لا يخلو مجتمع من المجتمعات من ظاهرة الانقطاع أو التسرّب المدرسي، ولكن تتفاوت النسب من مجتمع إلى آخر، كما تختلف النتائج الاجتماعية لذلك الانقطاع، حيث تحرص بعض البلدان على إدماج الأطفال المنقطعين عن الدراسة في مسارات دراسية أخرى، مثل التكوين المهني، في حين تعجز بلدان أخرى عن إدماج هؤلاء الأطفال أو إعادتهم إلى المسارات الدراسية، ويترتّب عن ذلك لاحقا مشاكل خطيرة على استقرار المجتمع ونهضته، مثل الانحراف والإدمان والفقر والبطالة.
وتختلف أسباب الانقطاع المدرسي من مجتمع إلى آخر حسب الظروف الاجتماعية، إلا أن اللافت في التقرير الأخير الذي أعدّته منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" هو دخول العامل المناخي كسبب رئيسي من بين أسباب الانقطاع المدرسي، إذ كشفت اليونيسف عن تعطل مسيرة التعليم لأكثر من 171 مليون تلميذ حول العالم خلال عام 2025 بفعل الأخطار المناخية، في المراحل العمرية الممتدة من التعليم قبل الابتدائي وحتى نهاية التعليم الثانوي. كما أكدت المنظمة الأممية في تقريرها أن الفتيات يواجهن خطرا أكبر لترك الدراسة عندما تتعرض مدارسهن لموجات حرّ أو عواصف أو حرائق غابات مرتبطة بتغير المناخ.
واليوم، وبالتزامن مع العودة المدرسية، فلا بدّ من الإشارة إلى أن المجتمع التونسي لا يخلو من ظاهرة الانقطاع المدرسي، والتي أصبحت تسجّل في السنوات الأخيرة نسبا تدعو إلى دقّ ناقوس الخطر، حيث أصبحت ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع لما تخلّفه من تداعيات خطيرة تمسّ الفرد والأسرة والمجتمع على حدّ سواء، إذ لا تقتصر آثارها على خسارة التلميذ لمستقبله الدراسي وارتفاع نسب الأمية التعليمية، بل تمتد آثارها إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية المعقّدة، وإلى بروز ظواهر سلبية، وبعضها ذو طابع إجرامي.
ودعت اليونيسف، في تقريرها الأخير، الحكومات وشركاءها إلى زيادة الإنفاق على تشييد مرافق تعليمية جديدة قادرة على الصمود في وجه الأخطار المناخية والبيئية.
الانقطاع المدرسي وأسبابه
وفق آخر المعطيات التي نشرها معهد الإحصاء في هذا الغرض، فقد بلغت نسبة الانقطاع المدرسي 6.5 % في صفوف المراهقين بين 12 و16 سنة، مع ارتفاع في نسبة الانقطاع لدى الذكور مقارنة بالإناث، خاصة في المرحلة الإعدادية والثانوية. وحسب الخصائص التعليمية للسكان الصادرة عن معهد الإحصاء، فإن نسبة التمدرس للسكان من فئة 6 إلى 14 سنة في تونس بلغت 97.3 بالمائة سنة 2024.
وقد قدّر معهد الإحصاء أن نسبة الأطفال خارج النظام التعليمي في تونس تقدّر بـ4.5 بالمائة لدى الأطفال من الفئة العمرية من 6 إلى 16 سنة، وتنخفض هذه النسبة إلى 1.6 بالمائة لدى الأطفال في الفئة من 6 إلى 11 سنة، فيما ترتفع إلى 8.1 بالمائة لدى المراهقين في الفئة من 12 إلى 16 سنة، وهو ما يظهر هشاشة أكبر لدى فئة المراهقين، حسب معهد الإحصاء، وهذه الهشاشة تقتضي اليوم أخذها بعين الاعتبار في إيجاد الحلول المثلى للتصدّي للانقطاع المدرسي.
وتختلف أسباب التسرّب المدرسي بين المدن والأرياف، إلا أن أغلب المختصين يجتمعون على تحديد عدد من الأسباب الرئيسية، أولها الفقر والتهميش، حيث تعجز العائلات ذات الدخل المحدود، خاصة في المناطق الريفية، عن توفير المصاريف المدرسية الأساسية، مما يدفعها إلى التخلي عن تعليم أبنائها، بالإضافة إلى بُعد المؤسسات التربوية، خاصة في الأرياف، حيث يؤدي البعد الجغرافي للمدارس والإعداديات عن التجمعات السكنية الريفية إلى صعوبة التنقل اليومي، مع غياب النقل المدرسي الآمن، إذ تفتقر العديد من المناطق الريفية إلى وسائل نقل مدرسي منتظمة وموثوقة، مما قد يشكل خطرا على التلاميذ أو عبئا يمنع الأولياء من إرسال الأطفال إلى المدرسة، خاصة بالنسبة إلى الفتيات، إلى جانب العوامل البيداغوجية والهيكلية، كضغط الزمن المدرسي، حيث يعاني التلاميذ من طول ساعات اليوم الدراسي واكتظاظ الأقسام والمناهج، مع تراجع جدوى التعليم الذي يساهم لاحقا في انتشار البطالة في صفوف أصحاب الشهادات العليا، وتراجع قيمة التعليم في أذهان بعض العائلات.
كما أن من الأسباب التي باتت اليوم مطروحة تغيّر عناوين النجاح في ذهن الطفل والوليّ على حدّ سواء، حيث لم تعد الدراسة تمثّل عنوانا للنجاح ومصعدا اجتماعيا يعتمد عليه في تحسين الظروف، بل أصبحت نماذج النجاح مختلفة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وطغيانها على تفاصيل الحياة اليومية، فأغلب المؤثرين على هذه المواقع من أصحاب التكوين الدراسي المتوسّط وحتى الضعيف، ولكنهم نجحوا في تحقيق الشهرة والثراء، بما جعل الأطفال، وهم من الفئات التي ترتاد بقوة هذه المواقع، يرون فيهم مثالا وقدوة بعيدا عن المسار الدراسي المرهق، والذي يحتاج إلى اجتهاد وصبر. هذا بالإضافة إلى أن بعض المناطق الريفية لا تزال تعاني من عادات اجتماعية تؤثر سلبا على تعليم الفتيات، حيث يتم أحيانا تزويجهن في سن مبكرة أو توجيههن نحو العمل في الفلاحة، حيث إن المرأة الريفية ما زالت تتحمل أعباء كبيرة داخل الأسرة والمجتمع، مع استمرار النظرة الدونية تجاهها، وهو ما يعكس تناقضا واضحا بين واقعها ودورها الفعلي.
ومعالجة مشكلة الانقطاع المبكّر عن الدراسة تتطلب حلولا شاملة، من بينها تعزيز التوعية وتوفير مختصين اجتماعيين ونفسيين لمرافقة التلاميذ، وتحسين البنية التحتية، إلى جانب تفعيل دور الإعلام في نشر ثقافة أهمية التعليم، وحتى المربّين مدعوون إلى تخصيص حصص توعوية دورية لتشجيع التلاميذ على مواصلة الدراسة، باعتبار أن الشعوب المتعلمة هي الأكثر قدرة على التقدم والتطور.
وللأسرة هنا دور مركزي، حيث إن العائلة الحاضن الأول للتلميذ والداعم الأساسي لاستمراره في التعليم، غير أن العديد من الأسر، بسبب الفقر أو محدودية الوعي بأهمية التعليم، تجد صعوبة في مرافقة أبنائها دراسيا ونفسيا، كما أن ضعف الحوار الأسري وغياب المتابعة يدفع بعض التلاميذ إلى البحث عن بدائل خارج الإطار المدرسي، كالتوجه إلى الشارع أو العمل المبكر، وهو ما يسرّع وتيرة الانقطاع. وهذه النقطة تعدّ مفصلية في البحث عن حلول للانقطاع المدرسي، إلى جانب أن العلاقة التربوية شهدت تراجعا ملحوظا في السنوات الأخيرة، فقد غلبت في بعض الأحيان أساليب الردع والعقاب على ثقافة الاحتواء والتشجيع، مما يخلق شعورا بالخوف أو النفور لدى عدد من التلاميذ، كما ساهم ضعف التواصل وغياب الثقة في تعميق الهوّة، خاصة لدى التلاميذ الذين يعانون من صعوبات نفسية أو تعليمية غير ظاهرة.
فالدور الحديث للمدرسة لم يعد يقتصر على التسيير اليومي، بل أصبح من الضروري أن تضطلع بدور تربوي شامل يوفّر مناخا آمنا ومحفّزا للتعلّم، كما تفتقر العديد من المؤسسات التربوية إلى منظومة متكاملة للإحاطة الصحية والنفسية والاجتماعية، وهو ما يفاقم الصعوبات التي يواجهها التلميذ. فغياب الطب المدرسي والأخصائي النفسي والإطار الاجتماعي يحرم التلميذ من التشخيص المبكر لمشاكله، إذ هناك من يعاني من مشاكل صحية تحول دون تمدّرسه بشكل جيد، كضعف في النظر أو السمع، وهي مشاكل لو يتم اكتشافها في الوقت المناسب لتمكّن من تفادي الرسوب المتكرّر والانقطاع المبكّر لاحقا. كما يوجد تلاميذ لديهم اضطرابات في النطق أو صعوبات في التعبير يُساء فهمها وتُفسّر على أنها ضعف دراسي، في حين أن أصلها صحي أو نفسي، كما أن عدم الاكتراث لهذه الصعوبات سيكون مدخلا للتنمّر ولتدمير نفسية الأطفال في وقت مبكّر.
ومن أبرز المشاكل التي يعاني منها النظام التربوي الاكتظاظ الكبير داخل الأقسام، إلى جانب كثافة البرامج وتراكم المواد، خاصة في بعض المواد الأساسية، وهذا العبء الدراسي، دون مراعاة الفوارق الفردية، يحوّل المدرسة إلى مصدر ضغط نفسي ويفقد التلميذ ثقته في قدرته على النجاح، إلى جانب كون المحيط المدرسي في بعض المناطق ما زال إلى اليوم غير آمن ومصدر مخاطر مقلق يهدّد التلميذ.
للانقطاع المبكر عن الدراسة أسباب عميقة ومختلفة، وهو ليس حتميا، بل هو نتيجة تراكمات يمكن معالجتها بإرادة حقيقية وإصلاح عميق، واليوم، بوجود المجلس الأعلى للتربية، لا بد من إيلاء هذا الملف أولوية كبيرة، باعتبار أن تلاميذ اليوم هم كفاءات البلاد غدا، والتي بدونها لا تستطيع أن تتقدّم أو تتطوّر.
منية العرفاوي
تونس - الصباح
لا يخلو مجتمع من المجتمعات من ظاهرة الانقطاع أو التسرّب المدرسي، ولكن تتفاوت النسب من مجتمع إلى آخر، كما تختلف النتائج الاجتماعية لذلك الانقطاع، حيث تحرص بعض البلدان على إدماج الأطفال المنقطعين عن الدراسة في مسارات دراسية أخرى، مثل التكوين المهني، في حين تعجز بلدان أخرى عن إدماج هؤلاء الأطفال أو إعادتهم إلى المسارات الدراسية، ويترتّب عن ذلك لاحقا مشاكل خطيرة على استقرار المجتمع ونهضته، مثل الانحراف والإدمان والفقر والبطالة.
وتختلف أسباب الانقطاع المدرسي من مجتمع إلى آخر حسب الظروف الاجتماعية، إلا أن اللافت في التقرير الأخير الذي أعدّته منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" هو دخول العامل المناخي كسبب رئيسي من بين أسباب الانقطاع المدرسي، إذ كشفت اليونيسف عن تعطل مسيرة التعليم لأكثر من 171 مليون تلميذ حول العالم خلال عام 2025 بفعل الأخطار المناخية، في المراحل العمرية الممتدة من التعليم قبل الابتدائي وحتى نهاية التعليم الثانوي. كما أكدت المنظمة الأممية في تقريرها أن الفتيات يواجهن خطرا أكبر لترك الدراسة عندما تتعرض مدارسهن لموجات حرّ أو عواصف أو حرائق غابات مرتبطة بتغير المناخ.
واليوم، وبالتزامن مع العودة المدرسية، فلا بدّ من الإشارة إلى أن المجتمع التونسي لا يخلو من ظاهرة الانقطاع المدرسي، والتي أصبحت تسجّل في السنوات الأخيرة نسبا تدعو إلى دقّ ناقوس الخطر، حيث أصبحت ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع لما تخلّفه من تداعيات خطيرة تمسّ الفرد والأسرة والمجتمع على حدّ سواء، إذ لا تقتصر آثارها على خسارة التلميذ لمستقبله الدراسي وارتفاع نسب الأمية التعليمية، بل تمتد آثارها إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية المعقّدة، وإلى بروز ظواهر سلبية، وبعضها ذو طابع إجرامي.
ودعت اليونيسف، في تقريرها الأخير، الحكومات وشركاءها إلى زيادة الإنفاق على تشييد مرافق تعليمية جديدة قادرة على الصمود في وجه الأخطار المناخية والبيئية.
الانقطاع المدرسي وأسبابه
وفق آخر المعطيات التي نشرها معهد الإحصاء في هذا الغرض، فقد بلغت نسبة الانقطاع المدرسي 6.5 % في صفوف المراهقين بين 12 و16 سنة، مع ارتفاع في نسبة الانقطاع لدى الذكور مقارنة بالإناث، خاصة في المرحلة الإعدادية والثانوية. وحسب الخصائص التعليمية للسكان الصادرة عن معهد الإحصاء، فإن نسبة التمدرس للسكان من فئة 6 إلى 14 سنة في تونس بلغت 97.3 بالمائة سنة 2024.
وقد قدّر معهد الإحصاء أن نسبة الأطفال خارج النظام التعليمي في تونس تقدّر بـ4.5 بالمائة لدى الأطفال من الفئة العمرية من 6 إلى 16 سنة، وتنخفض هذه النسبة إلى 1.6 بالمائة لدى الأطفال في الفئة من 6 إلى 11 سنة، فيما ترتفع إلى 8.1 بالمائة لدى المراهقين في الفئة من 12 إلى 16 سنة، وهو ما يظهر هشاشة أكبر لدى فئة المراهقين، حسب معهد الإحصاء، وهذه الهشاشة تقتضي اليوم أخذها بعين الاعتبار في إيجاد الحلول المثلى للتصدّي للانقطاع المدرسي.
وتختلف أسباب التسرّب المدرسي بين المدن والأرياف، إلا أن أغلب المختصين يجتمعون على تحديد عدد من الأسباب الرئيسية، أولها الفقر والتهميش، حيث تعجز العائلات ذات الدخل المحدود، خاصة في المناطق الريفية، عن توفير المصاريف المدرسية الأساسية، مما يدفعها إلى التخلي عن تعليم أبنائها، بالإضافة إلى بُعد المؤسسات التربوية، خاصة في الأرياف، حيث يؤدي البعد الجغرافي للمدارس والإعداديات عن التجمعات السكنية الريفية إلى صعوبة التنقل اليومي، مع غياب النقل المدرسي الآمن، إذ تفتقر العديد من المناطق الريفية إلى وسائل نقل مدرسي منتظمة وموثوقة، مما قد يشكل خطرا على التلاميذ أو عبئا يمنع الأولياء من إرسال الأطفال إلى المدرسة، خاصة بالنسبة إلى الفتيات، إلى جانب العوامل البيداغوجية والهيكلية، كضغط الزمن المدرسي، حيث يعاني التلاميذ من طول ساعات اليوم الدراسي واكتظاظ الأقسام والمناهج، مع تراجع جدوى التعليم الذي يساهم لاحقا في انتشار البطالة في صفوف أصحاب الشهادات العليا، وتراجع قيمة التعليم في أذهان بعض العائلات.
كما أن من الأسباب التي باتت اليوم مطروحة تغيّر عناوين النجاح في ذهن الطفل والوليّ على حدّ سواء، حيث لم تعد الدراسة تمثّل عنوانا للنجاح ومصعدا اجتماعيا يعتمد عليه في تحسين الظروف، بل أصبحت نماذج النجاح مختلفة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وطغيانها على تفاصيل الحياة اليومية، فأغلب المؤثرين على هذه المواقع من أصحاب التكوين الدراسي المتوسّط وحتى الضعيف، ولكنهم نجحوا في تحقيق الشهرة والثراء، بما جعل الأطفال، وهم من الفئات التي ترتاد بقوة هذه المواقع، يرون فيهم مثالا وقدوة بعيدا عن المسار الدراسي المرهق، والذي يحتاج إلى اجتهاد وصبر. هذا بالإضافة إلى أن بعض المناطق الريفية لا تزال تعاني من عادات اجتماعية تؤثر سلبا على تعليم الفتيات، حيث يتم أحيانا تزويجهن في سن مبكرة أو توجيههن نحو العمل في الفلاحة، حيث إن المرأة الريفية ما زالت تتحمل أعباء كبيرة داخل الأسرة والمجتمع، مع استمرار النظرة الدونية تجاهها، وهو ما يعكس تناقضا واضحا بين واقعها ودورها الفعلي.
ومعالجة مشكلة الانقطاع المبكّر عن الدراسة تتطلب حلولا شاملة، من بينها تعزيز التوعية وتوفير مختصين اجتماعيين ونفسيين لمرافقة التلاميذ، وتحسين البنية التحتية، إلى جانب تفعيل دور الإعلام في نشر ثقافة أهمية التعليم، وحتى المربّين مدعوون إلى تخصيص حصص توعوية دورية لتشجيع التلاميذ على مواصلة الدراسة، باعتبار أن الشعوب المتعلمة هي الأكثر قدرة على التقدم والتطور.
وللأسرة هنا دور مركزي، حيث إن العائلة الحاضن الأول للتلميذ والداعم الأساسي لاستمراره في التعليم، غير أن العديد من الأسر، بسبب الفقر أو محدودية الوعي بأهمية التعليم، تجد صعوبة في مرافقة أبنائها دراسيا ونفسيا، كما أن ضعف الحوار الأسري وغياب المتابعة يدفع بعض التلاميذ إلى البحث عن بدائل خارج الإطار المدرسي، كالتوجه إلى الشارع أو العمل المبكر، وهو ما يسرّع وتيرة الانقطاع. وهذه النقطة تعدّ مفصلية في البحث عن حلول للانقطاع المدرسي، إلى جانب أن العلاقة التربوية شهدت تراجعا ملحوظا في السنوات الأخيرة، فقد غلبت في بعض الأحيان أساليب الردع والعقاب على ثقافة الاحتواء والتشجيع، مما يخلق شعورا بالخوف أو النفور لدى عدد من التلاميذ، كما ساهم ضعف التواصل وغياب الثقة في تعميق الهوّة، خاصة لدى التلاميذ الذين يعانون من صعوبات نفسية أو تعليمية غير ظاهرة.
فالدور الحديث للمدرسة لم يعد يقتصر على التسيير اليومي، بل أصبح من الضروري أن تضطلع بدور تربوي شامل يوفّر مناخا آمنا ومحفّزا للتعلّم، كما تفتقر العديد من المؤسسات التربوية إلى منظومة متكاملة للإحاطة الصحية والنفسية والاجتماعية، وهو ما يفاقم الصعوبات التي يواجهها التلميذ. فغياب الطب المدرسي والأخصائي النفسي والإطار الاجتماعي يحرم التلميذ من التشخيص المبكر لمشاكله، إذ هناك من يعاني من مشاكل صحية تحول دون تمدّرسه بشكل جيد، كضعف في النظر أو السمع، وهي مشاكل لو يتم اكتشافها في الوقت المناسب لتمكّن من تفادي الرسوب المتكرّر والانقطاع المبكّر لاحقا. كما يوجد تلاميذ لديهم اضطرابات في النطق أو صعوبات في التعبير يُساء فهمها وتُفسّر على أنها ضعف دراسي، في حين أن أصلها صحي أو نفسي، كما أن عدم الاكتراث لهذه الصعوبات سيكون مدخلا للتنمّر ولتدمير نفسية الأطفال في وقت مبكّر.
ومن أبرز المشاكل التي يعاني منها النظام التربوي الاكتظاظ الكبير داخل الأقسام، إلى جانب كثافة البرامج وتراكم المواد، خاصة في بعض المواد الأساسية، وهذا العبء الدراسي، دون مراعاة الفوارق الفردية، يحوّل المدرسة إلى مصدر ضغط نفسي ويفقد التلميذ ثقته في قدرته على النجاح، إلى جانب كون المحيط المدرسي في بعض المناطق ما زال إلى اليوم غير آمن ومصدر مخاطر مقلق يهدّد التلميذ.
للانقطاع المبكر عن الدراسة أسباب عميقة ومختلفة، وهو ليس حتميا، بل هو نتيجة تراكمات يمكن معالجتها بإرادة حقيقية وإصلاح عميق، واليوم، بوجود المجلس الأعلى للتربية، لا بد من إيلاء هذا الملف أولوية كبيرة، باعتبار أن تلاميذ اليوم هم كفاءات البلاد غدا، والتي بدونها لا تستطيع أن تتقدّم أو تتطوّر.