إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

سفير تونس بالعراق شكري اللطيف لـ«الصباح»: العراق شريك المستقبل لتونس وسوق واعدة

-زيت الزيتون والأدوية في صدارة اهتمام السوق العراقية

-أدعو رجال الأعمال التونسيين إلى اقتحام السوق العراقية لأنها آمنة وواعدة

تستعد تونس للمشاركة في أسبوع منتجات الصناعات الغذائية التونسية في العراق، الذي ستحتضنه بغداد خلال شهر فيفري القادم (من 1 إلى 7 فيفري 2026)، بالتزامن مع معرض بغداد الدولي. هذه المحطة تُعدّ ذات أهمية بالغة في مسار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، والتي تشهد اليوم زخما لافتا على مختلف الأصعدة.

كما أشار سفير تونس بالعراق، شكري اللطيف، في حوار خص به «الصباح»، إلى أن هذه التظاهرة تُعدّ محطة استراتيجية في مسار الحضور الاقتصادي التونسي داخل السوق العراقية، وأكبر موعد تجاري تونسي في العراق منذ سنة 2003، بما يعكس رغبة البلدين في تطوير التعاون الثنائي والارتقاء به نحو شراكة استراتيجية متكاملة. في هذا السياق، دعا رجال الأعمال التونسيين إلى عدم التردد في ولوج السوق العراقية بوصفها سوقا آمنة وواعدة، في ضوء وجود مناخ مهيأ اليوم لترجمة الزخم السياسي بين البلدين إلى شراكات اقتصادية فاعلة وناجعة.

وفيما يلي نص الحوار:

*تحتضن بغداد خلال شهر فيفري القادم «أسبوع منتجات الصناعات الغذائية التونسية في العراق». إلى أي مدى يعتبر هذا الحدث محطة استراتيجية في مسار تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟

  يُعدّ هذا الحدث من أهم المواعيد التجارية والاقتصادية التونسية في العراق، وربما الأبرز منذ سنة 2003. رغم تسجيل بعض التظاهرات والمشاركات التونسية في السنوات الماضية، إلا أنها لم تكن بالحجم ولا الزخم الذي سيشهده هذا الموعد المرتقب.

ومنذ سنة 2024، برزت محاولات جدية لإعادة ولوج السوق العراقية، توجت بانعقاد مجلس الأعمال التونسي–العراقي، تلتها مشاركة تونسية في بغداد، لكن تلك المحطات، على أهميتها، لم ترتق بعد إلى مستوى الطموحات المشتركة.

من هذا المنطلق، تأتي التظاهرة المقبلة التي ستُقام تحت شعار «خيرات تونس في العراق» كمحطة اقتصادية متكاملة وبحجم كبير، ينسجم مع تطلعات الفاعلين الاقتصاديين في البلدين، خاصة وأن السوق العراقية تُعدّ اليوم من أكبر الأسواق الاستهلاكية في المنطقة، وتشهد نسق تطور متقدم يفتح آفاقا واسعة أمام المنتوج التونسي، ولا سيما في قطاع الصناعات الغذائية.

*هل من تفاصيل أكثر حول هذا الاستحقاق الاقتصادي المرتقب؟

ستسجل هذه التظاهرة مشاركة نحو 40 مؤسسة صناعية تونسية، وقد ارتأينا أن يُقام جزؤها الأول في العاصمة بغداد، على أن يحتضن إقليم كردستان وتحديدا مدينة أربيل جزأها الثاني، بما يتيح تغطية أوسع للسوق العراقية بمختلف مكوناتها.

إلى جانب فضاء العرض، سيكون هناك معرض تجاري للصناعات التونسية وبرنامج متكامل من اللقاءات الثنائية التي ستجمع رجال أعمال تونسيين بنظرائهم العراقيين، بهدف بناء شراكات مباشرة والتعريف بالمنتجات التونسية ومزاياها التنافسية.

وقد اخترنا في هذه الدورة الأولى التركيز أساسا على المنتجات الغذائية، باعتبارها من القطاعات الواعدة والقادرة على النفاذ السريع إلى السوق العراقية، وهو ما يعزز القناعة بأن الحدث المرتقب لا يمثل مجرد مشاركة تقليدية، بل يُجسد فعليا أهم موعد تجاري واقتصادي تونسي في العراق من حيث الحجم والتنظيم ومستوى الطموحات.

*ما هي القطاعات الغذائية أو المنتجات التونسية التي يُتوقع أن تثير اهتمام السوق العراقية أكثر من غيرها؟

نتوقع أن يحظى زيت الزيتون التونسي باهتمام خاص في السوق العراقية، لا سيما بعد أن لمسنا خلال السنة الماضية رغبة متزايدة لدى عدد من التجار العراقيين في توريده، اعتمادا على جودته العالية وتنافسيته.

إلى جانب زيت الزيتون، يُرجح أن تثير المواد الغذائية المعلبة بمختلف أصنافها اهتماما متناميا، نظرا لارتفاع الطلب عليها في السوق العراقية. كما تسجل منتجات الأسماك المجمدة والمعلبة حضورا قويا، وهو ما يعكس قدرة هذه السوق الاستهلاكية الواسعة على استيعاب كميات هامة ومتنوعة من هذه السلع.

وتؤكد هذه المؤشرات أن الصناعات الغذائية التونسية تمتلك فرصا حقيقية لتعزيز تموقعها في العراق.

*هل تتوقعون نجاحا لهذه التظاهرة؟

  نعم، نرجح أن تكلل هذه التظاهرة بالنجاح، خاصة في ظل الاهتمام الكبير الذي يبديه العراق بتعزيز التعاون مع تونس، وما يرافقه من إرادة سياسية واضحة لدى القيادة العراقية للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات أوسع.

إذ انعقدت مؤخرا في تونس لجنة المشاورات السياسية بين البلدين، حيث تم التطرق إلى ملفات بالغة الأهمية عكست تطابقا في وجهات النظر إزاء عدد من القضايا الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وهو ما يشكل أرضية صلبة لتطوير التعاون في مختلف المجالات، بما فيها الجانب الاقتصادي.

كما أن تونس باتت اليوم وجهة مألوفة لدى المواطن العراقي، وهو ما يتجلى من خلال التطور الملحوظ في عدد السياح العراقيين، الذي ارتفع من حوالي 4 آلاف سائح إلى أكثر من 10 آلاف سائح.

وحرصا على إنجاح هذه التظاهرة، نعمل على الترويج لها على نطاق واسع لدى مختلف المهنيين والفاعلين الاقتصاديين.

*كيف يمكن أن يساهم هذا الحدث في تعزيز الحضور الاقتصادي التونسي داخل السوق العراقية؟

يساهم هذا الحدث في تعزيز الحضور الاقتصادي التونسي داخل السوق العراقية من خلال المقاربة التشاركية التي اعتمدناها في تنظيمه، إذ تم الإعداد له بالتعاون مع منظمات أعراف عراقية وبالتوازي مع غرفة تجارة بغداد وغرفة تجارة إقليم كردستان، وهي هياكل فاعلة أبدت اهتماما فعليا بالتعرف عن قرب على المنتوج التونسي وإمكانياته.

ويكتسي هذا الاهتمام قيمة خاصة، لاسيما وأن المنتوج التونسي بات أكثر حضورا في الذهن لدى المستهلك العراقي، سواء بفضل ارتفاع عدد السياح العراقيين الذين زاروا تونس واطلعوا مباشرة على جودة عدد من السلع التونسية، أو نتيجة الجهود التي بذلها بعض رجال الأعمال التونسيين خلال السنوات الأخيرة لولوج السوق العراقية وفتح قنوات تعاون فعلية.

ومن شأن هذا التلاقي بين العرض التونسي والطلب العراقي، في إطار منظم ومؤسسي، أن يُمهد لإرساء شراكات مستدامة ويعزز تموقع المنتوج التونسي داخل واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في المنطقة.

*هل يمكن أن يكون هذا الأسبوع لبنة أولى نحو إقامة شراكة اقتصادية دائمة بين المؤسسات التونسية والعراقية؟ وهل يمكن أن نشهد قريبا محطات مماثلة لمعارض تونسية في السوق العراقية في مجالات أخرى؟

  نعم، بالتأكيد، فهذا الأسبوع يمثل في تصوّرنا لبنة أولى نحو إرساء شراكة اقتصادية دائمة بين المؤسسات التونسية والعراقية. وهو توجّه نعمل على تجسيده بالتعاون مع منظمة «كوناكت» وبقية الهياكل الداعمة مثل مركز النهوض بالصادرات.

تتركز الجهود حاليا على إرساء تمش يقوم على تنظيم هذه التظاهرات بصفة دورية، وعلى فترات زمنية متباعدة، مع الحرص على أن تكون قطاعية وموجهة، بما يسمح بالتركيز في كل محطة على المجالات التي تمتلك فيها تونس قدرة تنافسية حقيقية داخل السوق العراقية.

وفي هذا الإطار، نفكر في أن تتمحور التظاهرة القادمة حول المنتجات الطبية والصيدلانية، باعتبارها من القطاعات الواعدة والقابلة للنفاذ إلى السوق العراقية.

*هل هنالك اتفاقيات جديدة قيد الدرس لتعزيز التعاون بين البلدين؟

انعقدت سنة 2024 أعمال اللجنة المشتركة التونسية–العراقية، وقد حظي الجانب التجاري خلالها بأهمية خاصة، توجت بتوقيع اتفاقيات تجارية تهدف إلى تسهيل التبادل التجاري بين البلدين وتهيئة ظروف أفضل لانسياب المبادلات.

كما تناولت المحادثات بين الجانبين جملة من المجالات ذات الأولوية التي يمكن العمل عليها وتطويرها، وفي مقدمتها توفير إطار قانوني وتنظيمي ملائم من شأنه تذليل الصعوبات أمام الفاعلين الاقتصاديين وتعزيز مناخ الأعمال المشترك.

ومن هذا المنبر، أوجه دعوة إلى رجال الأعمال التونسيين لعدم التردد في اقتحام السوق العراقية، سواء من خلال زيارة العراق أو استكشاف فرص الشراكة المتاحة، لا سيما وأنها تُعدّ سوقا كبيرة وواعدة، تتمتع بقدرة شرائية معتبرة، وتشهد في المرحلة الراهنة حركية اقتصادية لافتة ونموا متسارعا يفتح آفاقا واسعة أمام المنتوج التونسي.

*كم يبلغ اليوم حجم المبادلات التجارية بين تونس والعراق؟ وهل هناك مؤشرات على تطورها خلال السنوات الأخيرة بما يعكس الزخم الذي تشهده حاليا العلاقات الثنائية؟

يقدّر حجم المبادلات التجارية بين تونس والعراق اليوم بـأكثر من 47 مليون دينار تونسي، مع ميزان تجاري يميل بالكامل لصالح تونس تقريبا. وتشير المؤشرات إلى تطوّر ملموس لهذه المبادلات خلال السنوات الأخيرة، خاصة في بعض القطاعات التي أصبحت تونس فيها شريكا تقليديا للسوق العراقية، على غرار المواد الكهربائية، حيث بات للمنتجات التونسية حضور متميّز بفضل الجودة والطلب المرتفع عليها، إلى جانب قطاع الأدوية الذي يقدم أيضا فرصا واعدة.

وتعكس هذه الديناميكية الإرادة السياسية لتونس في تعزيز العلاقات الثنائية مع العراق، الذي يُعتبر شريكا تقليديا ولكنه أيضا شريك المستقبل، مع فتح آفاق لتوسيع التعاون إلى قطاعات استراتيجية وحيوية مثل الطاقة والأدوية، بما يمهد الطريق لإقامة شراكة استراتيجية مستدامة بين البلدين.

*برأيكم، إلى أي مدى يمكن للدبلوماسية الاقتصادية أن تكون اليوم جسرا لدفع التعاون الثنائي نحو مستويات أعمق؟

  بالفعل، تُعدّ الدبلوماسية الاقتصادية اليوم أداة فعّالة لدفع التعاون الثنائي نحو مستويات أعمق، شريطة أن ترفق بعوامل نجاح واضحة. ومن أبرز هذه العوامل التنسيق الفعّال بين جميع المتدخلين على مستوى الفاعلين في التجارة الخارجية، مع إجراء دراسات دقيقة للأسواق الواعدة.

*تشهد العلاقات التونسية العراقية في الآونة الأخيرة زخما جديدا، ماهي أبرز مؤشرات هذا الزخم؟

  صحيح، تشهد العلاقات التونسية–العراقية في الآونة الأخيرة زخما متجدّدا، وهو نتاج خطة عمل واضحة. وقد تجسد ذلك خلال انعقاد اللجنة المشتركة التونسية–العراقية سنة 2024، بعد 17 سنة من الجمود، والتي أسفرت عن توقيع 18 اتفاقية تهدف إلى تأطير التعاون ووضع أسس قانونية متينة.

كما عزّز هذا الزخم تبادل الزيارات رفيعة المستوى، كان أبرزها زيارة رئيس الحكومة العراقية في أوت 2024، والتي ساهمت في منح العلاقات الثنائية منحى إيجابي جديد، أفضى إلى تذليل الإشكاليات القائمة مع ترسيخ إطار قانوني يُسهل التعاون المستقبلي.

اليوم أصبحت الطريق معبّدة أمام القطاع الخاص التونسي، ليستفيد من هذا التأطير السياسي والقانوني ويستغل الفرص المتاحة للولوج إلى السوق العراقية، بما يعزز حضور تونس الاقتصادي ويترجم الزخم السياسي إلى شراكات فعلية ومستدامة.

 *إلى جانب التعاون الاقتصادي والتجاري، هل تشمل العلاقات التونسية–العراقية اليوم مجالات تعاون أخرى، مثل التعليم والثقافة والسياحة؟

  نعم، بالتأكيد، هنالك مجالات أخرى واعدة، كالمجال الأكاديمي الذي يشهد حركية في تعاون حيث يدرس حاليا أكثر من 3000 طالب عراقي على نفقتهم الخاصة في مرحلة الدكتوراه في تونس، ويتوقع أن يتضاعف هذا الرقم نظرا للإقبال المتزايد من الطلبة العراقيين على الدراسة في مؤسساتنا التعليمية.

ومن بين القطاعات الواعدة الأخرى الطاقات المتجددة، حيث تبذل جهود ملموسة لتبادل الخبرات والمعرفة بين الخبراء التونسيين والعراقيين، بما يسهم في تطوير حلول مستدامة للطاقة في كلا البلدين.

أما البعد الثقافي، فيشهد بدوره زخما متناميا، مع مشاركة تونسية فاعلة في مختلف التظاهرات والفعاليات الثقافية في العراق، وتبادل مستمر للأنشطة بين الجانبين، ما يعزز التقارب الثقافي ووعي الشعوب ببعضها البعض.

*كيف ترون آفاق العلاقات التونسية–العراقية خلال السنوات القادمة، وهل يمكن القول إننا أمام مرحلة جديدة تتجاوز التعاون الثنائي نحو شراكة استراتيجية شاملة؟

  بالفعل، تشهد العلاقات التونسية–العراقية اليوم زخما لافتا في ظل وجود رغبة وإرادة سياسية على أعلى مستوى بين الجانبين لتطوير العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وهو ما نعمل على ترجمته حاليا من خلال مرحلة تنفيذية دقيقة تهدف إلى توسيع مجالات التعاون.

وهنا أود أن أوجه رسالة طمأنة للفاعلين الاقتصاديين التونسيين بعدم التردد في التوجه نحو السوق العراقية، التي تُعد اليوم بلدا آمنا ومستقرا، ويتيح فرصا واعدة للأعمال والاستثمار في مختلف القطاعات، لا سيما القطاع الدوائي، الذي يحظى باهتمام كبير من الجانب العراقي. كما أن العراق يوفر بيئة استثمارية ملائمة تترجمها سهولة التحويلات البنكية وغياب أي عراقيل.

أجرت الحوار: منال حرزي

سفير تونس بالعراق شكري اللطيف لـ«الصباح»:    العراق شريك المستقبل لتونس وسوق واعدة

-زيت الزيتون والأدوية في صدارة اهتمام السوق العراقية

-أدعو رجال الأعمال التونسيين إلى اقتحام السوق العراقية لأنها آمنة وواعدة

تستعد تونس للمشاركة في أسبوع منتجات الصناعات الغذائية التونسية في العراق، الذي ستحتضنه بغداد خلال شهر فيفري القادم (من 1 إلى 7 فيفري 2026)، بالتزامن مع معرض بغداد الدولي. هذه المحطة تُعدّ ذات أهمية بالغة في مسار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، والتي تشهد اليوم زخما لافتا على مختلف الأصعدة.

كما أشار سفير تونس بالعراق، شكري اللطيف، في حوار خص به «الصباح»، إلى أن هذه التظاهرة تُعدّ محطة استراتيجية في مسار الحضور الاقتصادي التونسي داخل السوق العراقية، وأكبر موعد تجاري تونسي في العراق منذ سنة 2003، بما يعكس رغبة البلدين في تطوير التعاون الثنائي والارتقاء به نحو شراكة استراتيجية متكاملة. في هذا السياق، دعا رجال الأعمال التونسيين إلى عدم التردد في ولوج السوق العراقية بوصفها سوقا آمنة وواعدة، في ضوء وجود مناخ مهيأ اليوم لترجمة الزخم السياسي بين البلدين إلى شراكات اقتصادية فاعلة وناجعة.

وفيما يلي نص الحوار:

*تحتضن بغداد خلال شهر فيفري القادم «أسبوع منتجات الصناعات الغذائية التونسية في العراق». إلى أي مدى يعتبر هذا الحدث محطة استراتيجية في مسار تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟

  يُعدّ هذا الحدث من أهم المواعيد التجارية والاقتصادية التونسية في العراق، وربما الأبرز منذ سنة 2003. رغم تسجيل بعض التظاهرات والمشاركات التونسية في السنوات الماضية، إلا أنها لم تكن بالحجم ولا الزخم الذي سيشهده هذا الموعد المرتقب.

ومنذ سنة 2024، برزت محاولات جدية لإعادة ولوج السوق العراقية، توجت بانعقاد مجلس الأعمال التونسي–العراقي، تلتها مشاركة تونسية في بغداد، لكن تلك المحطات، على أهميتها، لم ترتق بعد إلى مستوى الطموحات المشتركة.

من هذا المنطلق، تأتي التظاهرة المقبلة التي ستُقام تحت شعار «خيرات تونس في العراق» كمحطة اقتصادية متكاملة وبحجم كبير، ينسجم مع تطلعات الفاعلين الاقتصاديين في البلدين، خاصة وأن السوق العراقية تُعدّ اليوم من أكبر الأسواق الاستهلاكية في المنطقة، وتشهد نسق تطور متقدم يفتح آفاقا واسعة أمام المنتوج التونسي، ولا سيما في قطاع الصناعات الغذائية.

*هل من تفاصيل أكثر حول هذا الاستحقاق الاقتصادي المرتقب؟

ستسجل هذه التظاهرة مشاركة نحو 40 مؤسسة صناعية تونسية، وقد ارتأينا أن يُقام جزؤها الأول في العاصمة بغداد، على أن يحتضن إقليم كردستان وتحديدا مدينة أربيل جزأها الثاني، بما يتيح تغطية أوسع للسوق العراقية بمختلف مكوناتها.

إلى جانب فضاء العرض، سيكون هناك معرض تجاري للصناعات التونسية وبرنامج متكامل من اللقاءات الثنائية التي ستجمع رجال أعمال تونسيين بنظرائهم العراقيين، بهدف بناء شراكات مباشرة والتعريف بالمنتجات التونسية ومزاياها التنافسية.

وقد اخترنا في هذه الدورة الأولى التركيز أساسا على المنتجات الغذائية، باعتبارها من القطاعات الواعدة والقادرة على النفاذ السريع إلى السوق العراقية، وهو ما يعزز القناعة بأن الحدث المرتقب لا يمثل مجرد مشاركة تقليدية، بل يُجسد فعليا أهم موعد تجاري واقتصادي تونسي في العراق من حيث الحجم والتنظيم ومستوى الطموحات.

*ما هي القطاعات الغذائية أو المنتجات التونسية التي يُتوقع أن تثير اهتمام السوق العراقية أكثر من غيرها؟

نتوقع أن يحظى زيت الزيتون التونسي باهتمام خاص في السوق العراقية، لا سيما بعد أن لمسنا خلال السنة الماضية رغبة متزايدة لدى عدد من التجار العراقيين في توريده، اعتمادا على جودته العالية وتنافسيته.

إلى جانب زيت الزيتون، يُرجح أن تثير المواد الغذائية المعلبة بمختلف أصنافها اهتماما متناميا، نظرا لارتفاع الطلب عليها في السوق العراقية. كما تسجل منتجات الأسماك المجمدة والمعلبة حضورا قويا، وهو ما يعكس قدرة هذه السوق الاستهلاكية الواسعة على استيعاب كميات هامة ومتنوعة من هذه السلع.

وتؤكد هذه المؤشرات أن الصناعات الغذائية التونسية تمتلك فرصا حقيقية لتعزيز تموقعها في العراق.

*هل تتوقعون نجاحا لهذه التظاهرة؟

  نعم، نرجح أن تكلل هذه التظاهرة بالنجاح، خاصة في ظل الاهتمام الكبير الذي يبديه العراق بتعزيز التعاون مع تونس، وما يرافقه من إرادة سياسية واضحة لدى القيادة العراقية للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات أوسع.

إذ انعقدت مؤخرا في تونس لجنة المشاورات السياسية بين البلدين، حيث تم التطرق إلى ملفات بالغة الأهمية عكست تطابقا في وجهات النظر إزاء عدد من القضايا الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وهو ما يشكل أرضية صلبة لتطوير التعاون في مختلف المجالات، بما فيها الجانب الاقتصادي.

كما أن تونس باتت اليوم وجهة مألوفة لدى المواطن العراقي، وهو ما يتجلى من خلال التطور الملحوظ في عدد السياح العراقيين، الذي ارتفع من حوالي 4 آلاف سائح إلى أكثر من 10 آلاف سائح.

وحرصا على إنجاح هذه التظاهرة، نعمل على الترويج لها على نطاق واسع لدى مختلف المهنيين والفاعلين الاقتصاديين.

*كيف يمكن أن يساهم هذا الحدث في تعزيز الحضور الاقتصادي التونسي داخل السوق العراقية؟

يساهم هذا الحدث في تعزيز الحضور الاقتصادي التونسي داخل السوق العراقية من خلال المقاربة التشاركية التي اعتمدناها في تنظيمه، إذ تم الإعداد له بالتعاون مع منظمات أعراف عراقية وبالتوازي مع غرفة تجارة بغداد وغرفة تجارة إقليم كردستان، وهي هياكل فاعلة أبدت اهتماما فعليا بالتعرف عن قرب على المنتوج التونسي وإمكانياته.

ويكتسي هذا الاهتمام قيمة خاصة، لاسيما وأن المنتوج التونسي بات أكثر حضورا في الذهن لدى المستهلك العراقي، سواء بفضل ارتفاع عدد السياح العراقيين الذين زاروا تونس واطلعوا مباشرة على جودة عدد من السلع التونسية، أو نتيجة الجهود التي بذلها بعض رجال الأعمال التونسيين خلال السنوات الأخيرة لولوج السوق العراقية وفتح قنوات تعاون فعلية.

ومن شأن هذا التلاقي بين العرض التونسي والطلب العراقي، في إطار منظم ومؤسسي، أن يُمهد لإرساء شراكات مستدامة ويعزز تموقع المنتوج التونسي داخل واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في المنطقة.

*هل يمكن أن يكون هذا الأسبوع لبنة أولى نحو إقامة شراكة اقتصادية دائمة بين المؤسسات التونسية والعراقية؟ وهل يمكن أن نشهد قريبا محطات مماثلة لمعارض تونسية في السوق العراقية في مجالات أخرى؟

  نعم، بالتأكيد، فهذا الأسبوع يمثل في تصوّرنا لبنة أولى نحو إرساء شراكة اقتصادية دائمة بين المؤسسات التونسية والعراقية. وهو توجّه نعمل على تجسيده بالتعاون مع منظمة «كوناكت» وبقية الهياكل الداعمة مثل مركز النهوض بالصادرات.

تتركز الجهود حاليا على إرساء تمش يقوم على تنظيم هذه التظاهرات بصفة دورية، وعلى فترات زمنية متباعدة، مع الحرص على أن تكون قطاعية وموجهة، بما يسمح بالتركيز في كل محطة على المجالات التي تمتلك فيها تونس قدرة تنافسية حقيقية داخل السوق العراقية.

وفي هذا الإطار، نفكر في أن تتمحور التظاهرة القادمة حول المنتجات الطبية والصيدلانية، باعتبارها من القطاعات الواعدة والقابلة للنفاذ إلى السوق العراقية.

*هل هنالك اتفاقيات جديدة قيد الدرس لتعزيز التعاون بين البلدين؟

انعقدت سنة 2024 أعمال اللجنة المشتركة التونسية–العراقية، وقد حظي الجانب التجاري خلالها بأهمية خاصة، توجت بتوقيع اتفاقيات تجارية تهدف إلى تسهيل التبادل التجاري بين البلدين وتهيئة ظروف أفضل لانسياب المبادلات.

كما تناولت المحادثات بين الجانبين جملة من المجالات ذات الأولوية التي يمكن العمل عليها وتطويرها، وفي مقدمتها توفير إطار قانوني وتنظيمي ملائم من شأنه تذليل الصعوبات أمام الفاعلين الاقتصاديين وتعزيز مناخ الأعمال المشترك.

ومن هذا المنبر، أوجه دعوة إلى رجال الأعمال التونسيين لعدم التردد في اقتحام السوق العراقية، سواء من خلال زيارة العراق أو استكشاف فرص الشراكة المتاحة، لا سيما وأنها تُعدّ سوقا كبيرة وواعدة، تتمتع بقدرة شرائية معتبرة، وتشهد في المرحلة الراهنة حركية اقتصادية لافتة ونموا متسارعا يفتح آفاقا واسعة أمام المنتوج التونسي.

*كم يبلغ اليوم حجم المبادلات التجارية بين تونس والعراق؟ وهل هناك مؤشرات على تطورها خلال السنوات الأخيرة بما يعكس الزخم الذي تشهده حاليا العلاقات الثنائية؟

يقدّر حجم المبادلات التجارية بين تونس والعراق اليوم بـأكثر من 47 مليون دينار تونسي، مع ميزان تجاري يميل بالكامل لصالح تونس تقريبا. وتشير المؤشرات إلى تطوّر ملموس لهذه المبادلات خلال السنوات الأخيرة، خاصة في بعض القطاعات التي أصبحت تونس فيها شريكا تقليديا للسوق العراقية، على غرار المواد الكهربائية، حيث بات للمنتجات التونسية حضور متميّز بفضل الجودة والطلب المرتفع عليها، إلى جانب قطاع الأدوية الذي يقدم أيضا فرصا واعدة.

وتعكس هذه الديناميكية الإرادة السياسية لتونس في تعزيز العلاقات الثنائية مع العراق، الذي يُعتبر شريكا تقليديا ولكنه أيضا شريك المستقبل، مع فتح آفاق لتوسيع التعاون إلى قطاعات استراتيجية وحيوية مثل الطاقة والأدوية، بما يمهد الطريق لإقامة شراكة استراتيجية مستدامة بين البلدين.

*برأيكم، إلى أي مدى يمكن للدبلوماسية الاقتصادية أن تكون اليوم جسرا لدفع التعاون الثنائي نحو مستويات أعمق؟

  بالفعل، تُعدّ الدبلوماسية الاقتصادية اليوم أداة فعّالة لدفع التعاون الثنائي نحو مستويات أعمق، شريطة أن ترفق بعوامل نجاح واضحة. ومن أبرز هذه العوامل التنسيق الفعّال بين جميع المتدخلين على مستوى الفاعلين في التجارة الخارجية، مع إجراء دراسات دقيقة للأسواق الواعدة.

*تشهد العلاقات التونسية العراقية في الآونة الأخيرة زخما جديدا، ماهي أبرز مؤشرات هذا الزخم؟

  صحيح، تشهد العلاقات التونسية–العراقية في الآونة الأخيرة زخما متجدّدا، وهو نتاج خطة عمل واضحة. وقد تجسد ذلك خلال انعقاد اللجنة المشتركة التونسية–العراقية سنة 2024، بعد 17 سنة من الجمود، والتي أسفرت عن توقيع 18 اتفاقية تهدف إلى تأطير التعاون ووضع أسس قانونية متينة.

كما عزّز هذا الزخم تبادل الزيارات رفيعة المستوى، كان أبرزها زيارة رئيس الحكومة العراقية في أوت 2024، والتي ساهمت في منح العلاقات الثنائية منحى إيجابي جديد، أفضى إلى تذليل الإشكاليات القائمة مع ترسيخ إطار قانوني يُسهل التعاون المستقبلي.

اليوم أصبحت الطريق معبّدة أمام القطاع الخاص التونسي، ليستفيد من هذا التأطير السياسي والقانوني ويستغل الفرص المتاحة للولوج إلى السوق العراقية، بما يعزز حضور تونس الاقتصادي ويترجم الزخم السياسي إلى شراكات فعلية ومستدامة.

 *إلى جانب التعاون الاقتصادي والتجاري، هل تشمل العلاقات التونسية–العراقية اليوم مجالات تعاون أخرى، مثل التعليم والثقافة والسياحة؟

  نعم، بالتأكيد، هنالك مجالات أخرى واعدة، كالمجال الأكاديمي الذي يشهد حركية في تعاون حيث يدرس حاليا أكثر من 3000 طالب عراقي على نفقتهم الخاصة في مرحلة الدكتوراه في تونس، ويتوقع أن يتضاعف هذا الرقم نظرا للإقبال المتزايد من الطلبة العراقيين على الدراسة في مؤسساتنا التعليمية.

ومن بين القطاعات الواعدة الأخرى الطاقات المتجددة، حيث تبذل جهود ملموسة لتبادل الخبرات والمعرفة بين الخبراء التونسيين والعراقيين، بما يسهم في تطوير حلول مستدامة للطاقة في كلا البلدين.

أما البعد الثقافي، فيشهد بدوره زخما متناميا، مع مشاركة تونسية فاعلة في مختلف التظاهرات والفعاليات الثقافية في العراق، وتبادل مستمر للأنشطة بين الجانبين، ما يعزز التقارب الثقافي ووعي الشعوب ببعضها البعض.

*كيف ترون آفاق العلاقات التونسية–العراقية خلال السنوات القادمة، وهل يمكن القول إننا أمام مرحلة جديدة تتجاوز التعاون الثنائي نحو شراكة استراتيجية شاملة؟

  بالفعل، تشهد العلاقات التونسية–العراقية اليوم زخما لافتا في ظل وجود رغبة وإرادة سياسية على أعلى مستوى بين الجانبين لتطوير العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وهو ما نعمل على ترجمته حاليا من خلال مرحلة تنفيذية دقيقة تهدف إلى توسيع مجالات التعاون.

وهنا أود أن أوجه رسالة طمأنة للفاعلين الاقتصاديين التونسيين بعدم التردد في التوجه نحو السوق العراقية، التي تُعد اليوم بلدا آمنا ومستقرا، ويتيح فرصا واعدة للأعمال والاستثمار في مختلف القطاعات، لا سيما القطاع الدوائي، الذي يحظى باهتمام كبير من الجانب العراقي. كما أن العراق يوفر بيئة استثمارية ملائمة تترجمها سهولة التحويلات البنكية وغياب أي عراقيل.

أجرت الحوار: منال حرزي