سلّط مجلس المنافسة، منذ يومين، خطايا مالية ضخمة بلغت قيمتها 4.2 مليون دينار على مؤسسات اقتصادية ناشطة في عدد من القطاعات والمجالات الاقتصادية والتجارية. وأصدر مجلس المنافسة، في إطار وظيفته القضائية، ثلاثة قرارات من أجل ممارسات مخلّة بالمنافسة ولِفرض قواعد منافسة نزيهة في السوق التونسية، حيث أدان المجلس هذه الشركات من أجل ممارسات مخلّة بالمنافسة على معنى الفصل 5 من القانون عدد 36 لسنة 2015 المتعلّق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار، وفق بلاغ نشره في الغرض. ويقضي القرار الأول بتسليط خطية مالية على شركة تنشط في سوق صناعة الدواء بمليون و200 ألف دينار، وذلك من أجل ممارسات مخلّة بالمنافسة. كما تمّ تسليط خطايا مالية على شركات تنشط في سوق الهواتف الذكية بمبلغ جملي قدره مليونان و500 ألف دينار، وذلك من أجل ممارسات مخلّة بالمنافسة أيضًا. كما قضى القرار الثالث لمجلس المنافسة بتسليط خطايا مالية على شركات تنشط في قطاع التعبئة والتغليف بمبلغ جملي قدره 500 ألف دينار، من أجل نفس السبب، وهو القيام بممارسات مخلّة بالمنافسة.
ومجلس المنافسة هو هيئة مستقلة تعمل على ضمان المنافسة الحرّة والمتكافئة، وذلك من خلال وظيفتين أساسيتين للمجلس، وهما الوظيفة القضائية، حيث ينظر المجلس في الممارسات المخلّة بالمنافسة ويفرض عقوبات تكون بالأساس في شكل خطايا مالية، كما يمكنه إصدار قرارات أكثر صرامة تتمثّل في منع النشاط التجاري أو إغلاق المؤسسة إذا ثبت قيامها بممارسات مخلّة بالمنافسة، كالترتيبات الاحتكارية أو الهيمنة أو التمييز أو منع دخول المنافسين، بهدف ضمان المنافسة الحرّة والعادلة وحماية المستهلك. كما يمكنه اللجوء إلى آليات أخرى مثل تسوية النزاعات بالاتفاق.
كما يمارس المجلس وظيفة استشارية، حيث يمكنه إبداء الرأي في مشاريع القوانين ذات الطابع الاقتصادي، بالإضافة إلى دوره في نشر ثقافة المنافسة وتوعية المستهلك، حيث يسهر على تحقيق التوازن الاقتصادي وحماية المستهلك من الاحتكار والممارسات غير المشروعة. ويتمتّع كذلك مجلس المنافسة بصلاحيات واسعة لمراقبة الأسواق والتدخّل في حالات المخالفات.
قانون المنافسة والممارسات الاحتكارية
منذ بداية التسعينات، وتحديدًا في عام 1991، اعتمدت الدولة قانون المنافسة والأسعار، وقامت لاحقًا بمراجعة هذا القانون عدة مرّات إلى حين استبداله في سنة 2015 بالقانون عدد 36 المتعلّق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار ودعم الإصلاحات المؤيّدة للمنافسة والتصدّي للممارسات الاحتكارية التي تؤثّر سلبًا على كل الأنشطة التجارية والاقتصادية وتنتهك حق المستهلك.
وإذا كانت الممارسات الاحتكارية من الممارسات التي تغلغلت في الاقتصاد الوطني منذ عقود وخلقت كيان ما يُسمّى باقتصاد الريع واللوبيات المهيمنة تجاريًا واقتصاديًا على بعض الأنشطة، فإن مواجهة هذه الظاهرة السلبية من خلال إحداث آليات وأجهزة، لعلّ أبرزها المجلس الأعلى للمنافسة الذي تمّ إحداثه سنة 1995 من أجل النظر في الدعاوى المرفوعة إليه حول ممارسات مخلّة بحرّية المنافسة، كالاتفاقات بين الشركات من أجل توحيد الأسعار وقتل التنافس بفرض سعر وحيد لا يتيح للمستهلك هامش الاختيار، أو شبهات الاستغلال المفرط لبعض الأنشطة، إلى جانب الرأي الاستشاري لهذا المجلس في التشريعات المتعلّقة بالامتيازات الاقتصادية والتمثيلات التجارية للشركات العالمية داخل الأسواق التونسية.
وبعد الثورة، مرّ مجلس المنافسة بفترة ركود، حيث لم يعد له دور بارز، إلا أنّه في الآونة الأخيرة عاد إلى سالف حيويته من خلال العمل على مواجهة ظاهرة الاحتكار والهيمنة الاقتصادية، وهي التي باتت تضرّ بالاقتصاد الوطني وتؤثّر على علاقة تونس بالشركاء الاقتصاديين بسبب تغوّل بعض العائلات الاقتصادية ومراكز النفوذ وتحكّمها في الأسعار ونسق المنافسة.
ويتركّب مجلس المنافسة من 15 عضوًا، وله مهمة قضائية، حيث ينظر مجلس المنافسة على مستوى الهيئات في الدعاوى المتعلّقة بالممارسات المخلّة بحرّية المنافسة، والمتمثّلة خاصة في الاتفاقات والاستغلال المفرط لوضعية هيمنة في السوق أو لحالة تبعية اقتصادية، كما ينظر على مستوى الجلسة العامة في القضايا عند إحالتها من المحكمة الإدارية في صورة النقض، هذا بالإضافة إلى مهامه الاستشارية.
وساهم سنّ القانون عدد 36 لسنة 2015 في إعادة مجلس المنافسة للعب دوره، حيث أصدر قرارات مهمّة في السنوات الأخيرة، منها ذلك القرار الذي قضى بتسليط عقوبة مالية جملية قدرها 10.827.000.000 دينار على أربع نقابات مهنية و22 مصحّة خاصة في سنة 2021 من أجل مخالفة أحكام الفصل 5 من القانون عدد 36 لسنة 2015 المؤرّخ في 15 سبتمبر 2015 المتعلّق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار، وذلك لثبوت قيام اتفاق بينهم للترفيع في تعريفات التدخّلات الطبية وعمليات القلب والشرايين المجراة على المضمونين الاجتماعيين بالمصحات الخاصة. وفي تلك القضية، التي تابعها باهتمام الرأي العام، انطلق البحث في الممارسات المذكورة من قبل مجلس المنافسة بناءً على تعهّد تلقائي منه، واستنادًا كذلك إلى دعوى رفعها أمامه الصندوق الوطني للتأمين على المرض.
وقبل ذلك، كان مجلس المنافسة قد أصدر في 27 أوت 2020 قرارًا يسلّط فيه عقوبة مالية قدرها 978.911.946 دينارًا ضد شركة دولية مختصّة في تصنيع وترويج مساحيق التجميل ومواد صباغة الشعر ومعطّرات الهواء وحفاظات الأطفال ذات الاستعمال الوحيد والفوط الصحية، وذلك من أجل الإفراط في استغلال وضعية التبعية الاقتصادية التي وجدت بها المدّعية، وهي شركة تتولّى توزيع المنتجات المذكورة بالسوق التونسية. وذكر مجلس المنافسة في تقريره أنّ ذلك تمثّل في الإفراط في استغلال وضعية التبعية الاقتصادية بقيام المدّعى عليها بقطع تعسّفي ودون سبب موضوعي لعلاقة التوزيع الحصري لعدد من منتوجاتها بالتراب التونسي، كانت تقوم بها المدّعية منذ مدّة طويلة. وقال مجلس المنافسة إن أعمال التحقيق والتقصّي خلصت إلى ثبوت وضعية التبعية الاقتصادية للشركة المدّعى عليها تجاه المدّعية، بالنظر إلى تحقّق جميع عناصرها كما عرّفها فقه مجلس المنافسة، من سمعة وشهرة تجارية للمدّعى عليها وقوّتها السوقية ومدى ترابط العلاقة التجارية بين الأطراف المعنية بالقضية من ناحية أهمية رقم المعاملات المحقّق بينهما وقيمة حجم مشتريات المدّعية من المدّعى عليها، ومن انعدام الحلول البديلة لتعويض ما تحقّقه من ربح من العلاقة التجارية المقطوعة، فضلًا عن ثبوت وجود تأثير وتداعيات مالية واقتصادية سلبية لعملية القطع الأحادية على حجم نشاط وربحية المدّعية. ومنذ سنة، أصدر أيضًا مجلس المنافسة قرارًا ابتدائيًا بإدانة شركات في قطاع المشروبات الغازية وتغريمها حوالي 20 مليون دينار لاستغلال الهيمنة السوقية.
ورغم أهمية هذه القرارات، إلا أنّه يمكن الطعن فيها بالاستئناف أمام المحكمة الإدارية، وهو ما يعتبره البعض حدًّا من سلطة مجلس المنافسة، الذي ما زال إلى اليوم يفتقد إلى القوّة اللازمة لفرض قراراته وإلزام الجميع بتنفيذها.
عودة إلى ضرورة مراجعة هذا القانون
وأمام تنامي الممارسات الاحتكارية وضرب مبدأ المنافسة والهيمنة السوقية التي تمارسها بعض الشركات، يقترح بعض المختصّين في المجال الاقتصادي ضرورة مراجعة أيضًا القانون عدد 36 لسنة 2015 في اتجاه تشديد العقوبات المالية التي يقع تسليطها في مجال الممارسات المخلّة بالمنافسة، حيث يمكن أن يكون لتشديد الردع دور في الحدّ من هذه الممارسات. أمّا الإصلاح الثاني الذي يجب إدخاله على قانون المنافسة والأسعار، فهو ضرورة إدخال آليات لإنفاذ قرارات وأحكام مجلس المنافسة، حيث إنّ اليوم القرارات التي يصدرها المجلس شبيهة بالقرارات التي تصدرها المحكمة الإدارية، والتي أحيانًا تفتقد إلى آليات الإنفاذ. ويرى عديد المهتمّين بالاقتصاد أنّ مجلس المنافسة يجب أن يكون هيئة قضائية فعلية، مثل دائرة المحاسبات، تشتمل على كل مراحل التقاضي لإصدار الحكم، وتكون هذه الأحكام والقرارات ذات صبغة تنفيذية لا يمكن المسّ بها. كما يجب دعم الرصيد البشري والمالي لمجلس المنافسة ومضاعفة أعضاء المجلس من مختلف المجالات، سواء القضاة الإداريين والعدليين وخبراء اقتصاديين وماليين وخبراء في المنافسة والأسعار ورجال قانون، حتى يستطيع النظر بأريحية في كل القضايا المطروحة، بما يجعل مجلس المنافسة سلطة قضائية تامّة الشروط، لديها آليات لإنفاذ قراراته بصبغة إلزامية.
منية العرفاوي
سلّط مجلس المنافسة، منذ يومين، خطايا مالية ضخمة بلغت قيمتها 4.2 مليون دينار على مؤسسات اقتصادية ناشطة في عدد من القطاعات والمجالات الاقتصادية والتجارية. وأصدر مجلس المنافسة، في إطار وظيفته القضائية، ثلاثة قرارات من أجل ممارسات مخلّة بالمنافسة ولِفرض قواعد منافسة نزيهة في السوق التونسية، حيث أدان المجلس هذه الشركات من أجل ممارسات مخلّة بالمنافسة على معنى الفصل 5 من القانون عدد 36 لسنة 2015 المتعلّق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار، وفق بلاغ نشره في الغرض. ويقضي القرار الأول بتسليط خطية مالية على شركة تنشط في سوق صناعة الدواء بمليون و200 ألف دينار، وذلك من أجل ممارسات مخلّة بالمنافسة. كما تمّ تسليط خطايا مالية على شركات تنشط في سوق الهواتف الذكية بمبلغ جملي قدره مليونان و500 ألف دينار، وذلك من أجل ممارسات مخلّة بالمنافسة أيضًا. كما قضى القرار الثالث لمجلس المنافسة بتسليط خطايا مالية على شركات تنشط في قطاع التعبئة والتغليف بمبلغ جملي قدره 500 ألف دينار، من أجل نفس السبب، وهو القيام بممارسات مخلّة بالمنافسة.
ومجلس المنافسة هو هيئة مستقلة تعمل على ضمان المنافسة الحرّة والمتكافئة، وذلك من خلال وظيفتين أساسيتين للمجلس، وهما الوظيفة القضائية، حيث ينظر المجلس في الممارسات المخلّة بالمنافسة ويفرض عقوبات تكون بالأساس في شكل خطايا مالية، كما يمكنه إصدار قرارات أكثر صرامة تتمثّل في منع النشاط التجاري أو إغلاق المؤسسة إذا ثبت قيامها بممارسات مخلّة بالمنافسة، كالترتيبات الاحتكارية أو الهيمنة أو التمييز أو منع دخول المنافسين، بهدف ضمان المنافسة الحرّة والعادلة وحماية المستهلك. كما يمكنه اللجوء إلى آليات أخرى مثل تسوية النزاعات بالاتفاق.
كما يمارس المجلس وظيفة استشارية، حيث يمكنه إبداء الرأي في مشاريع القوانين ذات الطابع الاقتصادي، بالإضافة إلى دوره في نشر ثقافة المنافسة وتوعية المستهلك، حيث يسهر على تحقيق التوازن الاقتصادي وحماية المستهلك من الاحتكار والممارسات غير المشروعة. ويتمتّع كذلك مجلس المنافسة بصلاحيات واسعة لمراقبة الأسواق والتدخّل في حالات المخالفات.
قانون المنافسة والممارسات الاحتكارية
منذ بداية التسعينات، وتحديدًا في عام 1991، اعتمدت الدولة قانون المنافسة والأسعار، وقامت لاحقًا بمراجعة هذا القانون عدة مرّات إلى حين استبداله في سنة 2015 بالقانون عدد 36 المتعلّق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار ودعم الإصلاحات المؤيّدة للمنافسة والتصدّي للممارسات الاحتكارية التي تؤثّر سلبًا على كل الأنشطة التجارية والاقتصادية وتنتهك حق المستهلك.
وإذا كانت الممارسات الاحتكارية من الممارسات التي تغلغلت في الاقتصاد الوطني منذ عقود وخلقت كيان ما يُسمّى باقتصاد الريع واللوبيات المهيمنة تجاريًا واقتصاديًا على بعض الأنشطة، فإن مواجهة هذه الظاهرة السلبية من خلال إحداث آليات وأجهزة، لعلّ أبرزها المجلس الأعلى للمنافسة الذي تمّ إحداثه سنة 1995 من أجل النظر في الدعاوى المرفوعة إليه حول ممارسات مخلّة بحرّية المنافسة، كالاتفاقات بين الشركات من أجل توحيد الأسعار وقتل التنافس بفرض سعر وحيد لا يتيح للمستهلك هامش الاختيار، أو شبهات الاستغلال المفرط لبعض الأنشطة، إلى جانب الرأي الاستشاري لهذا المجلس في التشريعات المتعلّقة بالامتيازات الاقتصادية والتمثيلات التجارية للشركات العالمية داخل الأسواق التونسية.
وبعد الثورة، مرّ مجلس المنافسة بفترة ركود، حيث لم يعد له دور بارز، إلا أنّه في الآونة الأخيرة عاد إلى سالف حيويته من خلال العمل على مواجهة ظاهرة الاحتكار والهيمنة الاقتصادية، وهي التي باتت تضرّ بالاقتصاد الوطني وتؤثّر على علاقة تونس بالشركاء الاقتصاديين بسبب تغوّل بعض العائلات الاقتصادية ومراكز النفوذ وتحكّمها في الأسعار ونسق المنافسة.
ويتركّب مجلس المنافسة من 15 عضوًا، وله مهمة قضائية، حيث ينظر مجلس المنافسة على مستوى الهيئات في الدعاوى المتعلّقة بالممارسات المخلّة بحرّية المنافسة، والمتمثّلة خاصة في الاتفاقات والاستغلال المفرط لوضعية هيمنة في السوق أو لحالة تبعية اقتصادية، كما ينظر على مستوى الجلسة العامة في القضايا عند إحالتها من المحكمة الإدارية في صورة النقض، هذا بالإضافة إلى مهامه الاستشارية.
وساهم سنّ القانون عدد 36 لسنة 2015 في إعادة مجلس المنافسة للعب دوره، حيث أصدر قرارات مهمّة في السنوات الأخيرة، منها ذلك القرار الذي قضى بتسليط عقوبة مالية جملية قدرها 10.827.000.000 دينار على أربع نقابات مهنية و22 مصحّة خاصة في سنة 2021 من أجل مخالفة أحكام الفصل 5 من القانون عدد 36 لسنة 2015 المؤرّخ في 15 سبتمبر 2015 المتعلّق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار، وذلك لثبوت قيام اتفاق بينهم للترفيع في تعريفات التدخّلات الطبية وعمليات القلب والشرايين المجراة على المضمونين الاجتماعيين بالمصحات الخاصة. وفي تلك القضية، التي تابعها باهتمام الرأي العام، انطلق البحث في الممارسات المذكورة من قبل مجلس المنافسة بناءً على تعهّد تلقائي منه، واستنادًا كذلك إلى دعوى رفعها أمامه الصندوق الوطني للتأمين على المرض.
وقبل ذلك، كان مجلس المنافسة قد أصدر في 27 أوت 2020 قرارًا يسلّط فيه عقوبة مالية قدرها 978.911.946 دينارًا ضد شركة دولية مختصّة في تصنيع وترويج مساحيق التجميل ومواد صباغة الشعر ومعطّرات الهواء وحفاظات الأطفال ذات الاستعمال الوحيد والفوط الصحية، وذلك من أجل الإفراط في استغلال وضعية التبعية الاقتصادية التي وجدت بها المدّعية، وهي شركة تتولّى توزيع المنتجات المذكورة بالسوق التونسية. وذكر مجلس المنافسة في تقريره أنّ ذلك تمثّل في الإفراط في استغلال وضعية التبعية الاقتصادية بقيام المدّعى عليها بقطع تعسّفي ودون سبب موضوعي لعلاقة التوزيع الحصري لعدد من منتوجاتها بالتراب التونسي، كانت تقوم بها المدّعية منذ مدّة طويلة. وقال مجلس المنافسة إن أعمال التحقيق والتقصّي خلصت إلى ثبوت وضعية التبعية الاقتصادية للشركة المدّعى عليها تجاه المدّعية، بالنظر إلى تحقّق جميع عناصرها كما عرّفها فقه مجلس المنافسة، من سمعة وشهرة تجارية للمدّعى عليها وقوّتها السوقية ومدى ترابط العلاقة التجارية بين الأطراف المعنية بالقضية من ناحية أهمية رقم المعاملات المحقّق بينهما وقيمة حجم مشتريات المدّعية من المدّعى عليها، ومن انعدام الحلول البديلة لتعويض ما تحقّقه من ربح من العلاقة التجارية المقطوعة، فضلًا عن ثبوت وجود تأثير وتداعيات مالية واقتصادية سلبية لعملية القطع الأحادية على حجم نشاط وربحية المدّعية. ومنذ سنة، أصدر أيضًا مجلس المنافسة قرارًا ابتدائيًا بإدانة شركات في قطاع المشروبات الغازية وتغريمها حوالي 20 مليون دينار لاستغلال الهيمنة السوقية.
ورغم أهمية هذه القرارات، إلا أنّه يمكن الطعن فيها بالاستئناف أمام المحكمة الإدارية، وهو ما يعتبره البعض حدًّا من سلطة مجلس المنافسة، الذي ما زال إلى اليوم يفتقد إلى القوّة اللازمة لفرض قراراته وإلزام الجميع بتنفيذها.
عودة إلى ضرورة مراجعة هذا القانون
وأمام تنامي الممارسات الاحتكارية وضرب مبدأ المنافسة والهيمنة السوقية التي تمارسها بعض الشركات، يقترح بعض المختصّين في المجال الاقتصادي ضرورة مراجعة أيضًا القانون عدد 36 لسنة 2015 في اتجاه تشديد العقوبات المالية التي يقع تسليطها في مجال الممارسات المخلّة بالمنافسة، حيث يمكن أن يكون لتشديد الردع دور في الحدّ من هذه الممارسات. أمّا الإصلاح الثاني الذي يجب إدخاله على قانون المنافسة والأسعار، فهو ضرورة إدخال آليات لإنفاذ قرارات وأحكام مجلس المنافسة، حيث إنّ اليوم القرارات التي يصدرها المجلس شبيهة بالقرارات التي تصدرها المحكمة الإدارية، والتي أحيانًا تفتقد إلى آليات الإنفاذ. ويرى عديد المهتمّين بالاقتصاد أنّ مجلس المنافسة يجب أن يكون هيئة قضائية فعلية، مثل دائرة المحاسبات، تشتمل على كل مراحل التقاضي لإصدار الحكم، وتكون هذه الأحكام والقرارات ذات صبغة تنفيذية لا يمكن المسّ بها. كما يجب دعم الرصيد البشري والمالي لمجلس المنافسة ومضاعفة أعضاء المجلس من مختلف المجالات، سواء القضاة الإداريين والعدليين وخبراء اقتصاديين وماليين وخبراء في المنافسة والأسعار ورجال قانون، حتى يستطيع النظر بأريحية في كل القضايا المطروحة، بما يجعل مجلس المنافسة سلطة قضائية تامّة الشروط، لديها آليات لإنفاذ قراراته بصبغة إلزامية.