المخرجة التونسية ترى أن تكريم المهرجان لشخصية إسرائيلية في نفس الوقت هو محاولة لإحداث توازن بين روايتين غير متكافئتين
كوثر بن هنية في حفل تسليم الجوائز ببرلين: «صوت هند رجب» لا يتعلق بطفلة واحدة فقط، بل بالنظام الذي جعل قتلها ممكنا
برفضها.. كوثر بن هنية توجه رسالة إلى الجمهور المحلي وأيضا إلى الجمهور العالمي
عاد فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية إلى سطح الأحداث، لا من باب حصده من جديد لتتويجات دولية فحسب، بل من باب «الرفض» لتتويج من طرف أبرز المهرجانات السينمائية في العالم، إذ تحوّلت منصة احتفاء سينمائي في برلين إلى لحظة مساءلة أخلاقية وسياسية مفتوحة، تجاوز صداها حدود القاعة التي احتضنت الحفل لتلامس نقاشا أوسع حول معنى السلام، وحدود الحياد الثقافي، ودور الفنان في زمن الإبادة والصور المتدفقة بلا توقف.
وقد فاز «صوت هند رجب» بجائزة «أكثر فيلم قيمة» في مهرجان «السينما من أجل السلام» في برلين مساء الاثنين 16 فيفري الجاري، ضمن الحدث السنوي الذي يقام على هامش مهرجان برلين السينمائي، غير أن التتويج لم يكتمل بصورته التقليدية، إذ رفضت كوثر بن هنية حمل الجائزة معها وتركتها في القاعة بعد أن كُرّم في الأمسية نفسها «نوعام تيبون» -الجنرال الإسرائيلي السابق والشخصية المحورية في الوثائقي الكندي «الطريق بيننا»- على «إنقاذه أسرته» خلال عملية «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر 2023، وهو تكريم متزامن بدا، في نظر المخرجة وكثيرين غيرها، محاولة لإظهار توازن رمزي بين روايتين غير متكافئتين، أو مساواة ضمنية بين ضحية موثقة في فيلم يعيد بناء لحظات موتها عبر الصوت والذاكرة، وبين شخصية عسكرية منخرطة في سياق حرب ما تزال تحصد أرواح المدنيين.
في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد فوز بجائزة، بل صار اختبارا علنيا لمعنى أن تُمنح جائزة باسم السلام في سياق تتداخل فيه السياسة بالثقافة، ويُطلب من الفن أن يؤدي دور الوسيط اللطيف بين سرديات متصارعة.
الحفل شهد حضور شخصيات سياسية وفنية بارزة، من بينها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون والممثل كيفن سبيسي، غير أن الأضواء تحولت سريعا من أجواء الاحتفال إلى لحظة الرفض، التي أصبحت الحدث الأبرز في تغطيات الصحافة الأجنبية والعربية، باعتبارها موقفا سياسيا واضحا داخل منصة فنية دولية.
وقفت كوثر بن هنية لتقرأ كلمتها، مستهلة حديثها بعبارة حملت قدرا من العواطف الصادقة والوعي بثقل اللحظة: «أحتاج إلى القراءة، لأن جائزة أفضل فيلم لهذا العام أكبر مما أستطيع تحمّله»، لتضيف أنها تشعر بالمسؤولية أكثر مما تشعر بالامتنان، وأن «صوت هند رجب» لا يتعلق بطفلة واحدة فقط، بل بالنظام الذي جعل قتلها ممكنا، معتبرة أن ما حدث لهند ليس استثناء، بل جزء من إبادة جماعية، وأن في برلين، تلك الليلة، أشخاصا قدّموا غطاء سياسيا لتلك الإبادة من خلال إعادة تأطير القتل الجماعي للمدنيين بوصفه «دفاعا عن النفس» أو «ظروفا معقدة»، ومن خلال تشويه صورة المحتجين.
وتابعت بنبرة حاسمة أن «السلام ليس عطرا يُرشّ فوق العنف كي تشعر السلطة بالرقي والراحة، وأن السينما ليست تبييضا بالصور، وأن الحديث عن السلام يقتضي الحديث عن العدالة، والعدالة تعني المساءلة، ومن دون مساءلة لا سلام»، لتصرّح بأن «الجيش الإسرائيلي قتل هند رجب وعائلتها والمسعفين اللذين جاءا لإنقاذها، وذلك بتواطؤ من أقوى حكومات العالم ومؤسساته»، قبل أن تعلن بوضوح: «إنني أرفض أن يصبح موتهم مجرد خلفية لخطاب مهذّب عن السلام، بينما تبقى البُنى التي مكّنت ذلك على حالها من دون مساس. لذلك، هذه الليلة، لن آخذ هذه الجائزة إلى بيتي. أتركها هنا كتذكير. وعندما يُسعى إلى السلام بوصفه التزاما قانونيا وأخلاقيا، متجذرا في المساءلة عن الإبادة الجماعية، عندها سأعود وأقبلها بفرح..»
بهذه الكلمات، تحولت لحظة التتويج إلى لحظة مواجهة، وأعادت المخرجة تعريف موقعها داخل المشهد، لا كمبدعة تتلقى اعترافا دوليا فحسب، بل كفاعلة أخلاقية ترفض أن يُدرج عملها ضمن سردية توازن بين الضحية والجلاد تحت عنوان عام عن السلام. فالفيلم الذي يتضمّن تسجيلات حقيقية لمكالمات الطوارئ، مع أداء تمثيلي يعيد تجسيد اللحظات الأخيرة للطفلة الفلسطينية هند رجب التي قتلت في 29 جانفي 2024 في غزة، لم يُصنع ليكون وثيقة باردة أو مادة أرشيفية، بل ليعيد للضحية اسمها وصوتها، بعد أن تحولت في نشرات الأخبار إلى رقم ضمن أرقام.
وقد أكدت كوثر بن هنية في نقاشات سابقة أن «الفيلم هو عن الصوت قبل الصورة، وعن الذاكرة قبل الحدث»، وأنها أرادت «خلق مساحة تأمل في هشاشة الوجود الإنساني تحت آلة الحرب، وإعادة بناء العالم الفلسطيني من خلال تجربة فتاة تواجه الخذلان والعجز، بحيث يصبح الصوت جسدا آخر للذاكرة». من هذا المنظور، يبدو الرفض امتدادا عضويا لفلسفة الفيلم نفسه، إذ لا يمكن لفيلم يقوم على فضح العنف البنيوي أن يقبل أن يُحاط بخطاب يُخفف من حدته أو يساوي بين أطرافه.
قرار عدم استلام الجائزة وضع اسم كوثر بن هنية في صدارة النقاش الثقافي والسياسي معا، وفتح بابا واسعا للتساؤل حول حدود العلاقة بين الفن والموقف الأخلاقي، وحول ما إذا كانت المهرجانات السينمائية فضاءات محايدة حقا، أم أنها جزء من شبكة معقدة من التوازنات الدبلوماسية والرمزية. فمهرجان يحمل اسم «السينما من أجل السلام» يفترض مسبقا أن السلام قيمة عليا مشتركة، غير أن تعريف السلام ذاته يصبح موضع نزاع حين يُفصل عن العدالة والمساءلة.
التفاعلات التي أعقبت الموقف عكست هذا البعد، إذ تصدر اسم المخرجة التونسية مواقع التواصل الاجتماعي، ونالت إشادات واسعة وُصفت بالتاريخية، واعتبر منتجون ونقاد وباحثون أن كلمتها شكّلت ردا واضحا على ما رأوه ازدواجية في المعايير داخل بعض المؤسسات الثقافية الغربية.
ومن هنا يبرز سؤال إعادة صورة المثقف والنخبة، وهو سؤال لا يخص كوثر بن هنية وحدها، بل يتجاوزها إلى موقع الفنان العربي في الفضاء الدولي. لسنوات طويلة، وُجهت إلى النخب الثقافية العربية تهمة العجز عن التأثير أو الاكتفاء بخطابات رمزية، في حين عانت في الغرب من نظرة تختزلها في دور «الشاهد» على مآسي بلدانها. فموقف الرفض أعاد تقديم نموذج مختلف: مثقف يستخدم الاعتراف الدولي الذي ناله ليقول لا، ويضع شروطا أخلاقية لقبول التكريم.
في هذا الفعل، رسالة مزدوجة، واحدة إلى الجمهور المحلي الذي يرى في الفنان صوتا لقضاياه، وأخرى إلى الجمهور العالمي الذي قد يتوقع من الفنان أن يكتفي بالامتنان والابتسامة أمام عدسات التصوير. الرسالة مفادها أن الجوائز ليست غاية في ذاتها، وأن القيمة الحقيقية للعمل الفني لا تُقاس فقط بعدد التتويجات، بل بقدرته على البقاء وفيا للموضوع الذي يتناوله.
هذا الموقف يطرح أيضا سؤال المسؤولية تجاه الجمهور والناس، خاصة حين يتعلق الأمر بعمل يستند إلى مأساة حقيقية وذاكرة حية. حين تقول المخرجة إنها تشعر بالمسؤولية أكثر مما تشعر بالامتنان، فهي تتحدث عن المسؤولية تجاه هند رجب وعائلتها، وتجاه كل من يرى في الفيلم اعترافا بإنسانيته، وهي مسؤولية تتقدم على بريق الجائزة. بهذا المعنى، لا ينقل الفنان الألم فحسب، بل يحرس معناه ضد محاولات التخفيف أو التجميل. ولعل في ترك الجائزة في القاعة، بدلا من حملها إلى البيت، صورة مكثفة لهذه الفكرة: أن التكريم الحقيقي لا يكون في الميدالية، بل في التوازن بين العمل والموقف والتناسق بينهما.
وفي سياق عالمي تتكاثر فيه الدعوات إلى «التهدئة» و»الاعتدال» و»فهم جميع الأطراف»، يأتي موقف كهذا ليقول إن الاعتدال لا يعني تمييع الفروق، وإن السلام لا يمكن أن يكون ستارا يحجب المساءلة. وهو موقف لا يخلو من مخاطرة، خاصة وأن الفيلم مرشح لنيل جائزة أوسكار في فئة أفضل فيلم دولي طويل، ما يضعه في دائرة اهتمام مؤسسات كبرى، غير أن المخاطرة هنا جزء من تعريف جديد لدور الفنان، تعريف لا يكتفي بإنتاج خطاب ناقد داخل الفيلم، بل يمتد إلى لحظة التتويج نفسها.
وهكذا لم تعد الجائزة خبرا ثقافيا عابرا، بل صارت واقعة سياسية وثقافية تكشف هشاشة الادعاء بالحياد، وتعيد طرح سؤال: ماذا يعني أن تكون مثقفا في زمن تتداخل فيه الصورة بالدم، والكاميرا بالقرار العسكري؟ وبين الصوت الذي أعاد بناء اللحظات الأخيرة لطفلة، والكلمة التي دوّت في برلين، رسمت كوثر بن هنية مسارا يقول إن الفن، حين يختار أن يكون في صف العدالة، لا يستطيع أن يظل محايدا، وأن لحظة التتويج قد تتحول، في زمن المآسي الكبرى، إلى لحظة اختبار تعيد تعريف معنى الجائزة نفسها. فكانت صوتا لهند رجب وصوت مخرجة اختارت أن يكون لها موقفا.
إيمان عبد اللطيف
المخرجة التونسية ترى أن تكريم المهرجان لشخصية إسرائيلية في نفس الوقت هو محاولة لإحداث توازن بين روايتين غير متكافئتين
كوثر بن هنية في حفل تسليم الجوائز ببرلين: «صوت هند رجب» لا يتعلق بطفلة واحدة فقط، بل بالنظام الذي جعل قتلها ممكنا
برفضها.. كوثر بن هنية توجه رسالة إلى الجمهور المحلي وأيضا إلى الجمهور العالمي
عاد فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية إلى سطح الأحداث، لا من باب حصده من جديد لتتويجات دولية فحسب، بل من باب «الرفض» لتتويج من طرف أبرز المهرجانات السينمائية في العالم، إذ تحوّلت منصة احتفاء سينمائي في برلين إلى لحظة مساءلة أخلاقية وسياسية مفتوحة، تجاوز صداها حدود القاعة التي احتضنت الحفل لتلامس نقاشا أوسع حول معنى السلام، وحدود الحياد الثقافي، ودور الفنان في زمن الإبادة والصور المتدفقة بلا توقف.
وقد فاز «صوت هند رجب» بجائزة «أكثر فيلم قيمة» في مهرجان «السينما من أجل السلام» في برلين مساء الاثنين 16 فيفري الجاري، ضمن الحدث السنوي الذي يقام على هامش مهرجان برلين السينمائي، غير أن التتويج لم يكتمل بصورته التقليدية، إذ رفضت كوثر بن هنية حمل الجائزة معها وتركتها في القاعة بعد أن كُرّم في الأمسية نفسها «نوعام تيبون» -الجنرال الإسرائيلي السابق والشخصية المحورية في الوثائقي الكندي «الطريق بيننا»- على «إنقاذه أسرته» خلال عملية «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر 2023، وهو تكريم متزامن بدا، في نظر المخرجة وكثيرين غيرها، محاولة لإظهار توازن رمزي بين روايتين غير متكافئتين، أو مساواة ضمنية بين ضحية موثقة في فيلم يعيد بناء لحظات موتها عبر الصوت والذاكرة، وبين شخصية عسكرية منخرطة في سياق حرب ما تزال تحصد أرواح المدنيين.
في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد فوز بجائزة، بل صار اختبارا علنيا لمعنى أن تُمنح جائزة باسم السلام في سياق تتداخل فيه السياسة بالثقافة، ويُطلب من الفن أن يؤدي دور الوسيط اللطيف بين سرديات متصارعة.
الحفل شهد حضور شخصيات سياسية وفنية بارزة، من بينها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون والممثل كيفن سبيسي، غير أن الأضواء تحولت سريعا من أجواء الاحتفال إلى لحظة الرفض، التي أصبحت الحدث الأبرز في تغطيات الصحافة الأجنبية والعربية، باعتبارها موقفا سياسيا واضحا داخل منصة فنية دولية.
وقفت كوثر بن هنية لتقرأ كلمتها، مستهلة حديثها بعبارة حملت قدرا من العواطف الصادقة والوعي بثقل اللحظة: «أحتاج إلى القراءة، لأن جائزة أفضل فيلم لهذا العام أكبر مما أستطيع تحمّله»، لتضيف أنها تشعر بالمسؤولية أكثر مما تشعر بالامتنان، وأن «صوت هند رجب» لا يتعلق بطفلة واحدة فقط، بل بالنظام الذي جعل قتلها ممكنا، معتبرة أن ما حدث لهند ليس استثناء، بل جزء من إبادة جماعية، وأن في برلين، تلك الليلة، أشخاصا قدّموا غطاء سياسيا لتلك الإبادة من خلال إعادة تأطير القتل الجماعي للمدنيين بوصفه «دفاعا عن النفس» أو «ظروفا معقدة»، ومن خلال تشويه صورة المحتجين.
وتابعت بنبرة حاسمة أن «السلام ليس عطرا يُرشّ فوق العنف كي تشعر السلطة بالرقي والراحة، وأن السينما ليست تبييضا بالصور، وأن الحديث عن السلام يقتضي الحديث عن العدالة، والعدالة تعني المساءلة، ومن دون مساءلة لا سلام»، لتصرّح بأن «الجيش الإسرائيلي قتل هند رجب وعائلتها والمسعفين اللذين جاءا لإنقاذها، وذلك بتواطؤ من أقوى حكومات العالم ومؤسساته»، قبل أن تعلن بوضوح: «إنني أرفض أن يصبح موتهم مجرد خلفية لخطاب مهذّب عن السلام، بينما تبقى البُنى التي مكّنت ذلك على حالها من دون مساس. لذلك، هذه الليلة، لن آخذ هذه الجائزة إلى بيتي. أتركها هنا كتذكير. وعندما يُسعى إلى السلام بوصفه التزاما قانونيا وأخلاقيا، متجذرا في المساءلة عن الإبادة الجماعية، عندها سأعود وأقبلها بفرح..»
بهذه الكلمات، تحولت لحظة التتويج إلى لحظة مواجهة، وأعادت المخرجة تعريف موقعها داخل المشهد، لا كمبدعة تتلقى اعترافا دوليا فحسب، بل كفاعلة أخلاقية ترفض أن يُدرج عملها ضمن سردية توازن بين الضحية والجلاد تحت عنوان عام عن السلام. فالفيلم الذي يتضمّن تسجيلات حقيقية لمكالمات الطوارئ، مع أداء تمثيلي يعيد تجسيد اللحظات الأخيرة للطفلة الفلسطينية هند رجب التي قتلت في 29 جانفي 2024 في غزة، لم يُصنع ليكون وثيقة باردة أو مادة أرشيفية، بل ليعيد للضحية اسمها وصوتها، بعد أن تحولت في نشرات الأخبار إلى رقم ضمن أرقام.
وقد أكدت كوثر بن هنية في نقاشات سابقة أن «الفيلم هو عن الصوت قبل الصورة، وعن الذاكرة قبل الحدث»، وأنها أرادت «خلق مساحة تأمل في هشاشة الوجود الإنساني تحت آلة الحرب، وإعادة بناء العالم الفلسطيني من خلال تجربة فتاة تواجه الخذلان والعجز، بحيث يصبح الصوت جسدا آخر للذاكرة». من هذا المنظور، يبدو الرفض امتدادا عضويا لفلسفة الفيلم نفسه، إذ لا يمكن لفيلم يقوم على فضح العنف البنيوي أن يقبل أن يُحاط بخطاب يُخفف من حدته أو يساوي بين أطرافه.
قرار عدم استلام الجائزة وضع اسم كوثر بن هنية في صدارة النقاش الثقافي والسياسي معا، وفتح بابا واسعا للتساؤل حول حدود العلاقة بين الفن والموقف الأخلاقي، وحول ما إذا كانت المهرجانات السينمائية فضاءات محايدة حقا، أم أنها جزء من شبكة معقدة من التوازنات الدبلوماسية والرمزية. فمهرجان يحمل اسم «السينما من أجل السلام» يفترض مسبقا أن السلام قيمة عليا مشتركة، غير أن تعريف السلام ذاته يصبح موضع نزاع حين يُفصل عن العدالة والمساءلة.
التفاعلات التي أعقبت الموقف عكست هذا البعد، إذ تصدر اسم المخرجة التونسية مواقع التواصل الاجتماعي، ونالت إشادات واسعة وُصفت بالتاريخية، واعتبر منتجون ونقاد وباحثون أن كلمتها شكّلت ردا واضحا على ما رأوه ازدواجية في المعايير داخل بعض المؤسسات الثقافية الغربية.
ومن هنا يبرز سؤال إعادة صورة المثقف والنخبة، وهو سؤال لا يخص كوثر بن هنية وحدها، بل يتجاوزها إلى موقع الفنان العربي في الفضاء الدولي. لسنوات طويلة، وُجهت إلى النخب الثقافية العربية تهمة العجز عن التأثير أو الاكتفاء بخطابات رمزية، في حين عانت في الغرب من نظرة تختزلها في دور «الشاهد» على مآسي بلدانها. فموقف الرفض أعاد تقديم نموذج مختلف: مثقف يستخدم الاعتراف الدولي الذي ناله ليقول لا، ويضع شروطا أخلاقية لقبول التكريم.
في هذا الفعل، رسالة مزدوجة، واحدة إلى الجمهور المحلي الذي يرى في الفنان صوتا لقضاياه، وأخرى إلى الجمهور العالمي الذي قد يتوقع من الفنان أن يكتفي بالامتنان والابتسامة أمام عدسات التصوير. الرسالة مفادها أن الجوائز ليست غاية في ذاتها، وأن القيمة الحقيقية للعمل الفني لا تُقاس فقط بعدد التتويجات، بل بقدرته على البقاء وفيا للموضوع الذي يتناوله.
هذا الموقف يطرح أيضا سؤال المسؤولية تجاه الجمهور والناس، خاصة حين يتعلق الأمر بعمل يستند إلى مأساة حقيقية وذاكرة حية. حين تقول المخرجة إنها تشعر بالمسؤولية أكثر مما تشعر بالامتنان، فهي تتحدث عن المسؤولية تجاه هند رجب وعائلتها، وتجاه كل من يرى في الفيلم اعترافا بإنسانيته، وهي مسؤولية تتقدم على بريق الجائزة. بهذا المعنى، لا ينقل الفنان الألم فحسب، بل يحرس معناه ضد محاولات التخفيف أو التجميل. ولعل في ترك الجائزة في القاعة، بدلا من حملها إلى البيت، صورة مكثفة لهذه الفكرة: أن التكريم الحقيقي لا يكون في الميدالية، بل في التوازن بين العمل والموقف والتناسق بينهما.
وفي سياق عالمي تتكاثر فيه الدعوات إلى «التهدئة» و»الاعتدال» و»فهم جميع الأطراف»، يأتي موقف كهذا ليقول إن الاعتدال لا يعني تمييع الفروق، وإن السلام لا يمكن أن يكون ستارا يحجب المساءلة. وهو موقف لا يخلو من مخاطرة، خاصة وأن الفيلم مرشح لنيل جائزة أوسكار في فئة أفضل فيلم دولي طويل، ما يضعه في دائرة اهتمام مؤسسات كبرى، غير أن المخاطرة هنا جزء من تعريف جديد لدور الفنان، تعريف لا يكتفي بإنتاج خطاب ناقد داخل الفيلم، بل يمتد إلى لحظة التتويج نفسها.
وهكذا لم تعد الجائزة خبرا ثقافيا عابرا، بل صارت واقعة سياسية وثقافية تكشف هشاشة الادعاء بالحياد، وتعيد طرح سؤال: ماذا يعني أن تكون مثقفا في زمن تتداخل فيه الصورة بالدم، والكاميرا بالقرار العسكري؟ وبين الصوت الذي أعاد بناء اللحظات الأخيرة لطفلة، والكلمة التي دوّت في برلين، رسمت كوثر بن هنية مسارا يقول إن الفن، حين يختار أن يكون في صف العدالة، لا يستطيع أن يظل محايدا، وأن لحظة التتويج قد تتحول، في زمن المآسي الكبرى، إلى لحظة اختبار تعيد تعريف معنى الجائزة نفسها. فكانت صوتا لهند رجب وصوت مخرجة اختارت أن يكون لها موقفا.