إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في ظل التحولات العالمية الراهنة.. من هو المثقف اليوم؟

 

 

 

تونس-الصباح

يعيش العالم اليوم الكثير من التحولات على اكثر من صعيد ولعل ابرز هذه التحولات عسكرية بالأساس، وإذا كانت الحرب الروسية الأوكرانية قد تجاوزت العم دون ان تضع اوزارها وقس على ذلك العديد من اصقاع العالم فان يوم 7 أكتوبر الماضي مثل حدثا استثنائيا من خلال تحرك المقاومة الفلسطينية الباسلة في وجه الاستبداد الصهيوني الغاشم دفاعا عن إرادة الانسان الفلسطيني الحر بدرجة أولى وسعيا ورغبة في كسر طوق الحصار المفروض على قطاع غزة الصامدة.

واليوم تكتب المقاومة الفلسطينية أروع صفحات النضال دفاعا عن الأرض المغتصبة..

وفي زحمة هذه التحولات، يبرز السؤال التالي: من هو المثقف اليوم بمعنى آخر هل اصبح للمثقف مفهوم اخر غير المفهوم المتداول والمتعارف عليه ؟ واي دور له في خضم ما نعيشه اليوم من تناقضات وصراعات؟

سؤال طرحناه على عدد من المبدعين والمثقفين فكانت إجاباتهم التالية..

اعداد: محسن بن احمد

د. أنس الشابي (باحث في الفكر الإسلامي): المثقف مطالب بكسب المعركة العقلية ثم السياسية

المثقف هو الذي يمتلك قدرا من المعرفة التي تمكّنه من التعامل مع الأفكار والوقائع بعقلانية يحوّلها إلى مواقف وسياسات تؤثر في محيطه وتصوغ مستقبله ومستقبل مجتمعه فهي وظيفة وأداة للتغيير، ولهذا السبب بالذات لا يصح إطلاق وصف المثقّف إلا على من يخوض معركتين في آن واحد:

1) معركة عقلية مع المعاني التي تظهر في ألفاظ الهويّة والعادات والتقاليد والعرف وتمنعه عن الأخذ بأسباب التقدم والاتصال بالعصر وهي معركة ذات وجهين وجه يهمّ الذات أي تشذيبها بإلغاء الحلال والحرام معيارا للتصرف والتفكير والعمل ووجه يستدعي فيه المثقف العصر وقيمه حيث يسود الخطأ والصواب مرجعا للحكم والتقييم.

2) معركة سياسية مع السلطة أيّا كان شكلها تستهدف الإعلاء من قيم الحرية والعدالة والمساواة.

وبيّن أن "المثقّفين" العرب (والأفضل تسميتهم بصفاتهم المهنيّة كأن يكونوا أساتذة جامعة أو تقنيي معرفة أو محامين أو أصحاب الياقات البيضاء......ألخ) منذ عصر النهضة فشلوا في كلّ المعارك التي خاضوها فتحرير المرأة وصل اليوم إلى انتشار النقاب وعلمانية التعليم وعلميته أصبحت اليوم تعليما دينيا ومطلب الحرية أدى إلى انتشار الاستبداد الديني والدعوة إلى الخلافة الإسلامية شرذمت الأرض التي ينتشر فيها الإسلام والعروبة إلى كيانات متحاربة فضلا عن التفريط في فلسطين واقتطاعها من جسم الأمّة.

حسبنا الله ونعم الوكيل في أمة العلاج بالرقية والأعشاب في القرن الحادي والعشرين.

محمد المي ("اعلامي و باحث): المثقف عقلاني أساسا، تنويري ضرورة

مهما كانت التحولات فان المثقف ثابت اي لا يكتسي مفهوما متبدلا ، متغيرا ويلبس لبوسا مختلفا في كل حقبة والا فان ذلك الشخص منافق ولا تنطبق عليه تلك الصفة . المثقف هو المختلف عن العامة وهو الذي يرى غير مايرى العامة والدهماء.. ولا يخضع للابتزاز العاطفي الظرفي مهما كانت الاحوال. المثقف هو الذي يأخذ مسافة نقدية بينه وبين معطيات الراهن. نعم يجب ان يكون حاملا لهموم شعبه وينحاز الى مشاغلهم ويفكر في همومهم ومثلما لن يكون منعزلا عن الجاذبية الارضية فانه كذلك مشدود لواقعه الذي يعيش بل يقدر على الاستشراف اي معرفة أين يمكن أن يؤدي الفعل ورد الفعل .المثقف عقلاني أساسا، تنويري ضرورة فالعقلانية عنده تخضع الأشياء كل الأشياء الى النظر الفكري والتنوير هو حمل المصباح بحثا عن نور الحقيقة نهارا لأن المثقف يرى ما لايراه الناس. يشذ المثقف في مواقفه وبصدم بآرائه وينشق عن ثقافة القطيع نعم ولكنه ينشد الأفضل وينير العتمة ويشعل الأضواء في الظلام ويزرع الأمل ساعات اليأس دون خضوع أو خنوع فهو العقل الذي لا يكف عن العمل. لا معنى للحياد ولا معنى للسكوت. الفعل لدى المثقف هو مقاوم للنسيان واثبات للوجود وكيفية الاقامة في العالم بشكل مختلف يستجيب لاهواء ونزوات المثقف حتى وأن تعارضت اهواؤه ونزواته مع سائر الخلق بل ان لحظة تماهيه في الوعي الجمعي يجعله لائذا بنفسه طارحا أسئلة الوجود الحارقة.

عادل معيزي (شاعر): المثقّف الذي مات، المثقّف الذي سيولد

أعتقد أنّ لكل انعطافة في التاريخ مثقفوها وهممن يمكنهم أن يقدّموا تفسيرا أنطولوجيّا وإيديولوجيّا للكون ومعرفة منطقية تجعل المجتمع يستوعب لحظته ويدرك موقعه وماذا على نخبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية أن تفعل لتغيير واقعها.. وإذا نظرنا إلى لحظتنا الراهنة فإنّها لحظة تحوّل مستمر منذ نهاية مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية أي أن مصطلح "الراهن"يمكن أن يعود إلى بداية التسعينات بعد انهيار المعسكر الشرقي وتداعياته التي ظلت مستمرة إلى اليوم على المستوى الاقتصادي والسياسي وعلى مستوى انتاج قيم الحرية والديمقراطية أيضا. ولذلك فبعد هيمنة اقتصاد السوق و التطور المذهل للنظام السيبرني في العالم، ظل القانون الدولي مثلا غير مواكب لهذه التحولات العالمية لذلك فهو يشهد اليوم افلاسا لا مثيل له وأصبح قانونا غير قابل للتطبيق.. وها إنك ترى مثلا عملية إبادة جماعية تتم في غزة سنة 2023 وتُنقل مباشرة عبر الشاشات عجز القانون الدولي والقيم الإنسانية على إيقافها..

أعتقد أنّ المثقف اليوم لم يعد ذلك الشخص الذي يحوز على رأسمال رمزي بحيث يكون بمقدوره رؤية المجتمع وتفسيره وقيادة التغيير فيه ولا هو الشخص القادر على انتاج الأفكار الجديدة، وإنّما أصبح المثقف كائنا الكترونيّا بلا اسم وبلا ملامح وبلا مراكمة رمزية يبثُّ خطابا-نصّيّا وغير نصّيّ- خطابا ميديولوجيّا يتلقّفه الناس في ذات اللحظة وفي كلّ مكان من العالم، يدسّ فيه المعارف والأفكار والقيم التي تحقّق الربح للشركات والتفوّق للأمم المهيمنة، مثقّف آلي /عالمي قادر على تزييف الوعي وتزوير الواقع والوقائع من أجل غايات محددة سلفا..

لذلك أعتقد أن المثقّف بمعناه القديم قد مات في خضمّ التحوّلات الراهنة التي بلغت منتهاها وأنّ المثقف الجديد الذي يساءل كل المسلّمات (أضعُ مائة سطر تحت مفردتيْ "كل المُسَلّمات") سيولد من التحولات العالمية الجديدة عندما يكتشف الكائن الإنساني أنّه ليس الكائن العاقل الوحيد في هذا الكون(...)

د.الاسعد العياري(إذاعي وباحث جامعي): على المثقّف واجب الاجتهاد لتكريس قيم التضامن والتعايش السلمي

يبدو أنّ السؤال الذي يطرح نفسه اليوم:   "أين هو المثقّف في ظلّ ما يعيشه العالم من تحوّلات ومتغيّرات طارئة تنذر بإعادة تشكيل مشهد عالمي جديد؟"

إنّ الحرب الروسيّة الأوكرانيّة تنضاف إليها الحرب الهمجيّة التي يشُنّها العدوّ الصهيوني على قطاع غزّة وفلسطين وما يعيشه العالم من احتداد ظاهرة الصراع بمختلف أشكاله وأدواته، كل ذلك بمشهد عالمي متحرّك ومتغيّر يدفع المثقّف إلى النهوض بواجبه الإنساني والاضطلاع برسالته الثقافيّة والأدبية من خلال تقريب الصورة الحقيقية للأحداث و تفكيك أسبابها ونتائجها لتعميق وعي الموطن بما يجري ليكون على دراية كاملة بمجريات الواقع وتقلّباته، كما يتحتم على المثقّف أن يكون نصيرا للقضايا العادلة وأن يساهم في تعرية الحقائق وتخليصها من التزوير والتزييف.

      وعلى المثقّف واجب الاجتهاد من أجل تكريس قيم التضامن والتسامح والتعايش السلمي وتكثيف الجهد في مجالالبحث عن بدائل متاحة لخدمة الأهداف العظيمة التي تمنح للمواطن في أبعاده الكونيّة حياة كريمة وآمنة و مستقرة خالية من الجهل والفقر

والحروب.

بسمة المرواني ( شاعرة ): المثقف من يدعو الى مفاهيم انسانية لا محدودة و يحافظ على المنجزات الحضارية

في هذه المرحلة التاريخية بتحولاتها الانتقالية ما يطلق عليها تحولات الهيجمونيا، التي يزيد فيها الاستبداد و اغتيال الانسانية و انتهاك حقوق الانسان كما هو الراهن في الثورة الكبرى او ما اطلق غليه طوفان الاقصى. صار صوت المثقف ضرورة ملحة صارخة ليساهم في التغيرات من مكانه .ولانه لانعدام مفاعيل زمن القيمة، في زمن الديستوبيا وما حملت من تجليات الرداءة تقصير في مراكز الخبرة وغياب اصحاب العقول النيرة الممتلئة وعيا لتكون بحبسها اختيارا او اضطرارا مع ذاتها في صمتها وعذاباتها من فرجة حد اليأس مِن مَن لا يفهمها ..المثقف صار تحت رئاسة من لم يجرب ومن تنقصه الخبرة عذابه تماما كعذاب العالم بوضع العلم في يد الجاهل ، حضوره استوى مع غيابه الممنهج والمقصود .او كالجندي المنزوع السلاح ،ان وجد فمشاركته في الندوات واللقاءات الادبية او الشعرية التي دورها مهم جدا لان الكلمة كالرصاص طلقة في وجه العدو وقادرة على التغيير هو ايضا تقزيم لقيمته بمشاركته في فضاءات تدار بمن لا خبرة ولا ثقافة له فقد للتسلية والتقاط الصور كأنه في صالون تجميل ويصفق للتفاهة وصناع المحتوى بلا محتوى الا بالسطحية فأين دوره في مجابهة القرزمة والترذيل ؟ ..اين صوته المناط اليه لينظر ويقاوم ليس من خلال برجه العاجي ، ولا من تأمله المجرد، المُفاصل للواقع، غاب دوره المنتظر منه، نحتاج دوره في توجيه رسالته الاصلاحية التوجيهية المقاومة لكل العطب الهوياتي، ، نحتاج المثقف الذي له سلطته الأدبية والأخلاقية، الذي يحافظ بحفاظه على استقلاليته، وتحلّيه بإدراكه لقيمة نفسه ،عزته بانتمائه الوطني والى التحسيس وتوعية ان للانسان كرامته وحقوقه في كل زمان ومكان .. فالذي يغير مفهوم السياسة هو المثقف ،الذي يغير تصوراتنا الاجتماعية المثقف ،الذي يبدل نظرتنا للعلم هو المثقف الذي يعيد بناء رؤيتنا للدين هو المثقف ،الذي يعزّز من أداة العقل لدينا المثقف، ا لذي يبني فلسفة جديدة للاقتصاد المثقف ،الذي يؤكد مفهوم التسامح والتعددية المثقف، الذي يعمل جدل مع الواقع والفكرة المثقف، الذي يدعو الى مفاهيم انسانية لا محدودة المثقف ،الذي يحافظ على المنجزات الحضارية والثقافية يرشدك لكي تستخدم عقلك وملكاتك الفكرية المثقف، الذي يقدم لك مفاهيم جديدة للحرية والخصوصية و معرفة الحدود .وادراك الكرامة وادراك كيفية الحفاظ عليها، نراها تنزع من قاموسنا الايتيقي ..هذا ما نحتاجه من المثقف ان يلوي في احلامه ايضا غيوما من امنيات قد تموء في الانتظار في قادم الايام عله يدس في كلماته حضوره الفعلي ولتندس من رصانته مسارات باستقامة الى الدروب التي لا تتعرج./.

لطفي عبدالواحد (شاعر وناقد):  المثقف من يكسب معركة الذات والوجود وإثبات الهوية والخصوصية

السؤال من هو المثقف اليوم في ظل التحولات العالمية الراهن سؤال مهم جدا ولا شك أنه يطرح بحدّة أكبر نظرا لكون هذه التطورات متنوعة ومتعددة الأبعاد هائلة ومؤثرة في الواقع المحلي والعالمي وعلى الفرد والمجموعة بسبب التقدم التكنولوجي العام وتطور وسائل الاتصال الحديثة التي قلّصت المسافات وأصبح تأثيرها بأنواعه مريعا وصادما أحيانا لذلك اقول إن المثقف اليوم وان كان هذا شأنه دائما عبر كل العصور هو المثقف المتفاعل والفاعل وهو مدعو أكثر من الغير او العامة ليكون أكثر وعيا بهذه التحولات العميقة واسبابها حتى يكون مواكبا لها مع سرعة تغيراتها وهو الذي يحاول ان يكون ايجابيا ولا يقف موقف المتفرج او المتحَمل لها بكل ما فيها من سلبيات وايجابيات ومخاطر كذلك. والمثقف اليوم هو الذي يكون قادرا أكثر من غيره على الاستشراف وتقييم الواقع واتخاذ مواقف إيجابية نحو ذاته والآخرين في اتجاه خدمة القضايا والقيم الإنسانية النبيلة التي تسعى لتحقيق التضامن والتعاون والتعايش بين الأفراد والشعوب وهو أيضا ذلك الشخص الذي يبني الحاضر مستلهما من الماضي ومعتبرا ومتطلعا إلى بناء مستقبل يحفظ حق الحياة للجميع في تنمية شاملة مستديمة وعادلة إذ أنّ مهمة المثقف لا ترتبط بحاضره المعيشة فقط كفرد ضمن المجموعة بل بالإنسانية قاطبة مهما كان البلد الذي ينتسب إليه في هذا الكون الرحب الذي وإن تباعدت فيه المسافات الجغرافية والمادية فقد تقاربت فيه الأفكار والرؤى والعقائد والثقافات المتعددة والمتنوعة في معركة الذات والوجود وإثبات الهوية والخصوصية

أسماء الشرقي(شاعرة):  المثقف جندي يحمل سلاح القلم وبارود الحبر وزاد قناعاته

أصبح الحديث عن دور المثقف في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الراهنة مدار اهتمام وقادحا مُلِحّا لطرح العديد من الأسئلة الماهوية حول مفهوم المثقف أولا. هل هو المُلهم بكتابة النص، والماسك بناصية اللغة شعرا كان او نثرا بغاية التموقع في الساحة الثقافية والتنقل بين منصات الإلقاء ومجالس السمر الفكري؟ ام هو المثقف العضوي الحامل للهمّ الجامعي. الملتزم بقضايا الآخر و المدافع عن حقوق الإنسان المطلق سواء كان داخل حدود وطنه المضيق او خارجه؟ ونعني بذلك المثقف الذي لا يتوان عن التعبير عن رأيه بكل صدق وشفافية دون أن يحيط نفسه بموازنات المصلحة الشخصية او التبعات السياسية. فالمثقف في نهاية الأمر هو جندي يحمل سلاح القلم وبارود الحبر وزاد قناعاته ومعارفه ليوجهها نحو بؤر الظلام ومخانق الجهل وجحافل الظلم والفساد.. وذلك حتى يحقق من جهته نزرا من السلام والجمال والعدل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في ظل التحولات العالمية الراهنة..   من هو المثقف اليوم؟

 

 

 

تونس-الصباح

يعيش العالم اليوم الكثير من التحولات على اكثر من صعيد ولعل ابرز هذه التحولات عسكرية بالأساس، وإذا كانت الحرب الروسية الأوكرانية قد تجاوزت العم دون ان تضع اوزارها وقس على ذلك العديد من اصقاع العالم فان يوم 7 أكتوبر الماضي مثل حدثا استثنائيا من خلال تحرك المقاومة الفلسطينية الباسلة في وجه الاستبداد الصهيوني الغاشم دفاعا عن إرادة الانسان الفلسطيني الحر بدرجة أولى وسعيا ورغبة في كسر طوق الحصار المفروض على قطاع غزة الصامدة.

واليوم تكتب المقاومة الفلسطينية أروع صفحات النضال دفاعا عن الأرض المغتصبة..

وفي زحمة هذه التحولات، يبرز السؤال التالي: من هو المثقف اليوم بمعنى آخر هل اصبح للمثقف مفهوم اخر غير المفهوم المتداول والمتعارف عليه ؟ واي دور له في خضم ما نعيشه اليوم من تناقضات وصراعات؟

سؤال طرحناه على عدد من المبدعين والمثقفين فكانت إجاباتهم التالية..

اعداد: محسن بن احمد

د. أنس الشابي (باحث في الفكر الإسلامي): المثقف مطالب بكسب المعركة العقلية ثم السياسية

المثقف هو الذي يمتلك قدرا من المعرفة التي تمكّنه من التعامل مع الأفكار والوقائع بعقلانية يحوّلها إلى مواقف وسياسات تؤثر في محيطه وتصوغ مستقبله ومستقبل مجتمعه فهي وظيفة وأداة للتغيير، ولهذا السبب بالذات لا يصح إطلاق وصف المثقّف إلا على من يخوض معركتين في آن واحد:

1) معركة عقلية مع المعاني التي تظهر في ألفاظ الهويّة والعادات والتقاليد والعرف وتمنعه عن الأخذ بأسباب التقدم والاتصال بالعصر وهي معركة ذات وجهين وجه يهمّ الذات أي تشذيبها بإلغاء الحلال والحرام معيارا للتصرف والتفكير والعمل ووجه يستدعي فيه المثقف العصر وقيمه حيث يسود الخطأ والصواب مرجعا للحكم والتقييم.

2) معركة سياسية مع السلطة أيّا كان شكلها تستهدف الإعلاء من قيم الحرية والعدالة والمساواة.

وبيّن أن "المثقّفين" العرب (والأفضل تسميتهم بصفاتهم المهنيّة كأن يكونوا أساتذة جامعة أو تقنيي معرفة أو محامين أو أصحاب الياقات البيضاء......ألخ) منذ عصر النهضة فشلوا في كلّ المعارك التي خاضوها فتحرير المرأة وصل اليوم إلى انتشار النقاب وعلمانية التعليم وعلميته أصبحت اليوم تعليما دينيا ومطلب الحرية أدى إلى انتشار الاستبداد الديني والدعوة إلى الخلافة الإسلامية شرذمت الأرض التي ينتشر فيها الإسلام والعروبة إلى كيانات متحاربة فضلا عن التفريط في فلسطين واقتطاعها من جسم الأمّة.

حسبنا الله ونعم الوكيل في أمة العلاج بالرقية والأعشاب في القرن الحادي والعشرين.

محمد المي ("اعلامي و باحث): المثقف عقلاني أساسا، تنويري ضرورة

مهما كانت التحولات فان المثقف ثابت اي لا يكتسي مفهوما متبدلا ، متغيرا ويلبس لبوسا مختلفا في كل حقبة والا فان ذلك الشخص منافق ولا تنطبق عليه تلك الصفة . المثقف هو المختلف عن العامة وهو الذي يرى غير مايرى العامة والدهماء.. ولا يخضع للابتزاز العاطفي الظرفي مهما كانت الاحوال. المثقف هو الذي يأخذ مسافة نقدية بينه وبين معطيات الراهن. نعم يجب ان يكون حاملا لهموم شعبه وينحاز الى مشاغلهم ويفكر في همومهم ومثلما لن يكون منعزلا عن الجاذبية الارضية فانه كذلك مشدود لواقعه الذي يعيش بل يقدر على الاستشراف اي معرفة أين يمكن أن يؤدي الفعل ورد الفعل .المثقف عقلاني أساسا، تنويري ضرورة فالعقلانية عنده تخضع الأشياء كل الأشياء الى النظر الفكري والتنوير هو حمل المصباح بحثا عن نور الحقيقة نهارا لأن المثقف يرى ما لايراه الناس. يشذ المثقف في مواقفه وبصدم بآرائه وينشق عن ثقافة القطيع نعم ولكنه ينشد الأفضل وينير العتمة ويشعل الأضواء في الظلام ويزرع الأمل ساعات اليأس دون خضوع أو خنوع فهو العقل الذي لا يكف عن العمل. لا معنى للحياد ولا معنى للسكوت. الفعل لدى المثقف هو مقاوم للنسيان واثبات للوجود وكيفية الاقامة في العالم بشكل مختلف يستجيب لاهواء ونزوات المثقف حتى وأن تعارضت اهواؤه ونزواته مع سائر الخلق بل ان لحظة تماهيه في الوعي الجمعي يجعله لائذا بنفسه طارحا أسئلة الوجود الحارقة.

عادل معيزي (شاعر): المثقّف الذي مات، المثقّف الذي سيولد

أعتقد أنّ لكل انعطافة في التاريخ مثقفوها وهممن يمكنهم أن يقدّموا تفسيرا أنطولوجيّا وإيديولوجيّا للكون ومعرفة منطقية تجعل المجتمع يستوعب لحظته ويدرك موقعه وماذا على نخبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية أن تفعل لتغيير واقعها.. وإذا نظرنا إلى لحظتنا الراهنة فإنّها لحظة تحوّل مستمر منذ نهاية مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية أي أن مصطلح "الراهن"يمكن أن يعود إلى بداية التسعينات بعد انهيار المعسكر الشرقي وتداعياته التي ظلت مستمرة إلى اليوم على المستوى الاقتصادي والسياسي وعلى مستوى انتاج قيم الحرية والديمقراطية أيضا. ولذلك فبعد هيمنة اقتصاد السوق و التطور المذهل للنظام السيبرني في العالم، ظل القانون الدولي مثلا غير مواكب لهذه التحولات العالمية لذلك فهو يشهد اليوم افلاسا لا مثيل له وأصبح قانونا غير قابل للتطبيق.. وها إنك ترى مثلا عملية إبادة جماعية تتم في غزة سنة 2023 وتُنقل مباشرة عبر الشاشات عجز القانون الدولي والقيم الإنسانية على إيقافها..

أعتقد أنّ المثقف اليوم لم يعد ذلك الشخص الذي يحوز على رأسمال رمزي بحيث يكون بمقدوره رؤية المجتمع وتفسيره وقيادة التغيير فيه ولا هو الشخص القادر على انتاج الأفكار الجديدة، وإنّما أصبح المثقف كائنا الكترونيّا بلا اسم وبلا ملامح وبلا مراكمة رمزية يبثُّ خطابا-نصّيّا وغير نصّيّ- خطابا ميديولوجيّا يتلقّفه الناس في ذات اللحظة وفي كلّ مكان من العالم، يدسّ فيه المعارف والأفكار والقيم التي تحقّق الربح للشركات والتفوّق للأمم المهيمنة، مثقّف آلي /عالمي قادر على تزييف الوعي وتزوير الواقع والوقائع من أجل غايات محددة سلفا..

لذلك أعتقد أن المثقّف بمعناه القديم قد مات في خضمّ التحوّلات الراهنة التي بلغت منتهاها وأنّ المثقف الجديد الذي يساءل كل المسلّمات (أضعُ مائة سطر تحت مفردتيْ "كل المُسَلّمات") سيولد من التحولات العالمية الجديدة عندما يكتشف الكائن الإنساني أنّه ليس الكائن العاقل الوحيد في هذا الكون(...)

د.الاسعد العياري(إذاعي وباحث جامعي): على المثقّف واجب الاجتهاد لتكريس قيم التضامن والتعايش السلمي

يبدو أنّ السؤال الذي يطرح نفسه اليوم:   "أين هو المثقّف في ظلّ ما يعيشه العالم من تحوّلات ومتغيّرات طارئة تنذر بإعادة تشكيل مشهد عالمي جديد؟"

إنّ الحرب الروسيّة الأوكرانيّة تنضاف إليها الحرب الهمجيّة التي يشُنّها العدوّ الصهيوني على قطاع غزّة وفلسطين وما يعيشه العالم من احتداد ظاهرة الصراع بمختلف أشكاله وأدواته، كل ذلك بمشهد عالمي متحرّك ومتغيّر يدفع المثقّف إلى النهوض بواجبه الإنساني والاضطلاع برسالته الثقافيّة والأدبية من خلال تقريب الصورة الحقيقية للأحداث و تفكيك أسبابها ونتائجها لتعميق وعي الموطن بما يجري ليكون على دراية كاملة بمجريات الواقع وتقلّباته، كما يتحتم على المثقّف أن يكون نصيرا للقضايا العادلة وأن يساهم في تعرية الحقائق وتخليصها من التزوير والتزييف.

      وعلى المثقّف واجب الاجتهاد من أجل تكريس قيم التضامن والتسامح والتعايش السلمي وتكثيف الجهد في مجالالبحث عن بدائل متاحة لخدمة الأهداف العظيمة التي تمنح للمواطن في أبعاده الكونيّة حياة كريمة وآمنة و مستقرة خالية من الجهل والفقر

والحروب.

بسمة المرواني ( شاعرة ): المثقف من يدعو الى مفاهيم انسانية لا محدودة و يحافظ على المنجزات الحضارية

في هذه المرحلة التاريخية بتحولاتها الانتقالية ما يطلق عليها تحولات الهيجمونيا، التي يزيد فيها الاستبداد و اغتيال الانسانية و انتهاك حقوق الانسان كما هو الراهن في الثورة الكبرى او ما اطلق غليه طوفان الاقصى. صار صوت المثقف ضرورة ملحة صارخة ليساهم في التغيرات من مكانه .ولانه لانعدام مفاعيل زمن القيمة، في زمن الديستوبيا وما حملت من تجليات الرداءة تقصير في مراكز الخبرة وغياب اصحاب العقول النيرة الممتلئة وعيا لتكون بحبسها اختيارا او اضطرارا مع ذاتها في صمتها وعذاباتها من فرجة حد اليأس مِن مَن لا يفهمها ..المثقف صار تحت رئاسة من لم يجرب ومن تنقصه الخبرة عذابه تماما كعذاب العالم بوضع العلم في يد الجاهل ، حضوره استوى مع غيابه الممنهج والمقصود .او كالجندي المنزوع السلاح ،ان وجد فمشاركته في الندوات واللقاءات الادبية او الشعرية التي دورها مهم جدا لان الكلمة كالرصاص طلقة في وجه العدو وقادرة على التغيير هو ايضا تقزيم لقيمته بمشاركته في فضاءات تدار بمن لا خبرة ولا ثقافة له فقد للتسلية والتقاط الصور كأنه في صالون تجميل ويصفق للتفاهة وصناع المحتوى بلا محتوى الا بالسطحية فأين دوره في مجابهة القرزمة والترذيل ؟ ..اين صوته المناط اليه لينظر ويقاوم ليس من خلال برجه العاجي ، ولا من تأمله المجرد، المُفاصل للواقع، غاب دوره المنتظر منه، نحتاج دوره في توجيه رسالته الاصلاحية التوجيهية المقاومة لكل العطب الهوياتي، ، نحتاج المثقف الذي له سلطته الأدبية والأخلاقية، الذي يحافظ بحفاظه على استقلاليته، وتحلّيه بإدراكه لقيمة نفسه ،عزته بانتمائه الوطني والى التحسيس وتوعية ان للانسان كرامته وحقوقه في كل زمان ومكان .. فالذي يغير مفهوم السياسة هو المثقف ،الذي يغير تصوراتنا الاجتماعية المثقف ،الذي يبدل نظرتنا للعلم هو المثقف الذي يعيد بناء رؤيتنا للدين هو المثقف ،الذي يعزّز من أداة العقل لدينا المثقف، ا لذي يبني فلسفة جديدة للاقتصاد المثقف ،الذي يؤكد مفهوم التسامح والتعددية المثقف، الذي يعمل جدل مع الواقع والفكرة المثقف، الذي يدعو الى مفاهيم انسانية لا محدودة المثقف ،الذي يحافظ على المنجزات الحضارية والثقافية يرشدك لكي تستخدم عقلك وملكاتك الفكرية المثقف، الذي يقدم لك مفاهيم جديدة للحرية والخصوصية و معرفة الحدود .وادراك الكرامة وادراك كيفية الحفاظ عليها، نراها تنزع من قاموسنا الايتيقي ..هذا ما نحتاجه من المثقف ان يلوي في احلامه ايضا غيوما من امنيات قد تموء في الانتظار في قادم الايام عله يدس في كلماته حضوره الفعلي ولتندس من رصانته مسارات باستقامة الى الدروب التي لا تتعرج./.

لطفي عبدالواحد (شاعر وناقد):  المثقف من يكسب معركة الذات والوجود وإثبات الهوية والخصوصية

السؤال من هو المثقف اليوم في ظل التحولات العالمية الراهن سؤال مهم جدا ولا شك أنه يطرح بحدّة أكبر نظرا لكون هذه التطورات متنوعة ومتعددة الأبعاد هائلة ومؤثرة في الواقع المحلي والعالمي وعلى الفرد والمجموعة بسبب التقدم التكنولوجي العام وتطور وسائل الاتصال الحديثة التي قلّصت المسافات وأصبح تأثيرها بأنواعه مريعا وصادما أحيانا لذلك اقول إن المثقف اليوم وان كان هذا شأنه دائما عبر كل العصور هو المثقف المتفاعل والفاعل وهو مدعو أكثر من الغير او العامة ليكون أكثر وعيا بهذه التحولات العميقة واسبابها حتى يكون مواكبا لها مع سرعة تغيراتها وهو الذي يحاول ان يكون ايجابيا ولا يقف موقف المتفرج او المتحَمل لها بكل ما فيها من سلبيات وايجابيات ومخاطر كذلك. والمثقف اليوم هو الذي يكون قادرا أكثر من غيره على الاستشراف وتقييم الواقع واتخاذ مواقف إيجابية نحو ذاته والآخرين في اتجاه خدمة القضايا والقيم الإنسانية النبيلة التي تسعى لتحقيق التضامن والتعاون والتعايش بين الأفراد والشعوب وهو أيضا ذلك الشخص الذي يبني الحاضر مستلهما من الماضي ومعتبرا ومتطلعا إلى بناء مستقبل يحفظ حق الحياة للجميع في تنمية شاملة مستديمة وعادلة إذ أنّ مهمة المثقف لا ترتبط بحاضره المعيشة فقط كفرد ضمن المجموعة بل بالإنسانية قاطبة مهما كان البلد الذي ينتسب إليه في هذا الكون الرحب الذي وإن تباعدت فيه المسافات الجغرافية والمادية فقد تقاربت فيه الأفكار والرؤى والعقائد والثقافات المتعددة والمتنوعة في معركة الذات والوجود وإثبات الهوية والخصوصية

أسماء الشرقي(شاعرة):  المثقف جندي يحمل سلاح القلم وبارود الحبر وزاد قناعاته

أصبح الحديث عن دور المثقف في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الراهنة مدار اهتمام وقادحا مُلِحّا لطرح العديد من الأسئلة الماهوية حول مفهوم المثقف أولا. هل هو المُلهم بكتابة النص، والماسك بناصية اللغة شعرا كان او نثرا بغاية التموقع في الساحة الثقافية والتنقل بين منصات الإلقاء ومجالس السمر الفكري؟ ام هو المثقف العضوي الحامل للهمّ الجامعي. الملتزم بقضايا الآخر و المدافع عن حقوق الإنسان المطلق سواء كان داخل حدود وطنه المضيق او خارجه؟ ونعني بذلك المثقف الذي لا يتوان عن التعبير عن رأيه بكل صدق وشفافية دون أن يحيط نفسه بموازنات المصلحة الشخصية او التبعات السياسية. فالمثقف في نهاية الأمر هو جندي يحمل سلاح القلم وبارود الحبر وزاد قناعاته ومعارفه ليوجهها نحو بؤر الظلام ومخانق الجهل وجحافل الظلم والفساد.. وذلك حتى يحقق من جهته نزرا من السلام والجمال والعدل