إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بين كثرتها.. والضغط النفسي.. هل أصبحت الامتحانات "كابوسا" للتلاميذ.. و"هوسا مرضيا" للأولياء؟

 

 

 

تونس - الصباح

 تحولت الأعداد وتحقيق التفوق وبلوغ المراتب الأولى في الامتحانات "كابوسا" تعيشه جل العائلات التونسية خلال فترة الامتحانات وهو ما نشهده في الآونة الأخيرة.

ورغم التحذيرات التي أطلقها مختصون في الشأن التربوي والنفسي لتجنب الضغط على الأبناء والابتعاد عن هاجس التفوق وتحويل الفضاء الدراسي إلى حلبة صراع إلا أن السلوكيات والمظاهر والتي نشهدها تؤكد أن جل التلاميذ يعيشون ضغطا نفسيا مضاعفا بين كثرة الامتحانات التي تمتد لأسبوعين وبين ضغط الأسرة ومطالبته بالتفوق وتحصيل أعلى الدرجات دون مراعاة قدراته الذهنية.

ويبدو أن هذا الهوس المرضي الذي أصاب عديد الأولياء حول علاقتهم مع أبنائهم إلى علاقة مشروطة تحكمها الأعداد أساسا.

وفي هذا الخصوص قالت الأخصائية النفسية بالمندوبية الجهوية للتربية تونس 2 مريم الهمامي لـ "الصباح" أن عديد التلاميذ يعيشون خلال هذه الفترة التي تتزامن مع ضغط امتحانات نهاية السنة الدراسية حالة من الملل والنفور وصعوبة في المحافظة على نفس النسق الذي نشهده خلال بداية السنة الدراسية وهذا مرده ارتفاع درجات الحرارة وانتظار العطلة الصيفية المطولة وهذه مظاهر عادية لكن أن يتحول هاجس الأعداد والنتائج إلى كابوس يؤرق التلميذ وعائلته في نفس الوقت فهذا يصبح ضغطا مضاعفا ويؤثر سلبا على مردود الطفل.

ونبّهت الأخصائية النفسية الأولياء من التعسف على قدرات أبنائهم الذهنية عبر البحث عن التميز وهذا له نتائج عكسية هذا بالإضافة إلى السقوط في المقارنات مع نتائج أبناء الأقارب وأترابهم في القسم كل هذا من شانه أن يخلق ضغطا على التلميذ الذي قد تتحول علاقته مع عائلته في بعض الأحيان إلى علاقة مشروطة تحكمها نتائج الدراسة.

وفي نفس السياق شددت محدثتنا على ضرورة مراجعة الزمن المدرسي والبرامج التعليمية بالنسبة للنظام التربوي وبالنسبة للعائلة عليها تشجيع الأبناء ومرافقتهم والابتعاد كل البعد عن تسلط ضغوطات نفسية عليهم لان الخوف والقلق من الامتحانات هي حالة نفسية انفعالية لها إبعاد ايجابية كالتحفيز والسعي إلى التقدم.

من جانبه قال سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم انه عند الحديث عن الامتحانات، نحتاج في البداية إلى التذكير بأنّها شكل من أشكال التقييم الذي هو بدوره جزء لا يتجزأ من عملية التعلم والتعليم، وما يدفعنا إلى التذكير بهذا الأمر البديهي هو خطورة بعض الدعوات التي بدأت تنادي بالتخلي عن الامتحانات بحجة ما تمثله من عبء، وهي دعوات صادرة في أصلها عمن يرفعون في الظاهر لواء إصلاح منظومتنا التعليمية والحال أنهم ناطقون بلسان مموليهم الذين يسعون إلى تأبيد حالة الهشاشة التي تعيشها هذه المنظومة، والتي كانوا من أبرز المتسببين فيها على امتداد السنوات الفارطة. وللأسف فإن مثل هذه الدعوات قد بدأت تجد صدى لدى عدد من المتعلمين وحتى الأولياء، وهو ما يمثل تهديدا حقيقيا لثقافة العمل والاجتهاد والجدارة والتميز.

وأكد قاسم لـ"الصباح" أن التقييم مرحلة أساسية من مراحل كل جهد بشري يسعى إلى تحقيق الفاعلية ويعمل على بلوغ النتائج المرجوة، غير أن منظومتنا التربوية قد جعلت من التقييم غاية في حد ذاتها، وهو زيغ بالغ الخطورة حيث لم يعد اكتساب المعارف وتطوير الكفاءات والمواقف هدفا للعمليّة التّربويّة بل صار العدد هو مدارها الأوّل والوحيد أحيانا فتفاقمت ظاهرة الدّروس الخصوصيّة وتزايدت حالات الغشّ بأنواعه والتي لا تقتصر على الغشّ خلال الامتحان بل تشمل كذلك إنجاز الأولياء لواجبات أبنائهم المنزليّة، والحصول على أعداد لا يستحقّها التّلميذ عن طريق التّودّد واستدرار عطف المربّين.

كما اعتبر رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم أن كثرة الامتحانات وإثقالها لكاهل المتعلّمين والمدرّسين والأولياء على حدّ سواء هي إذن نتيجة لخلل هيكليّ، ولا يمكن من هذا المنطلق معالجته إلاّ ضمن الإطار المنظومي الذي أوجده، أوّلا بجعل التّعلّم محور العمليّة التّربويّة ومدارها وثانيا بإعادة النّظر جذريّا في الهيكلية الحاليّة للسّنة الدّراسيّة، حيث يتقلّب التّلميذ بين ثلاثيّة أولى ممطّطة تجعله يعيش حالة من الخمول والتّراخي وبين ثلاثيّة ثالثة تكاد أيّام الامتحان فيها تساوي أيّام الدّراسة الفعليّة أو تفوقها، وهو ما يخلق ضغطا غير منتج وذا نتائج عكسيّة لا تقف عند حدود الإرهاق وانخفاض المردوديّة بل تتجاوز ذلك إلى خلق شعور لدى المتعلّمين بالنّفور من المدرسة والنّظر إلى التّعلّم على أساس أنّه واجب كريه، والحال أنّه حليفهم الأوّل الذي يُفترض أن يصحبهم طوال حياتهم لضمان نجاحهم المدرسيّ والمهنيّ والاجتماعيّ والإنسانيّ.

وعلى صعيد آخر، رأى محدثنا أن الحاجة اليوم ملحّة إلى إعادة النّظر في أساليب التّقييم، وذلك بجعل الامتحان مقتصرا على الموادّ الرّئيسيّة في كلّ مستوى تعليميّ أو شعبة، والتّعويل في ما تجاوز ذلك على أدوات أخرى للتّقييم كتقييم المشاريع، وملفّات الإنتاج الشّخصيّ للمتعلّمين، كما أنّنا نحتاج إلى التّوسيع من مدى التّقييم بحيث لا يقف عند حدود تقييم أداء المتعلّم في هذه المادّة أو تلك ليشمل كذلك تقييم مهاراته الحياتيّة التي ستكون عنصرا مهمّا من عناصر ضمان نجاحه، وبهذه الطّريقة نكون قد أرجعنا الامتحان إلى منزلته الطّبيعيّة، وأرجعنا التّقييم إلى دوره الحقيقيّ وأرجعنا منظومتنا التّربويّة، وهذا هو الأهم، إلى أداء رسالتها الأهمّ، وهي بناء الإنسان التّونسيّ النّاجح فرديّا والمساهم في نجاح المجموعة وطنيّا وإنسانيّا.

جهاد الكلبوسي

 

 

بين كثرتها.. والضغط النفسي..  هل أصبحت الامتحانات "كابوسا" للتلاميذ.. و"هوسا مرضيا" للأولياء؟

 

 

 

تونس - الصباح

 تحولت الأعداد وتحقيق التفوق وبلوغ المراتب الأولى في الامتحانات "كابوسا" تعيشه جل العائلات التونسية خلال فترة الامتحانات وهو ما نشهده في الآونة الأخيرة.

ورغم التحذيرات التي أطلقها مختصون في الشأن التربوي والنفسي لتجنب الضغط على الأبناء والابتعاد عن هاجس التفوق وتحويل الفضاء الدراسي إلى حلبة صراع إلا أن السلوكيات والمظاهر والتي نشهدها تؤكد أن جل التلاميذ يعيشون ضغطا نفسيا مضاعفا بين كثرة الامتحانات التي تمتد لأسبوعين وبين ضغط الأسرة ومطالبته بالتفوق وتحصيل أعلى الدرجات دون مراعاة قدراته الذهنية.

ويبدو أن هذا الهوس المرضي الذي أصاب عديد الأولياء حول علاقتهم مع أبنائهم إلى علاقة مشروطة تحكمها الأعداد أساسا.

وفي هذا الخصوص قالت الأخصائية النفسية بالمندوبية الجهوية للتربية تونس 2 مريم الهمامي لـ "الصباح" أن عديد التلاميذ يعيشون خلال هذه الفترة التي تتزامن مع ضغط امتحانات نهاية السنة الدراسية حالة من الملل والنفور وصعوبة في المحافظة على نفس النسق الذي نشهده خلال بداية السنة الدراسية وهذا مرده ارتفاع درجات الحرارة وانتظار العطلة الصيفية المطولة وهذه مظاهر عادية لكن أن يتحول هاجس الأعداد والنتائج إلى كابوس يؤرق التلميذ وعائلته في نفس الوقت فهذا يصبح ضغطا مضاعفا ويؤثر سلبا على مردود الطفل.

ونبّهت الأخصائية النفسية الأولياء من التعسف على قدرات أبنائهم الذهنية عبر البحث عن التميز وهذا له نتائج عكسية هذا بالإضافة إلى السقوط في المقارنات مع نتائج أبناء الأقارب وأترابهم في القسم كل هذا من شانه أن يخلق ضغطا على التلميذ الذي قد تتحول علاقته مع عائلته في بعض الأحيان إلى علاقة مشروطة تحكمها نتائج الدراسة.

وفي نفس السياق شددت محدثتنا على ضرورة مراجعة الزمن المدرسي والبرامج التعليمية بالنسبة للنظام التربوي وبالنسبة للعائلة عليها تشجيع الأبناء ومرافقتهم والابتعاد كل البعد عن تسلط ضغوطات نفسية عليهم لان الخوف والقلق من الامتحانات هي حالة نفسية انفعالية لها إبعاد ايجابية كالتحفيز والسعي إلى التقدم.

من جانبه قال سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم انه عند الحديث عن الامتحانات، نحتاج في البداية إلى التذكير بأنّها شكل من أشكال التقييم الذي هو بدوره جزء لا يتجزأ من عملية التعلم والتعليم، وما يدفعنا إلى التذكير بهذا الأمر البديهي هو خطورة بعض الدعوات التي بدأت تنادي بالتخلي عن الامتحانات بحجة ما تمثله من عبء، وهي دعوات صادرة في أصلها عمن يرفعون في الظاهر لواء إصلاح منظومتنا التعليمية والحال أنهم ناطقون بلسان مموليهم الذين يسعون إلى تأبيد حالة الهشاشة التي تعيشها هذه المنظومة، والتي كانوا من أبرز المتسببين فيها على امتداد السنوات الفارطة. وللأسف فإن مثل هذه الدعوات قد بدأت تجد صدى لدى عدد من المتعلمين وحتى الأولياء، وهو ما يمثل تهديدا حقيقيا لثقافة العمل والاجتهاد والجدارة والتميز.

وأكد قاسم لـ"الصباح" أن التقييم مرحلة أساسية من مراحل كل جهد بشري يسعى إلى تحقيق الفاعلية ويعمل على بلوغ النتائج المرجوة، غير أن منظومتنا التربوية قد جعلت من التقييم غاية في حد ذاتها، وهو زيغ بالغ الخطورة حيث لم يعد اكتساب المعارف وتطوير الكفاءات والمواقف هدفا للعمليّة التّربويّة بل صار العدد هو مدارها الأوّل والوحيد أحيانا فتفاقمت ظاهرة الدّروس الخصوصيّة وتزايدت حالات الغشّ بأنواعه والتي لا تقتصر على الغشّ خلال الامتحان بل تشمل كذلك إنجاز الأولياء لواجبات أبنائهم المنزليّة، والحصول على أعداد لا يستحقّها التّلميذ عن طريق التّودّد واستدرار عطف المربّين.

كما اعتبر رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم أن كثرة الامتحانات وإثقالها لكاهل المتعلّمين والمدرّسين والأولياء على حدّ سواء هي إذن نتيجة لخلل هيكليّ، ولا يمكن من هذا المنطلق معالجته إلاّ ضمن الإطار المنظومي الذي أوجده، أوّلا بجعل التّعلّم محور العمليّة التّربويّة ومدارها وثانيا بإعادة النّظر جذريّا في الهيكلية الحاليّة للسّنة الدّراسيّة، حيث يتقلّب التّلميذ بين ثلاثيّة أولى ممطّطة تجعله يعيش حالة من الخمول والتّراخي وبين ثلاثيّة ثالثة تكاد أيّام الامتحان فيها تساوي أيّام الدّراسة الفعليّة أو تفوقها، وهو ما يخلق ضغطا غير منتج وذا نتائج عكسيّة لا تقف عند حدود الإرهاق وانخفاض المردوديّة بل تتجاوز ذلك إلى خلق شعور لدى المتعلّمين بالنّفور من المدرسة والنّظر إلى التّعلّم على أساس أنّه واجب كريه، والحال أنّه حليفهم الأوّل الذي يُفترض أن يصحبهم طوال حياتهم لضمان نجاحهم المدرسيّ والمهنيّ والاجتماعيّ والإنسانيّ.

وعلى صعيد آخر، رأى محدثنا أن الحاجة اليوم ملحّة إلى إعادة النّظر في أساليب التّقييم، وذلك بجعل الامتحان مقتصرا على الموادّ الرّئيسيّة في كلّ مستوى تعليميّ أو شعبة، والتّعويل في ما تجاوز ذلك على أدوات أخرى للتّقييم كتقييم المشاريع، وملفّات الإنتاج الشّخصيّ للمتعلّمين، كما أنّنا نحتاج إلى التّوسيع من مدى التّقييم بحيث لا يقف عند حدود تقييم أداء المتعلّم في هذه المادّة أو تلك ليشمل كذلك تقييم مهاراته الحياتيّة التي ستكون عنصرا مهمّا من عناصر ضمان نجاحه، وبهذه الطّريقة نكون قد أرجعنا الامتحان إلى منزلته الطّبيعيّة، وأرجعنا التّقييم إلى دوره الحقيقيّ وأرجعنا منظومتنا التّربويّة، وهذا هو الأهم، إلى أداء رسالتها الأهمّ، وهي بناء الإنسان التّونسيّ النّاجح فرديّا والمساهم في نجاح المجموعة وطنيّا وإنسانيّا.

جهاد الكلبوسي