هذا سر اهتمامي بمبدعي ومفكري وعلماء القيروان في كل مؤلفاتي
الكثير من الشعراء اليوم يكتبون الغموض ويعتقدون أنه عنوان العبقرية
إحياء النوادي الثقافية في المؤسسات التربوية ضرورة ملحة، وقرار وزارة التربية في المجال جيد
مثّل صدور طبعة جديدة لرواية « الهيفاء وسراج الليل» حدثا أدبيا تونسيا استثنائيا، على اعتبار أن الاتفاق كان حاصلا على أنها أول وأقدم رواية تونسية صدرت بين القرنين التاسع عشر والعشرين، بتوقيع الأديب صالح سويسي القيرواني.
وفي لقاء له مع «الصباح»، تحدث الكاتب والشاعر عبد الرحمان الكبلوطي عن الكثير من التفاصيل حول الرواية التي تولى تحقيقها وإصدارها في طبعة جديدة.
يقول الشاعر والكاتب عبد الرحمان الكبلوطي: «الهيفاء وسراج الليل» هي الرواية الأولى في المغرب العربي وتونس، ألفها أديب القيروان صالح سويسي بين القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي 1906 تولى الأديب صالح سويسي نشر هذه الرواية في مجلة « خيرالدين»، وبطلاها امرأة فاضلة في اليمامة من أب تركي وأم عربية، هي الهيفاء. بعد وفاة زوجها أرادت أن ترى ابنها سراج الليل متشبعا بتربية أصيلة دينية، بعيدا عن الشعوذة وما كان يشوه تعاليم الإسلام في تلك الفترة، فاختارت له شيخا هو المصلح رشيد رضا الذي أخذه معه إلى مصر لتعليمه أصول الدين، فكان ذلك وهو مضمون الطبعة الأولى.
وقال الشاعر عبد الرحمان الكبلوطي إنه في سنة 1921 تم نشر طبعة ثانية لهذه الرواية في جريدة « صبرة القيروانية»، مشيرا إلى أنه عمل جاهدا، انطلاقا من الطبعتين، على تحقيق هذه الرواية، فكان أن انتهى إلى أن المؤلف في الطبعة الثانية بجريدة « صبرة القيروانية» تدارك أمرين، حيث غيّر مصر بالقيروان، وهذا يعني تونسة الرواية، وحذف منها أيضا رشيد رضا وغيره، وعوّض في الطبعة الثانية بالمدرس الأول في جامع الزيتونة محمد النخلي آنذاك، وهذا – والكلام للشاعر عبد الرحمان الكبلوطي – ما لم يذكر في الطبعة الأولى المنشورة منذ أكثر من خمسين عاما.
القيروان وأدبها ومبدعوها
وجوابا عن سر اهتمامه الكبير بالقيروان ومبدعيها قال عبد الرحمان الكبلوطي: « أنا ابن القيروان، المدينة غيور على تراثها والمتخوف من نسيان وتناسي أعلامها البارزين أواخر القرن 19 وأوائل القرن العشرين، وأبرزهم صالح سويسي والشاذلي عطاء الله ومحمد الفايز ومحمد الحليوي وغيرهم، وقد جمعت الكثير من أدبهم ونشرته في بيت الحكمة، وما زلت مواصلا هذا الاتجاه لإيماني بضرورة ترابط الأجيال في المدينة والوطن، فلا مستقبل لثقافة إلا بماضيها.
وعن سر تعدد اهتماماته وتنوعها بين الشعر والتحقيق والسرد والترجمة قال عبد الرحمان الكبلوطي: « إذا استطاع الإنسان أن يجعل وقته كاملا للإبداع فلا يحصر طاقته في مجال وحيد. من هذا المنطلق أشير أنني كنت منذ فترة الشباب، وبحكم مطالعاتي وتمكني الجيد من قواعد الشعر، أجيد كتابة القصائد في شتى الأغراض، وديواني الأول « خرساء حبيبتي « تم إصداره في طبعة ثانية بعد نصف قرن، وفي ذلك دليل على قيمة محتواه وطرافة أسلوبه.
وأضاف قائلا: «ومن اهتماماتي الأدبية أيضا الترجمة، على اعتبار أنني من المهتمين بالمجال، وقمت بترجمة حوالي 50 قصيدة، وعربتها شعرا موزونا، وأصدرتها في كتاب عنوانه « اهازيج من الزمن البهيج «.
وكشف محدثنا أنه يبحث عن الجانب الإنساني في كل قصيد يروم ترجمته، وأنه ترجم للشاعر والسياسي الكبير ليوبولد سيدار سنغور لتناولها موضوع العنصرية، كما ترجم أشعار «لافونتان» الحاملة للعبر والدروس على ألسنة الحيوانات. وكانت له أيضا تجربة وحيدة في المسرح سنة 1976 من خلال مسرحية « سحابة من جراد»، وهي جزء من بيت شعر لابن رشيق القيرواني انتقد فيه الوضع الاجتماعي في عصره، وهذا يؤكد اهتمام الشاعر عبد الرحمان الكبلوطي بالقيروان في كل العصور.
الطرافة في الشعر
والقارئ لأشعار عبد الرحمان الكبلوطي يشده إليها حضور الطرافة فيها بقوة، وحول ذلك يقول: « يمكن أن تكون الطرافة في الجانب الشعري متأتية من تأثري الكبير بشعراء الفكاهة قديما وحديثا، وأخص بالذكر حسين الجزيري، وعلى الدوعاجي، وصالح السويسي. أما الجانب الثاني فهو يتأتى من اللغة البسيطة المستعملة، والإيحاءات إلى أحداث وتواريخ وأسماء في إطار النقد الاجتماعي دائما، إلى جانب القدرة على ارتجال أبيات شعر في الإبان.»
المشهد الثقافي اليوم
وفي حديثه عن المشهد الثقافي اليوم قال عبد الرحمان الكبلوطي: « كنا في سبعينات القرن الماضي نتعلم على شيوخ البيان وأقطاب الثقافة في بلادنا من خلال الإنصات بشيء من الإجلال إلى أصواتهم، ونحاول السير على خطاهم في غير محاكاة وتقليد، بكل تواضع وحب في الاطلاع ومزيد المعرفة... أما اليوم فكل من هب ودب يسمى نفسه كاتبا وشاعرا، ويحتقر غيره بذمه والقدح فيه وتجاهله، وهذا يحدث بكل أسف في العديد من دور الثقافة، فالمسؤولون عن هذه الدور أغلبهم لا يستدعون الموسيقيين والفنانين التشكيليين وغيرهم من أهل الاختصاص في عديد المجالات الثقافية، فقد غلبت المحاباة في ذلك» وفق وصفه.
بالنسبة للمضمون الإبداعي اليوم يقول محدثنا: «لا أنكر أبدا وجود بعض المحاولات الجادة التي برزت بتركيزها على القضية الفلسطينية، وأنا من المؤيدين لهذا التوجه، وكنت من أوائل المخلصين للقضية الفلسطينية، وخاصة حين تم سنة 1969 حرق المسجد الأقصى. هناك من الشعراء والكتاب من يتناولون موضوع الوطن والولاء له، وهذا أمر جيد وأنا معهم في ذلك، غير أن ما يزعجني أن كثيرا من هؤلاء المبدعين يكتبون شعرا غامضا ويظنون من خلال ذلك أن الغموض يعني العبقرية، على أني في ذات الوقت أثمن إبداعات البعض من الشباب اليوم في كتابة الرواية بصفة خاصة لما فيها من اجتهاد وتجديد.»
وشدد الكاتب في هذا اللقاء على ضرورة عودة التنشيط الثقافي اليوم، وهو يقول حول ذلك: «التنشيط الثقافي اليوم لا بد أن يعود بقوة، لأن أبرز الشعراء والكتاب والفنانين التشكيليين الكبار تخرجوا في سبعينات القرن الماضي من هذه المؤسسات، وكنت أحد المؤطرين الذين أداروا عديد النوادي الثقافية في القيروان أولا، وسوسة، وحمام الأنف بعد ذلك. فهذه النوادي مصدر التكوين الصحيح في الثقافة، وهي من الوسائل التي تحمي المراهقين من التشرد الفكري والاجتماعي، وتربي في داخلهم حب الوطن والذوق الجميل وقواعد الحوار الراقي والابتعاد عن التباغض».
جدير بالذكر أن عبد الرحمان الكبلوطي هو أستاذ مبرّز ومتفقد أول بالتعليم الثانوي (متقاعد)، وهو ناشط في المجالين التربوي والثقافي، وقد شغل عدة مسؤوليات ثقافية وتربوية، وله العديد من الإصدارات في مجالات إبداعية متنوعة، كما صدرت له أعمال نقدية، وتولى تحقيق عدد من الإصدارات الأدبية لأعلام من تونس، وحصل على جوائز على البعض منها، وذلك إلى جانب اهتمامه بالترجمة لأعلام من تونس ومن الخارج.
هذا سر اهتمامي بمبدعي ومفكري وعلماء القيروان في كل مؤلفاتي
الكثير من الشعراء اليوم يكتبون الغموض ويعتقدون أنه عنوان العبقرية
إحياء النوادي الثقافية في المؤسسات التربوية ضرورة ملحة، وقرار وزارة التربية في المجال جيد
مثّل صدور طبعة جديدة لرواية « الهيفاء وسراج الليل» حدثا أدبيا تونسيا استثنائيا، على اعتبار أن الاتفاق كان حاصلا على أنها أول وأقدم رواية تونسية صدرت بين القرنين التاسع عشر والعشرين، بتوقيع الأديب صالح سويسي القيرواني.
وفي لقاء له مع «الصباح»، تحدث الكاتب والشاعر عبد الرحمان الكبلوطي عن الكثير من التفاصيل حول الرواية التي تولى تحقيقها وإصدارها في طبعة جديدة.
يقول الشاعر والكاتب عبد الرحمان الكبلوطي: «الهيفاء وسراج الليل» هي الرواية الأولى في المغرب العربي وتونس، ألفها أديب القيروان صالح سويسي بين القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي 1906 تولى الأديب صالح سويسي نشر هذه الرواية في مجلة « خيرالدين»، وبطلاها امرأة فاضلة في اليمامة من أب تركي وأم عربية، هي الهيفاء. بعد وفاة زوجها أرادت أن ترى ابنها سراج الليل متشبعا بتربية أصيلة دينية، بعيدا عن الشعوذة وما كان يشوه تعاليم الإسلام في تلك الفترة، فاختارت له شيخا هو المصلح رشيد رضا الذي أخذه معه إلى مصر لتعليمه أصول الدين، فكان ذلك وهو مضمون الطبعة الأولى.
وقال الشاعر عبد الرحمان الكبلوطي إنه في سنة 1921 تم نشر طبعة ثانية لهذه الرواية في جريدة « صبرة القيروانية»، مشيرا إلى أنه عمل جاهدا، انطلاقا من الطبعتين، على تحقيق هذه الرواية، فكان أن انتهى إلى أن المؤلف في الطبعة الثانية بجريدة « صبرة القيروانية» تدارك أمرين، حيث غيّر مصر بالقيروان، وهذا يعني تونسة الرواية، وحذف منها أيضا رشيد رضا وغيره، وعوّض في الطبعة الثانية بالمدرس الأول في جامع الزيتونة محمد النخلي آنذاك، وهذا – والكلام للشاعر عبد الرحمان الكبلوطي – ما لم يذكر في الطبعة الأولى المنشورة منذ أكثر من خمسين عاما.
القيروان وأدبها ومبدعوها
وجوابا عن سر اهتمامه الكبير بالقيروان ومبدعيها قال عبد الرحمان الكبلوطي: « أنا ابن القيروان، المدينة غيور على تراثها والمتخوف من نسيان وتناسي أعلامها البارزين أواخر القرن 19 وأوائل القرن العشرين، وأبرزهم صالح سويسي والشاذلي عطاء الله ومحمد الفايز ومحمد الحليوي وغيرهم، وقد جمعت الكثير من أدبهم ونشرته في بيت الحكمة، وما زلت مواصلا هذا الاتجاه لإيماني بضرورة ترابط الأجيال في المدينة والوطن، فلا مستقبل لثقافة إلا بماضيها.
وعن سر تعدد اهتماماته وتنوعها بين الشعر والتحقيق والسرد والترجمة قال عبد الرحمان الكبلوطي: « إذا استطاع الإنسان أن يجعل وقته كاملا للإبداع فلا يحصر طاقته في مجال وحيد. من هذا المنطلق أشير أنني كنت منذ فترة الشباب، وبحكم مطالعاتي وتمكني الجيد من قواعد الشعر، أجيد كتابة القصائد في شتى الأغراض، وديواني الأول « خرساء حبيبتي « تم إصداره في طبعة ثانية بعد نصف قرن، وفي ذلك دليل على قيمة محتواه وطرافة أسلوبه.
وأضاف قائلا: «ومن اهتماماتي الأدبية أيضا الترجمة، على اعتبار أنني من المهتمين بالمجال، وقمت بترجمة حوالي 50 قصيدة، وعربتها شعرا موزونا، وأصدرتها في كتاب عنوانه « اهازيج من الزمن البهيج «.
وكشف محدثنا أنه يبحث عن الجانب الإنساني في كل قصيد يروم ترجمته، وأنه ترجم للشاعر والسياسي الكبير ليوبولد سيدار سنغور لتناولها موضوع العنصرية، كما ترجم أشعار «لافونتان» الحاملة للعبر والدروس على ألسنة الحيوانات. وكانت له أيضا تجربة وحيدة في المسرح سنة 1976 من خلال مسرحية « سحابة من جراد»، وهي جزء من بيت شعر لابن رشيق القيرواني انتقد فيه الوضع الاجتماعي في عصره، وهذا يؤكد اهتمام الشاعر عبد الرحمان الكبلوطي بالقيروان في كل العصور.
الطرافة في الشعر
والقارئ لأشعار عبد الرحمان الكبلوطي يشده إليها حضور الطرافة فيها بقوة، وحول ذلك يقول: « يمكن أن تكون الطرافة في الجانب الشعري متأتية من تأثري الكبير بشعراء الفكاهة قديما وحديثا، وأخص بالذكر حسين الجزيري، وعلى الدوعاجي، وصالح السويسي. أما الجانب الثاني فهو يتأتى من اللغة البسيطة المستعملة، والإيحاءات إلى أحداث وتواريخ وأسماء في إطار النقد الاجتماعي دائما، إلى جانب القدرة على ارتجال أبيات شعر في الإبان.»
المشهد الثقافي اليوم
وفي حديثه عن المشهد الثقافي اليوم قال عبد الرحمان الكبلوطي: « كنا في سبعينات القرن الماضي نتعلم على شيوخ البيان وأقطاب الثقافة في بلادنا من خلال الإنصات بشيء من الإجلال إلى أصواتهم، ونحاول السير على خطاهم في غير محاكاة وتقليد، بكل تواضع وحب في الاطلاع ومزيد المعرفة... أما اليوم فكل من هب ودب يسمى نفسه كاتبا وشاعرا، ويحتقر غيره بذمه والقدح فيه وتجاهله، وهذا يحدث بكل أسف في العديد من دور الثقافة، فالمسؤولون عن هذه الدور أغلبهم لا يستدعون الموسيقيين والفنانين التشكيليين وغيرهم من أهل الاختصاص في عديد المجالات الثقافية، فقد غلبت المحاباة في ذلك» وفق وصفه.
بالنسبة للمضمون الإبداعي اليوم يقول محدثنا: «لا أنكر أبدا وجود بعض المحاولات الجادة التي برزت بتركيزها على القضية الفلسطينية، وأنا من المؤيدين لهذا التوجه، وكنت من أوائل المخلصين للقضية الفلسطينية، وخاصة حين تم سنة 1969 حرق المسجد الأقصى. هناك من الشعراء والكتاب من يتناولون موضوع الوطن والولاء له، وهذا أمر جيد وأنا معهم في ذلك، غير أن ما يزعجني أن كثيرا من هؤلاء المبدعين يكتبون شعرا غامضا ويظنون من خلال ذلك أن الغموض يعني العبقرية، على أني في ذات الوقت أثمن إبداعات البعض من الشباب اليوم في كتابة الرواية بصفة خاصة لما فيها من اجتهاد وتجديد.»
وشدد الكاتب في هذا اللقاء على ضرورة عودة التنشيط الثقافي اليوم، وهو يقول حول ذلك: «التنشيط الثقافي اليوم لا بد أن يعود بقوة، لأن أبرز الشعراء والكتاب والفنانين التشكيليين الكبار تخرجوا في سبعينات القرن الماضي من هذه المؤسسات، وكنت أحد المؤطرين الذين أداروا عديد النوادي الثقافية في القيروان أولا، وسوسة، وحمام الأنف بعد ذلك. فهذه النوادي مصدر التكوين الصحيح في الثقافة، وهي من الوسائل التي تحمي المراهقين من التشرد الفكري والاجتماعي، وتربي في داخلهم حب الوطن والذوق الجميل وقواعد الحوار الراقي والابتعاد عن التباغض».
جدير بالذكر أن عبد الرحمان الكبلوطي هو أستاذ مبرّز ومتفقد أول بالتعليم الثانوي (متقاعد)، وهو ناشط في المجالين التربوي والثقافي، وقد شغل عدة مسؤوليات ثقافية وتربوية، وله العديد من الإصدارات في مجالات إبداعية متنوعة، كما صدرت له أعمال نقدية، وتولى تحقيق عدد من الإصدارات الأدبية لأعلام من تونس، وحصل على جوائز على البعض منها، وذلك إلى جانب اهتمامه بالترجمة لأعلام من تونس ومن الخارج.