إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

للكاتبة الصحفية أمل بالحوت / "ما تبقّى من أنا".. بين قلق الهوية وفتنة الرقمنة

تفتح الكاتبة والصحفية التونسية أمل بالحوت بلال في مُؤلفها الجديد نافذة سردية على سؤال لم يعد مؤجّلا: ماذا يبقى من الإنسان حين تُعاد صياغته بلغة الأرقام؟ كتابها "ما تبقّى من أنا.. الهوية IA" الصادر عن دار الكتاب تونس، لا يكتفي بمجاورة هذا السؤال، بل يغوص فيه كمن يفتّش عن ذاته داخل مرآة لا تعكس إلا ما تسمح به الخوارزميات.

هذا الإصدار، الثالث لها بالعربية، يتقدّم بخطى واثقة نحو منطقة كتابية هجينة، تتقاطع فيها نبرة التأمل الفلسفي مع حساسية الأدب الحديث، وتجاور فيها اللغة الصحفية البوح الذاتي.. هو نصّ يُكتب على تخوم النوع، حيث لا تعود الحدود واضحة بين التفكير والسرد.. بين الاعتراف والتجريب.. بين الإنسان وصورته الرقمية.

في قلب هذا العمل ينبض سؤال وجودي كثيف: "هل يمكن للإنسان أن يظلّ نفسه حين تتحوّل ذاكرته إلى أرشيف وعواطفه إلى مؤشرات ووعيه إلى بيانات قابلة للمعالجة؟ هذا السؤال لا يُطرح بوصفه فكرة مجردة، بل يتجسّد عبر بناء سردي مُبتكر يقوم على حوار تخييلي مع كيان يُدعى "صحوة"، صوت ملتبس يتراوح بين الضمير الداخلي وامتداد الذات في الفضاء الرقمي"...

 هنا، لا تواجه الكاتبة آلة خارجية بل تقف أمام نسخة أخرى منها.. نسخة صنعتها التكنولوجيا لكنها خرجت من أعماقها..

النص يتوزّع على ثلاثة مسارات كبرى، تشكّل بنيته الفكرية والسردية.. أولها ذلك "الجسر الصامت" الذي يربط بين هوية أصلية مُثقلة بالذاكرة والهشاشة والجسد، وهوية رقمية مُعاد تشكيلها داخل أنظمة لا تعترف إلا بما يمكن ترميزه.. أما المسار الثاني فيتمثّل في حوار فلسفي تتبدّى فيه الآلة كمرآة جديدة لا تفكّر بدل الإنسان، بل تعيده إلى مساءلة ذاته بحدة غير مسبوقة. 

وفي المسار الثالث يتكثّف البعد الوجودي حيث يتحوّل السؤال إلى قلق مفتوح: "ماذا يتبقّى من الذات حين تصبح قابلة للقياس والتصنيف والتكرار؟"... 

هنا، يكتسب النص عمقه الحقيقي.. فالمؤلفة لا تنساق وراء انبهار سطحي بالتقنية، بل تدفعها إلى حدودها القصوى: هل تبقى الروح منطقة عصيّة على الترميز؟ هل يظلّ الحنين خارج معادلات الحساب؟ وهل يمكن للحزن أن يُختزل في خوارزمية دون أن يفقد جوهره؟

ما يمنح هذا العمل فرادته هو تلك الزاوية الحميمية التي يُلامس بها قضية كونية.. الذكاء الاصطناعي لا يظهر كموضوع تقني بارد، بل كحدث يمسّ الإنسان في أدقّ تفاصيله: في ذاكرته، في وحدته، في علاقته بجسده، وفي خوفه الخفي من أن يتحوّل إلى "ملف" قابل للأرشفة..

فالكتاب يندرج ضمن موجة أدبية عالمية آخذة في الاتساع، تسعى إلى استيعاب "الصدمة الرقمية" عبر أشكال سردية جديدة تمزج بين الرواية والفلسفة واليوميات والتخييل العلمي، غير أنّ خصوصيته تتجلّى في كونه يكتب من داخل السياق العربي، حيث ما تزال هذه الأسئلة تُطرح بخجل، أو تُؤجّل لصالح رهانات أكثر إلحاحا..

أما اللغة، فتأتي مكثّفة، مشحونة بالتأمّل.. كأنّها تُحاول أن تقول الكثير بأقلّ عدد ممكن من الكلمات.. وهو خيار يمنح النص نبرة خاصة، لكنّه يضعه أيضا أمام امتحان دقيق: كيف يُحافظ على توازنه بين العمق الفكري وجاذبية السرد؟.

"ما تبقّى من أنا" ليس مجرد كتاب عن الذكاء الاصطناعي، بل هو مُحاولة لكتابة سيرة الإنسان في زمن لم يعد يعترف بالسير الذاتية التقليدية.. كتاب يقترح أن الهوية لم تعد مُعطى ثابتا بل سؤالا مفتوحا.. وأنّ الإنسان في نهاية المطاف قد يكون آخر من يعرف من يكون..

"ما تبقّى من أنا" يبقى حاضرا من خلال تقاطعه مع كتب تستدعي منا -على غرار ما ذهبت إليه الكاتبة أمل- التساؤل حول ما تبقى منا في عالم يتغير بسرعة الخوارزميات.. 

وليد عبد اللاوي

 

 

 

 

 

للكاتبة الصحفية أمل بالحوت / "ما تبقّى من أنا".. بين قلق الهوية وفتنة الرقمنة

تفتح الكاتبة والصحفية التونسية أمل بالحوت بلال في مُؤلفها الجديد نافذة سردية على سؤال لم يعد مؤجّلا: ماذا يبقى من الإنسان حين تُعاد صياغته بلغة الأرقام؟ كتابها "ما تبقّى من أنا.. الهوية IA" الصادر عن دار الكتاب تونس، لا يكتفي بمجاورة هذا السؤال، بل يغوص فيه كمن يفتّش عن ذاته داخل مرآة لا تعكس إلا ما تسمح به الخوارزميات.

هذا الإصدار، الثالث لها بالعربية، يتقدّم بخطى واثقة نحو منطقة كتابية هجينة، تتقاطع فيها نبرة التأمل الفلسفي مع حساسية الأدب الحديث، وتجاور فيها اللغة الصحفية البوح الذاتي.. هو نصّ يُكتب على تخوم النوع، حيث لا تعود الحدود واضحة بين التفكير والسرد.. بين الاعتراف والتجريب.. بين الإنسان وصورته الرقمية.

في قلب هذا العمل ينبض سؤال وجودي كثيف: "هل يمكن للإنسان أن يظلّ نفسه حين تتحوّل ذاكرته إلى أرشيف وعواطفه إلى مؤشرات ووعيه إلى بيانات قابلة للمعالجة؟ هذا السؤال لا يُطرح بوصفه فكرة مجردة، بل يتجسّد عبر بناء سردي مُبتكر يقوم على حوار تخييلي مع كيان يُدعى "صحوة"، صوت ملتبس يتراوح بين الضمير الداخلي وامتداد الذات في الفضاء الرقمي"...

 هنا، لا تواجه الكاتبة آلة خارجية بل تقف أمام نسخة أخرى منها.. نسخة صنعتها التكنولوجيا لكنها خرجت من أعماقها..

النص يتوزّع على ثلاثة مسارات كبرى، تشكّل بنيته الفكرية والسردية.. أولها ذلك "الجسر الصامت" الذي يربط بين هوية أصلية مُثقلة بالذاكرة والهشاشة والجسد، وهوية رقمية مُعاد تشكيلها داخل أنظمة لا تعترف إلا بما يمكن ترميزه.. أما المسار الثاني فيتمثّل في حوار فلسفي تتبدّى فيه الآلة كمرآة جديدة لا تفكّر بدل الإنسان، بل تعيده إلى مساءلة ذاته بحدة غير مسبوقة. 

وفي المسار الثالث يتكثّف البعد الوجودي حيث يتحوّل السؤال إلى قلق مفتوح: "ماذا يتبقّى من الذات حين تصبح قابلة للقياس والتصنيف والتكرار؟"... 

هنا، يكتسب النص عمقه الحقيقي.. فالمؤلفة لا تنساق وراء انبهار سطحي بالتقنية، بل تدفعها إلى حدودها القصوى: هل تبقى الروح منطقة عصيّة على الترميز؟ هل يظلّ الحنين خارج معادلات الحساب؟ وهل يمكن للحزن أن يُختزل في خوارزمية دون أن يفقد جوهره؟

ما يمنح هذا العمل فرادته هو تلك الزاوية الحميمية التي يُلامس بها قضية كونية.. الذكاء الاصطناعي لا يظهر كموضوع تقني بارد، بل كحدث يمسّ الإنسان في أدقّ تفاصيله: في ذاكرته، في وحدته، في علاقته بجسده، وفي خوفه الخفي من أن يتحوّل إلى "ملف" قابل للأرشفة..

فالكتاب يندرج ضمن موجة أدبية عالمية آخذة في الاتساع، تسعى إلى استيعاب "الصدمة الرقمية" عبر أشكال سردية جديدة تمزج بين الرواية والفلسفة واليوميات والتخييل العلمي، غير أنّ خصوصيته تتجلّى في كونه يكتب من داخل السياق العربي، حيث ما تزال هذه الأسئلة تُطرح بخجل، أو تُؤجّل لصالح رهانات أكثر إلحاحا..

أما اللغة، فتأتي مكثّفة، مشحونة بالتأمّل.. كأنّها تُحاول أن تقول الكثير بأقلّ عدد ممكن من الكلمات.. وهو خيار يمنح النص نبرة خاصة، لكنّه يضعه أيضا أمام امتحان دقيق: كيف يُحافظ على توازنه بين العمق الفكري وجاذبية السرد؟.

"ما تبقّى من أنا" ليس مجرد كتاب عن الذكاء الاصطناعي، بل هو مُحاولة لكتابة سيرة الإنسان في زمن لم يعد يعترف بالسير الذاتية التقليدية.. كتاب يقترح أن الهوية لم تعد مُعطى ثابتا بل سؤالا مفتوحا.. وأنّ الإنسان في نهاية المطاف قد يكون آخر من يعرف من يكون..

"ما تبقّى من أنا" يبقى حاضرا من خلال تقاطعه مع كتب تستدعي منا -على غرار ما ذهبت إليه الكاتبة أمل- التساؤل حول ما تبقى منا في عالم يتغير بسرعة الخوارزميات.. 

وليد عبد اللاوي