- كل مشروع فني أقتحمه... هو مغامرة أسعى لكسب الرهان فيها
- قريبًا... الإعلان عن تأسيس المهرجان العربي للموسيقيين الهواة بمنزل تميم
- ما قمت به من تجديد في الموسيقى التونسية يسير على هديه أهل الفن الشعبي اليوم
هو سليل عائلة فنية عريقة من خلال والده الشيخ عمر يدعس، رائد الموسيقى ومؤسس مدرسة خالدة في الموسيقى الصوفية والسلامية. هو الفنان الملحن رشيد يدعس، الذي اختار عن قناعة، وسعيًا منه إلى التفرد، السباحة في بحر التفتح على موسيقات العالم، لا تكريسًا أو تقليدًا أو تأهيلًا لكيان العولمة. فقد برز رشيد يدعس، وهذا يحفظه التاريخ، بلوحاته الفنية البديعة التي زيّنت افتتاح بطولة العالم لكرة اليد التي احتضنتها تونس في الفترة بين 23 جانفي و6 فيفري 2005، دون أن ننسى موسيقاه في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي صيف 2009، بأوبيريت غنائية ضخمة تحت عنوان «الصباح الجديد»، احتفاء بمائوية ميلاد شاعر الثورة والحرية أبوالقاسم الشابي، عن نص للكاتب محسن بن نفيسة، وإخراج حاتم دربال.
وللحديث مع هذا المبدع الهادئ، كان لا بدّ لنا من العودة إلى سنة 1987، تاريخ أول دورة لمهرجان الأغنية، التي فاز فيها هذا المبدع بالجائزة الأولى بتلحينه أغنية «خلي الحزن بعيد عليك»، تأليف الشاعر محمود بن هاجر، وغناء سنية مبارك، التي تُوّجت أيضًا في تلك الدورة، منذ 39 سنة، بالجائزة الأولى في الأداء لتميّزها في أداء أغنية «غزالي نفر». ثم في مقام للشاعر الخالد محمد المرزوقي، أحد رواد الموسيقى في الرشيدية، الفنان الخالد خميس الترنان، مثل نجاح وتتويج «خلي الحزن بعيد عليك» نقطة الانطلاقة لمبدع يعمل كثيرًا ويتكلم قليلًا. فبادر بتلحين أغنية في تلك الفترة «الثمانينات» للمطرب الصاعد آنذاك ثامر عبد الجواد، وعنوانها «كل يوم اسأل عليك». وهكذا برزت ملامح توجهات رشيد يدعس في صهر الموسيقى التونسية، طبوعًا وإيقاعات، في صلب الانفتاح على مختلف مشاربها الحضارية، لتتعدد محطاته الموسيقية من التوزيع والتطوير إلى ألحان الفوازير، إلى جانب إشرافه على تسيير دواليب الفرقة الوطنية للموسيقى، وهي أبرز محاور هذا اللقاء الاستثنائي معه.
وعن السر وراء هذا الصمت الموسيقي لرشيد يدعس بعد محطات هامة في مسيرته، أوضح محدثنا أنه لم يبتعد ولم يصمت ولم يتوقف عن الإنتاج، ولكنه ليس بتاجر موسيقى، قائلًا في السياق: «يكمن المشكل في أنني قدمت الكثير من المشاريع الموسيقية منذ 2010 إلى الجهات المختصة، غير أنها قوبلت بالصمت، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل هناك العديد من هذه المشاريع تعرّضت للسطو وسرقتها». وإن كانت هذه المشاريع في شكل ألحان لأغنيات، قال رشيد يدعس: «ليس الأمر كذلك، اخترت عن قناعة وإيمان بمشروعي الفني الذي سطرته لنفسي أن لا أكون تاجر موسيقى وأختص في تلحين الأغاني، بل اقتحام مجال المشاريع الموسيقية الكبرى. كان بإمكاني تلحين وتسجيل أكثر من أغنية خاصة، لكني اخترت تطوير الإنتاج. من ذلك أغنيات فوزي بن قمرة، وقد عملت على ضمان إضافات موسيقية وتجديد في العزف، وهذا الذي حققته مع أغاني فوزي بن قمرة، تسير على هديه الفرق الموسيقية الشعبية من خلال ابتكار طريقة جديدة في العزف والغناء، وبرزت في ذلك الراحلة فاطمة بوساحة وعبد اللطيف الغزي. لقد عملت على تطوير الإيقاع وأداء الكورال، وما قمت به اليوم يعود إلى تخصصي في الفنون الشعبية التي غصت في بحرها واجتهدت في كشف أسرارها، وها إن الفنانين الشعبيين اليوم يسيرون على هدي ما قمت به».
وعن اعتراف الفنانين الشعبيين بذلك، تابع قائلًا: «لا... ولا يهمني أن اعترفوا أو تنكروا... المهم أنني أسست منهجًا خاصًا في الموسيقى الشعبية، وهو ما عملت على إنتاجه وكسب الرهان فيه من خلال فوازير عايدة بوبكر التي غيرتها إلى «فوانيس». كان رؤوف كوكة صاحب فكرة «الفوازير» التي تحولت إلى «فوانيس»، وكان معنا الشاعر حسن شلبي والشاعر الجليدي العويني، وقمت بتعليم عايدة بوبكر أصول الغناء الاستعراضي، وقد عملت على توظيف الأصوات البدوية حسب خصوصياتها في «الفوانيس».»
برز رشيد يدعس في كل أعماله بالوفاء للموسيقى التونسية من حيث عراقة طبوعها التي درسها والده، شيخ شيوخ السلامية المرحوم عمر يدعس. فإلى جانب العيساوية و»الجازورك»، درس وتعلم الموسيقى الغربية والجاز. فهو لم يستسلم لتيار الحداثة في الموسيقى، بل ظل صامدًا أمام أمواجها العاتية، يأخذ من كل شيء بطرف، ولا أدلّ على ذلك من أن رشيد يدعس كان مبدعًا استثنائيًا في كل مشاريعه الموسيقية الخالدة، من خلال الانفتاح الموسيقى الرومانية إلى العربية الإسلامية، مرورًا بالإسبانية والتركية والزنجية.
يقول رشيد يدعس: «كل تجاربي الفنية عبارة عن مغامرة موسيقية، وأذكر هنا مسرحية «عشق زاد» التي مثلت حدثًا فريدًا في مسيرتي من خلال تتويجها بالجائزة الكبرى، وكنت قد أعددت الموسيقى الخاصة بها، وتكريم «لوركا»، عن نص للشاعر الأديب عبدالعزيز قاسم، وغناء المطربة سنية مبارك. وقد استحضرت فيها الموسيقى الإسبانية وخصوصياتها وماورائيات حياة الأندلسيين، وغيرها من المحطات الفنية».
الفرقة الوطنية للموسيقى
يعد إشرافه على دواليب الفرقة الوطنية للموسيقى واحدة من أبرز المحطات الهامة في مسيرة الملحن رشيد يدعس، الذي يقول في هذا الشأن: «ما إن تسلمت مقاليد الفرقة الوطنية للموسيقى حتى تم تكليفي بتلحين أناشيد الجيش الوطني من خلال 3 قصائد للشعراء الميداني بن صالح ومحي الدين خريف ونورالدين صمود، وكان أن تسلم كل ملحن قصيد، وهما حمادي بن عثمان والمنذر بركوس. وكان قصيد الميداني بن صالح من نصيبي، فكان أن أعدت كتابة النص بعد جلسة مع الشاعر الميداني بن صالح، لتكون الجائزة الأولى من نصيبي».
هذا النجاح مثّل لي حافزًا للعمل على مزيد تطوير الفرقة الوطنية للموسيقى، من خلال تعزيزها بالعازفين القدامى الذين انسحبوا منها في فترة سابقة، مع تحديد عدد عناصرها. واخترت المراهنة على أصوات جديدة تجمع بين الطموح والسعي للنجاح الفني، فكانت سماح البرهومي، وشكري عمر الحناشي، ونورة أمين، والزين الحداد. وعملت على الاحتفاء بالأغنية التونسية الأصيلة ومبدعيها، فكان أن فتحت أبواب الفرقة لأسماء كبيرة في الأغنية التونسية على غرار سليم دمق، وشكري بوزيان، وتكريم الملحن عبدالكريم صحابو، والموسيقي فتحي زغندة، والعازف فوزي الغربي، دون أن أنسى الكورال الذي أصبح من الركائز الأساسية للفرقة.
مهرجان منزل تميم للموسيقيين الهواة
كان للملحن والعازف رشيد يدعس حضور متوهج ولافت على امتداد دورات مهرجان منزل تميم للموسيقيين الهواة، الذي مثّل على امتداد سنوات طويلة رافدًا أساسيًا لمهرجان الأغنية التونسية بصفة خاصة، والأغنية التونسية بصفة عامة، في لجان التحكيم والتنظيم والقيادة الموسيقية للفرقة الوطنية للموسيقى التي نفذت الجانب الموسيقي لهذا المهرجان في أكثر من دورة. مهرجان كان وراء بروز أكثر من صوت فني، كان رشيد يدعس شاهدًا على أحقية حضورها على الساحة الغنائية التونسية، منهم على سبيل الذكر لا الحصر: أماني السويسي، وسماح البرهومي، ومنير الطرودي، وسنية العرائسي، وآلفة بن فرج، وغيرهم كثير.
اليوم، وقد لفّ النسيان هذا المهرجان منذ سنوات طويلة، فإن منزل تميم تعيش على وقع تحركات ثقافية عديدة، هدفها الأساسي والرئيسي إعادة الاعتبار لهذا المهرجان العريق. ورشيد يدعس أحد المتحمسين لهذا التوجه، بل يمكن القول أحد أبرز المهندسين له، فقد تم الإعلان عن إعداد الخطوط العريضة الأولى للمهرجان العربي للموسيقيين الهواة بمنزل تميم»، من خلال عرض المقترح على الجهات المختصة، من ذلك وزارة الثقافة، والكل في انتظار التأشيرة القانونية « للشروع رسميًا في إعداد برنامج الدورة التأسيسية لهذا المهرجان، الذي يسعى من ورائه منظموه استعادة مدينة منزل تميم لسالف دورها في إنتاج المواهب الغنائية الشابة، والتي ستكون هذه المرة على الصعيد العربي.
الأغنية التونسية اليوم
ختم رشيد يدعس هذا اللقاء معه بالحديث عن الموسيقى والأغنية في تونس اليوم، بالقول: «تعيش الساحة الموسيقية التونسية اليوم انقسامات طغت عليها المجاملات، وهذا لا يعني أنها لا تتوفر على أصوات جميلة في الأداء والحضور المتميز والأداء الحرفي السليم، كشهرزاد هلال، ودرصاف الحمداني، ومهدي العياشي الذي كنت وراء بروزه وبلوغه اليوم هذا النجاح الكبير، وروضة بن عبدالله. ويبقى للتوزيع الموسيقي دوره الريادي في إبراز خصوصية الأغنية. وكشف أيضًا أن له عديد المشاريع الموسيقية ذات الطابع الروحاني سيتم الكشف عنها تباعًا.
أما التجربة الثانية في نفس المنهج المعولم الذي اختاره رشيد يدعس بحكمة ومارسه بحنكة، فقد ظهرت ملامحها في الفوازير التي أدّتها الفنانة الاستعراضية عائدة بوبكر، رغم عيبها في نطق (الراء) (غاء). ثامر عبد الجواد أردفها بأغنية ثانية لا تقل روعة، وطالعها «كل يوم اسأل عليك»، أداء المطرب الصاعد آنذاك ثامر عبد الجواد.
وهكذا برزت ملامح توجهات رشيد يدعس في صهر الموسيقى التونسية، طبوعًا وإيقاعات، في صلب الانفتاح على مختلف مشاربها الحضارية. أما التجربة الثانية في نفس المنهج المعولم الذي اختاره رشيد يدعس بحكمة ومارسه بحنكة، فقد ظهرت ملامحها في الفوازير التي أدّتها الفنانة الاستعراضية عائدة بوبكر.
حوار محسن بن أحمد
- كل مشروع فني أقتحمه... هو مغامرة أسعى لكسب الرهان فيها
- قريبًا... الإعلان عن تأسيس المهرجان العربي للموسيقيين الهواة بمنزل تميم
- ما قمت به من تجديد في الموسيقى التونسية يسير على هديه أهل الفن الشعبي اليوم
هو سليل عائلة فنية عريقة من خلال والده الشيخ عمر يدعس، رائد الموسيقى ومؤسس مدرسة خالدة في الموسيقى الصوفية والسلامية. هو الفنان الملحن رشيد يدعس، الذي اختار عن قناعة، وسعيًا منه إلى التفرد، السباحة في بحر التفتح على موسيقات العالم، لا تكريسًا أو تقليدًا أو تأهيلًا لكيان العولمة. فقد برز رشيد يدعس، وهذا يحفظه التاريخ، بلوحاته الفنية البديعة التي زيّنت افتتاح بطولة العالم لكرة اليد التي احتضنتها تونس في الفترة بين 23 جانفي و6 فيفري 2005، دون أن ننسى موسيقاه في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي صيف 2009، بأوبيريت غنائية ضخمة تحت عنوان «الصباح الجديد»، احتفاء بمائوية ميلاد شاعر الثورة والحرية أبوالقاسم الشابي، عن نص للكاتب محسن بن نفيسة، وإخراج حاتم دربال.
وللحديث مع هذا المبدع الهادئ، كان لا بدّ لنا من العودة إلى سنة 1987، تاريخ أول دورة لمهرجان الأغنية، التي فاز فيها هذا المبدع بالجائزة الأولى بتلحينه أغنية «خلي الحزن بعيد عليك»، تأليف الشاعر محمود بن هاجر، وغناء سنية مبارك، التي تُوّجت أيضًا في تلك الدورة، منذ 39 سنة، بالجائزة الأولى في الأداء لتميّزها في أداء أغنية «غزالي نفر». ثم في مقام للشاعر الخالد محمد المرزوقي، أحد رواد الموسيقى في الرشيدية، الفنان الخالد خميس الترنان، مثل نجاح وتتويج «خلي الحزن بعيد عليك» نقطة الانطلاقة لمبدع يعمل كثيرًا ويتكلم قليلًا. فبادر بتلحين أغنية في تلك الفترة «الثمانينات» للمطرب الصاعد آنذاك ثامر عبد الجواد، وعنوانها «كل يوم اسأل عليك». وهكذا برزت ملامح توجهات رشيد يدعس في صهر الموسيقى التونسية، طبوعًا وإيقاعات، في صلب الانفتاح على مختلف مشاربها الحضارية، لتتعدد محطاته الموسيقية من التوزيع والتطوير إلى ألحان الفوازير، إلى جانب إشرافه على تسيير دواليب الفرقة الوطنية للموسيقى، وهي أبرز محاور هذا اللقاء الاستثنائي معه.
وعن السر وراء هذا الصمت الموسيقي لرشيد يدعس بعد محطات هامة في مسيرته، أوضح محدثنا أنه لم يبتعد ولم يصمت ولم يتوقف عن الإنتاج، ولكنه ليس بتاجر موسيقى، قائلًا في السياق: «يكمن المشكل في أنني قدمت الكثير من المشاريع الموسيقية منذ 2010 إلى الجهات المختصة، غير أنها قوبلت بالصمت، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل هناك العديد من هذه المشاريع تعرّضت للسطو وسرقتها». وإن كانت هذه المشاريع في شكل ألحان لأغنيات، قال رشيد يدعس: «ليس الأمر كذلك، اخترت عن قناعة وإيمان بمشروعي الفني الذي سطرته لنفسي أن لا أكون تاجر موسيقى وأختص في تلحين الأغاني، بل اقتحام مجال المشاريع الموسيقية الكبرى. كان بإمكاني تلحين وتسجيل أكثر من أغنية خاصة، لكني اخترت تطوير الإنتاج. من ذلك أغنيات فوزي بن قمرة، وقد عملت على ضمان إضافات موسيقية وتجديد في العزف، وهذا الذي حققته مع أغاني فوزي بن قمرة، تسير على هديه الفرق الموسيقية الشعبية من خلال ابتكار طريقة جديدة في العزف والغناء، وبرزت في ذلك الراحلة فاطمة بوساحة وعبد اللطيف الغزي. لقد عملت على تطوير الإيقاع وأداء الكورال، وما قمت به اليوم يعود إلى تخصصي في الفنون الشعبية التي غصت في بحرها واجتهدت في كشف أسرارها، وها إن الفنانين الشعبيين اليوم يسيرون على هدي ما قمت به».
وعن اعتراف الفنانين الشعبيين بذلك، تابع قائلًا: «لا... ولا يهمني أن اعترفوا أو تنكروا... المهم أنني أسست منهجًا خاصًا في الموسيقى الشعبية، وهو ما عملت على إنتاجه وكسب الرهان فيه من خلال فوازير عايدة بوبكر التي غيرتها إلى «فوانيس». كان رؤوف كوكة صاحب فكرة «الفوازير» التي تحولت إلى «فوانيس»، وكان معنا الشاعر حسن شلبي والشاعر الجليدي العويني، وقمت بتعليم عايدة بوبكر أصول الغناء الاستعراضي، وقد عملت على توظيف الأصوات البدوية حسب خصوصياتها في «الفوانيس».»
برز رشيد يدعس في كل أعماله بالوفاء للموسيقى التونسية من حيث عراقة طبوعها التي درسها والده، شيخ شيوخ السلامية المرحوم عمر يدعس. فإلى جانب العيساوية و»الجازورك»، درس وتعلم الموسيقى الغربية والجاز. فهو لم يستسلم لتيار الحداثة في الموسيقى، بل ظل صامدًا أمام أمواجها العاتية، يأخذ من كل شيء بطرف، ولا أدلّ على ذلك من أن رشيد يدعس كان مبدعًا استثنائيًا في كل مشاريعه الموسيقية الخالدة، من خلال الانفتاح الموسيقى الرومانية إلى العربية الإسلامية، مرورًا بالإسبانية والتركية والزنجية.
يقول رشيد يدعس: «كل تجاربي الفنية عبارة عن مغامرة موسيقية، وأذكر هنا مسرحية «عشق زاد» التي مثلت حدثًا فريدًا في مسيرتي من خلال تتويجها بالجائزة الكبرى، وكنت قد أعددت الموسيقى الخاصة بها، وتكريم «لوركا»، عن نص للشاعر الأديب عبدالعزيز قاسم، وغناء المطربة سنية مبارك. وقد استحضرت فيها الموسيقى الإسبانية وخصوصياتها وماورائيات حياة الأندلسيين، وغيرها من المحطات الفنية».
الفرقة الوطنية للموسيقى
يعد إشرافه على دواليب الفرقة الوطنية للموسيقى واحدة من أبرز المحطات الهامة في مسيرة الملحن رشيد يدعس، الذي يقول في هذا الشأن: «ما إن تسلمت مقاليد الفرقة الوطنية للموسيقى حتى تم تكليفي بتلحين أناشيد الجيش الوطني من خلال 3 قصائد للشعراء الميداني بن صالح ومحي الدين خريف ونورالدين صمود، وكان أن تسلم كل ملحن قصيد، وهما حمادي بن عثمان والمنذر بركوس. وكان قصيد الميداني بن صالح من نصيبي، فكان أن أعدت كتابة النص بعد جلسة مع الشاعر الميداني بن صالح، لتكون الجائزة الأولى من نصيبي».
هذا النجاح مثّل لي حافزًا للعمل على مزيد تطوير الفرقة الوطنية للموسيقى، من خلال تعزيزها بالعازفين القدامى الذين انسحبوا منها في فترة سابقة، مع تحديد عدد عناصرها. واخترت المراهنة على أصوات جديدة تجمع بين الطموح والسعي للنجاح الفني، فكانت سماح البرهومي، وشكري عمر الحناشي، ونورة أمين، والزين الحداد. وعملت على الاحتفاء بالأغنية التونسية الأصيلة ومبدعيها، فكان أن فتحت أبواب الفرقة لأسماء كبيرة في الأغنية التونسية على غرار سليم دمق، وشكري بوزيان، وتكريم الملحن عبدالكريم صحابو، والموسيقي فتحي زغندة، والعازف فوزي الغربي، دون أن أنسى الكورال الذي أصبح من الركائز الأساسية للفرقة.
مهرجان منزل تميم للموسيقيين الهواة
كان للملحن والعازف رشيد يدعس حضور متوهج ولافت على امتداد دورات مهرجان منزل تميم للموسيقيين الهواة، الذي مثّل على امتداد سنوات طويلة رافدًا أساسيًا لمهرجان الأغنية التونسية بصفة خاصة، والأغنية التونسية بصفة عامة، في لجان التحكيم والتنظيم والقيادة الموسيقية للفرقة الوطنية للموسيقى التي نفذت الجانب الموسيقي لهذا المهرجان في أكثر من دورة. مهرجان كان وراء بروز أكثر من صوت فني، كان رشيد يدعس شاهدًا على أحقية حضورها على الساحة الغنائية التونسية، منهم على سبيل الذكر لا الحصر: أماني السويسي، وسماح البرهومي، ومنير الطرودي، وسنية العرائسي، وآلفة بن فرج، وغيرهم كثير.
اليوم، وقد لفّ النسيان هذا المهرجان منذ سنوات طويلة، فإن منزل تميم تعيش على وقع تحركات ثقافية عديدة، هدفها الأساسي والرئيسي إعادة الاعتبار لهذا المهرجان العريق. ورشيد يدعس أحد المتحمسين لهذا التوجه، بل يمكن القول أحد أبرز المهندسين له، فقد تم الإعلان عن إعداد الخطوط العريضة الأولى للمهرجان العربي للموسيقيين الهواة بمنزل تميم»، من خلال عرض المقترح على الجهات المختصة، من ذلك وزارة الثقافة، والكل في انتظار التأشيرة القانونية « للشروع رسميًا في إعداد برنامج الدورة التأسيسية لهذا المهرجان، الذي يسعى من ورائه منظموه استعادة مدينة منزل تميم لسالف دورها في إنتاج المواهب الغنائية الشابة، والتي ستكون هذه المرة على الصعيد العربي.
الأغنية التونسية اليوم
ختم رشيد يدعس هذا اللقاء معه بالحديث عن الموسيقى والأغنية في تونس اليوم، بالقول: «تعيش الساحة الموسيقية التونسية اليوم انقسامات طغت عليها المجاملات، وهذا لا يعني أنها لا تتوفر على أصوات جميلة في الأداء والحضور المتميز والأداء الحرفي السليم، كشهرزاد هلال، ودرصاف الحمداني، ومهدي العياشي الذي كنت وراء بروزه وبلوغه اليوم هذا النجاح الكبير، وروضة بن عبدالله. ويبقى للتوزيع الموسيقي دوره الريادي في إبراز خصوصية الأغنية. وكشف أيضًا أن له عديد المشاريع الموسيقية ذات الطابع الروحاني سيتم الكشف عنها تباعًا.
أما التجربة الثانية في نفس المنهج المعولم الذي اختاره رشيد يدعس بحكمة ومارسه بحنكة، فقد ظهرت ملامحها في الفوازير التي أدّتها الفنانة الاستعراضية عائدة بوبكر، رغم عيبها في نطق (الراء) (غاء). ثامر عبد الجواد أردفها بأغنية ثانية لا تقل روعة، وطالعها «كل يوم اسأل عليك»، أداء المطرب الصاعد آنذاك ثامر عبد الجواد.
وهكذا برزت ملامح توجهات رشيد يدعس في صهر الموسيقى التونسية، طبوعًا وإيقاعات، في صلب الانفتاح على مختلف مشاربها الحضارية. أما التجربة الثانية في نفس المنهج المعولم الذي اختاره رشيد يدعس بحكمة ومارسه بحنكة، فقد ظهرت ملامحها في الفوازير التي أدّتها الفنانة الاستعراضية عائدة بوبكر.