إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الغَرْبُ يَهوِي في غزّة حضاريّاً وأخلاقيّاً إلى حضيضٍ بلا قاع! (2/2)

الغرب يهوى الآن إلى حضيض بلا قاع مُمَرّغا مِزَقَ إرثه الحضاري والأخلاقي في وحل غزة

 

بقلم: هادي دانيال(*)

فالمواقف الغربية الرسمية منحت هذه الجرائم التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا "غطاءً سياسياً دولياً" عندما عدّتها "دفاعا عن النفس"، على الرغم من أنّ ألف باء القانون الدولي يبيّن أنّ "حقّ الدفاع عن النفس" هو حق لضحية الاحتلال وليس حقا لجيش الاحتلال المعتدي على أصحاب الأرض وسكانها الأصليين. ولكن هذا الغطاء سرعان ما تمزّقَ بهتافات ولافتات وقبضات الشارع الغربي الهادر غضباً واحتجاجا مطالبا حكومات بلدانه بوقف العدوان الإسرائيلي على أطفال غزة ونسائها وشيوخها العزّل. لكنّ قادة الغرب الديمقراطي رفضوا الإصغاء إلى مواطنيهم الذين انتخبوهم لدرجة أن الإدارة الأمريكية استخدمت حق النقض(الفيتو) مراراً ضد قرار يدعو إلى وقف النار في غزة مما جعل "نتنياهو" الذي أخذته العزة بالإثم يواصل جرائمه غير المسبوقة ضد الأطفال الفلسطينيين أمام عيون البشرية قاطبة للشهر الرابع على التوالي يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة، وبدل أن يصغي ويستجيب أصحابُ القرار في الغرب الديمقراطي لضمير الشارع الغربي الذي استيقظ ليغادر الجانب الإسرائيلي المعتدي، جانب قابيل القاتل، ويقف بوضوح إلى الجانب الفلسطيني، جانب صاحب الحق المعتدى عليه غربيا وصهيونيا ورجعيا عربيا منذ خمس وسبعين سنة، أي بدل إصلاح الخطيئة، تختار الحكومات الغربية المزيد من التمرّغ حضاريا وأخلاقيا في وحل غزة ، فتعلن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وإيطاليا واستراليا وفنلندة وفرنسا تعليق مساعداتها لوكالة إغاثة اللاجئين (الأونروا) نزولا عند مزاعم إسرائيلية بأنّ موظفين في الأونروا متواطئون مع "حماس" وساعدوها في عملية 7 أكتوبر. يا لها من مفارقة مخزية. جرائم الإبادة الجماعية الموثقة والمتواصلة أمام كاميرات القنوات التلفزيونية عبر العالم لم تَحْدُ قادة الأنظمة الديمقراطية الغربية إلى وقف تصدير الأسلحة إلى حكومة قتلة الأطفال في تل أبيب، بينما تتذرع تلك الحكومات الغربية بهذه المزاعم الصهيونية المتهافتة لتسارع إلى المشاركة في قتل مَن لا يزال حيا من أطفال غزة بتعريض أجسادهم الهشة للجوع والعطش والبرد والأمراض والأوبئة المختلفة، من خلال تعليق المساعدات على "الأونروا" آخر ملاذ مُحتمَل لإنقاذ ما تبقى!. ولنفرض أنّ مزاعم تل أبيب صحيحة، فكيف يؤخذ أطفال ونساء وشيوخ عُزّل بجريرة أنفار من موظفين محليين في "الأونروا" تعاونوا مع منظمة  زَعَمَ "جوزيب بوريل"، مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، إن إسرائيل موّلت إنشاءها في محاولة لإضعاف السلطة الفلسطينية وعرقلة مساعي رئيس منظمة التحرير الفلسطينية إلى إقامة دولة فلسطينية. ألم يقل  "بوريل" بلسانه الأوربي الفصيح في خطاب بجامعة بلد الوليد الإسبانية: "أجل، حكومة إسرائيل موّلت "حماس" في محاولة لإضعاف السلطة الفلسطينية التي تقودها فتح"؟. إذن إذا كانت "إسرائيل" قد أنشأت "حركة حماس" وموّلتها وتموّلها (حتى مساء 6 اكتوبر2023) كما كانت مخابرات واشنطن قد أنشأت تنظيم "القاعدة" ومولته ودربته لتحارب به نظام "كابول" الشيوعي الموالي لموسكو آنذاك  إلى أن انقلب عليها أو استنفدت صلوحيته. لنفترض أنّ الأمر  كان كما قال الوزير الأوربي "بوريل" ألا تتحمل تل أبيب "جرائم" ربيبتها "حماس" في 7 أكتوبر إلى جانب جرائم جيش الاحتلال الصهيوني ضد أطفال غزة، أيها الغرب الفاجر؟!.

 كان المفكر الجزائري "مالك بن نبي" يقول "الغرب لا يحمل معه قِيَمَه خارج أرضه"، وهذا كان صحيحا ولا يزال ولكن أضيف إليه الآن أنّ هذا الغرْب الرسمي تخلّى عن قِيَمِه  داخلَ أرضه أيضا، عندما لم يستجيب لشوارع عواصمه ومدنه الداخلية التي لم يخفت صوتها المثابر في مطالبته، بأن يتحرك بقوة وحزم لوقف إطلاق النار وقفا نهائيا في غزة وإدخال الماء والغذاء والكهرباء والكساء والأغطية إلى الأهالي المنكوبين بانعدام الإنسانية، وأن تتوقف هذه الحكومات عن دعم الصهيونية المجرمة  بالمال والسلاح وينتقل  كل دعمها وبأعلى زخم إلى إقامة دولة فلسطينية الآن و فوراً.

المشكل ان العرب والمسلمين لم يروا بَعْدُ أنّ كلّ هذه الجرائم الصهيونية التي اهتزت لها ضمائر البشرية الحيّة من القطب إلى القطب صارت كافية لتطلب مثلاً من سفراء تل أبيب في عواصمهم أن يغلقوا سفاراتهم ويغادروا، ألم يشعروا بالارتباك كي لا نقول الخجل، وهم يراقبون الحكومات التي استجابت لهتافات مواطنيها في شوارع أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا  فتقطع علاقاتها بالكيان الصهيوني الاستعماري الاستيطاني العنصري، كما فعلت مبكرا حكومات  بوليفيا، جنوب أفريقيا، مملكة بليز، تشيلي، وكولومبيا.

  لقد أحالت مبادرة دولة جنوب إفريقيا الشجاعة بإحالة الكيان الصهيوني وساقته  إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي ونجاحها في استصدار قرار أولي يتهم ويدين ضمنيا "دولة إسرائيل" بارتكاب جيشها وقادتها السياسيين والعسكريين جرائم إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، على الرغم من أنّ هذه المبادرة تعرضت إلى محاصرة غربية رسمية شرسة جعلت المحكمة تتراخي نسبيا أمام الجرائم الإسرائيلية المستمرة، لدرجة أنها لم تطالب علنا بوقف إطلاق النار نهائيا في غزة، بل إن رئيسة المحكمة "جوان دولوغو" التي طالبت روسيا الاتحادية في 16 مارس2022 بأن تُعلّق فورا عملياتها العسكرية التي بدأتها على أراضي أوكرانيا، اكتفت في 26 جانفي 2024 بالطلب اللطيف من "إسرائيل" بأن "تتخذ التدابير في حدود سلطتها لمنع ومعاقبة التحريض العلني على ارتكاب الإبادة الجماعية" وكأن كل ما حصل ويحصل ليس جرائم إبادة جماعية ملموسة وموصوفة واقعة وتقع يوميا بل مجرّد تحريض عليها، وتذهب الرئيسة "جوان دولوغو" في سياق تورطها هي الأخرى بازدواجية المعايير إلى أن تعلن سنة 2022 أنّ "المحكمة تشعر بقلق عميق ازاء استخدام القوة الروسية الذي يثير مشاكل خطيرة جدا بالقانون الدولي"، لكن "جوان دولوغو" نفسها تكتفي في سنة 2024  بالقول إنّ" على إسرائيل أن ترفع تقريرا إلى المحكمة بخصوص التدابير المؤقتة المفروضة خلال شهر".

 إنّ الغرب باعتماد فج ووقح لهذه الازدواجية  يدعم  عسكريا وسياسيا وقانونيا وإعلاميا وماليا ولوجستيا حكومة "كييف"  وميليشياتها النازية ضد عملية عسكرية وقائية خاصة استعادت بها "موسكو" بعضَ ترابها الوطني ومواطنيها الذين كانوا تحت سيطرة حكومة الصهيوني "زيلنسكي" ، هذه العملية  يسميها الغرب  "احتلالا روسيا"، بينما جرائم الإبادة الجماعية التي تهدف إلى إعادة احتلال غزة وإنهاء الوجود الفلسطيني عليها بإبادة أهلها صغارهم قبل كبارهم قتلا بالرصاص والتجويع والبرد وتعريضهم للأوبئة وشتّى الأمراض، هذا القتل والتدمير الممنهجان لا يتطلبان وقفهما فوراً بل يُعطى فرصة أخرى للاستمرار شهرا آخر في الأقل يُعد القاتل فيه تقريره إلى المحكمة الموقرة بخصوص "التدابير المؤقتة"، أي باختصار تُعطى فرصة إضافية للقاتل كي يجهز تماماً على ضحيّته، تُعطى فرصة لجيش الاحتلال الإسرائيلي كي يقتل المزيد من أطفال أهل غزة فيجهز على اليتامى منهم بعد أن أجهز على آبائهم وأمهاتهم  ويجبر من أخطأته آلة القتل الجهنمية على ترك الأرض من خلال تدمير كل مقومات إمكانية الحياة فيها بيئيا وعلى مستوى البنية التحتية للسيطرة على غاز غزة ونفطها وعلى شمالها الذي سيمر منه مشروع قناة "بن غوريون" ولكسب نقاط في المعركة الديمغرافية على أرض فلسطين التاريخية التي يعجز الكيان الصهيوني عن كسبها في ظلّ عدم إمكانية تنظيم هجرات جديدة ليهود العالم إلى "إسرائيل"، علماً أنّ حكوماته المتعاقبة تشجّع المستوطنين اليهود على المزيد من الإنجاب دون جدوى، لذلك هو يتخذ الآن من عملية "طوفان الأقصى" ومن حركة حماس ذريعة لتنفيذ أهدافه الاستراتيجية المذكورة آنفاً.          

إذا كانت عالمة الأنثروبولوجيا مارغريت ميد ترى  أنّ أوّل علامة للحضارة في الثقافة القديمة هي عظم الفخذ الذي تم كسْرُه ثم التأم. انطلاقا من أنه في مملكة الحيوانات، إذا كسرت ساقك، ستموت،  فأنت لا يمكنك الهرب من الخطر، ولا الوصول إلى النهر للشرب أو البحث عن الطعام. أنت إذن لحمٌ للوحوش المتجوّلة التي ستعثر عليك قبل أن تعيش الفترة الضرورية لأن يشفى عظمك المكسور. وإن تماثل كسر عظم الفخذ للشفاء فذلك دليل على أنّ شخصاً ما أمضى وقتاً مع الشخص الذي سقط، ضمّدّ الجرح، وحمل الجريح إلى بر الأمان ورعاه خلال مرحلة التعافي. إذن بمساعدة شخص آخر لتجاوز الصعوبات تبدأ الحضارة.

إن كان الأمر كذلك، فإنّ هذا الغرب الرسمي يحوّل العالم إلى غابة بدائية تتم فيها "حَيْوَنة الإنسان" على حدّ تعبير الراحل السوري الكبير "ممدوح عدوان"، عندما لا يكتفي بارتكاب جرائم القتل بل يمنع حماية المكسورين في غزة، إنها حيوانات قوية مفترسة ترفض إعطاء فرصة الشفاء للجرحى من أهل غزة كما تحرم أطفالهم الباقين من فرصة الحياة بعد كل هذا الموت .

إنّ هذا الغرب الرسمي المتخلّي عن قِيَم المنظومة الحضارية والأخلاقية التي كان يدّعيها ويحاول تصديرها عبر العالم على ظهور الدبابات وأجنحة المقاتلات وقاذفات أطنان القنابل المحشوة بالبارود واليورانيوم المنضّب والفسفور الحارق، هذا الغرب لم يكتفِ بالتجرد من أقنعته في أفغانستان والعراق واليمن وليبيا وسوريا والسودان، بل هو الآن يهوي إلى حضيض بلا قاع مُمَرّغا مِزَقَ إرثه الحضاري والأخلاقي في وحل غزة لتمتزج بأشلاء لحم الأطفال مراكما في رصيده الإجرامي النظرات الأخيرة لعيونهم قبل أن تنطفئ. 

+اديب وشاعر

الغَرْبُ يَهوِي في غزّة حضاريّاً وأخلاقيّاً إلى حضيضٍ بلا قاع! (2/2)

الغرب يهوى الآن إلى حضيض بلا قاع مُمَرّغا مِزَقَ إرثه الحضاري والأخلاقي في وحل غزة

 

بقلم: هادي دانيال(*)

فالمواقف الغربية الرسمية منحت هذه الجرائم التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا "غطاءً سياسياً دولياً" عندما عدّتها "دفاعا عن النفس"، على الرغم من أنّ ألف باء القانون الدولي يبيّن أنّ "حقّ الدفاع عن النفس" هو حق لضحية الاحتلال وليس حقا لجيش الاحتلال المعتدي على أصحاب الأرض وسكانها الأصليين. ولكن هذا الغطاء سرعان ما تمزّقَ بهتافات ولافتات وقبضات الشارع الغربي الهادر غضباً واحتجاجا مطالبا حكومات بلدانه بوقف العدوان الإسرائيلي على أطفال غزة ونسائها وشيوخها العزّل. لكنّ قادة الغرب الديمقراطي رفضوا الإصغاء إلى مواطنيهم الذين انتخبوهم لدرجة أن الإدارة الأمريكية استخدمت حق النقض(الفيتو) مراراً ضد قرار يدعو إلى وقف النار في غزة مما جعل "نتنياهو" الذي أخذته العزة بالإثم يواصل جرائمه غير المسبوقة ضد الأطفال الفلسطينيين أمام عيون البشرية قاطبة للشهر الرابع على التوالي يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة، وبدل أن يصغي ويستجيب أصحابُ القرار في الغرب الديمقراطي لضمير الشارع الغربي الذي استيقظ ليغادر الجانب الإسرائيلي المعتدي، جانب قابيل القاتل، ويقف بوضوح إلى الجانب الفلسطيني، جانب صاحب الحق المعتدى عليه غربيا وصهيونيا ورجعيا عربيا منذ خمس وسبعين سنة، أي بدل إصلاح الخطيئة، تختار الحكومات الغربية المزيد من التمرّغ حضاريا وأخلاقيا في وحل غزة ، فتعلن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وإيطاليا واستراليا وفنلندة وفرنسا تعليق مساعداتها لوكالة إغاثة اللاجئين (الأونروا) نزولا عند مزاعم إسرائيلية بأنّ موظفين في الأونروا متواطئون مع "حماس" وساعدوها في عملية 7 أكتوبر. يا لها من مفارقة مخزية. جرائم الإبادة الجماعية الموثقة والمتواصلة أمام كاميرات القنوات التلفزيونية عبر العالم لم تَحْدُ قادة الأنظمة الديمقراطية الغربية إلى وقف تصدير الأسلحة إلى حكومة قتلة الأطفال في تل أبيب، بينما تتذرع تلك الحكومات الغربية بهذه المزاعم الصهيونية المتهافتة لتسارع إلى المشاركة في قتل مَن لا يزال حيا من أطفال غزة بتعريض أجسادهم الهشة للجوع والعطش والبرد والأمراض والأوبئة المختلفة، من خلال تعليق المساعدات على "الأونروا" آخر ملاذ مُحتمَل لإنقاذ ما تبقى!. ولنفرض أنّ مزاعم تل أبيب صحيحة، فكيف يؤخذ أطفال ونساء وشيوخ عُزّل بجريرة أنفار من موظفين محليين في "الأونروا" تعاونوا مع منظمة  زَعَمَ "جوزيب بوريل"، مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، إن إسرائيل موّلت إنشاءها في محاولة لإضعاف السلطة الفلسطينية وعرقلة مساعي رئيس منظمة التحرير الفلسطينية إلى إقامة دولة فلسطينية. ألم يقل  "بوريل" بلسانه الأوربي الفصيح في خطاب بجامعة بلد الوليد الإسبانية: "أجل، حكومة إسرائيل موّلت "حماس" في محاولة لإضعاف السلطة الفلسطينية التي تقودها فتح"؟. إذن إذا كانت "إسرائيل" قد أنشأت "حركة حماس" وموّلتها وتموّلها (حتى مساء 6 اكتوبر2023) كما كانت مخابرات واشنطن قد أنشأت تنظيم "القاعدة" ومولته ودربته لتحارب به نظام "كابول" الشيوعي الموالي لموسكو آنذاك  إلى أن انقلب عليها أو استنفدت صلوحيته. لنفترض أنّ الأمر  كان كما قال الوزير الأوربي "بوريل" ألا تتحمل تل أبيب "جرائم" ربيبتها "حماس" في 7 أكتوبر إلى جانب جرائم جيش الاحتلال الصهيوني ضد أطفال غزة، أيها الغرب الفاجر؟!.

 كان المفكر الجزائري "مالك بن نبي" يقول "الغرب لا يحمل معه قِيَمَه خارج أرضه"، وهذا كان صحيحا ولا يزال ولكن أضيف إليه الآن أنّ هذا الغرْب الرسمي تخلّى عن قِيَمِه  داخلَ أرضه أيضا، عندما لم يستجيب لشوارع عواصمه ومدنه الداخلية التي لم يخفت صوتها المثابر في مطالبته، بأن يتحرك بقوة وحزم لوقف إطلاق النار وقفا نهائيا في غزة وإدخال الماء والغذاء والكهرباء والكساء والأغطية إلى الأهالي المنكوبين بانعدام الإنسانية، وأن تتوقف هذه الحكومات عن دعم الصهيونية المجرمة  بالمال والسلاح وينتقل  كل دعمها وبأعلى زخم إلى إقامة دولة فلسطينية الآن و فوراً.

المشكل ان العرب والمسلمين لم يروا بَعْدُ أنّ كلّ هذه الجرائم الصهيونية التي اهتزت لها ضمائر البشرية الحيّة من القطب إلى القطب صارت كافية لتطلب مثلاً من سفراء تل أبيب في عواصمهم أن يغلقوا سفاراتهم ويغادروا، ألم يشعروا بالارتباك كي لا نقول الخجل، وهم يراقبون الحكومات التي استجابت لهتافات مواطنيها في شوارع أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا  فتقطع علاقاتها بالكيان الصهيوني الاستعماري الاستيطاني العنصري، كما فعلت مبكرا حكومات  بوليفيا، جنوب أفريقيا، مملكة بليز، تشيلي، وكولومبيا.

  لقد أحالت مبادرة دولة جنوب إفريقيا الشجاعة بإحالة الكيان الصهيوني وساقته  إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي ونجاحها في استصدار قرار أولي يتهم ويدين ضمنيا "دولة إسرائيل" بارتكاب جيشها وقادتها السياسيين والعسكريين جرائم إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، على الرغم من أنّ هذه المبادرة تعرضت إلى محاصرة غربية رسمية شرسة جعلت المحكمة تتراخي نسبيا أمام الجرائم الإسرائيلية المستمرة، لدرجة أنها لم تطالب علنا بوقف إطلاق النار نهائيا في غزة، بل إن رئيسة المحكمة "جوان دولوغو" التي طالبت روسيا الاتحادية في 16 مارس2022 بأن تُعلّق فورا عملياتها العسكرية التي بدأتها على أراضي أوكرانيا، اكتفت في 26 جانفي 2024 بالطلب اللطيف من "إسرائيل" بأن "تتخذ التدابير في حدود سلطتها لمنع ومعاقبة التحريض العلني على ارتكاب الإبادة الجماعية" وكأن كل ما حصل ويحصل ليس جرائم إبادة جماعية ملموسة وموصوفة واقعة وتقع يوميا بل مجرّد تحريض عليها، وتذهب الرئيسة "جوان دولوغو" في سياق تورطها هي الأخرى بازدواجية المعايير إلى أن تعلن سنة 2022 أنّ "المحكمة تشعر بقلق عميق ازاء استخدام القوة الروسية الذي يثير مشاكل خطيرة جدا بالقانون الدولي"، لكن "جوان دولوغو" نفسها تكتفي في سنة 2024  بالقول إنّ" على إسرائيل أن ترفع تقريرا إلى المحكمة بخصوص التدابير المؤقتة المفروضة خلال شهر".

 إنّ الغرب باعتماد فج ووقح لهذه الازدواجية  يدعم  عسكريا وسياسيا وقانونيا وإعلاميا وماليا ولوجستيا حكومة "كييف"  وميليشياتها النازية ضد عملية عسكرية وقائية خاصة استعادت بها "موسكو" بعضَ ترابها الوطني ومواطنيها الذين كانوا تحت سيطرة حكومة الصهيوني "زيلنسكي" ، هذه العملية  يسميها الغرب  "احتلالا روسيا"، بينما جرائم الإبادة الجماعية التي تهدف إلى إعادة احتلال غزة وإنهاء الوجود الفلسطيني عليها بإبادة أهلها صغارهم قبل كبارهم قتلا بالرصاص والتجويع والبرد وتعريضهم للأوبئة وشتّى الأمراض، هذا القتل والتدمير الممنهجان لا يتطلبان وقفهما فوراً بل يُعطى فرصة أخرى للاستمرار شهرا آخر في الأقل يُعد القاتل فيه تقريره إلى المحكمة الموقرة بخصوص "التدابير المؤقتة"، أي باختصار تُعطى فرصة إضافية للقاتل كي يجهز تماماً على ضحيّته، تُعطى فرصة لجيش الاحتلال الإسرائيلي كي يقتل المزيد من أطفال أهل غزة فيجهز على اليتامى منهم بعد أن أجهز على آبائهم وأمهاتهم  ويجبر من أخطأته آلة القتل الجهنمية على ترك الأرض من خلال تدمير كل مقومات إمكانية الحياة فيها بيئيا وعلى مستوى البنية التحتية للسيطرة على غاز غزة ونفطها وعلى شمالها الذي سيمر منه مشروع قناة "بن غوريون" ولكسب نقاط في المعركة الديمغرافية على أرض فلسطين التاريخية التي يعجز الكيان الصهيوني عن كسبها في ظلّ عدم إمكانية تنظيم هجرات جديدة ليهود العالم إلى "إسرائيل"، علماً أنّ حكوماته المتعاقبة تشجّع المستوطنين اليهود على المزيد من الإنجاب دون جدوى، لذلك هو يتخذ الآن من عملية "طوفان الأقصى" ومن حركة حماس ذريعة لتنفيذ أهدافه الاستراتيجية المذكورة آنفاً.          

إذا كانت عالمة الأنثروبولوجيا مارغريت ميد ترى  أنّ أوّل علامة للحضارة في الثقافة القديمة هي عظم الفخذ الذي تم كسْرُه ثم التأم. انطلاقا من أنه في مملكة الحيوانات، إذا كسرت ساقك، ستموت،  فأنت لا يمكنك الهرب من الخطر، ولا الوصول إلى النهر للشرب أو البحث عن الطعام. أنت إذن لحمٌ للوحوش المتجوّلة التي ستعثر عليك قبل أن تعيش الفترة الضرورية لأن يشفى عظمك المكسور. وإن تماثل كسر عظم الفخذ للشفاء فذلك دليل على أنّ شخصاً ما أمضى وقتاً مع الشخص الذي سقط، ضمّدّ الجرح، وحمل الجريح إلى بر الأمان ورعاه خلال مرحلة التعافي. إذن بمساعدة شخص آخر لتجاوز الصعوبات تبدأ الحضارة.

إن كان الأمر كذلك، فإنّ هذا الغرب الرسمي يحوّل العالم إلى غابة بدائية تتم فيها "حَيْوَنة الإنسان" على حدّ تعبير الراحل السوري الكبير "ممدوح عدوان"، عندما لا يكتفي بارتكاب جرائم القتل بل يمنع حماية المكسورين في غزة، إنها حيوانات قوية مفترسة ترفض إعطاء فرصة الشفاء للجرحى من أهل غزة كما تحرم أطفالهم الباقين من فرصة الحياة بعد كل هذا الموت .

إنّ هذا الغرب الرسمي المتخلّي عن قِيَم المنظومة الحضارية والأخلاقية التي كان يدّعيها ويحاول تصديرها عبر العالم على ظهور الدبابات وأجنحة المقاتلات وقاذفات أطنان القنابل المحشوة بالبارود واليورانيوم المنضّب والفسفور الحارق، هذا الغرب لم يكتفِ بالتجرد من أقنعته في أفغانستان والعراق واليمن وليبيا وسوريا والسودان، بل هو الآن يهوي إلى حضيض بلا قاع مُمَرّغا مِزَقَ إرثه الحضاري والأخلاقي في وحل غزة لتمتزج بأشلاء لحم الأطفال مراكما في رصيده الإجرامي النظرات الأخيرة لعيونهم قبل أن تنطفئ. 

+اديب وشاعر