إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الكاتب القصصي والروائي حسن نصر لـ"الصباح": الأدب ان تكتب عن الوطن وما يعيشه من حالات اجتماعية

 

حوار: محسن بن احمد

 

هو واحد من ابرز كتاب الأدب القصصي في تونس ينتمي إلى الجيل الأوّل من القصّاصين التّونسيّين بعد الاستقلال، أولئك الذين انطلقت محاولاتهم وتجاربهم قبيل هذا الحدث الوطنيّ اللاّفت أو بعده بقليل ومن أبرزهم  محمّد فرج الشّاذلي ومصطفى الفارسي  ومحمّد رشاد الحمزاوي  وعبد الواحد براهم  وعز الدين المدني.

هو الكاتب والمبدع القصصي والروائي حسن نصر الذي آمن بان الكتابة الأدبية هي حالة من الوعي يعيشها الكاتب تجاه الوطن والمجتمع على حد السواء على اعتبار ان الوعي هو الحياة وان تعي نفسك وتعي العالم من حولك وان تعي الوجود بمختلف تفاصيله.

اختار حسن نصر أدب المقاومة نهجا لمساره القصصي فأرخ بعين الأديب لأحداث ومواقف وطنية خالدة جعلت منه احد اساطين القصة في تونس أمس واليوم وغدا

*لو نعود الى البداية ... ما هي أهم التجارب التي غرفت منها وتأثرت بها في نحت مسيرتك مع الكتابة ؟

- في البداية لا يسعني الا ان اشكر شكرا كبيرا العائلة الكبيرة لدار الصباح العريقة وعلى رأسها الأستاذ محمد الهاشمي بلوزة لهذه اللفتة الكريمة وهذا الاهتمام واشكر الصحافة عامة.

 وجوابا عن سؤالك لا اخفي سرا اذا قلت أنني أحب الصحافة وانهل منها وأريد ان اكتب فيها وتطلعت في فترة شبابي ان أكون صحفيا غير ان مهنة التعليم والتدريس في المرحلة الابتدائية ثم في المرحلة الثانوية أخذتني ووجدت فيها راحتي

كانت بداية تجربتي في الصحافة مصححا في جريدة العمل فسنتي 1957 و1958 وانا في التعليم ادخل بجريدتي الى المدرسة فاذا بالمعلمين يخطفون مني الجريدة للاطلاع على مضامينها.

اني اعتبر الصحافة الصورة الحية والصادقة لحياتنا اليومية ورغم ابتعادي عنها فقد كنت طوال مسيرتي لا اغفل يوما على اقتناء جريدتي الى يوم الناس هذا وأدعو اليوم كل الناس الى اقتناء الجرائد حتى ولو كانت هناك الوسائط السريعة فلا شيء يُسقط شيئا اخر فالجديد لا يسقط القديم فكل له مكانه.

وتراني أتوقف في إجابتي عن هذا السؤال العميق عند ما يعيشه حاليا قطاع غزة الفلسطيني الصامد في حرب مع الكيان الصهيوني الغاشم ولئن كانت بدايتها كبقية الحروب غير انها ليست ككل الحروب التي عشناها مع الكيان الصهيوني الغاشم.

كانت حروب العرب السابقة مع الكيان الصهيوني تسمى بالحرب الخاطفة في ساعات او أيام وقد سميت في مرة " حرب الأيام الستة".

هذه الحرب التي يخوضها قطاع غزة اليوم كسرت تلك القاعدة فهي الآن في شهرها الخامس وقد تطول أكثر.

*انت من المواكبين للحروب العربية مع الكيان الصهيوني الغاشم ؟

- عشت الحرب مع الكيان الصهيوني وانا لي من العمر 10 سنوات سنة 1947 عشت هذه الحرب بدار الباشا , كان لنا بائع ألبان وحليب اسمه " احمد" وقد علق فوق دكانه خريطة فلسطين وبعد مدة جاء الخبر انه التحق بفلسطين للجهاد وبقيت أمه " امي حلومة" طوال حياتها تنتظر وتترجى عودته غير انه لم يعد وكان حدثا اهتز له حينا وكان ابن عم  لابي رجل بسيط ولكنه وطني يأخذني معه وانا في ذلك العمر "10 سنوات" الى بطحاء سيدي علي عزوز لحضور ومواكبة والاستماع لخطب الزعيم النقابي  فرحات حشاد وكنا نجلس في الصف الأول وأتذكر أيضا ابن عم ابي هذا في وفاة باي تونس " المنصف باي " وقد اقتنى جريدة –لا استحضر اسمها –قد تكون الزهرة او النهضة ويطلب مني ان اقرا ما فيها وكان ان زرع فيّ حب الحياة وحب الوطن وزرع فيّ الوعي بالحياة وبحب الوطن

* الوعي كلمة خاض فيها الفلاسفة كيف تحدد مفهومك لها ؟

- الوعي هو الحياة  ان تعي نفسك وان تعي العالم من حولك ثم ان تعي الوجود كله من اصغر شيء الى اكبر وأضخم شيء فكان ان بدا الوعي عندي بالأدب واهمة وأبرزه أدب المقاومة.

*هذا يعني ان الصحافة ثم ما عشته من حراك سياسي ونضال انطلاقا من حرب العرب مع الكيان الصهيوني وما تبعته من خطب الزعيم النقابي فرحات حشاد كلها كانت المحدد لتوجهك في الكتابة الأدبية؟

- اذكر ان اول مرة امسك فيها بالقلم واكتب للصحافة كانت قصة معروفة موجودة في مجموعتي القصصية " ليالي المطر " وعنوان هذه القصة " دمعة كهل "

تتحدث هذه الدمعة عن حرب الجزائر وكفاحها ضد الاحتلال الفرنسي والتي كنا نعيشها في تونس جنبا الى جنب مع الأشقاء الجزائريين واذكر مرة وانا في رادس تعرفت على شاب قادم من جبال الاوراس المقاومة للاحتلال الفرنسي استقبلناه في بيتنا وترك لنا بعد مغادرته حزاما عسكريا بقي عندنا سنوات طويلة.

من هذا المنطلق أقول ان الأدب وعي بحالة الوطن وصراعه مع الأجنبي فكنت أتلهف لكل ما تعيشه تونس والجزائر في مقاومة الاحتلال الفرنسي وانعكس في كتاباتي القصصية وبما يسمى بالأدب المقاوم من بينها قصة عنوانها " غرفة الأصدقاء " ترجمت بعد ذلك الى الاسبانية وهي تتحدث عن مقاومة الطلبة والتلاميذ وخروجهم في المظاهرات ضد الاحتلال.

الادب بالنسبة لي ان تمسك القلم وتكتب عن الوطن وما يعيشه من حالات اجتماعية. الى كل " الحيوات  " الأخرى وهذا هو وعي الكاتب

*هل تعتبر نفسك من مؤسسي أدب المقاومة؟

- ليس الأمر كذلك على اعتبار ان الكثيرين كتبوا في أدب المقاومة على غرار محمد فرج الشاذلي والبشير خريف في " محفظة الصمار " وعبد الواحد براهم  اما الشعراء فكلهم كتبوا عن ادب المقاومة بداية من الشابي

*في روايتك " دار الباشا" حضور لافت للماضي والذاكرة ... من وجهة نظرك هل من الضروري الاستنجاد بالماضي لكتابة الحاضر ؟

- سؤال وجيه وجوابي ان " دار الباشا " هي حوار بين ماض مهتر تجاوزه الزمن ومستقبل قادم مدلهم الحواشي لا نعرف كيف نقابله وما الذي نأخذه من الماضي وكيف نواجه المستقبل 

رواية " دار الباشا" هي حوار فيه صراع بين هذا الماضي الذي تجاوزه الزمن وهذا المستقبل الذي سنبنيه وكيف وبأية طريقة..

" دار الباشا" هي صراع بين ما عشناه قد تجاوزه الزمن وما سنستقبله من حياة ومدى استعدادنا لذلك والزعيم الخالد الحبيب بورقيبة كان واعيا بذلك حين اعتمد في سياسته لبناء تونس أمرين بناء الإنسان فكرا وجسدا فكان الاعتناء بالصحة والتعليم.

*لكنك قمت بهدم " دار الباشا" في ذلك الحلم الذي يتحدث عن سقوطها اخر المطاف؟

- في الحلم العجيب الذي أشرت اليه في سؤالك ورد في الفصل السابع عشر من الرواية وتحدثت فيه عن سقوط " دار الباشا" هو سقوط كل الأفكار القديمة ومن هذا المنطلق أقول وأؤكد ان الأدب بصفة عامة ليس مجرد ذاكرة فقط هو مقاومة وإعادة بناء.

فاذا كان الطبيب المداوي هو الذي يكشف عن العلة ويجد الدواء الناجع لها فان الفنان الملهم هو الذي يكشف عن إمراض المجتمع ومظاهر التخلف فيه ويدعو بعد ذلك الى تحرير العقل وتحرير الجسد.

نتساءل دوما لماذا يعمد النحاتون والرسامون الى رسم شخوصهم عارية انهم في ذلك دعوة من اجل تحرير الجسد أيضا من أقنعة الزيف والكذب لان الحقيقة لا تكون في الأصل الا عارية.

**هل انت من المهتمين بالتجريب في الكتابة الإبداعية؟

-انا مع التجريب في كل شيء.. التجريب هو الذي يطور الإنسان...هي المغامرة فالكتابة مغامرة كما نغامر في الحياة ونخوض حروبا وأفكارا غير متداولة ... المغامرة هي التجديد لأجل حياة أخرى غير ان هناك من بالغ في التجديد الى حد الغموض وهناك من يعرف كيف يوظف هذا التجديد الذي اراه واضحا وجليا عند الرسامين ويتجاوزها بكسر الحواجز الجامدة.

*كانت لك تجربة مع الشعر سرعان ما توقفت؟

- كانت انطلاقتي مع الكتابة الإبداعية مع تجربة كتابة الشعر من خلال نصوص من وحي اللحظة لأغير وجهتي الى كتابة القصة على اعتبار انها فضاء ارحب للتعبير عن شؤون المجتمع

صدر لي ديوان وحيد هو " أعياد الفصول " ولئن مازلت اكتب الشعر فاني لست متحمسا لجمعه ونشره في ديوان.

**أي القصائد تكتب؟

- اكتب كل الأنماط الشعرية دون التقيد بالشكل .. ما اكتبه الان هو من وحي اللحظة .. فتراني أعيش بكل جوارحي موقفا ما فأسارع لكتابتها ... الحياة صراع الإنسان مع نفسه وصراعه مع غيره او مع أخيه الإنسان وصراعه مع الطبيعة ، تلك هي الحياة صراع مستمر لا يتوقف ولا يهدا

**هل تتابع المشهد الأدبي التونسي اليوم؟

- أتابعه عبر ما ينشر في الصحافة فقط

**هل يعني أنك اعتزلت الأدب والكتابة؟

- ليس الأمر كذلك فانا أعيش بجوارحي ما يعيشه قطاع غزة ويتعرض اليه من دمار فاهرع بين الفينة والأخرى لأصوغ هذه الأحاسيس في خواطر وأشعار

*أية أوقات تحبذها للكتابة؟

- اعشق الليل فهو أنيسي في الكتابة ...الليل عنوان الهدوء والسكينة واستحضر هنا موقفا عشته مع تلاميذي أثناء فترة التدريس انني كنت اسأل تلاميذي دائما عن الحواس فيقولون انها الحواس الخمسة المعروفة ويذكرونها لي فأقول لهم هناك حاسة سادسة هل تعرفون ما هي ؟

** وانا أسالك ما هي الحاسة السادسة من خلا مفهومك انت لها ؟

- كل إنسان يتوفر على حاسة سادسة وعليه ان يكتشفها في نفسه ... الحاسة السادسة هي تلك القوة التي تجعله قويا في شيء وضعيف في شيء 

*وأين تكمن قوتك من خلال حاستك السادسة؟

-قوتي تكمن في الكتابة ولاشيء غير الكتابة

 

من قصائد الأديب حسن نصر : إرادة الحرية

 

وانت تتجول بين الأماكن

عبر فلسطين

من مدينة القدس

الى ان تحط الرحال

هناك في غزة

اذ قلعتنا الحصينة

تتوسد أرحام الأرض

وتتوغل في المتاهة العظيمة

متاهة الأنفاق والمعابر العظيمة

من تحت طبقات الأرض

بعضها من فوق بعض

تكوينات متشابكة

تتمدد , تتقاطع , تتعدد

كأنها من صنع الجن

او من صنع سكان

جاءوا من الفضاء

او هي تحاكي مدن النمل

عجيبة العجائب

بدايتها بلا نهاية

ونهايتها بلا بداية

واكثر من كل ذلك غرابة

انها تقاوم المستعمرين 

وتنتصر عليهم الى النهاية

قلاع بنتها اياد فلسطينية

بعزيمة قوية

من اجل ان تنتصر على الغزاة

وتحقق إرادة الحرية

 

حسن نصر في سطور

الكاتب القصصي والروائي حسن نصر من مواليد حي الحلفاوين بتونس العاصمة

بدا الكتابة مع بداية الاستقلال، وقد نشر مجموعة من النصوص الشعرية بجريدة “العلم التونسية”. أول قصة قصيرة له كانت بعنوان “دمعة كهل” نشرت في 1959 بمجلة “الفكر”، وأصبحت هذه القصة موضوعا وأسلوبا دليل على فترة عرفت في تاريخ الأدب التونسي ب”أدب المقاومة” ضد المستعمر الفرنسي وكانت مجموعة “ليالي المطر” خير دليل على هذه الفترة، أخرى.

كما كتب القصة القصيرة جدا سماها “قصة تقرأ في دقيقة واحدة” نشر أغلبها في ملحق جريدة “”العمل الثقافي بشكل أسبوعي.

كتب “حسن نصر” رواية “دهاليز الليل” التي تدور إحداثها في مدينة المهدية وتحكي عن التجربة الاشتراكية في قطاع الصيد البحري. وأصدر رواية “خبز الأرض” تناول فيها تعلق الإنسان بالأرض ومأساة الفلاحين. ورواية “دار الباشا” التي تم اختيارها ضمن افضل مائة رواية عربية.

حازت الكثير من كتبه على جوائز من وزارة الثقافة من ذلك مجموعة  “ليالي المطر” على الجائزة التشجيعية سنة 1968، ورواية “دهاليز الليل” على الجائزة التشجيعية سنة 1978، ورواية “السهر والجرح” على جائزة الإبداع سنة 1989.

 

 

 

الكاتب القصصي والروائي حسن نصر لـ"الصباح":  الأدب ان تكتب عن الوطن وما يعيشه من حالات اجتماعية

 

حوار: محسن بن احمد

 

هو واحد من ابرز كتاب الأدب القصصي في تونس ينتمي إلى الجيل الأوّل من القصّاصين التّونسيّين بعد الاستقلال، أولئك الذين انطلقت محاولاتهم وتجاربهم قبيل هذا الحدث الوطنيّ اللاّفت أو بعده بقليل ومن أبرزهم  محمّد فرج الشّاذلي ومصطفى الفارسي  ومحمّد رشاد الحمزاوي  وعبد الواحد براهم  وعز الدين المدني.

هو الكاتب والمبدع القصصي والروائي حسن نصر الذي آمن بان الكتابة الأدبية هي حالة من الوعي يعيشها الكاتب تجاه الوطن والمجتمع على حد السواء على اعتبار ان الوعي هو الحياة وان تعي نفسك وتعي العالم من حولك وان تعي الوجود بمختلف تفاصيله.

اختار حسن نصر أدب المقاومة نهجا لمساره القصصي فأرخ بعين الأديب لأحداث ومواقف وطنية خالدة جعلت منه احد اساطين القصة في تونس أمس واليوم وغدا

*لو نعود الى البداية ... ما هي أهم التجارب التي غرفت منها وتأثرت بها في نحت مسيرتك مع الكتابة ؟

- في البداية لا يسعني الا ان اشكر شكرا كبيرا العائلة الكبيرة لدار الصباح العريقة وعلى رأسها الأستاذ محمد الهاشمي بلوزة لهذه اللفتة الكريمة وهذا الاهتمام واشكر الصحافة عامة.

 وجوابا عن سؤالك لا اخفي سرا اذا قلت أنني أحب الصحافة وانهل منها وأريد ان اكتب فيها وتطلعت في فترة شبابي ان أكون صحفيا غير ان مهنة التعليم والتدريس في المرحلة الابتدائية ثم في المرحلة الثانوية أخذتني ووجدت فيها راحتي

كانت بداية تجربتي في الصحافة مصححا في جريدة العمل فسنتي 1957 و1958 وانا في التعليم ادخل بجريدتي الى المدرسة فاذا بالمعلمين يخطفون مني الجريدة للاطلاع على مضامينها.

اني اعتبر الصحافة الصورة الحية والصادقة لحياتنا اليومية ورغم ابتعادي عنها فقد كنت طوال مسيرتي لا اغفل يوما على اقتناء جريدتي الى يوم الناس هذا وأدعو اليوم كل الناس الى اقتناء الجرائد حتى ولو كانت هناك الوسائط السريعة فلا شيء يُسقط شيئا اخر فالجديد لا يسقط القديم فكل له مكانه.

وتراني أتوقف في إجابتي عن هذا السؤال العميق عند ما يعيشه حاليا قطاع غزة الفلسطيني الصامد في حرب مع الكيان الصهيوني الغاشم ولئن كانت بدايتها كبقية الحروب غير انها ليست ككل الحروب التي عشناها مع الكيان الصهيوني الغاشم.

كانت حروب العرب السابقة مع الكيان الصهيوني تسمى بالحرب الخاطفة في ساعات او أيام وقد سميت في مرة " حرب الأيام الستة".

هذه الحرب التي يخوضها قطاع غزة اليوم كسرت تلك القاعدة فهي الآن في شهرها الخامس وقد تطول أكثر.

*انت من المواكبين للحروب العربية مع الكيان الصهيوني الغاشم ؟

- عشت الحرب مع الكيان الصهيوني وانا لي من العمر 10 سنوات سنة 1947 عشت هذه الحرب بدار الباشا , كان لنا بائع ألبان وحليب اسمه " احمد" وقد علق فوق دكانه خريطة فلسطين وبعد مدة جاء الخبر انه التحق بفلسطين للجهاد وبقيت أمه " امي حلومة" طوال حياتها تنتظر وتترجى عودته غير انه لم يعد وكان حدثا اهتز له حينا وكان ابن عم  لابي رجل بسيط ولكنه وطني يأخذني معه وانا في ذلك العمر "10 سنوات" الى بطحاء سيدي علي عزوز لحضور ومواكبة والاستماع لخطب الزعيم النقابي  فرحات حشاد وكنا نجلس في الصف الأول وأتذكر أيضا ابن عم ابي هذا في وفاة باي تونس " المنصف باي " وقد اقتنى جريدة –لا استحضر اسمها –قد تكون الزهرة او النهضة ويطلب مني ان اقرا ما فيها وكان ان زرع فيّ حب الحياة وحب الوطن وزرع فيّ الوعي بالحياة وبحب الوطن

* الوعي كلمة خاض فيها الفلاسفة كيف تحدد مفهومك لها ؟

- الوعي هو الحياة  ان تعي نفسك وان تعي العالم من حولك ثم ان تعي الوجود كله من اصغر شيء الى اكبر وأضخم شيء فكان ان بدا الوعي عندي بالأدب واهمة وأبرزه أدب المقاومة.

*هذا يعني ان الصحافة ثم ما عشته من حراك سياسي ونضال انطلاقا من حرب العرب مع الكيان الصهيوني وما تبعته من خطب الزعيم النقابي فرحات حشاد كلها كانت المحدد لتوجهك في الكتابة الأدبية؟

- اذكر ان اول مرة امسك فيها بالقلم واكتب للصحافة كانت قصة معروفة موجودة في مجموعتي القصصية " ليالي المطر " وعنوان هذه القصة " دمعة كهل "

تتحدث هذه الدمعة عن حرب الجزائر وكفاحها ضد الاحتلال الفرنسي والتي كنا نعيشها في تونس جنبا الى جنب مع الأشقاء الجزائريين واذكر مرة وانا في رادس تعرفت على شاب قادم من جبال الاوراس المقاومة للاحتلال الفرنسي استقبلناه في بيتنا وترك لنا بعد مغادرته حزاما عسكريا بقي عندنا سنوات طويلة.

من هذا المنطلق أقول ان الأدب وعي بحالة الوطن وصراعه مع الأجنبي فكنت أتلهف لكل ما تعيشه تونس والجزائر في مقاومة الاحتلال الفرنسي وانعكس في كتاباتي القصصية وبما يسمى بالأدب المقاوم من بينها قصة عنوانها " غرفة الأصدقاء " ترجمت بعد ذلك الى الاسبانية وهي تتحدث عن مقاومة الطلبة والتلاميذ وخروجهم في المظاهرات ضد الاحتلال.

الادب بالنسبة لي ان تمسك القلم وتكتب عن الوطن وما يعيشه من حالات اجتماعية. الى كل " الحيوات  " الأخرى وهذا هو وعي الكاتب

*هل تعتبر نفسك من مؤسسي أدب المقاومة؟

- ليس الأمر كذلك على اعتبار ان الكثيرين كتبوا في أدب المقاومة على غرار محمد فرج الشاذلي والبشير خريف في " محفظة الصمار " وعبد الواحد براهم  اما الشعراء فكلهم كتبوا عن ادب المقاومة بداية من الشابي

*في روايتك " دار الباشا" حضور لافت للماضي والذاكرة ... من وجهة نظرك هل من الضروري الاستنجاد بالماضي لكتابة الحاضر ؟

- سؤال وجيه وجوابي ان " دار الباشا " هي حوار بين ماض مهتر تجاوزه الزمن ومستقبل قادم مدلهم الحواشي لا نعرف كيف نقابله وما الذي نأخذه من الماضي وكيف نواجه المستقبل 

رواية " دار الباشا" هي حوار فيه صراع بين هذا الماضي الذي تجاوزه الزمن وهذا المستقبل الذي سنبنيه وكيف وبأية طريقة..

" دار الباشا" هي صراع بين ما عشناه قد تجاوزه الزمن وما سنستقبله من حياة ومدى استعدادنا لذلك والزعيم الخالد الحبيب بورقيبة كان واعيا بذلك حين اعتمد في سياسته لبناء تونس أمرين بناء الإنسان فكرا وجسدا فكان الاعتناء بالصحة والتعليم.

*لكنك قمت بهدم " دار الباشا" في ذلك الحلم الذي يتحدث عن سقوطها اخر المطاف؟

- في الحلم العجيب الذي أشرت اليه في سؤالك ورد في الفصل السابع عشر من الرواية وتحدثت فيه عن سقوط " دار الباشا" هو سقوط كل الأفكار القديمة ومن هذا المنطلق أقول وأؤكد ان الأدب بصفة عامة ليس مجرد ذاكرة فقط هو مقاومة وإعادة بناء.

فاذا كان الطبيب المداوي هو الذي يكشف عن العلة ويجد الدواء الناجع لها فان الفنان الملهم هو الذي يكشف عن إمراض المجتمع ومظاهر التخلف فيه ويدعو بعد ذلك الى تحرير العقل وتحرير الجسد.

نتساءل دوما لماذا يعمد النحاتون والرسامون الى رسم شخوصهم عارية انهم في ذلك دعوة من اجل تحرير الجسد أيضا من أقنعة الزيف والكذب لان الحقيقة لا تكون في الأصل الا عارية.

**هل انت من المهتمين بالتجريب في الكتابة الإبداعية؟

-انا مع التجريب في كل شيء.. التجريب هو الذي يطور الإنسان...هي المغامرة فالكتابة مغامرة كما نغامر في الحياة ونخوض حروبا وأفكارا غير متداولة ... المغامرة هي التجديد لأجل حياة أخرى غير ان هناك من بالغ في التجديد الى حد الغموض وهناك من يعرف كيف يوظف هذا التجديد الذي اراه واضحا وجليا عند الرسامين ويتجاوزها بكسر الحواجز الجامدة.

*كانت لك تجربة مع الشعر سرعان ما توقفت؟

- كانت انطلاقتي مع الكتابة الإبداعية مع تجربة كتابة الشعر من خلال نصوص من وحي اللحظة لأغير وجهتي الى كتابة القصة على اعتبار انها فضاء ارحب للتعبير عن شؤون المجتمع

صدر لي ديوان وحيد هو " أعياد الفصول " ولئن مازلت اكتب الشعر فاني لست متحمسا لجمعه ونشره في ديوان.

**أي القصائد تكتب؟

- اكتب كل الأنماط الشعرية دون التقيد بالشكل .. ما اكتبه الان هو من وحي اللحظة .. فتراني أعيش بكل جوارحي موقفا ما فأسارع لكتابتها ... الحياة صراع الإنسان مع نفسه وصراعه مع غيره او مع أخيه الإنسان وصراعه مع الطبيعة ، تلك هي الحياة صراع مستمر لا يتوقف ولا يهدا

**هل تتابع المشهد الأدبي التونسي اليوم؟

- أتابعه عبر ما ينشر في الصحافة فقط

**هل يعني أنك اعتزلت الأدب والكتابة؟

- ليس الأمر كذلك فانا أعيش بجوارحي ما يعيشه قطاع غزة ويتعرض اليه من دمار فاهرع بين الفينة والأخرى لأصوغ هذه الأحاسيس في خواطر وأشعار

*أية أوقات تحبذها للكتابة؟

- اعشق الليل فهو أنيسي في الكتابة ...الليل عنوان الهدوء والسكينة واستحضر هنا موقفا عشته مع تلاميذي أثناء فترة التدريس انني كنت اسأل تلاميذي دائما عن الحواس فيقولون انها الحواس الخمسة المعروفة ويذكرونها لي فأقول لهم هناك حاسة سادسة هل تعرفون ما هي ؟

** وانا أسالك ما هي الحاسة السادسة من خلا مفهومك انت لها ؟

- كل إنسان يتوفر على حاسة سادسة وعليه ان يكتشفها في نفسه ... الحاسة السادسة هي تلك القوة التي تجعله قويا في شيء وضعيف في شيء 

*وأين تكمن قوتك من خلال حاستك السادسة؟

-قوتي تكمن في الكتابة ولاشيء غير الكتابة

 

من قصائد الأديب حسن نصر : إرادة الحرية

 

وانت تتجول بين الأماكن

عبر فلسطين

من مدينة القدس

الى ان تحط الرحال

هناك في غزة

اذ قلعتنا الحصينة

تتوسد أرحام الأرض

وتتوغل في المتاهة العظيمة

متاهة الأنفاق والمعابر العظيمة

من تحت طبقات الأرض

بعضها من فوق بعض

تكوينات متشابكة

تتمدد , تتقاطع , تتعدد

كأنها من صنع الجن

او من صنع سكان

جاءوا من الفضاء

او هي تحاكي مدن النمل

عجيبة العجائب

بدايتها بلا نهاية

ونهايتها بلا بداية

واكثر من كل ذلك غرابة

انها تقاوم المستعمرين 

وتنتصر عليهم الى النهاية

قلاع بنتها اياد فلسطينية

بعزيمة قوية

من اجل ان تنتصر على الغزاة

وتحقق إرادة الحرية

 

حسن نصر في سطور

الكاتب القصصي والروائي حسن نصر من مواليد حي الحلفاوين بتونس العاصمة

بدا الكتابة مع بداية الاستقلال، وقد نشر مجموعة من النصوص الشعرية بجريدة “العلم التونسية”. أول قصة قصيرة له كانت بعنوان “دمعة كهل” نشرت في 1959 بمجلة “الفكر”، وأصبحت هذه القصة موضوعا وأسلوبا دليل على فترة عرفت في تاريخ الأدب التونسي ب”أدب المقاومة” ضد المستعمر الفرنسي وكانت مجموعة “ليالي المطر” خير دليل على هذه الفترة، أخرى.

كما كتب القصة القصيرة جدا سماها “قصة تقرأ في دقيقة واحدة” نشر أغلبها في ملحق جريدة “”العمل الثقافي بشكل أسبوعي.

كتب “حسن نصر” رواية “دهاليز الليل” التي تدور إحداثها في مدينة المهدية وتحكي عن التجربة الاشتراكية في قطاع الصيد البحري. وأصدر رواية “خبز الأرض” تناول فيها تعلق الإنسان بالأرض ومأساة الفلاحين. ورواية “دار الباشا” التي تم اختيارها ضمن افضل مائة رواية عربية.

حازت الكثير من كتبه على جوائز من وزارة الثقافة من ذلك مجموعة  “ليالي المطر” على الجائزة التشجيعية سنة 1968، ورواية “دهاليز الليل” على الجائزة التشجيعية سنة 1978، ورواية “السهر والجرح” على جائزة الإبداع سنة 1989.