لم يكن الإعلان عن إقامة شراكة إستراتيجية بين الصين وتونس، مجرد عنوان بارز لتتويج مشاركة الرئيس قيس سعيد في المؤتمر الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني العربي، بقدر ما كان إعلان بيكين، حدثا ساطعا ومنعرجا حاسما، في تاريخ العلاقات الصينية -التونسية، لروابط الصداقة والشراكة، التي تجمعهما منذ بداية السنوات الستين من القرن الماضي، وهو ما يعني أن إعلان هذه الشراكة، سيفتح صفحة جديدة وغير مسبوقة، في العلاقات الثنائية والتبادلات الاقتصادية.
وتبدو هذه الخطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، بل قد تكون تأخرت كثيرا، باعتبار أن العلاقات التاريخية بين الصين وتونس تزداد تطورا ومتانة، بعيدا عن منطق المقايضات والمزايدات، التي تتعاطى بها الدول الأوروبية، والاملاءات و"الفيتوات"، التي تفرضها الإدارة الأمريكية، في وقت يشهد فيه العالم تغييرات وتحالفات إستراتيجية، بعيدا عن القطب الواحد، وهي كذلك فرصة للاستفادة من "المعجزة"، التي حوّلت الصين من دولة نامية فقيرة إلى قوة اقتصادية عظمى، ومن بلد معزول إلى "تنين"، وعملاق اقتصادي عالمي.
ويعد توجيه البوصلة نحو "المارد" الآسيوي، في هذا الوقت بالذات، خطوة في الاتجاه الصحيح كذلك، في ظل الدفع نحو تعزيز العلاقات الإستراتيجية في مختلف المجالات، والانفتاح على أسواق جديدة، وتجمعات إقليمية ودولية أخرى، خارج "مظلة" القارة الأوروبية، الشريك الاستراتيجي والتقليدي لتونس، وبعيدا عن تموجات العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وما تعرفه من حسابات سياسية، ومحاولات التدخل في الشؤون الداخلية.
هذا الخيار الاستراتيجي، يبدو إيجابيا كذلك في بقاء تونس بعيدا عن "فكي" صندوق النقد الدولي، وما يفرضه من إصلاحات معقدة، وشروط مجحفة، قد تهدد استقرار البلاد، كما قد يجنبها الدخول تحت سقف المؤسسات الدولية المانحة، التي تتحكم فيها أمريكا والدول الأوروبية، وما تطرحه من مقايضات، تفرض عليها حتى مربعات التحرك، في مسائل سيادية تمثل خطا أحمر، فإما أن تكون تحت رحمة الغرب، تابعا تقبل الاملاءات، أو تظل تحت الضغوطات وحتى التهديدات.
صحيح أن الرئيس الصيني، أكد أن هذه الشراكة الإستراتيجية، ستفتح مستقبلا أكثر إشراقا، للعلاقات التونسية -الصينية، وأن الصين تدعم تونس، في إتباع مسار تنموي، يناسب ظروفها الوطنية، والحفاظ على مستقبلها في يديها بكل قوة، وصحيح أيضا أن الوزير الأول الصيني، شدد على استعداد بلاده، لترجمة الصداقة التاريخية مع تونس، إلى فرص تعاون جديدة، وتعزيز التبادل التجاري وتشجيع الصادرات التونسية نحو السوق الصينية، لكن ذلك يفرض ضرورة الإسراع بترجمة الوعود الكلامية، وتفعيل الاتفاقيات الثنائية، لأنه سبق لتونس عبر الحكومات المتتالية توقيع تحالفات إستراتيجية، وإمضاء عشرات الاتفاقيات الثنائية مع عديد الدول الصديقة وحتى الشقيقة، مازال أغلبها، دون تفعيل، ومجرد حبر على ورق.
لا ننسى أن حجم الميزان التجاري مع الصين سلبي جدا، بما أن "التنين" الصيني يتصدر قائمة الدول المساهمة في العجز المسجل بنحو 8.5 مليار دينار، وهو ما يتطلب معالجة عميقة للاختلال الكبير في المبادلات التجارية بين الجانبين، لا سيما أن الإمكانية اليوم متاحة للترفيع في الصادرات، وتوجيه عديد المنتجات التونسية للسوق الصينية، ولعل التفاؤل يزداد أكثر بتجاوز هذا الإشكال، في ظل الرغبة المتبادلة بين الطرفين، في إيجاد الحلول المناسبة لمثل هذه الإشكالات، من خلال تفعيل الشراكات في عديد القطاعات.
ورغم الآفاق الواعدة مع "المارد" الآسيوي، الذي يزحف نحو ريادة العالم، ورغم كل المؤشرات الإيجابية نحو إعادة التوازنات، فان عديد الخطوات مازالت مطلوبة، لإطلاق مشاريع وشراكات في أقرب الآجال، ولن يكون ذلك بعيدا عن تعميق الثقة الإستراتيجية المتبادلة، وترجمة الاتفاقيات إلى مشاريع تنموية وفرص استثمارية.
محمد صالح الربعاوي
لم يكن الإعلان عن إقامة شراكة إستراتيجية بين الصين وتونس، مجرد عنوان بارز لتتويج مشاركة الرئيس قيس سعيد في المؤتمر الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني العربي، بقدر ما كان إعلان بيكين، حدثا ساطعا ومنعرجا حاسما، في تاريخ العلاقات الصينية -التونسية، لروابط الصداقة والشراكة، التي تجمعهما منذ بداية السنوات الستين من القرن الماضي، وهو ما يعني أن إعلان هذه الشراكة، سيفتح صفحة جديدة وغير مسبوقة، في العلاقات الثنائية والتبادلات الاقتصادية.
وتبدو هذه الخطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، بل قد تكون تأخرت كثيرا، باعتبار أن العلاقات التاريخية بين الصين وتونس تزداد تطورا ومتانة، بعيدا عن منطق المقايضات والمزايدات، التي تتعاطى بها الدول الأوروبية، والاملاءات و"الفيتوات"، التي تفرضها الإدارة الأمريكية، في وقت يشهد فيه العالم تغييرات وتحالفات إستراتيجية، بعيدا عن القطب الواحد، وهي كذلك فرصة للاستفادة من "المعجزة"، التي حوّلت الصين من دولة نامية فقيرة إلى قوة اقتصادية عظمى، ومن بلد معزول إلى "تنين"، وعملاق اقتصادي عالمي.
ويعد توجيه البوصلة نحو "المارد" الآسيوي، في هذا الوقت بالذات، خطوة في الاتجاه الصحيح كذلك، في ظل الدفع نحو تعزيز العلاقات الإستراتيجية في مختلف المجالات، والانفتاح على أسواق جديدة، وتجمعات إقليمية ودولية أخرى، خارج "مظلة" القارة الأوروبية، الشريك الاستراتيجي والتقليدي لتونس، وبعيدا عن تموجات العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وما تعرفه من حسابات سياسية، ومحاولات التدخل في الشؤون الداخلية.
هذا الخيار الاستراتيجي، يبدو إيجابيا كذلك في بقاء تونس بعيدا عن "فكي" صندوق النقد الدولي، وما يفرضه من إصلاحات معقدة، وشروط مجحفة، قد تهدد استقرار البلاد، كما قد يجنبها الدخول تحت سقف المؤسسات الدولية المانحة، التي تتحكم فيها أمريكا والدول الأوروبية، وما تطرحه من مقايضات، تفرض عليها حتى مربعات التحرك، في مسائل سيادية تمثل خطا أحمر، فإما أن تكون تحت رحمة الغرب، تابعا تقبل الاملاءات، أو تظل تحت الضغوطات وحتى التهديدات.
صحيح أن الرئيس الصيني، أكد أن هذه الشراكة الإستراتيجية، ستفتح مستقبلا أكثر إشراقا، للعلاقات التونسية -الصينية، وأن الصين تدعم تونس، في إتباع مسار تنموي، يناسب ظروفها الوطنية، والحفاظ على مستقبلها في يديها بكل قوة، وصحيح أيضا أن الوزير الأول الصيني، شدد على استعداد بلاده، لترجمة الصداقة التاريخية مع تونس، إلى فرص تعاون جديدة، وتعزيز التبادل التجاري وتشجيع الصادرات التونسية نحو السوق الصينية، لكن ذلك يفرض ضرورة الإسراع بترجمة الوعود الكلامية، وتفعيل الاتفاقيات الثنائية، لأنه سبق لتونس عبر الحكومات المتتالية توقيع تحالفات إستراتيجية، وإمضاء عشرات الاتفاقيات الثنائية مع عديد الدول الصديقة وحتى الشقيقة، مازال أغلبها، دون تفعيل، ومجرد حبر على ورق.
لا ننسى أن حجم الميزان التجاري مع الصين سلبي جدا، بما أن "التنين" الصيني يتصدر قائمة الدول المساهمة في العجز المسجل بنحو 8.5 مليار دينار، وهو ما يتطلب معالجة عميقة للاختلال الكبير في المبادلات التجارية بين الجانبين، لا سيما أن الإمكانية اليوم متاحة للترفيع في الصادرات، وتوجيه عديد المنتجات التونسية للسوق الصينية، ولعل التفاؤل يزداد أكثر بتجاوز هذا الإشكال، في ظل الرغبة المتبادلة بين الطرفين، في إيجاد الحلول المناسبة لمثل هذه الإشكالات، من خلال تفعيل الشراكات في عديد القطاعات.
ورغم الآفاق الواعدة مع "المارد" الآسيوي، الذي يزحف نحو ريادة العالم، ورغم كل المؤشرات الإيجابية نحو إعادة التوازنات، فان عديد الخطوات مازالت مطلوبة، لإطلاق مشاريع وشراكات في أقرب الآجال، ولن يكون ذلك بعيدا عن تعميق الثقة الإستراتيجية المتبادلة، وترجمة الاتفاقيات إلى مشاريع تنموية وفرص استثمارية.