إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تخلّصت من المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» بنسبة تصل إلى 62 %.. تونس تدخل المرحلة الأخيرة في تركيز سياسة بيئية وطنية متكاملة

تتزايد الجهود الحكومية والإقليمية للتعامل مع المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية»، وما يرتبط بها من مخاطر بيئية وصحية، خاصة تلك المستخدمة في أنظمة التبريد والتكييف، لما لها من آثار عميقة على طبقة الأوزون. وشرعت تونس رسميًا في تنفيذ المرحلة الثالثة والأخيرة من «مخطط إدارة التخلص من المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية»»، أين تم الإعلان عنها خلال ورشة عمل وطنية انتظمت مؤخرًا بالعاصمة، بتنظيم مشترك بين الوكالة الوطنية لحماية المحيط ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، وتستهدف هذه المرحلة، التي تمتد على خمس سنوات وتنطلق السنة الجارية 2026 وتتواصل إلى غاية 2030، القضاء التام على استخدام سوائل التبريد الملوثة التي تساهم في تآكل طبقة الأوزون وتفاقم الاحتباس الحراري، تماشيًا مع التزامات تونس الدولية في إطار «بروتوكول مونتريال».

وأفاد الخبير البيئي مهدي عبدلي أن هذه المواد، التي يشار إليها علميًا بـ«الهيدروكلوروفلوروكربونية»، هي غازات صناعية تتكوّن من الهيدروجين والكلور والفلور والكربون، وتستخدم في أجهزة التبريد والثلاجات والمكيفات المنزلية ومكيفات السيارات وصناعات الرغوة، وهي بديل صناعي له تأثير سلبي على طبقة الأوزون، كما تملك تأثيرًا قويًا على ظاهرة الاحتباس الحراري.

وبيّن في تصريح لـ«الصباح» أن هذه المواد لها مخاطر بيئية على صحة الإنسان وعلى البيئة، فضلًا عن استنزافها لطبقة الأوزون التي تحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية، كما أنها من المواد التي لها علاقة كبيرة بالتغيرات المناخية المسجلة والتنوع البيولوجي، وتزيد في خطر انتشار سرطان الجلد وأمراض العين (المياه البيضاء) وضعف المناعة واضطرابات الجهاز التنفسي.

وتوجه تونس للتخلّص من هذه المواد يتنزل في إطار التزام عالمي لتونس، باعتبار أنها صادقت على لوائح اتفاقية بروتوكول مونتريال سنة 1989 وتعديلاته، وهو أهم اتفاق دولي دعا إلى التخلص التدريجي من استخدام المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» حتى التخلص منها نهائيًا. ثم صادقت تونس على تعديل كيغالي لبروتوكول مونتريال الذي ينص على التقليل من استعمال الغازات الدفيئة، وفي إطار هذا الالتزام الدولي وضعت تونس المخطط التدريجي للتقليل وإزالة استخدام المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» تمهيدًا لإزالتها نهائيًا مع سنة 2030.

وقال مهدي عبدلي إنه في إطار إرساء نظام لاسترجاع وإعادة تدوير الغازات، أطلقت تونس نظامًا لجمع وتجميع الغازات من الأجهزة القديمة أثناء الصيانة ثم إعادة تدويرها وتجديدها للاستخدام في أنظمة التبريد القائمة، بما يحد من إطلاقها في الهواء، كما سعت إلى التقليل من الاستيراد (تونس تستورد سنويًا حوالي 700 طن من هذه المركبات ويُعمل على تقليل هذا الرقم عبر تدوير ما هو موجود). وفي إطار نفس البرنامج تم تدريب الفنيين وموظفي الجمارك على التعامل الصحيح مع هذه المواد وتقنيات استرجاعها، ما يساعد في منع إطلاقها غير المقصود في البيئة أثناء الصيانة أو التخلص من الأجهزة. كما يتم تشجيع الشركات والمستخدمين على تبني مبردات وغازات بديلة أقل تلوثًا وأكثر كفاءة في الطاقة، لتقليل الحاجة للمواد القديمة.

وكشف الخبير في الشأن البيئي أنه وحتى عام 2025 تمكنت تونس من تقليل استهلاكها من المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» بما يتراوح بين 55 و62% مقارنة بالمستويات السابقة لسنة الانطلاق أو المصادقة، وهو مؤشر يوضح التقدم في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية.

وبالنسبة للمرحلة الثالثة والأخيرة، أوضح عبدلي أنها تهدف إلى الإلغاء شبه الكامل لاستعمال المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» قبل 2030، وتشمل حظرًا شبه كامل للاستيراد، وتفكيك المعدات القديمة التي يفوق عمرها 15 عامًا، وتعميم البدائل الصناعية، وتحيين التشريعات وتشديد الرقابة الديوانية.

واعتبر مهدي عبدلي في تقييمه لمسار التزام تونس ببروتوكول مونتريال وتعديلاته، وتنفيذ المخطط في مرحلتيه الأولى والثانية، ورغم ان هذا المخطط سيمكن تونس من حماية أكبر لطبقة الأوزون والحد من التغيرات المناخية وتحسين جودة الهواء، ومن الجانب الاقتصادي سيقلل من «فاتورة» توريد الغازات وسيدعم الصناعات الخضراء ، فإن المسار شابه العديد من التحديات، في ظل غياب تجانس في تطبيق الالتزامات بين القطاعات، فمثلًا هناك قطاعات صناعية وفنيون لم تتم هيكلتهم بعد وبصدد مواصلة استعمال الغازات المحظورة، وذلك ناتج عن ضعف منظومة الرقابة .

وأضاف أنه ورغم التقدم التقني لتونس في مجال الحد من استعمال المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية»، يبقى التحدي الحقيقي في الانتقال من التزام دولي إلى سياسة بيئية وطنية متكاملة تشمل الجانب الاقتصادي والاجتماعي، وتجمع بالتالي بين الركائز الثلاث للتنمية المستدامة، وهي الجانب البيئي والاقتصاد القوي دون إهمال الجانب الاجتماعي.

وقال عبدلي إن برنامج التخلص من المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» بحلول 2030 يبقى برنامجًا طموحًا للغاية، لكن التجارب أثبتت في تونس تباطؤًا كبيرًا في تنفيذ البرامج البيئية الكبرى، كما أن الاقتصاد غير المنظم (الموازي) يشمل قطاعًا واسعًا من صناعة التبريد، كما تغيب إلى غاية الآن منظومة وطنية متكاملة للبنية التحتية لإعادة التدوير فضلًا عن شركات إنتاج الغاز.

وللإشارة يرتكز برنامج التخلص من المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» على محاور استراتيجية تشمل نظام التدوير الوطني من خلال إرساء آلية متكاملة لـ»استرجاع وإعادة تدوير وتجديد» سوائل التبريد الخاضعة للرقابة، مما يقلل من الانبعاثات العشوائية ويدعم الاقتصاد الدائري، علاوة على الانتقال إلى المبردات الطبيعية عبر تشجيع المصانع والشركات على اعتماد بدائل صديقة للبيئة (مثل الأمونيا وثاني أكسيد الكربون) التي تتميز بكفاءة طاقة عالية وتأثير صفري على الأوزون.

كما يشتمل البرنامج على مشاريع نموذجية تستهدف إطلاق مبادرات رائدة في قطاعي الصيد البحري والصناعات الغذائية، لكونهما الأكثر استهلاكًا لأنظمة التبريد الضخمة، بهدف جعلها أكثر تنافسية في الأسواق العالمية، بالإضافة إلى شمولية ومساواة في المهن الخضراء.

واتسم إطلاق المرحلة الثالثة ببعد اجتماعي لافت، حيث شدد المخطط على ضرورة إدماج النساء في المهن التقنية المرتبطة بقطاع التبريد وتكييف الهواء، وتحفيزهن على الانخراط في دورات تدريبية متخصصة حول التعامل مع التكنولوجيات الحديثة والمبردات الطبيعية.

وتعتبر تونس من الدول الرائدة إقليميًا في الامتثال للاتفاقيات البيئية الدولية، ويمثل التخلص النهائي من هذه الغازات خطوة حاسمة للحد من ارتفاع درجات الحرارة بمعدل 0.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، وهو هدف تسعى تونس لتحقيقه.

ريم سوودي

تخلّصت من المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» بنسبة تصل إلى 62 %..   تونس تدخل المرحلة الأخيرة   في تركيز سياسة بيئية وطنية متكاملة

تتزايد الجهود الحكومية والإقليمية للتعامل مع المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية»، وما يرتبط بها من مخاطر بيئية وصحية، خاصة تلك المستخدمة في أنظمة التبريد والتكييف، لما لها من آثار عميقة على طبقة الأوزون. وشرعت تونس رسميًا في تنفيذ المرحلة الثالثة والأخيرة من «مخطط إدارة التخلص من المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية»»، أين تم الإعلان عنها خلال ورشة عمل وطنية انتظمت مؤخرًا بالعاصمة، بتنظيم مشترك بين الوكالة الوطنية لحماية المحيط ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، وتستهدف هذه المرحلة، التي تمتد على خمس سنوات وتنطلق السنة الجارية 2026 وتتواصل إلى غاية 2030، القضاء التام على استخدام سوائل التبريد الملوثة التي تساهم في تآكل طبقة الأوزون وتفاقم الاحتباس الحراري، تماشيًا مع التزامات تونس الدولية في إطار «بروتوكول مونتريال».

وأفاد الخبير البيئي مهدي عبدلي أن هذه المواد، التي يشار إليها علميًا بـ«الهيدروكلوروفلوروكربونية»، هي غازات صناعية تتكوّن من الهيدروجين والكلور والفلور والكربون، وتستخدم في أجهزة التبريد والثلاجات والمكيفات المنزلية ومكيفات السيارات وصناعات الرغوة، وهي بديل صناعي له تأثير سلبي على طبقة الأوزون، كما تملك تأثيرًا قويًا على ظاهرة الاحتباس الحراري.

وبيّن في تصريح لـ«الصباح» أن هذه المواد لها مخاطر بيئية على صحة الإنسان وعلى البيئة، فضلًا عن استنزافها لطبقة الأوزون التي تحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية، كما أنها من المواد التي لها علاقة كبيرة بالتغيرات المناخية المسجلة والتنوع البيولوجي، وتزيد في خطر انتشار سرطان الجلد وأمراض العين (المياه البيضاء) وضعف المناعة واضطرابات الجهاز التنفسي.

وتوجه تونس للتخلّص من هذه المواد يتنزل في إطار التزام عالمي لتونس، باعتبار أنها صادقت على لوائح اتفاقية بروتوكول مونتريال سنة 1989 وتعديلاته، وهو أهم اتفاق دولي دعا إلى التخلص التدريجي من استخدام المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» حتى التخلص منها نهائيًا. ثم صادقت تونس على تعديل كيغالي لبروتوكول مونتريال الذي ينص على التقليل من استعمال الغازات الدفيئة، وفي إطار هذا الالتزام الدولي وضعت تونس المخطط التدريجي للتقليل وإزالة استخدام المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» تمهيدًا لإزالتها نهائيًا مع سنة 2030.

وقال مهدي عبدلي إنه في إطار إرساء نظام لاسترجاع وإعادة تدوير الغازات، أطلقت تونس نظامًا لجمع وتجميع الغازات من الأجهزة القديمة أثناء الصيانة ثم إعادة تدويرها وتجديدها للاستخدام في أنظمة التبريد القائمة، بما يحد من إطلاقها في الهواء، كما سعت إلى التقليل من الاستيراد (تونس تستورد سنويًا حوالي 700 طن من هذه المركبات ويُعمل على تقليل هذا الرقم عبر تدوير ما هو موجود). وفي إطار نفس البرنامج تم تدريب الفنيين وموظفي الجمارك على التعامل الصحيح مع هذه المواد وتقنيات استرجاعها، ما يساعد في منع إطلاقها غير المقصود في البيئة أثناء الصيانة أو التخلص من الأجهزة. كما يتم تشجيع الشركات والمستخدمين على تبني مبردات وغازات بديلة أقل تلوثًا وأكثر كفاءة في الطاقة، لتقليل الحاجة للمواد القديمة.

وكشف الخبير في الشأن البيئي أنه وحتى عام 2025 تمكنت تونس من تقليل استهلاكها من المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» بما يتراوح بين 55 و62% مقارنة بالمستويات السابقة لسنة الانطلاق أو المصادقة، وهو مؤشر يوضح التقدم في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية.

وبالنسبة للمرحلة الثالثة والأخيرة، أوضح عبدلي أنها تهدف إلى الإلغاء شبه الكامل لاستعمال المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» قبل 2030، وتشمل حظرًا شبه كامل للاستيراد، وتفكيك المعدات القديمة التي يفوق عمرها 15 عامًا، وتعميم البدائل الصناعية، وتحيين التشريعات وتشديد الرقابة الديوانية.

واعتبر مهدي عبدلي في تقييمه لمسار التزام تونس ببروتوكول مونتريال وتعديلاته، وتنفيذ المخطط في مرحلتيه الأولى والثانية، ورغم ان هذا المخطط سيمكن تونس من حماية أكبر لطبقة الأوزون والحد من التغيرات المناخية وتحسين جودة الهواء، ومن الجانب الاقتصادي سيقلل من «فاتورة» توريد الغازات وسيدعم الصناعات الخضراء ، فإن المسار شابه العديد من التحديات، في ظل غياب تجانس في تطبيق الالتزامات بين القطاعات، فمثلًا هناك قطاعات صناعية وفنيون لم تتم هيكلتهم بعد وبصدد مواصلة استعمال الغازات المحظورة، وذلك ناتج عن ضعف منظومة الرقابة .

وأضاف أنه ورغم التقدم التقني لتونس في مجال الحد من استعمال المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية»، يبقى التحدي الحقيقي في الانتقال من التزام دولي إلى سياسة بيئية وطنية متكاملة تشمل الجانب الاقتصادي والاجتماعي، وتجمع بالتالي بين الركائز الثلاث للتنمية المستدامة، وهي الجانب البيئي والاقتصاد القوي دون إهمال الجانب الاجتماعي.

وقال عبدلي إن برنامج التخلص من المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» بحلول 2030 يبقى برنامجًا طموحًا للغاية، لكن التجارب أثبتت في تونس تباطؤًا كبيرًا في تنفيذ البرامج البيئية الكبرى، كما أن الاقتصاد غير المنظم (الموازي) يشمل قطاعًا واسعًا من صناعة التبريد، كما تغيب إلى غاية الآن منظومة وطنية متكاملة للبنية التحتية لإعادة التدوير فضلًا عن شركات إنتاج الغاز.

وللإشارة يرتكز برنامج التخلص من المواد «الهيدروكلوروفلوروكربونية» على محاور استراتيجية تشمل نظام التدوير الوطني من خلال إرساء آلية متكاملة لـ»استرجاع وإعادة تدوير وتجديد» سوائل التبريد الخاضعة للرقابة، مما يقلل من الانبعاثات العشوائية ويدعم الاقتصاد الدائري، علاوة على الانتقال إلى المبردات الطبيعية عبر تشجيع المصانع والشركات على اعتماد بدائل صديقة للبيئة (مثل الأمونيا وثاني أكسيد الكربون) التي تتميز بكفاءة طاقة عالية وتأثير صفري على الأوزون.

كما يشتمل البرنامج على مشاريع نموذجية تستهدف إطلاق مبادرات رائدة في قطاعي الصيد البحري والصناعات الغذائية، لكونهما الأكثر استهلاكًا لأنظمة التبريد الضخمة، بهدف جعلها أكثر تنافسية في الأسواق العالمية، بالإضافة إلى شمولية ومساواة في المهن الخضراء.

واتسم إطلاق المرحلة الثالثة ببعد اجتماعي لافت، حيث شدد المخطط على ضرورة إدماج النساء في المهن التقنية المرتبطة بقطاع التبريد وتكييف الهواء، وتحفيزهن على الانخراط في دورات تدريبية متخصصة حول التعامل مع التكنولوجيات الحديثة والمبردات الطبيعية.

وتعتبر تونس من الدول الرائدة إقليميًا في الامتثال للاتفاقيات البيئية الدولية، ويمثل التخلص النهائي من هذه الغازات خطوة حاسمة للحد من ارتفاع درجات الحرارة بمعدل 0.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، وهو هدف تسعى تونس لتحقيقه.

ريم سوودي