إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تضاعف نسبة الحوامل اللاتي لا يخضعن للمتابعة الصحية أثناء الحمل.. تعزيز منظومة الصحة الإنجابية ضرورة لضمان حق النساء وسلامة الأطفال وتفادي شبح التهرّم!

تضاعفت نسبة الحوامل اللاتي لا يخضعن للمتابعة الصحية أثناء فترة الحمل من 4.5 بالمائة في سنة 2018 لتصل إلى 9.3 بالمائة اليوم، وفقا لما أفاد به مكتب منظمة الأمم المتحدة للمرأة في تونس في بلاغ على الصفحة الرسمية لمكتب المنظمة.

كما أكدت منظمة الأمم المتحدة للمرأة في تونس أن نسبة النساء الحوامل اللواتي خضعن إلى أربع استشارات طبية على الأقل خلال فترة الحمل قد تراجعت مقارنة بسنة 2018، حيث بلغت 78.6 بالمائة بعد أن كانت في حدود 84.1 بالمائة في سنة 2018. كما أوضحت المنظمة الأممية أن المتابعة الطبية أثناء الحمل هي حق أساسي يضمن سلامة الأم ورضيعها.

كما أشارت منظمة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن الإحصائيات البيانية استنادا إلى دراسات وطنية في تونس قد أثبتت تزايد النساء الحوامل اللاتي لا يتمتعن بالمتابعة الصحية والطبية أثناء الحمل، وهو ما يدل على عدم تكافؤ الفرص في الحصول على حق الصحة الإنجابية. وقد دعت المنظمة إلى أهمية المتابعة الدورية لتفادي المخاطر وضرورة مرافقة الأمهات من أجل ولادة سليمة وتعزيز الحق في الصحة الإنجابية بطريقة عادلة بين جميع الجهات والمناطق.

ورغم أن تونس تُعدّ مركزا إقليميا رائدا في الطب الإنجابي والمساعدة الطبية على الإنجاب في شمال إفريقيا، ورغم التجربة الرائدة والخدمات التي يقدمها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري منذ سنوات الاستقلال الأولى، إلا أن تراجع نسب متابعة الحوامل في الوقت الحالي يستدعي أخذ هذا التراجع بعين الاعتبار ووضع الخطط الكفيلة بتجاوزه. ويقدم ديوان الأسرة خدمات شاملة لرعاية الحوامل تشمل متابعة الحمل والفحوصات الطبية والتقصي المبكر للأمراض، كما يعمل الديوان على ضمان حمل صحي وآمن من خلال مراكز الصحة الإنجابية ومراكز الصحة الأساسية، وتوفير الاستشارات الطبية والنفسية، بالإضافة إلى تنفيذ برامج لتنظيم الأسرة والتقليص من مضاعفات الحمل المتكرر.

سياسة تحديد النسل

كانت سياسة تحديد النسل أحد رهانات دولة الاستقلال، ومن خلال ديوان الأسرة والعمران البشري، وقد كانت خيارا استراتيجيا للدولة. وقد نجحت هذه السياسة في التحكم في النسل وفي عدد السكان بحيث لا يتجاوز الإمكانيات الذاتية للدولة ولا يسبب أزمات ديمغرافية كتلك التي تعيشها بعض الدول العربية المجاورة. وقد رافقت هذه السياسة منظومة صحة إنجابية متميزة قرّبت الخدمات الصحية من النساء حتى في الأرياف والمناطق المهمشة والمعزولة. وتُعدّ تونس من الدول الرائدة في مجال تمكين المرأة، خصوصا في ما يتعلق بالصحة الإنجابية، حيث كان هذا الأمر في صلب السياسات العمومية منذ عقود، ويستمرّ ديوان الأسرة والعمران البشري في العمل على بلورة برامج تشمل جميع النساء، وخاصة المقيمات في المناطق الداخلية والريفية التي ما تزال تعاني من التهميش ومن صعوبة في الوصول إلى الخدمات الصحية.

تمثل الصحة الإنجابية أحد أبرز محاور تدخل الديوان من خلال برامج وطنية وحملات وقوافل تستهدف النساء من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، مع تأكيد رئيس الديوان كل مرة على الحرص على ضمان العدالة في النفاذ إلى الخدمات الصحية والتوعوية، بما يتماشى مع معايير المساواة بين الجنسين.

وقد ساهم برنامج تحديد النسل والصحة الإنجابية المعتمد في تونس منذ أكثر من 50 عاما في مجال التخطيط السكاني والتحكم في الخصوبة، وجنّب البلاد إمكانية تضاعف عدد السكان بمعدلات قد تصل إلى السبع مرات. حيث أفادت بحوث علمية ديموغرافية بأنه بدلا من أن يتضاعف عدد السكان مرتين ونصف، انتقل من 4.5 مليون نسمة في سنة 1966 ليصل إلى حدود 11 مليون و803 ألف نسمة في سنة 2021، بينما كان من الممكن أن يبلغ 30 مليون نسمة، وهو ما أكده رئيس المدير العام للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، محمد الدوعاجي، في تصريحات إعلامية سابقة.

الصحة الإنجابية في تونس

بلغت نسبة الاحتياجات غير الملباة في تونس وفق آخر الإحصائيات الصادرة عن ديوان الأسرة والعمران البشري 16.1 % حسب المسح العنقودي متعدد المؤشرات الأخير لسنة 2023، مسجلة تحسنا مقارنة بسنة 2018، حيث كانت في حدود 19.1 %. هذه الاحتياجات تهم النساء الناشطات جنسيا سواء في إطار الزواج أو خارجه. وتعود أسباب هذه الاحتياجات غير الملباة في العالم بشكل عام، وليس في تونس فقط، إلى انخفاض جودة خدمات الرعاية الصحية، المخاوف بشأن الآثار الجانبية لوسائل منع الحمل، نقص المعلومات عن وسائل منع الحمل أو أماكن الحصول عليها، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى أماكن تقديم الخدمة والحصول على وسائل منع الحمل الحديثة بسبب البعد الجغرافي أو التكلفة العالية وعدم انتظام زيارات العيادات المتنقلة.

وتتسبب هذه الاحتياجات غير الملباة في حدوث حمل غير مرغوب فيه، مما يشكل بدوره مخاطر صحية واجتماعية كبيرة على النساء وأطفالهن.

وقد فسّر رئيس المدير العام للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، في وقت سابق، هذه الاحتياجات غير الملباة بجائحة كورونا وصعوبة النفاذ إلى الخدمات في ظل تمدد فترة الحجر الصحي، إضافة إلى الأسباب الخاصة بالديوان، مثل نقص الموارد البشرية نظرا للإحالة السنوية لعدد كبير على شرف المهنة، وغياب مناظرات الانتداب في الوظيفة العمومية خلال السنوات الأخيرة، وكذلك الموارد اللوجستية، مثل تقادم وضعية أسطول النقل وتهرّمه خاصة في الجهات، ما شكل عائقًا أمام الفرق المتنقلة التي كانت من المكاسب الكبرى التي راهن عليها الديوان لسنوات من أجل إنجاح برامجه الوطنية. وكان الرئيس المدير العام لديوان الأسرة والعمران البشري، محمد الدوعاجي، قد أشار إلى أن الديوان طرح مقترحا على وزارة الصحة يتضمن مخططا في أفق 2030 يشمل حزمة خدمات صحية لفائدة النساء الحوامل تمنحهن حق النفاذ إلى الخدمات الصحية طيلة فترة الحمل مجانا.

الفحص الطبي قبل الزواج

من الخيارات الأخرى التي تساهم في دعم منظومة الصحة الإنجابية وتحمي الحوامل من أي مضاعفات مستقبلية، هو ضرورة إجراء الفحص الطبي قبل الزواج، على أن يكون فحصا حقيقيا وليس مجرد وثيقة تُستظهر عند عقد القران. وقد قامت وزارة الصحة بإصدار عدة بلاغات تحسيسية في هذا الإطار، حيث دعت أكثر من مرة إلى الإقبال الطوعي والواعي على الفحص الطبي السابق للزواج، باعتباره أحد الركائز الأساسية للوقاية الصحية وضمان حياة أسرية مستقرة وحماية الأجيال القادمة من الأمراض الوراثية والمعدية. وأكدت الوزارة بأنها توفر خدمة الفحص الطبي السابق للزواج مجانا في جميع المؤسسات الصحية العمومية، باعتبار أن هذا الإجراء هو استثمار في صحة الشريك والأسرة والمجتمع وخطوة حاسمة نحو زواج ناجح وأسرة متماسكة ومجتمع أكثر أمانا، وذلك في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة وتزايد المشاكل الصحية.

وفي آخر بلاغ لها منذ عدة أشهر، لفتت الوزارة إلى أن هذه الخدمة تهدف بالخصوص إلى توعية المقبلين على الزواج للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية والمعدية والحد من انتشارها. كما تسعى الوزارة من خلال التفعيل الجيد لهذه التدخلات الوقائية إلى اعتماد الكشف المبكر عن أمراض قد تؤثر على العلاقة الزوجية أو صحة الأبناء، مثل التلاسيميا، التهاب الكبد الفيروسي، وفيروس نقص المناعة البشرية.

وتتضمن الفحوصات الطبية الخاصة بالعيادة السابقة للزواج استشارة طبية متخصصة لتحاليل دم هامة وخاصة، تليها جلسات إرشاد ومشورة صحية بناء على النتائج، كما توفر العيادة معلومات مهمة تساعد على اتخاذ قرارات صحية واعية بشأن الإنجاب.

وتشمل هذه الخدمة الصحية جميع المقبلين على الزواج، حيث تُعدّ الشهادة الطبية شرطا أساسيا لإتمام عقد الزواج. وتُقدم الشهادة الطبية في مراكز الصحة الأساسية، ومراكز الصحة الإنجابية، والوحدات الصحية الخاصة. وينصح بإجراء الفحص في غضون 3 أشهر قبل الزواج لضمان التدخل الطبي في الوقت المناسب عند الحاجة.

أمل الحياة والتهرّم السكاني

لا يُمكن أن يغفل نجاح سياسة تحديد النسل حقيقة أن المجتمع التونسي يتجه نحو التهرّم السكاني، وهو ما يستدعي إيجاد حلول أبرزها تعزيز منظومة الصحة الإنجابية وضمان حمل آمن وأطفال سليمين.

في أواخر سنة 2024، وعلى هامش ندوة لإعلان الانطلاق في إعداد خطة وطنية حول التماسك الأسري بمناسبة الاحتفاء باليوم الوطني للأسرة، أكدت عربية الفرشيشي، كاهية مدير المركزية للإحصائيات الديمغرافية والاجتماعية بالمعهد الوطني للإحصاء، أنه وفقا للإعدادات المنجزة بين 1956 و2014، يُلاحظ أن نسبة الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 4 سنوات في انخفاض، نظرا لتراجع نسبة الولادات مقابل ارتفاع عدد السكان الذين يتجاوز سنهم 60 عاما.

وأوضحت الفرشيشي أن هذه النسبة كانت تمثل حوالي 5 بالمائة سنة 1956 لتصبح حوالي 15 بالمائة سنة 2014، معتبرة أن تونس تتجه نحو التهرم السكاني نظرا لارتفاع عدد كبار السن مقابل انخفاض عدد الأطفال. كما أشارت الفرشيشي إلى انخفاض عدد الولادات في العشرية الأخيرة، حيث تم تسجيل 135 ألف حالة ولادة سنة 2023 مقابل 220 ألف حالة ولادة سنة 2015. كما بلغ معدل الخصوبة في سنوات الإنجاب 1.7 طفل لكل امرأة سنة 2022 مقابل المعدل الطبيعي الذي يتمثل في 2.1. وأضافت أن أمل الحياة عند الولادة لدى النساء مرتفع بحوالي 5 سنوات مقارنة بالرجال، مقابل تطور نسبة الذكورة سنة 2024.

هذه المؤشرات والمعطيات الإحصائية الرسمية تفرض ضرورة تعزيز منظومة الصحة الإنجابية من عدة زوايا، مثل صحة الحوامل وتسهيل نفاذ النساء إلى الخدمات الصحية الإنجابية، بالإضافة إلى ضمان سلامة الأجنة والأطفال، حتى لا يصبح التهرم السكاني أحد المعضلات التي قد تعاني منها تونس في السنوات القادمة.

منية العرفاوي

تضاعف نسبة الحوامل اللاتي لا يخضعن للمتابعة الصحية أثناء الحمل..   تعزيز منظومة الصحة الإنجابية ضرورة لضمان حق النساء وسلامة الأطفال وتفادي شبح التهرّم!

تضاعفت نسبة الحوامل اللاتي لا يخضعن للمتابعة الصحية أثناء فترة الحمل من 4.5 بالمائة في سنة 2018 لتصل إلى 9.3 بالمائة اليوم، وفقا لما أفاد به مكتب منظمة الأمم المتحدة للمرأة في تونس في بلاغ على الصفحة الرسمية لمكتب المنظمة.

كما أكدت منظمة الأمم المتحدة للمرأة في تونس أن نسبة النساء الحوامل اللواتي خضعن إلى أربع استشارات طبية على الأقل خلال فترة الحمل قد تراجعت مقارنة بسنة 2018، حيث بلغت 78.6 بالمائة بعد أن كانت في حدود 84.1 بالمائة في سنة 2018. كما أوضحت المنظمة الأممية أن المتابعة الطبية أثناء الحمل هي حق أساسي يضمن سلامة الأم ورضيعها.

كما أشارت منظمة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن الإحصائيات البيانية استنادا إلى دراسات وطنية في تونس قد أثبتت تزايد النساء الحوامل اللاتي لا يتمتعن بالمتابعة الصحية والطبية أثناء الحمل، وهو ما يدل على عدم تكافؤ الفرص في الحصول على حق الصحة الإنجابية. وقد دعت المنظمة إلى أهمية المتابعة الدورية لتفادي المخاطر وضرورة مرافقة الأمهات من أجل ولادة سليمة وتعزيز الحق في الصحة الإنجابية بطريقة عادلة بين جميع الجهات والمناطق.

ورغم أن تونس تُعدّ مركزا إقليميا رائدا في الطب الإنجابي والمساعدة الطبية على الإنجاب في شمال إفريقيا، ورغم التجربة الرائدة والخدمات التي يقدمها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري منذ سنوات الاستقلال الأولى، إلا أن تراجع نسب متابعة الحوامل في الوقت الحالي يستدعي أخذ هذا التراجع بعين الاعتبار ووضع الخطط الكفيلة بتجاوزه. ويقدم ديوان الأسرة خدمات شاملة لرعاية الحوامل تشمل متابعة الحمل والفحوصات الطبية والتقصي المبكر للأمراض، كما يعمل الديوان على ضمان حمل صحي وآمن من خلال مراكز الصحة الإنجابية ومراكز الصحة الأساسية، وتوفير الاستشارات الطبية والنفسية، بالإضافة إلى تنفيذ برامج لتنظيم الأسرة والتقليص من مضاعفات الحمل المتكرر.

سياسة تحديد النسل

كانت سياسة تحديد النسل أحد رهانات دولة الاستقلال، ومن خلال ديوان الأسرة والعمران البشري، وقد كانت خيارا استراتيجيا للدولة. وقد نجحت هذه السياسة في التحكم في النسل وفي عدد السكان بحيث لا يتجاوز الإمكانيات الذاتية للدولة ولا يسبب أزمات ديمغرافية كتلك التي تعيشها بعض الدول العربية المجاورة. وقد رافقت هذه السياسة منظومة صحة إنجابية متميزة قرّبت الخدمات الصحية من النساء حتى في الأرياف والمناطق المهمشة والمعزولة. وتُعدّ تونس من الدول الرائدة في مجال تمكين المرأة، خصوصا في ما يتعلق بالصحة الإنجابية، حيث كان هذا الأمر في صلب السياسات العمومية منذ عقود، ويستمرّ ديوان الأسرة والعمران البشري في العمل على بلورة برامج تشمل جميع النساء، وخاصة المقيمات في المناطق الداخلية والريفية التي ما تزال تعاني من التهميش ومن صعوبة في الوصول إلى الخدمات الصحية.

تمثل الصحة الإنجابية أحد أبرز محاور تدخل الديوان من خلال برامج وطنية وحملات وقوافل تستهدف النساء من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، مع تأكيد رئيس الديوان كل مرة على الحرص على ضمان العدالة في النفاذ إلى الخدمات الصحية والتوعوية، بما يتماشى مع معايير المساواة بين الجنسين.

وقد ساهم برنامج تحديد النسل والصحة الإنجابية المعتمد في تونس منذ أكثر من 50 عاما في مجال التخطيط السكاني والتحكم في الخصوبة، وجنّب البلاد إمكانية تضاعف عدد السكان بمعدلات قد تصل إلى السبع مرات. حيث أفادت بحوث علمية ديموغرافية بأنه بدلا من أن يتضاعف عدد السكان مرتين ونصف، انتقل من 4.5 مليون نسمة في سنة 1966 ليصل إلى حدود 11 مليون و803 ألف نسمة في سنة 2021، بينما كان من الممكن أن يبلغ 30 مليون نسمة، وهو ما أكده رئيس المدير العام للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، محمد الدوعاجي، في تصريحات إعلامية سابقة.

الصحة الإنجابية في تونس

بلغت نسبة الاحتياجات غير الملباة في تونس وفق آخر الإحصائيات الصادرة عن ديوان الأسرة والعمران البشري 16.1 % حسب المسح العنقودي متعدد المؤشرات الأخير لسنة 2023، مسجلة تحسنا مقارنة بسنة 2018، حيث كانت في حدود 19.1 %. هذه الاحتياجات تهم النساء الناشطات جنسيا سواء في إطار الزواج أو خارجه. وتعود أسباب هذه الاحتياجات غير الملباة في العالم بشكل عام، وليس في تونس فقط، إلى انخفاض جودة خدمات الرعاية الصحية، المخاوف بشأن الآثار الجانبية لوسائل منع الحمل، نقص المعلومات عن وسائل منع الحمل أو أماكن الحصول عليها، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى أماكن تقديم الخدمة والحصول على وسائل منع الحمل الحديثة بسبب البعد الجغرافي أو التكلفة العالية وعدم انتظام زيارات العيادات المتنقلة.

وتتسبب هذه الاحتياجات غير الملباة في حدوث حمل غير مرغوب فيه، مما يشكل بدوره مخاطر صحية واجتماعية كبيرة على النساء وأطفالهن.

وقد فسّر رئيس المدير العام للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، في وقت سابق، هذه الاحتياجات غير الملباة بجائحة كورونا وصعوبة النفاذ إلى الخدمات في ظل تمدد فترة الحجر الصحي، إضافة إلى الأسباب الخاصة بالديوان، مثل نقص الموارد البشرية نظرا للإحالة السنوية لعدد كبير على شرف المهنة، وغياب مناظرات الانتداب في الوظيفة العمومية خلال السنوات الأخيرة، وكذلك الموارد اللوجستية، مثل تقادم وضعية أسطول النقل وتهرّمه خاصة في الجهات، ما شكل عائقًا أمام الفرق المتنقلة التي كانت من المكاسب الكبرى التي راهن عليها الديوان لسنوات من أجل إنجاح برامجه الوطنية. وكان الرئيس المدير العام لديوان الأسرة والعمران البشري، محمد الدوعاجي، قد أشار إلى أن الديوان طرح مقترحا على وزارة الصحة يتضمن مخططا في أفق 2030 يشمل حزمة خدمات صحية لفائدة النساء الحوامل تمنحهن حق النفاذ إلى الخدمات الصحية طيلة فترة الحمل مجانا.

الفحص الطبي قبل الزواج

من الخيارات الأخرى التي تساهم في دعم منظومة الصحة الإنجابية وتحمي الحوامل من أي مضاعفات مستقبلية، هو ضرورة إجراء الفحص الطبي قبل الزواج، على أن يكون فحصا حقيقيا وليس مجرد وثيقة تُستظهر عند عقد القران. وقد قامت وزارة الصحة بإصدار عدة بلاغات تحسيسية في هذا الإطار، حيث دعت أكثر من مرة إلى الإقبال الطوعي والواعي على الفحص الطبي السابق للزواج، باعتباره أحد الركائز الأساسية للوقاية الصحية وضمان حياة أسرية مستقرة وحماية الأجيال القادمة من الأمراض الوراثية والمعدية. وأكدت الوزارة بأنها توفر خدمة الفحص الطبي السابق للزواج مجانا في جميع المؤسسات الصحية العمومية، باعتبار أن هذا الإجراء هو استثمار في صحة الشريك والأسرة والمجتمع وخطوة حاسمة نحو زواج ناجح وأسرة متماسكة ومجتمع أكثر أمانا، وذلك في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة وتزايد المشاكل الصحية.

وفي آخر بلاغ لها منذ عدة أشهر، لفتت الوزارة إلى أن هذه الخدمة تهدف بالخصوص إلى توعية المقبلين على الزواج للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية والمعدية والحد من انتشارها. كما تسعى الوزارة من خلال التفعيل الجيد لهذه التدخلات الوقائية إلى اعتماد الكشف المبكر عن أمراض قد تؤثر على العلاقة الزوجية أو صحة الأبناء، مثل التلاسيميا، التهاب الكبد الفيروسي، وفيروس نقص المناعة البشرية.

وتتضمن الفحوصات الطبية الخاصة بالعيادة السابقة للزواج استشارة طبية متخصصة لتحاليل دم هامة وخاصة، تليها جلسات إرشاد ومشورة صحية بناء على النتائج، كما توفر العيادة معلومات مهمة تساعد على اتخاذ قرارات صحية واعية بشأن الإنجاب.

وتشمل هذه الخدمة الصحية جميع المقبلين على الزواج، حيث تُعدّ الشهادة الطبية شرطا أساسيا لإتمام عقد الزواج. وتُقدم الشهادة الطبية في مراكز الصحة الأساسية، ومراكز الصحة الإنجابية، والوحدات الصحية الخاصة. وينصح بإجراء الفحص في غضون 3 أشهر قبل الزواج لضمان التدخل الطبي في الوقت المناسب عند الحاجة.

أمل الحياة والتهرّم السكاني

لا يُمكن أن يغفل نجاح سياسة تحديد النسل حقيقة أن المجتمع التونسي يتجه نحو التهرّم السكاني، وهو ما يستدعي إيجاد حلول أبرزها تعزيز منظومة الصحة الإنجابية وضمان حمل آمن وأطفال سليمين.

في أواخر سنة 2024، وعلى هامش ندوة لإعلان الانطلاق في إعداد خطة وطنية حول التماسك الأسري بمناسبة الاحتفاء باليوم الوطني للأسرة، أكدت عربية الفرشيشي، كاهية مدير المركزية للإحصائيات الديمغرافية والاجتماعية بالمعهد الوطني للإحصاء، أنه وفقا للإعدادات المنجزة بين 1956 و2014، يُلاحظ أن نسبة الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 4 سنوات في انخفاض، نظرا لتراجع نسبة الولادات مقابل ارتفاع عدد السكان الذين يتجاوز سنهم 60 عاما.

وأوضحت الفرشيشي أن هذه النسبة كانت تمثل حوالي 5 بالمائة سنة 1956 لتصبح حوالي 15 بالمائة سنة 2014، معتبرة أن تونس تتجه نحو التهرم السكاني نظرا لارتفاع عدد كبار السن مقابل انخفاض عدد الأطفال. كما أشارت الفرشيشي إلى انخفاض عدد الولادات في العشرية الأخيرة، حيث تم تسجيل 135 ألف حالة ولادة سنة 2023 مقابل 220 ألف حالة ولادة سنة 2015. كما بلغ معدل الخصوبة في سنوات الإنجاب 1.7 طفل لكل امرأة سنة 2022 مقابل المعدل الطبيعي الذي يتمثل في 2.1. وأضافت أن أمل الحياة عند الولادة لدى النساء مرتفع بحوالي 5 سنوات مقارنة بالرجال، مقابل تطور نسبة الذكورة سنة 2024.

هذه المؤشرات والمعطيات الإحصائية الرسمية تفرض ضرورة تعزيز منظومة الصحة الإنجابية من عدة زوايا، مثل صحة الحوامل وتسهيل نفاذ النساء إلى الخدمات الصحية الإنجابية، بالإضافة إلى ضمان سلامة الأجنة والأطفال، حتى لا يصبح التهرم السكاني أحد المعضلات التي قد تعاني منها تونس في السنوات القادمة.

منية العرفاوي