حين يجتمع الأمن بالتربية في أعلى دوائر القرار، فإن الرسالة تتجاوز حدود التنسيق الإداري والمؤسساتي، لتعكس تحولا في موقع المدرسة داخل الرؤية الاستراتيجية للدولة في أعلى هرمها. حيث لم تعد مجرد فضاء لتحصيل العلم والمعرفة فحسب، بل أضحت في خطابها الرسمي خط تماسّ أول في مواجهة كل مظاهر السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، ودرعا متقدّمًا في معركة الدفاع عن وحدة المجتمع وتماسكه. كون المدرسة، وفقا لهذا التصور، لا تُختزل في بعدها البيداغوجي فقط، وإنما تُعتبر فضاءً تتقاطع فيه رهانات الأمن والهوية مع المستقبل.
وفي هذا الإطار، فإن الخوض في معضلة المخدرات يتجاوز مجرد معالجة ظاهرة اجتماعية ليتحوّل إلى عنوان لمعركة سيادية تطال وعي الأجيال ذاتها. فالربط بين آفة المخدرات وإصلاح التعليم يكشف عن وعي سياسي بأن التهديدات التي تطال الأمن القومي لم تعد في جوهرها تقليدية أو كلاسيكية، بل أصبحت «حروبا من نوع خاص» تستهدف فيها عقول الناشئة، وهو ما يفرض مقاربة شاملة لا تقف عند حدود المعالجة الأمنية الضيقة، وإنما تمتد إلى بناء وعي وطني محصّن، قادر على تعزيز المناعة المجتمعية.
من هنا يكتسب لقاء قصر قرطاج الذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيد بوزير الداخلية خالد النوري ووزير التربية نور الدين النوري، فضلًا عن كاتب الدولة للأمن الوطني سفيان بالصادق، دلالة سياسية هامة، كونه يعكس إدراكًا بأن الدفاع عن المدرسة هو في جوهره دفاع عن الدولة، وأن إصلاح التعليم وحماية الفضاء التربوي هما ركيزتان من ركائز الاستقرار الوطني.
ويستمدّ هذا الطرح شرعيته من أهمية الملفّ الذي تصدّر أجندة اجتماع قرطاج، بالنظر إلى أن حماية التلاميذ من آفة المخدرات داخل المدارس ومحيطها تختزل في جوهرها عنوانا لمعركة وطنية مفتوحة على أكثر من جبهة: أمنية في بعدها الردعي، وتربوية في بعدها الوقائي، وثقافية في بعدها القيمي. فالتحديات المطروحة في علاقة بهذه الآفة تتجاوز كونها مجرد سلوكيات معزولة لتتجلى كتحدٍّ جوهري يلامس أسس الاستقرار المجتمعي ومستقبل الدولة ذاتها.
ومن هذا المنطلق، فان استدعاء رئيس الجمهورية قيس سعيد لوزيري الداخلية والتربية وكاتب الدولة للأمن الوطني إلى قصر قرطاج في اجتماع مشترك يعكس إدراكا عميقا بأن ما يحدث داخل المؤسسات التربوية لم يعد شأنا بيداغوجيا صرفا، وإنما بات مسألة أمن قومي بالمعنى الشامل للكلمة. فحين تتحول المدارس - التي يفترض أن تكون فضاءات للنهل من العلم والمعرفة - إلى ساحات مستهدفة من شبكات الترويج، فإن الأمر يتجاوز مجرد الانحراف الفردي ليكون استهدافا ممنهجا للنسيج الاجتماعي وإقرارا بأن الدولة تواجه تحديا يستهدف عقول أبنائها ويضع مستقبلها على المحك. ومن هنا يكتسب هذا اللقاء دلالته الاستثنائية ليكون تعبيرًا عن وعي سياسي مفاده أن حماية المدرسة هي في جوهرها حماية للدولة ذاتها.
لا تسامح مع استباحة فضاءات العلم
ركز رئيس الدولة قيس سعيد في مستهل اللقاء على أهمية الدور الأمني في حماية محيط المدارس، وهي إشارة هامة إلى أن الدولة لن تتسامح مع استباحة فضاءات العلم من قبل شبكات الترويج. غير أن الدلالة الأعمق تكمن في رفض رئيس الجمهورية قيس سعيد للمقاربة الأمنية الصرفة. فالدوريات الأمنية المستمرة هي «درع خارجي» لا يكتمل إلا بـ»درع داخلي» تكون مهمته الجوهرية تهذيب العقول وتحصينها.
فرئيس الدولة قيس سعيد لم يحصر المعالجة في المقاربة الأمنية، رغم تأكيده على ضرورة تسيير دوريات مستمرة حول المؤسسات التربوية. فقد شدد على أن العمل لا يجب أن يكون قائما على المقاربات الأمنية فقط، بل بتضافر كل الجهود. وهذا التوازن بين الأمني والتربوي يعكس وعيًا بأن الردع وحده لا يكفي، وأن الوقاية تبدأ من بناء الوعي وصقل العقول.
من جانب آخر، فإن تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيد على أن هذه الظاهرة «تستهدف تفكيك المجتمع» يعكس أن المخدرات، حين تتسلل إلى الفضاء التربوي، فإنها تضرب في العمق أهم حلقة في سلسلة استمرارية الدولة: الشباب. فهي لا تدمّر صحة الفرد فحسب، بل تعيد تشكيل وعيه وتضعف قدرته على التفكير الحر، وهو ما أشار إليه الرئيس بعبارة واضحة مفادها «اغتيال ملكة التفكير الحر».
هذا الربط بين المخدرات وتفكيك المجتمع يكشف عن رؤية سياسية تعتبر أن المعركة ضد السموم ليست مجرد حرب على الجريمة المنظمة، بل هي مواجهة حادة مع شبكات تسعى إلى إنتاج أجيال فاقدة للمناعة الفكرية والقيمية. ومن هنا يكتسب اجتماع قرطاج بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد إقرار حلول ظرفية لتجاوز المعضلة.
الأمن والتربية.. وتقاطع السيادة
حين يذكّر رئيس الجمهورية قيس سعيد بأن قطاع التربية والتعليم هو من قطاعات السيادة، فإنه يعيد ترتيب أولويات الدولة. فكما أن الدفاع والأمن من ركائز السيادة، فإن التعليم هو الضامن لاستمرارية هذه السيادة عبر الأجيال. ولا يمكن لدولة أن تحافظ على استقلالية قرارها وتوازناتها ما لم تكن تمتلك منظومة تعليمية قادرة على إنتاج مواطنين واعين، ومحصنين ضد كل أشكال الاختراق.
ومن هذا المنظور، يصبح إنشاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم - المنصوص عليه في الدستور - خطوة مفصلية. فالمجلس المرتقب هو «العقل المفكر» للدولة في صياغة سياساتها التعليمية بعيدًا عن التجاذبات والحسابات السياسية الضيقة.
وهنا يبرز تصريح رئيس الجمهورية قيس سعيد بأن أي خطأ في هذا القطاع لا يمكن تداركه إلا بعد عقدين على الأقل. وهذه العبارة تختزل فلسفة كاملة في التعاطي مع التعليم: خياراته بطيئة التراكم، وأخطاؤه عميقة الأثر، على اعتبار أن السياسات التعليمية ليست مجرد قوانين قابلة للتعديل السريع، وإنما هي رهانات زمنية طويلة المدى تؤثر في أجيال برمتها.
فالمجلس الأعلى للتربية ليس مجرد هيكل إداري جديد، وإنما هو مشروع تربوي يراد من خلاله «مأسسة الإصلاح» وتدارك «السياسات الخاطئة» التي شابت العقود الماضية. لذلك، فإن استعجال تركيز هذا المجلس يعكس إرادة سياسية لقطع الطريق أمام الارتجال في الخيارات التربوية.
ولعل أهم ما ورد في خطاب رئيس الدولة قيس سعيد هو مصطلح «الأمية المقنعة» و«اغتيال ملكة التفكير الحر». وهذا التشخيص يفتح الباب أمام قراءة نقدية عميقة للمنظومة التربوية. فالأمية لم تعد فقط عجزًا عن القراءة والكتابة، بل قد تكون عجزًا عن التفكير النقدي، عن التحليل، عن التمييز بين الغث والسمين.
ومن هذا المنطلق، فإن ربط رئيس الدولة قيس سعيد بين المخدرات واغتيال التفكير الحر ليس اعتباطيًا. فكلاهما يؤدي إلى تعطيل العقل، وفي كلا الحالتين، فإن النتيجة واحدة: مواطن هشّ يسهل توجيهه أو استغلاله. لذلك، يراهن رئيس الدولة قيس سعيد على إعادة الاعتبار لدور المدرسة في بناء شخصية نقدية مستقلة، قادرة على التمييز والاختيار الواعي. كما يعوّل على ترسيخ منظومة تربوية تُحصّن الناشئة فكريًا وقيميًا، بما يجعلهم شركاء في حماية المجتمع لا مجرد متلقّين للمعرفة.
في هذا الخصوص، يحمل اجتماع قرطاج أكثر من رسالة: أولها أن الدولة تتحرك في أعلى هرمها عندما يتعلق الأمر بالمدرسة. وثانيها أن التنسيق بين وزارتي الداخلية والتربية هو ضرورة هيكلية ورهان استراتيجي في ظل جسامة التحديات. كما أن إشراك كاتب الدولة للأمن الوطني في اللقاء يعكس رغبة في تفعيل آليات ميدانية مباشرة، وليس الاكتفاء بالتوجيهات العامة. فالتحدي يتطلب حضورًا أمنيًا مستمرًا، ولكن أيضًا عملًا استخباراتيًا لتفكيك شبكات الترويج التي تستهدف محيط المؤسسات التربوية.
غير أن الأهم من ذلك هو البعد الرمزي: قصر قرطاج، باعتباره رمز الدولة، يضع المدرسة في صدارة وصميم أولوياته. وهذا الطرح السياسي ينسجم مع خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد منذ توليه زمام المسؤولية، حيث لطالما أكد في معرض لقاءاته أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من: القاعدة، من الإنسان، من تشكيل وتثبيت وعي مجتمعي قادر على مجابهة كل أصناف التحديات.
نحو مقاربة شاملة
من جهة أخرى، جدير بالذكر أنه لا يمكن التغافل عن معطى هام تطرق إليه لقاء قرطاج يتمثل في تخصيص جزء من الدروس يوميًا للتحسيس ضد مخاطر المخدرات، بما يمثل تحولًا في المقاربة المعتمدة للتصدي للظاهرة. فالتوعية يجب أن تصبح جزءًا من العملية التعليمية نفسها. وهنا يبرز دور الإطار التربوي، من معلمين وأساتذة ومرشدين، في بناء حصانة فكرية لدى التلاميذ.
غير أن هذا التوجه على أهميته يطرح تحديات عملية: هل المنظومة الحالية مهيأة لاحتضان مثل هذه البرامج؟ هل هناك تكوين كافٍ للإطار التربوي في مجال الوقاية من الإدمان؟ وهل يمكن للمجلس الأعلى للتربية والتعليم أن يضع استراتيجية وطنية متكاملة في هذا المجال؟
المدرسة… خط الدفاع الأول عن الدولة
إن لقاء قرطاج حول حماية التلاميذ من آفة المخدرات يتجاوز في دلالاته كونه مجرد ملف أمني أو تربوي، ليُجسد إعلانًا بأن المعركة الحقيقية للدولة هي معركة وعي بالأساس، وأن المدرسة هي خط الدفاع الأول عن المجتمع. فحين تُحصّن العقول ويُعاد الاعتبار للتفكير الحر، تتراجع المخاطر وتتقلص مساحات «الأمية المقنعة». وحين تتكامل المقاربة الأمنية مع الإصلاح التربوي العميق، تستعيد الدولة قدرتها على حماية أجيالها.
ليعكس اللقاء أن السيادة لا تُختزل فقط على مستوى الحدود والجغرافيا، بل تُبنى أيضًا في قاعات الدرس. ومن هنا، فإن نجاح هذه المقاربة سيكون معيارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة على تحويل الخطاب إلى سياسات، والرؤية إلى واقع ملموس حمايةً لمستقبل تونس وأجيالها القادمة. ولهذا يراهن رئيس الدولة قيس سعيد على التسريع في تركيز المجلس الأعلى للتربية وتفعيل مقاربة «الوعي المحصّن»، الذي سيكون حجر الأساس الحقيقي لجمهورية جديدة، قوامها «العقل السليم في الجسم السليم».
منال الحرزي
حين يجتمع الأمن بالتربية في أعلى دوائر القرار، فإن الرسالة تتجاوز حدود التنسيق الإداري والمؤسساتي، لتعكس تحولا في موقع المدرسة داخل الرؤية الاستراتيجية للدولة في أعلى هرمها. حيث لم تعد مجرد فضاء لتحصيل العلم والمعرفة فحسب، بل أضحت في خطابها الرسمي خط تماسّ أول في مواجهة كل مظاهر السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، ودرعا متقدّمًا في معركة الدفاع عن وحدة المجتمع وتماسكه. كون المدرسة، وفقا لهذا التصور، لا تُختزل في بعدها البيداغوجي فقط، وإنما تُعتبر فضاءً تتقاطع فيه رهانات الأمن والهوية مع المستقبل.
وفي هذا الإطار، فإن الخوض في معضلة المخدرات يتجاوز مجرد معالجة ظاهرة اجتماعية ليتحوّل إلى عنوان لمعركة سيادية تطال وعي الأجيال ذاتها. فالربط بين آفة المخدرات وإصلاح التعليم يكشف عن وعي سياسي بأن التهديدات التي تطال الأمن القومي لم تعد في جوهرها تقليدية أو كلاسيكية، بل أصبحت «حروبا من نوع خاص» تستهدف فيها عقول الناشئة، وهو ما يفرض مقاربة شاملة لا تقف عند حدود المعالجة الأمنية الضيقة، وإنما تمتد إلى بناء وعي وطني محصّن، قادر على تعزيز المناعة المجتمعية.
من هنا يكتسب لقاء قصر قرطاج الذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيد بوزير الداخلية خالد النوري ووزير التربية نور الدين النوري، فضلًا عن كاتب الدولة للأمن الوطني سفيان بالصادق، دلالة سياسية هامة، كونه يعكس إدراكًا بأن الدفاع عن المدرسة هو في جوهره دفاع عن الدولة، وأن إصلاح التعليم وحماية الفضاء التربوي هما ركيزتان من ركائز الاستقرار الوطني.
ويستمدّ هذا الطرح شرعيته من أهمية الملفّ الذي تصدّر أجندة اجتماع قرطاج، بالنظر إلى أن حماية التلاميذ من آفة المخدرات داخل المدارس ومحيطها تختزل في جوهرها عنوانا لمعركة وطنية مفتوحة على أكثر من جبهة: أمنية في بعدها الردعي، وتربوية في بعدها الوقائي، وثقافية في بعدها القيمي. فالتحديات المطروحة في علاقة بهذه الآفة تتجاوز كونها مجرد سلوكيات معزولة لتتجلى كتحدٍّ جوهري يلامس أسس الاستقرار المجتمعي ومستقبل الدولة ذاتها.
ومن هذا المنطلق، فان استدعاء رئيس الجمهورية قيس سعيد لوزيري الداخلية والتربية وكاتب الدولة للأمن الوطني إلى قصر قرطاج في اجتماع مشترك يعكس إدراكا عميقا بأن ما يحدث داخل المؤسسات التربوية لم يعد شأنا بيداغوجيا صرفا، وإنما بات مسألة أمن قومي بالمعنى الشامل للكلمة. فحين تتحول المدارس - التي يفترض أن تكون فضاءات للنهل من العلم والمعرفة - إلى ساحات مستهدفة من شبكات الترويج، فإن الأمر يتجاوز مجرد الانحراف الفردي ليكون استهدافا ممنهجا للنسيج الاجتماعي وإقرارا بأن الدولة تواجه تحديا يستهدف عقول أبنائها ويضع مستقبلها على المحك. ومن هنا يكتسب هذا اللقاء دلالته الاستثنائية ليكون تعبيرًا عن وعي سياسي مفاده أن حماية المدرسة هي في جوهرها حماية للدولة ذاتها.
لا تسامح مع استباحة فضاءات العلم
ركز رئيس الدولة قيس سعيد في مستهل اللقاء على أهمية الدور الأمني في حماية محيط المدارس، وهي إشارة هامة إلى أن الدولة لن تتسامح مع استباحة فضاءات العلم من قبل شبكات الترويج. غير أن الدلالة الأعمق تكمن في رفض رئيس الجمهورية قيس سعيد للمقاربة الأمنية الصرفة. فالدوريات الأمنية المستمرة هي «درع خارجي» لا يكتمل إلا بـ»درع داخلي» تكون مهمته الجوهرية تهذيب العقول وتحصينها.
فرئيس الدولة قيس سعيد لم يحصر المعالجة في المقاربة الأمنية، رغم تأكيده على ضرورة تسيير دوريات مستمرة حول المؤسسات التربوية. فقد شدد على أن العمل لا يجب أن يكون قائما على المقاربات الأمنية فقط، بل بتضافر كل الجهود. وهذا التوازن بين الأمني والتربوي يعكس وعيًا بأن الردع وحده لا يكفي، وأن الوقاية تبدأ من بناء الوعي وصقل العقول.
من جانب آخر، فإن تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيد على أن هذه الظاهرة «تستهدف تفكيك المجتمع» يعكس أن المخدرات، حين تتسلل إلى الفضاء التربوي، فإنها تضرب في العمق أهم حلقة في سلسلة استمرارية الدولة: الشباب. فهي لا تدمّر صحة الفرد فحسب، بل تعيد تشكيل وعيه وتضعف قدرته على التفكير الحر، وهو ما أشار إليه الرئيس بعبارة واضحة مفادها «اغتيال ملكة التفكير الحر».
هذا الربط بين المخدرات وتفكيك المجتمع يكشف عن رؤية سياسية تعتبر أن المعركة ضد السموم ليست مجرد حرب على الجريمة المنظمة، بل هي مواجهة حادة مع شبكات تسعى إلى إنتاج أجيال فاقدة للمناعة الفكرية والقيمية. ومن هنا يكتسب اجتماع قرطاج بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد إقرار حلول ظرفية لتجاوز المعضلة.
الأمن والتربية.. وتقاطع السيادة
حين يذكّر رئيس الجمهورية قيس سعيد بأن قطاع التربية والتعليم هو من قطاعات السيادة، فإنه يعيد ترتيب أولويات الدولة. فكما أن الدفاع والأمن من ركائز السيادة، فإن التعليم هو الضامن لاستمرارية هذه السيادة عبر الأجيال. ولا يمكن لدولة أن تحافظ على استقلالية قرارها وتوازناتها ما لم تكن تمتلك منظومة تعليمية قادرة على إنتاج مواطنين واعين، ومحصنين ضد كل أشكال الاختراق.
ومن هذا المنظور، يصبح إنشاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم - المنصوص عليه في الدستور - خطوة مفصلية. فالمجلس المرتقب هو «العقل المفكر» للدولة في صياغة سياساتها التعليمية بعيدًا عن التجاذبات والحسابات السياسية الضيقة.
وهنا يبرز تصريح رئيس الجمهورية قيس سعيد بأن أي خطأ في هذا القطاع لا يمكن تداركه إلا بعد عقدين على الأقل. وهذه العبارة تختزل فلسفة كاملة في التعاطي مع التعليم: خياراته بطيئة التراكم، وأخطاؤه عميقة الأثر، على اعتبار أن السياسات التعليمية ليست مجرد قوانين قابلة للتعديل السريع، وإنما هي رهانات زمنية طويلة المدى تؤثر في أجيال برمتها.
فالمجلس الأعلى للتربية ليس مجرد هيكل إداري جديد، وإنما هو مشروع تربوي يراد من خلاله «مأسسة الإصلاح» وتدارك «السياسات الخاطئة» التي شابت العقود الماضية. لذلك، فإن استعجال تركيز هذا المجلس يعكس إرادة سياسية لقطع الطريق أمام الارتجال في الخيارات التربوية.
ولعل أهم ما ورد في خطاب رئيس الدولة قيس سعيد هو مصطلح «الأمية المقنعة» و«اغتيال ملكة التفكير الحر». وهذا التشخيص يفتح الباب أمام قراءة نقدية عميقة للمنظومة التربوية. فالأمية لم تعد فقط عجزًا عن القراءة والكتابة، بل قد تكون عجزًا عن التفكير النقدي، عن التحليل، عن التمييز بين الغث والسمين.
ومن هذا المنطلق، فإن ربط رئيس الدولة قيس سعيد بين المخدرات واغتيال التفكير الحر ليس اعتباطيًا. فكلاهما يؤدي إلى تعطيل العقل، وفي كلا الحالتين، فإن النتيجة واحدة: مواطن هشّ يسهل توجيهه أو استغلاله. لذلك، يراهن رئيس الدولة قيس سعيد على إعادة الاعتبار لدور المدرسة في بناء شخصية نقدية مستقلة، قادرة على التمييز والاختيار الواعي. كما يعوّل على ترسيخ منظومة تربوية تُحصّن الناشئة فكريًا وقيميًا، بما يجعلهم شركاء في حماية المجتمع لا مجرد متلقّين للمعرفة.
في هذا الخصوص، يحمل اجتماع قرطاج أكثر من رسالة: أولها أن الدولة تتحرك في أعلى هرمها عندما يتعلق الأمر بالمدرسة. وثانيها أن التنسيق بين وزارتي الداخلية والتربية هو ضرورة هيكلية ورهان استراتيجي في ظل جسامة التحديات. كما أن إشراك كاتب الدولة للأمن الوطني في اللقاء يعكس رغبة في تفعيل آليات ميدانية مباشرة، وليس الاكتفاء بالتوجيهات العامة. فالتحدي يتطلب حضورًا أمنيًا مستمرًا، ولكن أيضًا عملًا استخباراتيًا لتفكيك شبكات الترويج التي تستهدف محيط المؤسسات التربوية.
غير أن الأهم من ذلك هو البعد الرمزي: قصر قرطاج، باعتباره رمز الدولة، يضع المدرسة في صدارة وصميم أولوياته. وهذا الطرح السياسي ينسجم مع خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد منذ توليه زمام المسؤولية، حيث لطالما أكد في معرض لقاءاته أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من: القاعدة، من الإنسان، من تشكيل وتثبيت وعي مجتمعي قادر على مجابهة كل أصناف التحديات.
نحو مقاربة شاملة
من جهة أخرى، جدير بالذكر أنه لا يمكن التغافل عن معطى هام تطرق إليه لقاء قرطاج يتمثل في تخصيص جزء من الدروس يوميًا للتحسيس ضد مخاطر المخدرات، بما يمثل تحولًا في المقاربة المعتمدة للتصدي للظاهرة. فالتوعية يجب أن تصبح جزءًا من العملية التعليمية نفسها. وهنا يبرز دور الإطار التربوي، من معلمين وأساتذة ومرشدين، في بناء حصانة فكرية لدى التلاميذ.
غير أن هذا التوجه على أهميته يطرح تحديات عملية: هل المنظومة الحالية مهيأة لاحتضان مثل هذه البرامج؟ هل هناك تكوين كافٍ للإطار التربوي في مجال الوقاية من الإدمان؟ وهل يمكن للمجلس الأعلى للتربية والتعليم أن يضع استراتيجية وطنية متكاملة في هذا المجال؟
المدرسة… خط الدفاع الأول عن الدولة
إن لقاء قرطاج حول حماية التلاميذ من آفة المخدرات يتجاوز في دلالاته كونه مجرد ملف أمني أو تربوي، ليُجسد إعلانًا بأن المعركة الحقيقية للدولة هي معركة وعي بالأساس، وأن المدرسة هي خط الدفاع الأول عن المجتمع. فحين تُحصّن العقول ويُعاد الاعتبار للتفكير الحر، تتراجع المخاطر وتتقلص مساحات «الأمية المقنعة». وحين تتكامل المقاربة الأمنية مع الإصلاح التربوي العميق، تستعيد الدولة قدرتها على حماية أجيالها.
ليعكس اللقاء أن السيادة لا تُختزل فقط على مستوى الحدود والجغرافيا، بل تُبنى أيضًا في قاعات الدرس. ومن هنا، فإن نجاح هذه المقاربة سيكون معيارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة على تحويل الخطاب إلى سياسات، والرؤية إلى واقع ملموس حمايةً لمستقبل تونس وأجيالها القادمة. ولهذا يراهن رئيس الدولة قيس سعيد على التسريع في تركيز المجلس الأعلى للتربية وتفعيل مقاربة «الوعي المحصّن»، الذي سيكون حجر الأساس الحقيقي لجمهورية جديدة، قوامها «العقل السليم في الجسم السليم».