ما حصل لهؤلاء الزهرات مظلمة في حقهنّ قد تؤدي إلى تغيير مجرى حياتهنّ
ما إن بدأت أشجاني تسكن وقد أصابتني على إثر تسرّب بعض من المواد من امتحان الباكالوريا ومحاولات الغشّ فيها حتى جاء ما أرّقني من جديد وأقضّ مضجعي. وأعتقد أنّ ما ألمّ بي هذه المرّة قد ألمّ أيضا بكثير من التونسيّات والتونسيّين.
أربع تلميذات بقسم الباكالوريا لم يتمكّنّ من إجراء اختبارات يوم الثلاثاء 11 جوان 2024 الموافق لليوم الخامس من أيام الامتحان التي انطلقت يوم الأربعاء 5 جوان 2024. لقد وصلت التلميذات في حدود الثامنة وعشرين دقيقة تقريبا من صبيحة ذلك اليوم، أي بعد انطلاق الامتحان بعشرين دقيقة.ورفض السيد رئيس مركز الامتحان قبولهنّ. وأصرّ على عدم السماح لهنّ بالدخول رغم تضرعهنّ له وتدخلات بعض الأساتذة والإداريّين والقيّمين والعملة لكنه لم يستجب.
ولو افترضنا جدلا أنّ السيد رئيس مركز الامتحان قد سمح للتلميذات بالدخول، هل كان يكون بإمكانهنّ إجراء الاختبار في وضع نفسيّ عاديّ؟ وهل كان يكون بإمكانهنّ التركيز وقد عشن التوتر والخوف لأكثر من ساعتين في رحلة الوصول إلى قاعة الامتحان منذ خرجن من بيوتهنّ؟ هل كان يكون بإمكانهنّ تناسي الدقائق التي مرّت عليهنّ وكأنّها دهر وهنّ يتضرّعن باكيات حتى يُسمح لهنّ بالدخول؟ وهل بالإمكان مقارنة وضعهنّ وهنّ يلجن قاعة الامتحان مع وضع أبناء علية القوم أو أبناء المسؤولين الذين توصلهم السيارات الفارهة والمكيفة؟
أنا شخصيا لا أناقش موقف السيد رئيس مركز الإمتحان لأنه كان صائبا إذ التزم بما يقتضيه القانون بخصوص إجراءات الامتحانات. ولو أنّه قد سمح للتلميذات بالدّخول إلى قاعة الامتحان لسُلّطت عليه عقوبة دون شكّ. ولكنّني أعتبر في الوقت نفسه أنّ ما حصل لهؤلاء الزهرات مظلمة في حقهنّ قد تؤدي إلى تغيير مجرى حياتهنّ، فقد يُحرمن من الدخول إلى الجامعة وقد يكرهن الدراسة ويسأمن منها. إنها بحقّ صدمة كبيرة وموجعة قد تُحدث شرخا في حياتهنّ الدراسية ومستقبلهنّ. كيف لا وقد تبخرت أحلامهنّ في لحظة من لحظات العمر وشعرن بمرارة واقعهنّ بعد الاجتهاد طيلة سنة دراسية كاملة؟ قد تذهب مجهوداتهنّ ومجهودات أوليائهن المادّية والمعنويّة سدى. وقد يُحرمن، لا قدّر الله، من فرحة النجاح وتُحرم عائلاتهنّ من زغاريد تملأ بيوتهنّ حبورا وغبطة.
من السبب يا ترى وما ذنبهنّ؟ لا ذنب لهنّ. ذنبهنّ الوحيد أنهنّ كنّ ضحية انعدام وسيلة نقل توصلهنّ إلى معهدهنّ قبل موعد انطلاق الامتحان. لقد استيقظن باكرا وترقّبن مجيء عربة تحملهنّ مع الدّواب كما يفعلن في سائر أيام السنة الدراسية. لكنّ العربة لم تأت في ذلك اليوم لأنّها تحوّلت إلى وجهة أخرى لبيع ما عليها من أكباش بمناسبة عيد الأضحى!
نتساءل ما ضرّ لو اجتهدت وزارة التربية ووفرت لهنّ ولبقية تلاميذ الباكالوريا حافلة حتى يصلن في ظروف طيبة ومناسبة على الأقلّ أيام امتحان الباكالوريا؟ إنّنا لم نطالب بتوفير "طائرة"لهنّ أو مثل ما يوفر للاعبي كرة القدم للتّحول بهم من مقر إقامتهم بالحمامات إلى ملعب حمادي العقربي برادس كلّ أيام التمارين..لماذا يحرم أبناء القرى المنسية من حقهم في التنقل؟ لماذا لا يتمتّع من يسكنون بشوارع بلا أسماء بالظروف التي تُتاح لأبناء المدن والأحياء الراقية وحتى المتوسطة؟ إلى متى ستبقى هذه المعاناة تراوح مكانها؟
ما أسهل الحدث على أصحاب القرار والمسؤولين، مرّ وكأنّ شيئا لم يكن. ولكن ما أشدّه على قلوب المظلومين والمضطهدين. سيبقى الجرح ينزف وسيستحيل تضميده ولملمته طال الزمن أو قصر. يقول العباس بن الأحنف: مَن ذا يُعيرُكَ عَينَهُ تَبكي بِها** أَرَأَيتَ عَيناً لِلبُكاءِ تُعارُ.
إن تمتّع جميع النّاس بالمساواة في حقوقهم المدنية والاجتماعية ليس منّة من أحد بل هو حقّ قدم من أجله الشهداء والجرحى دماءهم.
مصدّق الشّريف
ما حصل لهؤلاء الزهرات مظلمة في حقهنّ قد تؤدي إلى تغيير مجرى حياتهنّ
ما إن بدأت أشجاني تسكن وقد أصابتني على إثر تسرّب بعض من المواد من امتحان الباكالوريا ومحاولات الغشّ فيها حتى جاء ما أرّقني من جديد وأقضّ مضجعي. وأعتقد أنّ ما ألمّ بي هذه المرّة قد ألمّ أيضا بكثير من التونسيّات والتونسيّين.
أربع تلميذات بقسم الباكالوريا لم يتمكّنّ من إجراء اختبارات يوم الثلاثاء 11 جوان 2024 الموافق لليوم الخامس من أيام الامتحان التي انطلقت يوم الأربعاء 5 جوان 2024. لقد وصلت التلميذات في حدود الثامنة وعشرين دقيقة تقريبا من صبيحة ذلك اليوم، أي بعد انطلاق الامتحان بعشرين دقيقة.ورفض السيد رئيس مركز الامتحان قبولهنّ. وأصرّ على عدم السماح لهنّ بالدخول رغم تضرعهنّ له وتدخلات بعض الأساتذة والإداريّين والقيّمين والعملة لكنه لم يستجب.
ولو افترضنا جدلا أنّ السيد رئيس مركز الامتحان قد سمح للتلميذات بالدخول، هل كان يكون بإمكانهنّ إجراء الاختبار في وضع نفسيّ عاديّ؟ وهل كان يكون بإمكانهنّ التركيز وقد عشن التوتر والخوف لأكثر من ساعتين في رحلة الوصول إلى قاعة الامتحان منذ خرجن من بيوتهنّ؟ هل كان يكون بإمكانهنّ تناسي الدقائق التي مرّت عليهنّ وكأنّها دهر وهنّ يتضرّعن باكيات حتى يُسمح لهنّ بالدخول؟ وهل بالإمكان مقارنة وضعهنّ وهنّ يلجن قاعة الامتحان مع وضع أبناء علية القوم أو أبناء المسؤولين الذين توصلهم السيارات الفارهة والمكيفة؟
أنا شخصيا لا أناقش موقف السيد رئيس مركز الإمتحان لأنه كان صائبا إذ التزم بما يقتضيه القانون بخصوص إجراءات الامتحانات. ولو أنّه قد سمح للتلميذات بالدّخول إلى قاعة الامتحان لسُلّطت عليه عقوبة دون شكّ. ولكنّني أعتبر في الوقت نفسه أنّ ما حصل لهؤلاء الزهرات مظلمة في حقهنّ قد تؤدي إلى تغيير مجرى حياتهنّ، فقد يُحرمن من الدخول إلى الجامعة وقد يكرهن الدراسة ويسأمن منها. إنها بحقّ صدمة كبيرة وموجعة قد تُحدث شرخا في حياتهنّ الدراسية ومستقبلهنّ. كيف لا وقد تبخرت أحلامهنّ في لحظة من لحظات العمر وشعرن بمرارة واقعهنّ بعد الاجتهاد طيلة سنة دراسية كاملة؟ قد تذهب مجهوداتهنّ ومجهودات أوليائهن المادّية والمعنويّة سدى. وقد يُحرمن، لا قدّر الله، من فرحة النجاح وتُحرم عائلاتهنّ من زغاريد تملأ بيوتهنّ حبورا وغبطة.
من السبب يا ترى وما ذنبهنّ؟ لا ذنب لهنّ. ذنبهنّ الوحيد أنهنّ كنّ ضحية انعدام وسيلة نقل توصلهنّ إلى معهدهنّ قبل موعد انطلاق الامتحان. لقد استيقظن باكرا وترقّبن مجيء عربة تحملهنّ مع الدّواب كما يفعلن في سائر أيام السنة الدراسية. لكنّ العربة لم تأت في ذلك اليوم لأنّها تحوّلت إلى وجهة أخرى لبيع ما عليها من أكباش بمناسبة عيد الأضحى!
نتساءل ما ضرّ لو اجتهدت وزارة التربية ووفرت لهنّ ولبقية تلاميذ الباكالوريا حافلة حتى يصلن في ظروف طيبة ومناسبة على الأقلّ أيام امتحان الباكالوريا؟ إنّنا لم نطالب بتوفير "طائرة"لهنّ أو مثل ما يوفر للاعبي كرة القدم للتّحول بهم من مقر إقامتهم بالحمامات إلى ملعب حمادي العقربي برادس كلّ أيام التمارين..لماذا يحرم أبناء القرى المنسية من حقهم في التنقل؟ لماذا لا يتمتّع من يسكنون بشوارع بلا أسماء بالظروف التي تُتاح لأبناء المدن والأحياء الراقية وحتى المتوسطة؟ إلى متى ستبقى هذه المعاناة تراوح مكانها؟
ما أسهل الحدث على أصحاب القرار والمسؤولين، مرّ وكأنّ شيئا لم يكن. ولكن ما أشدّه على قلوب المظلومين والمضطهدين. سيبقى الجرح ينزف وسيستحيل تضميده ولملمته طال الزمن أو قصر. يقول العباس بن الأحنف: مَن ذا يُعيرُكَ عَينَهُ تَبكي بِها** أَرَأَيتَ عَيناً لِلبُكاءِ تُعارُ.
إن تمتّع جميع النّاس بالمساواة في حقوقهم المدنية والاجتماعية ليس منّة من أحد بل هو حقّ قدم من أجله الشهداء والجرحى دماءهم.