◄ مهمتي إثبات قدرة كفاءاتنا الوطنية على قيادة حوارات نخبوية متعددة الاختصاصات
◄ تونس يمكنها أن تكون رائدة في مجال الكشف المبكر عن الصدمات النفسية والعصبية
◄ العنف قبل الولادة اعتداء جسدي مباشر على دماغ الجنين
هي واحدة من ألمع الكفاءات التونسية التي أضاءت سماء العلم خارج حدود الوطن. نجحت في بناء مسيرة استثنائية كأول تونسية في العالم تتخصص في مجال فريد يجمع بين الدقة العلمية والحساسية الإنسانية، حيث تناولت موضوع العنف أثناء الحمل، وقدمت آفاقا بحثية جديدة حول الجنين على الصعيد العلمي العالمي وفي البرلمان الأوروبي.
تشغل منصب النائبة الدولية للجمعية المهنية للعلوم الصحية والطب الشرعي المتقدم (PSAF) وهي جمعية علمية دولية، مسجلة لدى البرلمان الأوروبي ومرخصة من قبل وزارة الصحة الإيطالية.
كما أنها المديرة العلمية المشاركة لبرنامج الدكتوراه في علوم الأعصاب السريرية والطب الشرعي بالتعاون مع جامعة ياوندي الأولى. وهي أيضا معتمدة رسميا في سجل الخبراء الدوليين رفيعي المستوى التابع للمفوضية الأوروبية.
نجحت في ترسيخ حضورها كاسم مرجعي في علوم الأعصاب السريرية ووجه بارز في الدبلوماسية العلمية التي تجمع بين البحث المتقدم وصناعة القرار. ولم تُبعدها مسؤولياتها الأكاديمية والدولية عن الانشغال بالقضايا التربوية والإنسانية، بل جعلت من العلم أداة وقاية وحماية، ومن المعرفة جسرا لخدمة المجتمع.
هي الدكتورة والباحثة حميدة أولاد سليمان، أول عالمة أعصاب تونسية في العالم تطرح، بالشراكة مع جمعية PSAF والبروفيسور رافاييلي زينو، مفهوم تكامل حقوق الإنسان في صميم الدماغ، لتكون بذلك التوقيع التونسي الذي يسهم في رسم ملامح مستقبل إنساني جديد. أكدت في حوار خصت به «الصباح» أنها تعمل حاليا على إنشاء مرصد دولي يعنى بالصحة قبل وبعد الولادة. كما عرض اللقاء أيضا تجربتها مع وزارة التربية في سنة 2024، وتطرقت إلى العديد من المسائل الأخرى في الحوار التالي:
*في البداية، وبوصفك مختصة وباحثة تونسية معترفا بها دوليا وخبيرة معتمدة لدى المفوضية الأوروبية، كيف تنظرين إلى موقع الكفاءات التونسية في صياغة السياسات الصحية والعلمية العالمية؟
بصفتي خبيرة مدرجة ضمن قاعدة بيانات المفوضية الأوروبية ونائبة الرئيس الدولي لجمعية PSAF، يمكنني أن أؤكد بكل فخر أن تونس لم تعد تكتفي بمتابعة التطورات العالمية، بل أصبحت فاعلة ومؤثرة فيها. وبوصفي أول عالمة أعصاب تونسية في العالم تحمل هذه القضايا إلى الساحة الدولية رفيعة المستوى، تتمثل مهمتي في إثبات قدرة كفاءاتنا الوطنية على قيادة حوارات نخبوية متعددة الاختصاصات.
نحن نعمل في إطار جمعية PSAF، وهي جمعية علمية مرموقة مدرجة في سجل البرلمان الأوروبي، على جعل خبراتنا العلمية ركيزة أساسية في صياغة السياسات الصحية العالمية الجديدة. كما نُسهم بفعالية في إعداد خطوط توجيهية دولية بالاستناد إلى أبحاث متقدمة، بما يؤشر إلى أن الخبرة التونسية أصبحت مرجعا لا غنى عنه في حوكمة العلوم على المستوى العالمي.
ونحن حاليا نعمل على إنشاء مرصد دولي يعنى بالصحة قبل وبعد الولادة، على أن يكون مقره في روما.
*ما هي المجالات التي شملها تعاونكم مع وزارة التربية في سنة 2024، وما طبيعة المساهمات العلمية أو الاستشارية التي قدمتموها في هذا الإطار؟
أتاح تعاوننا مع وزارة التربية، بالتعاون مع AIPU وجمعية PSAF في عام 2024، الكشف عن حقيقة علمية أساسية: فالرهاب المدرسي، والصمت الانتقائي، والفشل الدراسي ليست سوى أعراض لإصابة عضوية خفية ناتجة عن العنف. وبصفتي أول عالِمة أعصاب تونسية في العالم ترفع هذه الرسالة، شرحت كيف أن العنف أثناء الحمل يُشبِع الجهاز العصبي للطفل ويُحدث خللا في الموضع الأزرق (Locus Coeruleus).
وهذا الاعتداء النفسي من شأنه أن يؤدي إلى تعطيل في مستوى الذاكرة العامة. فالطفل يصبح غير قادر بيولوجيا على معالجة المعلومات لأن دماغه يبقى في وضع «البقاء على قيد الحياة». وقد نبهنا الوزارة إلى الخطأ الفادح في تصنيف هؤلاء الأطفال تلقائيا على أنهم يعانون من «اضطرابات النمو العصبي»، وهو ما يغذي نشاطا تجاريا على حساب صحة الطفل، في حين أن الأمر يتعلق بانحطاط عصبي مبكر ناتج عن الصدمة.
وكما صرحتُ في Eurasia News: «من الضروري أن نزرع الحب». علميا، الحب هو المحفز الوحيد القادر على استعادة السيروتونين والمرونة العصبية (neuroplasticity). ومهمتي، ومهمة فريقنا في PSAF، هي تحرير أطفالنا من هذه القيود العصبية عبر ذكاء القلب.
*تشرفين وتنسقين مشاريع تعاون علمي دولي كبرى، من بينها إرساء دكتوراه في علوم الأعصاب الإكلينيكية والطب الشرعي في إفريقيا. ما الذي يمكن أن تستفيده تونس من هذه التجارب على مستوى البحث العلمي والتكوين العالي؟
يمثل هذا المشروع الخاص بالدكتوراه تتويجا لمسار الدبلوماسية العلمية العالمية التي أرسيناها بهدف بناء جسور مستدامة بين الدول. وبصفتي رائدة تونسية معترفا بها دوليا، أتولى الإشراف العلمي على هذا البرنامج الذي يُعد نموذجا فريدا في التعاون الأكاديمي الدولي.
ويمكن لتونس أن تتحول إلى دولة رائدة في مجال الكشف المبكر عن الصدمات النفسية والعصبية، وذلك بفضل دراساتنا حول ما نطلق عليه «اللغز العصبي-البيولوجي».
وترتكز أبحاثنا على فحص رُضّع بعد ثلاثة أسابيع فقط من الولادة. وقد أثبتنا علميا أن العنف أثناء الحمل يُحدث تغييرات لا رجعة فيها على مستوى اللوزة الدماغية (مركز الانفعالات) والنواة المذنبة (دائرة الدافعية).
وتؤكد هذه المعطيات أن العنف يُغيّر المادة البيضاء والتشابك العصبي منذ المراحل الأولى للحياة، بما يخلق بيئة مهيّأة لظهور الإجرام، والإدمان، والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر. وتحت الإشراف الأكاديمي للبروفيسور رافاييلي زينو، يوفّر هذا البرنامج للدكتوراه فرصة محورية لتونس لإحداث نقلة نوعية في البحث العلمي في مجال علم الإجرام الطبي-الشرعي.
*تبرز أعمالك مفهوم الربط بين الصدمات النفسية والاستجابات العضوية ضمن ما يُعرف بالطب التكاملي الجديد. إلى أي مدى يمكن اعتماد هذا التوجه في المنظومة الصحية التونسية؟
يرتكز «الطب التكاملي الجديد» الذي نعمل على تطويره داخل جمعية PSAF على مفاهيم علم التخلّق فوق الجيني العابر للأجيال. وبوصفي صوتا علميا ذا صيت دولي، فإن من واجبي – وواجبنا الجماعي – أن نُدين بقوة الإفراط في تشخيص ما يُسمّى بـ«اضطرابات النمو العصبي». فنحن نشهد تضخما في هذه التشخيصات يُخفي في كثير من الأحيان منطقا تجاريا على حساب الصحة النفسية للأطفال.
كثير من الأطفال لا يعانون من أمراض فطرية، بل من أذى عضوي ناتج عن صدمات نفسية. ومن خلال إدماج مقاربتنا، يمكن للمنظومة الصحية التونسية أن تعتمد التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS) من أجل تعديل نشاط الموضع الأزرق (Locus Coeruleus).
فهذا النواة الدماغية، إذا تضررت داخل الرحم بفعل العنف، تفقد قدرتها على إنتاج السيروتونين والدوبامين والأسيتيل كولين، مما يقود حتما إلى اضطرابات انتكاسية عصبية-إدراكية. وبالتالي، إن معالجة الجذر العضوي عبر علم التشريح العصبي الوظيفي تمثل السبيل الوحيد لوقف هذا الانحدار الاجتماعي وحماية الرأسمال البشري لبلادنا.
*قدت مؤخرا مؤتمرا دوليا داخل البرلمان الأوروبي حول العنف قبل وبعد الولادة. ما هي الرسائل الأساسية التي أردت إيصالها؟ وهل ترين أن التشريعات الحالية كافية لحماية الأم والطفل؟
داخل البرلمان الأوروبي، قدّمنا ميثاق ستراسبورغ وطرحنا مفهوما ثوريا جديدا يتمثل في التشريح العصبي لحقوق الإنسان.
وبصفتي أول عالمة أعصاب تونسية تتوجه إلى هذه المؤسسة في موضوع بهذه الحساسية، كانت رسالتي واضحة لا لبس فيها: العنف قبل الولادة، ولا سيما حين يتفاقم بفعل صدمات الحروب، يُعدّ اعتداء جسديا مباشرا وقابلا للقياس على دماغ الجنين.
ونؤكد أن الأطر القانونية المعمول بها اليوم تظل قاصرة لأنها تتجاهل الأدلة العصبية–الفيزيولوجية. ومن خلال المرصد الدولي التابع لجمعية PSAF، نناضل من أجل الاعتراف بحماية الأم باعتبارها إجراء ذا أولوية قصوى في إطار الأمن العام، خاصة وأن تجاهل هذا العنف البيولوجي يعني الحكم على المجتمع بتحمّل ارتفاع في جنوح الأحداث وتفاقم خطورة السلوكيات المحفوفة بالمخاطر.
*تسعين إلى إشراك البرلمان الإفريقي في قضايا الصحة ما قبل الولادة وبعدها. ما الدور الذي يمكن لتونس أن تلعبه، بالنظر إلى خبرتها المؤسسية والقانونية، في تعزيز معايير حماية أعلى على المستوى الإفريقي؟
يجب أن تكون تونس في المقدمة على مستوى صياغة تشريعات إفريقية متقدمة تستند إلى علم الإجرام الطبي-الشرعي. هذا النضال الذي نقوده مستوحى بعمق من إرث الدكتورة جوليا زينو، الطبيبة النسائية الرائدة التي كرست حياتها كاملة لكرامة الأمهات.
وتحت إشرافي العلمي والإدارة المؤسسية للبروفيسور رافاييلي زينو، نقوم بتصدير هذه الخبرة الفريدة. وبصفتي قائدة في مجال الدبلوماسية العلمية العالمية، أعمل على أن تكون تونس منارة تحمي السلامة العصبية للأجيال القادمة.
هدفنا في البرلمان الإفريقي المستقبلي هو تحويل العلم إلى درع قانوني يوقف الانحطاط العصبي والاجتماعي عبر القارة الإفريقية بأكملها.
حوار: منال حرزي
◄ مهمتي إثبات قدرة كفاءاتنا الوطنية على قيادة حوارات نخبوية متعددة الاختصاصات
◄ تونس يمكنها أن تكون رائدة في مجال الكشف المبكر عن الصدمات النفسية والعصبية
◄ العنف قبل الولادة اعتداء جسدي مباشر على دماغ الجنين
هي واحدة من ألمع الكفاءات التونسية التي أضاءت سماء العلم خارج حدود الوطن. نجحت في بناء مسيرة استثنائية كأول تونسية في العالم تتخصص في مجال فريد يجمع بين الدقة العلمية والحساسية الإنسانية، حيث تناولت موضوع العنف أثناء الحمل، وقدمت آفاقا بحثية جديدة حول الجنين على الصعيد العلمي العالمي وفي البرلمان الأوروبي.
تشغل منصب النائبة الدولية للجمعية المهنية للعلوم الصحية والطب الشرعي المتقدم (PSAF) وهي جمعية علمية دولية، مسجلة لدى البرلمان الأوروبي ومرخصة من قبل وزارة الصحة الإيطالية.
كما أنها المديرة العلمية المشاركة لبرنامج الدكتوراه في علوم الأعصاب السريرية والطب الشرعي بالتعاون مع جامعة ياوندي الأولى. وهي أيضا معتمدة رسميا في سجل الخبراء الدوليين رفيعي المستوى التابع للمفوضية الأوروبية.
نجحت في ترسيخ حضورها كاسم مرجعي في علوم الأعصاب السريرية ووجه بارز في الدبلوماسية العلمية التي تجمع بين البحث المتقدم وصناعة القرار. ولم تُبعدها مسؤولياتها الأكاديمية والدولية عن الانشغال بالقضايا التربوية والإنسانية، بل جعلت من العلم أداة وقاية وحماية، ومن المعرفة جسرا لخدمة المجتمع.
هي الدكتورة والباحثة حميدة أولاد سليمان، أول عالمة أعصاب تونسية في العالم تطرح، بالشراكة مع جمعية PSAF والبروفيسور رافاييلي زينو، مفهوم تكامل حقوق الإنسان في صميم الدماغ، لتكون بذلك التوقيع التونسي الذي يسهم في رسم ملامح مستقبل إنساني جديد. أكدت في حوار خصت به «الصباح» أنها تعمل حاليا على إنشاء مرصد دولي يعنى بالصحة قبل وبعد الولادة. كما عرض اللقاء أيضا تجربتها مع وزارة التربية في سنة 2024، وتطرقت إلى العديد من المسائل الأخرى في الحوار التالي:
*في البداية، وبوصفك مختصة وباحثة تونسية معترفا بها دوليا وخبيرة معتمدة لدى المفوضية الأوروبية، كيف تنظرين إلى موقع الكفاءات التونسية في صياغة السياسات الصحية والعلمية العالمية؟
بصفتي خبيرة مدرجة ضمن قاعدة بيانات المفوضية الأوروبية ونائبة الرئيس الدولي لجمعية PSAF، يمكنني أن أؤكد بكل فخر أن تونس لم تعد تكتفي بمتابعة التطورات العالمية، بل أصبحت فاعلة ومؤثرة فيها. وبوصفي أول عالمة أعصاب تونسية في العالم تحمل هذه القضايا إلى الساحة الدولية رفيعة المستوى، تتمثل مهمتي في إثبات قدرة كفاءاتنا الوطنية على قيادة حوارات نخبوية متعددة الاختصاصات.
نحن نعمل في إطار جمعية PSAF، وهي جمعية علمية مرموقة مدرجة في سجل البرلمان الأوروبي، على جعل خبراتنا العلمية ركيزة أساسية في صياغة السياسات الصحية العالمية الجديدة. كما نُسهم بفعالية في إعداد خطوط توجيهية دولية بالاستناد إلى أبحاث متقدمة، بما يؤشر إلى أن الخبرة التونسية أصبحت مرجعا لا غنى عنه في حوكمة العلوم على المستوى العالمي.
ونحن حاليا نعمل على إنشاء مرصد دولي يعنى بالصحة قبل وبعد الولادة، على أن يكون مقره في روما.
*ما هي المجالات التي شملها تعاونكم مع وزارة التربية في سنة 2024، وما طبيعة المساهمات العلمية أو الاستشارية التي قدمتموها في هذا الإطار؟
أتاح تعاوننا مع وزارة التربية، بالتعاون مع AIPU وجمعية PSAF في عام 2024، الكشف عن حقيقة علمية أساسية: فالرهاب المدرسي، والصمت الانتقائي، والفشل الدراسي ليست سوى أعراض لإصابة عضوية خفية ناتجة عن العنف. وبصفتي أول عالِمة أعصاب تونسية في العالم ترفع هذه الرسالة، شرحت كيف أن العنف أثناء الحمل يُشبِع الجهاز العصبي للطفل ويُحدث خللا في الموضع الأزرق (Locus Coeruleus).
وهذا الاعتداء النفسي من شأنه أن يؤدي إلى تعطيل في مستوى الذاكرة العامة. فالطفل يصبح غير قادر بيولوجيا على معالجة المعلومات لأن دماغه يبقى في وضع «البقاء على قيد الحياة». وقد نبهنا الوزارة إلى الخطأ الفادح في تصنيف هؤلاء الأطفال تلقائيا على أنهم يعانون من «اضطرابات النمو العصبي»، وهو ما يغذي نشاطا تجاريا على حساب صحة الطفل، في حين أن الأمر يتعلق بانحطاط عصبي مبكر ناتج عن الصدمة.
وكما صرحتُ في Eurasia News: «من الضروري أن نزرع الحب». علميا، الحب هو المحفز الوحيد القادر على استعادة السيروتونين والمرونة العصبية (neuroplasticity). ومهمتي، ومهمة فريقنا في PSAF، هي تحرير أطفالنا من هذه القيود العصبية عبر ذكاء القلب.
*تشرفين وتنسقين مشاريع تعاون علمي دولي كبرى، من بينها إرساء دكتوراه في علوم الأعصاب الإكلينيكية والطب الشرعي في إفريقيا. ما الذي يمكن أن تستفيده تونس من هذه التجارب على مستوى البحث العلمي والتكوين العالي؟
يمثل هذا المشروع الخاص بالدكتوراه تتويجا لمسار الدبلوماسية العلمية العالمية التي أرسيناها بهدف بناء جسور مستدامة بين الدول. وبصفتي رائدة تونسية معترفا بها دوليا، أتولى الإشراف العلمي على هذا البرنامج الذي يُعد نموذجا فريدا في التعاون الأكاديمي الدولي.
ويمكن لتونس أن تتحول إلى دولة رائدة في مجال الكشف المبكر عن الصدمات النفسية والعصبية، وذلك بفضل دراساتنا حول ما نطلق عليه «اللغز العصبي-البيولوجي».
وترتكز أبحاثنا على فحص رُضّع بعد ثلاثة أسابيع فقط من الولادة. وقد أثبتنا علميا أن العنف أثناء الحمل يُحدث تغييرات لا رجعة فيها على مستوى اللوزة الدماغية (مركز الانفعالات) والنواة المذنبة (دائرة الدافعية).
وتؤكد هذه المعطيات أن العنف يُغيّر المادة البيضاء والتشابك العصبي منذ المراحل الأولى للحياة، بما يخلق بيئة مهيّأة لظهور الإجرام، والإدمان، والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر. وتحت الإشراف الأكاديمي للبروفيسور رافاييلي زينو، يوفّر هذا البرنامج للدكتوراه فرصة محورية لتونس لإحداث نقلة نوعية في البحث العلمي في مجال علم الإجرام الطبي-الشرعي.
*تبرز أعمالك مفهوم الربط بين الصدمات النفسية والاستجابات العضوية ضمن ما يُعرف بالطب التكاملي الجديد. إلى أي مدى يمكن اعتماد هذا التوجه في المنظومة الصحية التونسية؟
يرتكز «الطب التكاملي الجديد» الذي نعمل على تطويره داخل جمعية PSAF على مفاهيم علم التخلّق فوق الجيني العابر للأجيال. وبوصفي صوتا علميا ذا صيت دولي، فإن من واجبي – وواجبنا الجماعي – أن نُدين بقوة الإفراط في تشخيص ما يُسمّى بـ«اضطرابات النمو العصبي». فنحن نشهد تضخما في هذه التشخيصات يُخفي في كثير من الأحيان منطقا تجاريا على حساب الصحة النفسية للأطفال.
كثير من الأطفال لا يعانون من أمراض فطرية، بل من أذى عضوي ناتج عن صدمات نفسية. ومن خلال إدماج مقاربتنا، يمكن للمنظومة الصحية التونسية أن تعتمد التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS) من أجل تعديل نشاط الموضع الأزرق (Locus Coeruleus).
فهذا النواة الدماغية، إذا تضررت داخل الرحم بفعل العنف، تفقد قدرتها على إنتاج السيروتونين والدوبامين والأسيتيل كولين، مما يقود حتما إلى اضطرابات انتكاسية عصبية-إدراكية. وبالتالي، إن معالجة الجذر العضوي عبر علم التشريح العصبي الوظيفي تمثل السبيل الوحيد لوقف هذا الانحدار الاجتماعي وحماية الرأسمال البشري لبلادنا.
*قدت مؤخرا مؤتمرا دوليا داخل البرلمان الأوروبي حول العنف قبل وبعد الولادة. ما هي الرسائل الأساسية التي أردت إيصالها؟ وهل ترين أن التشريعات الحالية كافية لحماية الأم والطفل؟
داخل البرلمان الأوروبي، قدّمنا ميثاق ستراسبورغ وطرحنا مفهوما ثوريا جديدا يتمثل في التشريح العصبي لحقوق الإنسان.
وبصفتي أول عالمة أعصاب تونسية تتوجه إلى هذه المؤسسة في موضوع بهذه الحساسية، كانت رسالتي واضحة لا لبس فيها: العنف قبل الولادة، ولا سيما حين يتفاقم بفعل صدمات الحروب، يُعدّ اعتداء جسديا مباشرا وقابلا للقياس على دماغ الجنين.
ونؤكد أن الأطر القانونية المعمول بها اليوم تظل قاصرة لأنها تتجاهل الأدلة العصبية–الفيزيولوجية. ومن خلال المرصد الدولي التابع لجمعية PSAF، نناضل من أجل الاعتراف بحماية الأم باعتبارها إجراء ذا أولوية قصوى في إطار الأمن العام، خاصة وأن تجاهل هذا العنف البيولوجي يعني الحكم على المجتمع بتحمّل ارتفاع في جنوح الأحداث وتفاقم خطورة السلوكيات المحفوفة بالمخاطر.
*تسعين إلى إشراك البرلمان الإفريقي في قضايا الصحة ما قبل الولادة وبعدها. ما الدور الذي يمكن لتونس أن تلعبه، بالنظر إلى خبرتها المؤسسية والقانونية، في تعزيز معايير حماية أعلى على المستوى الإفريقي؟
يجب أن تكون تونس في المقدمة على مستوى صياغة تشريعات إفريقية متقدمة تستند إلى علم الإجرام الطبي-الشرعي. هذا النضال الذي نقوده مستوحى بعمق من إرث الدكتورة جوليا زينو، الطبيبة النسائية الرائدة التي كرست حياتها كاملة لكرامة الأمهات.
وتحت إشرافي العلمي والإدارة المؤسسية للبروفيسور رافاييلي زينو، نقوم بتصدير هذه الخبرة الفريدة. وبصفتي قائدة في مجال الدبلوماسية العلمية العالمية، أعمل على أن تكون تونس منارة تحمي السلامة العصبية للأجيال القادمة.
هدفنا في البرلمان الإفريقي المستقبلي هو تحويل العلم إلى درع قانوني يوقف الانحطاط العصبي والاجتماعي عبر القارة الإفريقية بأكملها.