الرقمي، والابتزاز، وتجنيد القصر في أنشطة إجرامية.
جيل جديد من مروجي المخدرات أنتجته محيطات المدارس
ويرى الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أن الوسط المدرسي في تونس شهد خلال السنوات الأخيرة تحوّلات نوعية تتجاوز مسألة التعاطي الفردي للمخدرات بوصفه سلوك مخاطرة مرتبطًا بمرحلة المراهقة، لتلامس مستوى أكثر خطورة يتمثل في انخراط بعض التلاميذ أنفسهم في ترويج المواد المخدرة داخل المؤسسات التربوية أو في محيطها المباشر.
ولا يمكن فهم هذا التحول بوصفه مجرد انحراف فردي أو انزلاق أخلاقي معزول، بل باعتباره نتيجة تفاعلات اجتماعية مركبة تتقاطع فيها الهشاشة الاقتصادية، تفكك الروابط الأسرية، تراجع أدوار المدرسة في الاحتواء، صعود ثقافة شبابية قائمة على المتعة الفورية، وتغلغل الاقتصاد غير المنظم في الأحياء الشعبية.
ولا تكمن خطورة الظاهرة فقط في انتشار مواد مخدرة بين التلاميذ، بل في تحوّل المدرسة، التي يفترض أن تكون فضاءً للتنشئة والحماية والاندماج، إلى حلقة ضمن شبكة تداول غير قانونية، بما يحوّل بعض التلاميذ من موقع الضحية المحتملة إلى موقع الفاعل داخل اقتصاد منحرف. ومن هنا تبرز ضرورة مقاربة سوسيولوجية عميقة تتجاوز التفسير الأخلاقي أو الأمني الضيق، لفهم المسارات الاجتماعية التي تُنتج “التلميذ المروّج” وتغذّي حضوره داخل الفضاء المدرسي.
أولًا: تشخيص الظاهرة في تقاطعها مع تصاعد الاستهلاك والجرائم ذات الصلة حيث تشير المعطيات الوطنية والتقارير الصادرة في السنوات الأخيرة حول حماية الطفولة والعنف المدرسي إلى تزايد تعرّض التلاميذ لمحيط تتوفر فيه مواد مخدرة، سواء داخل المؤسسات التربوية أو في محيطها القريب، كما تظهر العلاقة المتنامية بين الاستهلاك المبكر للمواد ذات التأثير النفسي وبين الانقطاع المدرسي، والعنف بين الأقران، وتراجع الشعور بالأمان داخل المؤسسة التعليمية.
إن ما يلفت الانتباه هو أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على استهلاك سري محدود، بل برزت حالات يتحول فيها التلميذ إلى وسيط توزيع داخل شبكته العلائقية المدرسية. فالثقة بين الأقران، والاحتكاك اليومي، وغياب المراقبة الدقيقة في بعض السياقات، توفّر شروطًا مواتية لتحويل الفصل أو ساحة المدرسة إلى فضاء تداول.
ويُلاحظ كذلك أن ترويج المخدرات داخل المؤسسات التربوية يرتبط غالبًا بجرائم مرافقة مثل السرقة لتسديد الديون، العنف الناتج عن النزاعات حول المال أو النفوذ، واستقطاب تلاميذ أصغر سنًا للدخول في شبكة الاستهلاك.
بهذا المعنى، يصبح الفضاء المدرسي جزءًا من اقتصاد موازٍ أوسع، ويغدو التلميذ حلقة في سلسلة توزيع تتجاوز حدود المؤسسة، ما يستوجب فهمًا لبنية الشبكات التي تستثمر في هشاشة الفضاءات التعليمية.
ثانيًا: بناء نموذج مثالي للتلميذ المروّج وفق المقاربة الفيبيرية
اعتمادًا على مفهوم “النموذج المثالي” كما صاغه عالم الإجتماع الألماني ماكس فيبر، يمكن بناء تصور تحليلي للتلميذ المروّج لا باعتباره وصفًا مطابقًا لكل الحالات، بل كأداة لفهم السمات المشتركة التي تتكرر في عدد معتبر من المسارات.
يبدأ النموذج المثالي بخلفية اجتماعية تتسم غالبًا بالهشاشة. فالانحدار من حي شعبي يعاني بطالة مرتفعة وضعف خدمات عمومية وتغلغل الاقتصاد غير الرسمي يخلق بيئة تُطبع فيها الأنشطة غير القانونية كجزء من الحياة اليومية، في مثل هذه السياقات، لا يُنظر إلى المال السريع باعتباره انحرافًا، بل كفرصة للنجاة أو تحسين الوضع.
على المستوى الأسري، قد يتسم المسار بوجود تفكك علائقي أو صراعات داخلية أو غياب أحد الوالدين، ما يُضعف الرقابة والتوجيه..وقد يترافق ذلك مع عنف أسري أو ضغط اقتصادي يدفع الطفل إلى البحث عن مصادر دخل بديلة.
أما المسار المدرسي فيتسم غالبًا بتعثر دراسي، وإحساس بعدم الانتماء، وتكرار الوصم من قبل المحيط (“مشاغب”، “فاشل”، “غير قابل للإصلاح”). هذا الوصم، قد يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها، إذ يتماهى التلميذ مع الصورة المفروضة عليه.
ينتقل التلميذ في هذا النموذج من موقع المستهلك التجريبي إلى موقع المروّج تدريجيًا.. يبدأ الأمر غالبًا عبر صداقة مع وسيط خارجي أو قريب أكبر سنًا يعرض عليه “فرصة” لكسب مال سريع مقابل توزيع كميات صغيرة داخل المدرسة. ومع الوقت، يتوسع الدور وتزداد الثقة، ويتحول النشاط إلى جزء من الهوية.
ولكي يحافظ التلميذ على توازنه النفسي، فإنه يُعيد تأويل سلوكه عبر تقنيات تبرير: “أنا لا أفرض على أحد”، “الجميع يفعل ذلك”، “المدرسة لم تنفعني”، أو “أساعد عائلتي”. هذه السرديات تُمكّنه من تقليص التوتر الأخلاقي وإضفاء معنى على فعله.
ثالثًا: السياقات الاجتماعية المغذية لهذا السلوك الانحرافي
لا يمكن فهم انخراط التلاميذ في الترويج دون تحليل السياقات المتعددة التي تغذي هذا السلوك.
يُعد السياق الاقتصادي أحد أبرز العوامل، ففي بيئات تعاني هشاشة مزمنة، يصبح المال معيارًا مركزيًا للاعتراف الاجتماعي. ومع محدودية فرص العمل القانوني، يظهر الاقتصاد الموازي كبديل جذاب، لا سيما في ظل ضعف الرقابة وتطبيع بعض الأنشطة غير المشروعة.
يساهم كذلك السياق الأسري بشكل حاسم في تصاعد هذه الممارسة الإنحرافية ،فالتفكك الأسري، والضغط المعيشي، وغياب المتابعة، كلها عوامل تقلص قدرة الأسرة على أداء دورها في التنشئة والرقابة. كما أن العنف داخل الأسرة قد يدفع الطفل إلى البحث عن اعتراف وقوة خارجها.
أما السياق المدرسي، فإنه حين يتحول من فضاء احتواء إلى فضاء إقصاء، يساهم في دفع بعض التلاميذ إلى البحث عن مكانة بديلة. الاكتظاظ، التركيز المفرط على التحصيل، ضعف الدعم النفسي، والاعتماد على العقاب بدل الإصغاء، كلها عناصر تعمق الشعور بالاغتراب المدرسي.
إلى جانب ذلك، تلعب الثقافة الشبابية المعاصرة دورًا مهمًا. فثقافة المتعة الفورية، والحاضرتية، والتمرد على السلطة، والبحث عن الهيبة داخل المجموعة، قد تجعل الترويج وسيلة لاكتساب مكانة ونفوذ.
ولا يمكن إغفال ما يُعرف بالعنف الهيكلي، أي تلك البنى الاجتماعية التي تُنتج الهشاشة دون أن تُمارس عنفًا مباشرًا. حين تتراكم الفوارق المجالية والاجتماعية، ويتعمق الإحساس بالحرمان والتهميش تتشكل بيئة خصبة لانخراط الأطفال في أنشطة منحرفة.
رابعًا: التداعيات والمخاطر
تتعدد مخاطر الظاهرة على المستوى الفردي والمؤسسي والمجتمعي.
على المستوى الفردي، يواجه التلميذ المروّج خطر الملاحقة القضائية، والسجن، والسجل العدلي الذي قد يلازمه طويلًا، ما يُغلق أمامه مسارات إدماج مستقبلية.. كما أن الانخراط في شبكات غير قانونية يعرضه لمخاطر العنف والابتزاز.
على المستوى المدرسي، يؤدي انتشار الترويج إلى تآكل الثقة بين التلاميذ، وارتفاع مناخ الخوف، وتطبيع العنف، وتحويل المؤسسة إلى فضاء صراع بدل أن تكون فضاء تعلم.
أما على المستوى المجتمعي، فإن الظاهرة تُسهم في إعادة إنتاج اقتصاد موازٍ، وتوسيع قاعدة الشباب المنخرطين في مسارات انحرافية، بما يرفع الكلفة الاجتماعية والأمنية على المدى البعيد.
خامسًا: نحو مقاربة شاملة للحلول
لا يمكن اختزال معالجة الظاهرة في مقاربة زجرية بحتة، رغم ضرورة تطبيق القانون. فالمقاربة الأمنية وحدها قد تدفع التلميذ إلى مزيد من التموقع داخل الشبكات الإجرامية.
تتطلب المواجهة مقاربة متعددة المستويات تبدأ داخل المدرسة عبر إدماج برامج للتربية على المخاطر، وتعزيز خلايا الإنصات، وتطوير آليات كشف مبكر دون وصم. كما يتعين دعم الأسر الهشة عبر سياسات اجتماعية تقلص الضغط الاقتصادي وتوفر مرافقة تربوية.
على المستوى المجتمعي، ينبغي العمل على الأحياء ذات الأولوية عبر إدماج الشباب في أنشطة رياضية وثقافية، وتوفير بدائل اقتصادية وتكوينية. كما يتطلب الأمر تنسيقًا بين وزارات التربية والشؤون الاجتماعية والداخلية في إطار إستراتيجية وطنية واضحة مبنية على معطيات دقيقة.
الأهم هو اعتماد منطق الإدماج بدل الإقصاء، عبر توفير مسارات إعادة تأهيل وتكوين مهني للتلاميذ الذين يتم ضبطهم، بما يفتح أمامهم أفقًا أفضل.
وخلص الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين بالقول إن التلميذ المروّج للمخدرات هو فاعل مسؤول عن سلوكه قانونيًا، لكنه في الآن ذاته نتاج شروط اجتماعية متشابكة. الفهم السوسيولوجي لا يبرر الانحراف، بل يتيح تفكيك آلياته، ويُظهر أن الظاهرة ليست مجرد مسألة أخلاق فردية، بل تعبير عن اختلالات أعمق في بنية المجتمع ومؤسساته.
وإذا لم تتم معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المغذية لهذا السلوك، فإن المدرسة ستظل عرضة لأن تتحول إلى فضاء تتقاطع فيه مسارات التعلم والانحراف، بما يهدد وظيفة التنشئة ذاتها ويعمق أزمة الاندماج الاجتماعي في تونس.