- في السياق التونسي، يمنح المشرع أصحاب المصنفات التشكيلية والمخطوطات نسبة 5 % من محصول كل إعادة بيع تتم بواسطة وسيط مهني أو دار مزادات
-إشكاليات تطرح اليوم بين رهانات حماية الإبداع من جهة، وتسارع الابتكار التكنولوجي من جهة أخرى
-التأكيد على «حق التتبع» الذي يعتبر آلية لتحقيق قدر من العدالة داخل سوق الفن، ومعترف به دوليا
-التحذير من خطر طمس الهوية الفنية وذوبان «البصمة الشخصية» داخل التطبيقات الرقمية
-الاعتراف بأن التحولات التقنية والذكاء الاصطناعي تفرض إعادة طرح سؤال المؤلف والملكية من جذوره
احتضن المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، يوم الجمعة 13 فيفري الجاري، وفي إطار تواصل تنظيم الدورة الثانية للصالون الوطني للفنون التشكيلية، ندوة فكرية خُصّصت لموضوع «الملكية الفكرية في مجال الفنون البصرية»، في لقاء جمع فنانين وباحثين وخبراء قانونيين حول إشكاليات باتت في صميم التحولات التي يشهدها القطاع الثقافي، بين رهانات حماية الإبداع من جهة، وتسارع الابتكار التكنولوجي من جهة أخرى.
وقد توزعت أشغال الندوة على جلستين رئيسيتين: الأولى تناولت «حق التتبع» في ضوء التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، والثانية استشرفت مستقبل الفنون البصرية في عصر الذكاء الاصطناعي، بما يطرحه من أسئلة أخلاقية وقانونية غير مسبوقة.
وفي افتتاحها لأشغال الندوة، أكدت أحلام بوصندل، المديرة العامة للمتحف، أن مسألة الحقوق المهنية والحقوق المجاورة تمثل أحد المحاور التي تحرص المؤسسة على إثارتها بانتظام، باعتبارها ركيزة أساسية لتنظيم القطاع وضمان استدامته.
وأوضحت أن هذه الندوة لا تأتي في سياق معزول، بل تندرج ضمن مسار أوسع يهدف إلى تعميق النقاش حول آليات الحماية القانونية.
وأضافت أن التطورات المتسارعة التي يعرفها المشهد الثقافي تفرض إعادة التفكير في جملة من الإشكاليات، داعية إلى توسيع دائرة الحوار وتكريس ثقافة قانونية لدى الفنانين، بما يتيح تداول المعلومة بدقة أكبر، ويعزز الاستجابة لتطلعات الفاعلين في المجال.
وفي الجلسة الأولى، قدّم المهدي النجار، مدير بالمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، مداخلة بعنوان «التشريع الوطني في مجال الملكية الأدبية والفنية.. حق التتبع»، استهلها برسم خريطة واضحة لمجالات الملكية الفكرية، مبرزا الفارق بين الملكية الصناعية المرتبطة ببراءات الاختراع والعلامات التجارية، وبين حق المؤلف والحقوق المجاورة التي تشمل المصنفات الأدبية والفنية، من لوحات زيتية ومنحوتات وتصاميم معمارية وغيرها.
واستعرض المتحدث التطور التاريخي للتشريع التونسي في هذا المجال، من الأمر العلي لسنة 1889 إلى القانون عدد 36 لسنة 1994، المنقح بالقانون عدد 33 لسنة 2009، باعتباره الإطار القانوني المنظم لحماية الإبداع في تونس اليوم. وأوضح أن حق المؤلف هو حق استئثاري يمنح المبدع سلطة استغلال مصنفه أو الترخيص للغير في ذلك، وأن الحماية تتميز بطابعها التلقائي منذ لحظة نشأة العمل المبتكر، دون اشتراط أي إجراء شكلي، انسجاما مع اتفاقية «برن». غير أن هذه الحماية، كما بيّن، لا تنصب على الأفكار المجردة، بل على أوجه التعبير المبتكرة، وهو تمييز جوهري يفصل بين الإلهام المشروع والنسخ غير القانوني. كما توقف عند ازدواجية الحقوق التي يتمتع بها المبدع، بين حقوق أدبية لصيقة بشخصه لا تقبل التنازل أو التقادم، وحقوق مادية تتيح له استغلال مصنفه ماليا طوال حياته، وتنتقل إلى ورثته لمدة خمسين سنة بعد وفاته.
وقد استأثر محور «حق التتبع» بالاهتمام، وقدمه المتحدث مهدي النجار باعتباره آلية لتحقيق قدر من العدالة داخل سوق الفن. وطرح مثالا دالا لفنان يبيع لوحة في بداياته بثمن بسيط، ثم يعاد بيعها بعد سنوات بمبلغ مضاعف مرات عديدة إثر شهرته، فيستفيد المالك الجديد والوسطاء من فارق السعر، بينما يُقصى الفنان الأصلي من أي عائد.
هذه المفارقة الأخلاقية، التي تجسدت تاريخيا في قصة عائلة الرسام الفرنسي جان فرانسوا ميلي ولوحته الشهيرة «أنجيلوس»، كانت وراء إقرار حق التتبع دوليا ضمن المادة 14 (ثالثا) من اتفاقية «برن»، ليصبح وسيلة لضمان نسبة من عائدات إعادة البيع لصالح الفنان.
وفي السياق التونسي، أشار مهدي النجار إلى أن الفصل 25 من القانون يقر هذا الحق لفائدة أصحاب المصنفات التشكيلية والمخطوطات، مانحا إياهم نسبة 5% من محصول كل إعادة بيع تتم بواسطة وسيط مهني أو دار مزادات، وهو حق غير قابل للتنازل. وبينما يُطبّق هذا المبدأ بصرامة في الاتحاد الأوروبي، فإنه لا يزال غائبا في أنظمة قانونية كبرى، ما يعكس تفاوتا في مقاربة العدالة الفنية عالميا. وأكد المتدخل في مداخلته أن الفنان ليس مجرد بائع لسلعة، بل صانع قيمة تتراكم بمرور الزمن، وأن وعيه بحقوقه القانونية جزء لا يتجزأ من احترافيته ومن استدامة الاقتصاد الإبداعي.
أما الجلسة الثانية، فقد نقلت النقاش من أسئلة السوق التقليدية إلى تحديات العصر الرقمي. وفي هذا الإطار، قدم محمد العمائري، مدير بالمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، مداخلة بعنوان «الفنون البصرية والذكاء الاصطناعي: التحديات الأخلاقية والقانونية»، استعرض فيها التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية، وأكد أن هذه التقنيات لم تعد مجرد أدوات مساعدة، بل أنظمة قادرة على توليد أعمال رقمية تضاهي الإبداع البشري، ما يفرض إعادة طرح سؤال المؤلف والملكية من جذوره.
وتوقف العمائري عند إشكاليات جوهرية: من هو المؤلف الحقيقي للعمل الناتج عن الذكاء الاصطناعي؟ هل يعتبر هذا المنتج مصنفا محميا؟ وما وضع الفنانين الذين استُخدمت أعمالهم لتدريب هذه الأنظمة؟ وشرح أن آلية عمل هذه النماذج تقوم على تحليل كميات هائلة من الصور والبيانات لاستخلاص الأنماط والأساليب، وهو ما قد يعني استخدام أعمال محمية دون ترخيص. وضرب مثالا افتراضيا يتعلق بإنتاج لوحة بأسلوب فنان تونسي معروف، حيث تولد الخوارزميات صورة جديدة اعتمادا على معطيات مستمدة من أعماله الأصلية، في غياب إذن صريح أو تعويض.
وفي الجانب الأخلاقي، حذر من خطر طمس الهوية الفنية وذوبان «البصمة الشخصية» داخل التطبيقات الرقمية، فضلا عن استغلال عناصر من التراث الوطني في منتجات رقمية تُسوّق عالميا دون احترام للحقوق الثقافية. وأكد أن القوانين الحالية لا تعترف بالذكاء الاصطناعي كمؤلف قانوني، وأن شرط الإبداع الإنساني يظل ركنا أساسيا للحماية، ما يجعل الأعمال المنتجة آليا بالكامل في وضع قانوني ملتبس.
ودعا الفنانين إلى توثيق أعمالهم وإيداعها، وقراءة شروط استخدام المنصات بعناية، والعمل الجماعي للمطالبة بتنظيم أكثر وضوحا، مشددا على أن التقنية ينبغي أن تظل أداة مساعدة لا بديلا عن الروح الإنسانية.
وفي السياق ذاته، قدم الأستاذ الجامعي والمحامي المختص في القانون الرقمي كمال الرزقي مداخلة تحليلية بعنوان «تحديات استعمال الذكاء الاصطناعي وحماية حقوق المؤلف – المصنفات البصرية مثالا»، وصف فيها التحول من الذكاء الاصطناعي التمييزي إلى التوليدي بأنه «صدمة تكنولوجية للإبداع». وأوضح أن النماذج التوليدية قادرة على إنتاج محتوى جديد كليا، ما يطرح سؤال ملاءمة التشريع التونسي مع هذه الطفرة.
وتحدث المتدخل عن «حرب البيانات»، حيث تُستخدم الأعمال الفنية لتدريب الخوارزميات دون إطار واضح للترخيص، وعن إشكالية المخرجات، أي ملكية العمل الذي «تلفظه» الآلة: هل تعود للمستخدم أم للشركة أم تصبح ملكا عاما؟ وأكد أن القانون يشترط الأصالة ووجود بصمة شخصية، وهو معيار قد يصعب تطبيقه على إنتاجات تعتمد على الاحتمالات الخوارزمية. كما أشار إلى أن الإطار الأوروبي أوجد استثناءات للتنقيب في النصوص والبيانات، في حين يعاني القانون التونسي من فراغ تشريعي في هذا المجال.
وتوجه الأستاذ الرزقي بتوصيات للمشرع، من بينها إدراج أحكام خاصة بالذكاء الاصطناعي، وفرض شفافية أكبر على الشركات، إلى جانب نصائح عملية للمبدعين مثل الاحتفاظ بالمسودات والملفات الرقمية لإثبات الجهد البشري. وأكد أن القانون قد يتأخر عن التكنولوجيا، لكن الوعي القانوني يظل خط الدفاع الأول، وأن التحدي يكمن في تحقيق توازن ذكي لا يغلق الباب أمام الابتكار ولا يفرط في حقوق المبدعين.
إيمان عبد اللطيف
- في السياق التونسي، يمنح المشرع أصحاب المصنفات التشكيلية والمخطوطات نسبة 5 % من محصول كل إعادة بيع تتم بواسطة وسيط مهني أو دار مزادات
-إشكاليات تطرح اليوم بين رهانات حماية الإبداع من جهة، وتسارع الابتكار التكنولوجي من جهة أخرى
-التأكيد على «حق التتبع» الذي يعتبر آلية لتحقيق قدر من العدالة داخل سوق الفن، ومعترف به دوليا
-التحذير من خطر طمس الهوية الفنية وذوبان «البصمة الشخصية» داخل التطبيقات الرقمية
-الاعتراف بأن التحولات التقنية والذكاء الاصطناعي تفرض إعادة طرح سؤال المؤلف والملكية من جذوره
احتضن المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، يوم الجمعة 13 فيفري الجاري، وفي إطار تواصل تنظيم الدورة الثانية للصالون الوطني للفنون التشكيلية، ندوة فكرية خُصّصت لموضوع «الملكية الفكرية في مجال الفنون البصرية»، في لقاء جمع فنانين وباحثين وخبراء قانونيين حول إشكاليات باتت في صميم التحولات التي يشهدها القطاع الثقافي، بين رهانات حماية الإبداع من جهة، وتسارع الابتكار التكنولوجي من جهة أخرى.
وقد توزعت أشغال الندوة على جلستين رئيسيتين: الأولى تناولت «حق التتبع» في ضوء التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، والثانية استشرفت مستقبل الفنون البصرية في عصر الذكاء الاصطناعي، بما يطرحه من أسئلة أخلاقية وقانونية غير مسبوقة.
وفي افتتاحها لأشغال الندوة، أكدت أحلام بوصندل، المديرة العامة للمتحف، أن مسألة الحقوق المهنية والحقوق المجاورة تمثل أحد المحاور التي تحرص المؤسسة على إثارتها بانتظام، باعتبارها ركيزة أساسية لتنظيم القطاع وضمان استدامته.
وأوضحت أن هذه الندوة لا تأتي في سياق معزول، بل تندرج ضمن مسار أوسع يهدف إلى تعميق النقاش حول آليات الحماية القانونية.
وأضافت أن التطورات المتسارعة التي يعرفها المشهد الثقافي تفرض إعادة التفكير في جملة من الإشكاليات، داعية إلى توسيع دائرة الحوار وتكريس ثقافة قانونية لدى الفنانين، بما يتيح تداول المعلومة بدقة أكبر، ويعزز الاستجابة لتطلعات الفاعلين في المجال.
وفي الجلسة الأولى، قدّم المهدي النجار، مدير بالمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، مداخلة بعنوان «التشريع الوطني في مجال الملكية الأدبية والفنية.. حق التتبع»، استهلها برسم خريطة واضحة لمجالات الملكية الفكرية، مبرزا الفارق بين الملكية الصناعية المرتبطة ببراءات الاختراع والعلامات التجارية، وبين حق المؤلف والحقوق المجاورة التي تشمل المصنفات الأدبية والفنية، من لوحات زيتية ومنحوتات وتصاميم معمارية وغيرها.
واستعرض المتحدث التطور التاريخي للتشريع التونسي في هذا المجال، من الأمر العلي لسنة 1889 إلى القانون عدد 36 لسنة 1994، المنقح بالقانون عدد 33 لسنة 2009، باعتباره الإطار القانوني المنظم لحماية الإبداع في تونس اليوم. وأوضح أن حق المؤلف هو حق استئثاري يمنح المبدع سلطة استغلال مصنفه أو الترخيص للغير في ذلك، وأن الحماية تتميز بطابعها التلقائي منذ لحظة نشأة العمل المبتكر، دون اشتراط أي إجراء شكلي، انسجاما مع اتفاقية «برن». غير أن هذه الحماية، كما بيّن، لا تنصب على الأفكار المجردة، بل على أوجه التعبير المبتكرة، وهو تمييز جوهري يفصل بين الإلهام المشروع والنسخ غير القانوني. كما توقف عند ازدواجية الحقوق التي يتمتع بها المبدع، بين حقوق أدبية لصيقة بشخصه لا تقبل التنازل أو التقادم، وحقوق مادية تتيح له استغلال مصنفه ماليا طوال حياته، وتنتقل إلى ورثته لمدة خمسين سنة بعد وفاته.
وقد استأثر محور «حق التتبع» بالاهتمام، وقدمه المتحدث مهدي النجار باعتباره آلية لتحقيق قدر من العدالة داخل سوق الفن. وطرح مثالا دالا لفنان يبيع لوحة في بداياته بثمن بسيط، ثم يعاد بيعها بعد سنوات بمبلغ مضاعف مرات عديدة إثر شهرته، فيستفيد المالك الجديد والوسطاء من فارق السعر، بينما يُقصى الفنان الأصلي من أي عائد.
هذه المفارقة الأخلاقية، التي تجسدت تاريخيا في قصة عائلة الرسام الفرنسي جان فرانسوا ميلي ولوحته الشهيرة «أنجيلوس»، كانت وراء إقرار حق التتبع دوليا ضمن المادة 14 (ثالثا) من اتفاقية «برن»، ليصبح وسيلة لضمان نسبة من عائدات إعادة البيع لصالح الفنان.
وفي السياق التونسي، أشار مهدي النجار إلى أن الفصل 25 من القانون يقر هذا الحق لفائدة أصحاب المصنفات التشكيلية والمخطوطات، مانحا إياهم نسبة 5% من محصول كل إعادة بيع تتم بواسطة وسيط مهني أو دار مزادات، وهو حق غير قابل للتنازل. وبينما يُطبّق هذا المبدأ بصرامة في الاتحاد الأوروبي، فإنه لا يزال غائبا في أنظمة قانونية كبرى، ما يعكس تفاوتا في مقاربة العدالة الفنية عالميا. وأكد المتدخل في مداخلته أن الفنان ليس مجرد بائع لسلعة، بل صانع قيمة تتراكم بمرور الزمن، وأن وعيه بحقوقه القانونية جزء لا يتجزأ من احترافيته ومن استدامة الاقتصاد الإبداعي.
أما الجلسة الثانية، فقد نقلت النقاش من أسئلة السوق التقليدية إلى تحديات العصر الرقمي. وفي هذا الإطار، قدم محمد العمائري، مدير بالمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، مداخلة بعنوان «الفنون البصرية والذكاء الاصطناعي: التحديات الأخلاقية والقانونية»، استعرض فيها التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية، وأكد أن هذه التقنيات لم تعد مجرد أدوات مساعدة، بل أنظمة قادرة على توليد أعمال رقمية تضاهي الإبداع البشري، ما يفرض إعادة طرح سؤال المؤلف والملكية من جذوره.
وتوقف العمائري عند إشكاليات جوهرية: من هو المؤلف الحقيقي للعمل الناتج عن الذكاء الاصطناعي؟ هل يعتبر هذا المنتج مصنفا محميا؟ وما وضع الفنانين الذين استُخدمت أعمالهم لتدريب هذه الأنظمة؟ وشرح أن آلية عمل هذه النماذج تقوم على تحليل كميات هائلة من الصور والبيانات لاستخلاص الأنماط والأساليب، وهو ما قد يعني استخدام أعمال محمية دون ترخيص. وضرب مثالا افتراضيا يتعلق بإنتاج لوحة بأسلوب فنان تونسي معروف، حيث تولد الخوارزميات صورة جديدة اعتمادا على معطيات مستمدة من أعماله الأصلية، في غياب إذن صريح أو تعويض.
وفي الجانب الأخلاقي، حذر من خطر طمس الهوية الفنية وذوبان «البصمة الشخصية» داخل التطبيقات الرقمية، فضلا عن استغلال عناصر من التراث الوطني في منتجات رقمية تُسوّق عالميا دون احترام للحقوق الثقافية. وأكد أن القوانين الحالية لا تعترف بالذكاء الاصطناعي كمؤلف قانوني، وأن شرط الإبداع الإنساني يظل ركنا أساسيا للحماية، ما يجعل الأعمال المنتجة آليا بالكامل في وضع قانوني ملتبس.
ودعا الفنانين إلى توثيق أعمالهم وإيداعها، وقراءة شروط استخدام المنصات بعناية، والعمل الجماعي للمطالبة بتنظيم أكثر وضوحا، مشددا على أن التقنية ينبغي أن تظل أداة مساعدة لا بديلا عن الروح الإنسانية.
وفي السياق ذاته، قدم الأستاذ الجامعي والمحامي المختص في القانون الرقمي كمال الرزقي مداخلة تحليلية بعنوان «تحديات استعمال الذكاء الاصطناعي وحماية حقوق المؤلف – المصنفات البصرية مثالا»، وصف فيها التحول من الذكاء الاصطناعي التمييزي إلى التوليدي بأنه «صدمة تكنولوجية للإبداع». وأوضح أن النماذج التوليدية قادرة على إنتاج محتوى جديد كليا، ما يطرح سؤال ملاءمة التشريع التونسي مع هذه الطفرة.
وتحدث المتدخل عن «حرب البيانات»، حيث تُستخدم الأعمال الفنية لتدريب الخوارزميات دون إطار واضح للترخيص، وعن إشكالية المخرجات، أي ملكية العمل الذي «تلفظه» الآلة: هل تعود للمستخدم أم للشركة أم تصبح ملكا عاما؟ وأكد أن القانون يشترط الأصالة ووجود بصمة شخصية، وهو معيار قد يصعب تطبيقه على إنتاجات تعتمد على الاحتمالات الخوارزمية. كما أشار إلى أن الإطار الأوروبي أوجد استثناءات للتنقيب في النصوص والبيانات، في حين يعاني القانون التونسي من فراغ تشريعي في هذا المجال.
وتوجه الأستاذ الرزقي بتوصيات للمشرع، من بينها إدراج أحكام خاصة بالذكاء الاصطناعي، وفرض شفافية أكبر على الشركات، إلى جانب نصائح عملية للمبدعين مثل الاحتفاظ بالمسودات والملفات الرقمية لإثبات الجهد البشري. وأكد أن القانون قد يتأخر عن التكنولوجيا، لكن الوعي القانوني يظل خط الدفاع الأول، وأن التحدي يكمن في تحقيق توازن ذكي لا يغلق الباب أمام الابتكار ولا يفرط في حقوق المبدعين.