إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رياض جعيدان لـ"الصباح": تونس في موقف قوة.. والسياسة الخارجية غيرت المقاربة الأوروبية لفائدتنا

 

السلطات التونسية مطالبة بتحويل فرصة الشراكة والتعاون الأوروبي إلى فرص للاستثمار والتنمية

تونس – الصباح

 اعتبر رياض جعيدان، مساعد رئيس مجلس نواب الشعب مكلف بالإصلاحات الكبرى، الاتفاقات التي تم إبرامها بين الدولة التونسية والوفد الأوروبي الذي تقدمته رئيسة مجلس الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني منذ أيام قليلة بمثابة الفرصة الثمينة التي يجب على السلطات التونسية العمل على تحويلها إلى فرص للاستثمار والتنمية عبر القيام بجملة من المراجعات في مستوى المشاريع والتشريعات. وتحدث الدكتور رياض جعيدان باعتباره أستاذا محاضرا في القانون العام بالجامعات الفرنسية وأستاذا زائرا بالمعهد الأوروبي للدراسات الدولية، عن الأولويات التشريعية في البرلمان ورؤيته لشروط وآليات ضبط روزنامة تشريعية ناجعة وهادفة. وتطرق في حديثه لـ"الصباح"، عن شروط انجاح التفاوض مع الأطراف الدولية ودور الدبلوماسية التونسية في حلحلة الملفات الحارقة دوليا وإقليميا وعن الدبلوماسية البرلمانية وغيرها من المسائل الأخرى في الحوار التالي:

                  حاورته: نزيهة الغضباني

• بصفتك مساعد رئيس مكلف بالإصلاحات الكبرى في البرلمان، هل يمكن الحديث عن برامج أو مشاريع إصلاحات اليوم؟

-في الحقيقة هناك تفكير جدي داخل البرلمان في مسألة الإصلاحات لأن الجميع يتقاطع عند نقطة أساسية وهي الإسراع في القيام بالإصلاحات التشريعية والبرامج التي تنعكس نتائجها إيجابيا على المجتمع التونسي وتحديدا الطبقات المهمشة والفقيرة والتي تدفع لتحين أوضاعها. وقد انطلقت حكومة نجلاء بودن في عرض بعض المبادرات والمشاريع على مجلس نواب الشعب بعد اكتمال هياكله وتنصيب لجانه في ظرف وجيز. وهي ما أعتبرها مشاريع قوانين ضرورية على غرار المشروع المتعلق بإحداث وكالة وطنية للدواء والصحة التي سيتم عرضها للتصويت في جلسة عامة يوم 5 جويلية المقبل أو المشروع المتعلق بالمسرح الوطني وربطه بالمسارح الجهوية أو ما يعرف بمراكز الفنون الدرامية والركحية بما يجعل منها هياكل متكاملة لفائدة الفنان والمبدع والمتفرج التونسي على حد السواء وغيرها.

• ولكن هل سيكتفي البرلمان بانتظار ما يعرض عليه من مشاريع قوانين من سلطة الإشراف فقط، خاصة أن البعض اعتبر ذلك عاملا لتحويل هذا البرلمان إلى وظيفة تقريرية؟

-كلنا كنواب داخل قبة باردو على استعداد للقيام بدورنا التشريعي والرقابي في هذه المؤسسة التشريعية وفق ما ينص على ذلك دستور 2022، والكل أكد عزمه على كسب التحدي الصعب لهذا البرلمان. لذلك لا يجب أن ننكر أن النواب والمجتمع المدني والمواطنين أبدوا استعدادا للانخراط في هذه العملية. ويكفي أن أذكر أنه وردت على إدارة المجلس عرائض مقترحات قدمها مواطنون في الغرض. ثم أن توجه سياسة الدولة للقيام بمراجعات للتشريعات في سياق الإصلاحات الشاملة التي أكدها رئيس الجمهورية في عديد المناسبات تجعل هذا البرلمان على استعداد للانخراط في هذه الإصلاحات لكن بمراعاة المصلحة العليا للوطن.

• ما هي الإصلاحات التشريعية التي تعتبرها ذات أولوية في مهام مجلس نواب الشعب اليوم؟

-أعتقد أن هناك عدة مجالات وقطاعات يجب أن تكون تشريعاتها أو مشاريع القوانين الخاصة بها من أولويات عمل البرلمان ولا تحتمل مزيدا من التأخير إذا ما تعلقت همة الجميع بضرورة الإصلاح والبناء والتأسيس. فنحن في انتظار إصلاح المنوال التنموي ودعم الحرية الاقتصادية والإصلاح الجبائي الشامل بما يساهم في دفع الاستثمار وتحرير العمليات المالية بالعملة الصعبة عبر إصلاح مجلة الاستثمار والقيام بتعديلات جوهرية تفتح مجال المنافسة. إضافة إلى ضرورة إيجاد حلول براغماتية وجدية في عملية إصلاح المؤسسات العمومية مع مراعاة الجوانب الاجتماعية وحماية الطبقات الأكثر هشاشة والفقيرة في كل هذه الإصلاحات. فالدولة يجب أن تشتغل على الإصلاحات الكبرى وذلك بتكاتف جهود مجلس نواب الشعب ورئاستي الجمهورية والحكومة بكافة وزرائها من أجل إنجاح مهمة الوظيفة التشريعية في هذه المرحلة الاستثنائية الهامة من ناحية ولضمان مهمة أنجع للوظيفة التنفيذية في مرحلة لاحقة. ثم أن هناك ثروة أبناء تونس بالخارج غير المستغلة من طرف الدولة لعدة أسباب أبرزها الصعوبات البيروقراطية وما تتطلبه من مراجعة شاملة وتسهيلات لتحويل هذه الثروة إلى نقطة قوة.

• وهل في تقديرك بإمكان السلطة التنفيذية تحويل الإصلاحات في التشريعات إلى إصلاحات عملية، خاصة في ظل غياب التقييم لأدائها على امتداد ما يقارب السنتين فضلا عما يذهب له البعض من محدودية صلاحيات هذا البرلمان؟

-أعتقد أن من يروج لمحدودية صلاحيات هذا البرلمان كان لأهداف سياسوية ضيقة بهدف تقزيم هذا البرلمان، ولكن مجلس نواب الشعب أثبت اليوم أنه مكتمل بين نواب أحرار ومختلفين في مواقفهم وتوجهاتهم مع الإجماع حول المصلحة الوطنية، وهو برلمان قادر على صنع التحدي وكسب نتائجه بما يخدم المصلحة الوطنية بعد التوصل إلى تنصيب هياكله ولجانه والحسم في النظام الداخلي في ظرف زمني وجيز. وقد انطلقنا مثلما أسلفت الذكر في تلقي مشاريع القوانين ومناقشتها. ثم أننا انطلقنا أيضا في توجيه أسئلة كتابية وشفاهية للحكومة أذكر من بينها مساءلة وزير تكنولوجيا الاتصال عن سبب تفويت الدولة التونسية في أسهمها في شركة الاتصالات بموريتانيا رغم الأرباح المحققة في ذلك. وفي تقديري أن عملية الإصلاح يجب أن تصب في خانة خدمة المصلحة العليا للوطن دون سواها، لأن البرلمان بدأ في مباشرة المهمة الرقابية للحكومة وسيعمل على تكريسها مستقبلا.

• كيف تقيم الاتفاقات التي أبرمتها الدولة التونسية مؤخرا مع وفد الاتحاد الأوروبي؟

-لا أبالغ إذا قلت إن هذه الاتفاقات على غاية من الأهمية نظرا لما تضمنته من برامج ومشاريع تعاون ودعم مالي لبلادنا من ناحية ولما أثبتته من قدرة تونس على التحاور والتفاوض من موقع قوة بشكل مختلف عما سبق من ناحية ثانية، خاصة أنها كانت تتويجا لجملة المهام والأدوار التي قام بها وزير الخارجية الحالي نبيل عمار منذ مسكه بحقيبة وزارة الشؤون الخارجية والتونسيين بالخارج منذ فيفري الماضي. وهو العارف بكواليس الدبلوماسية الأوروبية ودواليب الاتحاد الأوروبي.

• ماذا تقصد بذلك؟

-ما أشدد على قوله هو نجاح عملية التفاوض مع أي جهة كانت لا يتم عبر الطرق الكلاسيكية بل يتطلب ضرورة إجادة لغة كل جهة وإتقان أدوات الحوار معها. وأعتقد أن هذا ما فهمه نبيل عمار. إذ استطاع أن يغير المواقف والمفاهيم ويصحح الصورة في ظرف زمني وجيز وبعمل مضاعف بنسق ماراطوني كبير. فبعد أشهر قليلة كانت مواقف أغلب البلدان والمنظمات والهياكل الأوروبية من تونس جد سلبية ترجمتها البيانات والتصريحات المعارضة لسياسة بلادنا، ولكنه نجح في قلب المعادلة لفائدة تونس بعد تصحيح المغالطات وما يروج من صورة سلبية عن حقيقة الوضع. وبعد فتحه آفاق الحوار مع الجهات الأوروبية وزيارة وفود أوروبية إلى بلادنا وحضوره في عدة مناسبات دولية وطرحه ونجاعته في دفاعه عن المقاربة التونسية تغيرت المواقف لتتوج بالاتفاقات التي تم إبرامها في الزيارة الأخيرة للوفد الأوروبي. لذلك فإن ذلك يعد فرصة جد هامة وجب على السلطات التونسية حسن التعاطي معها وتحويلها إلى فرص لتعزيز الاستثمار وفرص التنمية خاصة أمام رغبة الجهات الأوروبية في تعزيز التعاون والشراكة مع بلادنا في هذه المرحلة الصعبة بالنسبة لأوروبا.

• هل تعني أن أوروبا في حاجة إلى مثل هذا الاتفاق مع بلادنا؟

-في الحقيقة الجهات الأوروبية كانت على وعي بأن استقرار الوضع على أراضيهم ورفاهيتهم لا يكون إلا باستقرار ورفاهية الأجوار، خاصة أن تونس بمثابة المفتاح الأساسي لاستقرار منطقة المتوسط عامة وأوروبا خاصة. ثم أن هؤلاء على وعي اليوم أيضا أن ملف الهجرة بشكل عام لا يمكن معالجته بمنأى عن ملفات أخرى كالفقر والمشاكل الاقتصادية والأمنية والتغيرات المناخية، لاسيما أمام الإجماع على أن حل ملف الهجرة عبر المقاربة الأمنية وحدها تظل مسألة صعبة التحقق، لذلك أرى أن هناك صفحة جديدة في العلاقة التونسية الأوروبية.

• البيان المشترك الصادر بين تونس والجانب الأوروبي جاء تحت عنوان "حزمة شراكة شاملة" في التعاون الاقتصادي والطاقة والهجرة، هل تعتبره كافيا، خاصة أن البعض اعتبره غير مجز وكان بالإمكان أفضل مما كان؟

-صحيح أن 900 ألف أورو تعد قليلة مقارنة بما تستطيع الجهات الأوروبية منحه من مساعدات في شكل برامج مشاريع دعم وشراكة وتعاون ولكن الأهم هو التغيير الكبير في شكل التعاون والاتفاقات ويجب اليوم أن نعمل على تحسين التحالف الاستراتيجي واستغلاله على أكفأ وجه بما يؤسس لإصلاحات واستثمارات كبرى، لذلك لا يجب أن نقف عند الخطوط العريضة بل تعزيز التعاون والشراكة واستغلال مشاريع التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر والمجال الرقمي والذكاء الاصطناعي باعتبارها مجالات يمكن بلادنا أن تتميز فيها وتحقق الريادة إقليميا وعالميا لاسيما في ظل الكفاءات والثروة البشرية التي تتميز بها بلادنا في الغرض لأن كفاءات تونسية من تقف وراء صنع الربيع الرقمي والتكنولوجي الأوروبي. وهذا من شأنه أن يخلق موارد شغل نوعية ويساهم في تحسين أرقام التنمية. وهذا يتطلب إستراتيجية جديدة شاملة وديبلوماسية متطورة تحسن التفاوض وطرح وفتح الملفات الكبرى بندية وتقطع مع الدبلوماسية الكلاسيكية. لأن تونس اليوم ليست في موقف ضعف مثلما يروج لذلك البعض بل في موقف قوة وقادرة على تحويل ملف الهجرة غير النظامية إلى ورقة تفاوض كبرى بأريحية بما يعزز الاتفاقات المذكورة وتجاوزها إلى ما هو أشمل.

• ذكرت في سياق حديثك أن مراهنة أوروبا على أن تكون تونس من خلال هذه الاتفاقات، منصة عبور للاستثمار في إفريقيا، كيف يمكن الاستفادة من ذلك؟

-صحيح أنه يمكن بلادنا أن تكون منصة استثمار وتعاون جنوب شمال بما يحقق ويعود بالفوائد الكبرى على بلادنا في عدة مستويات، وذلك لا يتم إلا بعد مراجعة التشريعات عبر إصلاح شامل لمنظومة التشريعات وتخفيف الأعباء البيروقراطية التي تعطر وتنفّر المستثمرين ومراجعة طرق التعامل مع هؤلاء.

• هل تعتبر أن المهمة دبلوماسية بالأساس؟

- بكل تأكيد لأن العلاقات الخارجية والدبلوماسية تلعب دورا كبيرا في مثل هذه المهام والعمليات لتكون في تناغم مع سياسة الدولة.

• وماذا عن الدبلوماسية البرلمانية؟

- أعتقد أنه يمكن المراهنة على الدبلوماسية البرلمانية في هذا الجانب شرط أن تكون منظمة ومتناغمة مع الدبلوماسية الرسمية حتى تكون رافدا من روافد الدبلوماسية الرسمية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 رياض جعيدان لـ"الصباح":  تونس في موقف قوة.. والسياسة الخارجية غيرت المقاربة الأوروبية لفائدتنا

 

السلطات التونسية مطالبة بتحويل فرصة الشراكة والتعاون الأوروبي إلى فرص للاستثمار والتنمية

تونس – الصباح

 اعتبر رياض جعيدان، مساعد رئيس مجلس نواب الشعب مكلف بالإصلاحات الكبرى، الاتفاقات التي تم إبرامها بين الدولة التونسية والوفد الأوروبي الذي تقدمته رئيسة مجلس الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني منذ أيام قليلة بمثابة الفرصة الثمينة التي يجب على السلطات التونسية العمل على تحويلها إلى فرص للاستثمار والتنمية عبر القيام بجملة من المراجعات في مستوى المشاريع والتشريعات. وتحدث الدكتور رياض جعيدان باعتباره أستاذا محاضرا في القانون العام بالجامعات الفرنسية وأستاذا زائرا بالمعهد الأوروبي للدراسات الدولية، عن الأولويات التشريعية في البرلمان ورؤيته لشروط وآليات ضبط روزنامة تشريعية ناجعة وهادفة. وتطرق في حديثه لـ"الصباح"، عن شروط انجاح التفاوض مع الأطراف الدولية ودور الدبلوماسية التونسية في حلحلة الملفات الحارقة دوليا وإقليميا وعن الدبلوماسية البرلمانية وغيرها من المسائل الأخرى في الحوار التالي:

                  حاورته: نزيهة الغضباني

• بصفتك مساعد رئيس مكلف بالإصلاحات الكبرى في البرلمان، هل يمكن الحديث عن برامج أو مشاريع إصلاحات اليوم؟

-في الحقيقة هناك تفكير جدي داخل البرلمان في مسألة الإصلاحات لأن الجميع يتقاطع عند نقطة أساسية وهي الإسراع في القيام بالإصلاحات التشريعية والبرامج التي تنعكس نتائجها إيجابيا على المجتمع التونسي وتحديدا الطبقات المهمشة والفقيرة والتي تدفع لتحين أوضاعها. وقد انطلقت حكومة نجلاء بودن في عرض بعض المبادرات والمشاريع على مجلس نواب الشعب بعد اكتمال هياكله وتنصيب لجانه في ظرف وجيز. وهي ما أعتبرها مشاريع قوانين ضرورية على غرار المشروع المتعلق بإحداث وكالة وطنية للدواء والصحة التي سيتم عرضها للتصويت في جلسة عامة يوم 5 جويلية المقبل أو المشروع المتعلق بالمسرح الوطني وربطه بالمسارح الجهوية أو ما يعرف بمراكز الفنون الدرامية والركحية بما يجعل منها هياكل متكاملة لفائدة الفنان والمبدع والمتفرج التونسي على حد السواء وغيرها.

• ولكن هل سيكتفي البرلمان بانتظار ما يعرض عليه من مشاريع قوانين من سلطة الإشراف فقط، خاصة أن البعض اعتبر ذلك عاملا لتحويل هذا البرلمان إلى وظيفة تقريرية؟

-كلنا كنواب داخل قبة باردو على استعداد للقيام بدورنا التشريعي والرقابي في هذه المؤسسة التشريعية وفق ما ينص على ذلك دستور 2022، والكل أكد عزمه على كسب التحدي الصعب لهذا البرلمان. لذلك لا يجب أن ننكر أن النواب والمجتمع المدني والمواطنين أبدوا استعدادا للانخراط في هذه العملية. ويكفي أن أذكر أنه وردت على إدارة المجلس عرائض مقترحات قدمها مواطنون في الغرض. ثم أن توجه سياسة الدولة للقيام بمراجعات للتشريعات في سياق الإصلاحات الشاملة التي أكدها رئيس الجمهورية في عديد المناسبات تجعل هذا البرلمان على استعداد للانخراط في هذه الإصلاحات لكن بمراعاة المصلحة العليا للوطن.

• ما هي الإصلاحات التشريعية التي تعتبرها ذات أولوية في مهام مجلس نواب الشعب اليوم؟

-أعتقد أن هناك عدة مجالات وقطاعات يجب أن تكون تشريعاتها أو مشاريع القوانين الخاصة بها من أولويات عمل البرلمان ولا تحتمل مزيدا من التأخير إذا ما تعلقت همة الجميع بضرورة الإصلاح والبناء والتأسيس. فنحن في انتظار إصلاح المنوال التنموي ودعم الحرية الاقتصادية والإصلاح الجبائي الشامل بما يساهم في دفع الاستثمار وتحرير العمليات المالية بالعملة الصعبة عبر إصلاح مجلة الاستثمار والقيام بتعديلات جوهرية تفتح مجال المنافسة. إضافة إلى ضرورة إيجاد حلول براغماتية وجدية في عملية إصلاح المؤسسات العمومية مع مراعاة الجوانب الاجتماعية وحماية الطبقات الأكثر هشاشة والفقيرة في كل هذه الإصلاحات. فالدولة يجب أن تشتغل على الإصلاحات الكبرى وذلك بتكاتف جهود مجلس نواب الشعب ورئاستي الجمهورية والحكومة بكافة وزرائها من أجل إنجاح مهمة الوظيفة التشريعية في هذه المرحلة الاستثنائية الهامة من ناحية ولضمان مهمة أنجع للوظيفة التنفيذية في مرحلة لاحقة. ثم أن هناك ثروة أبناء تونس بالخارج غير المستغلة من طرف الدولة لعدة أسباب أبرزها الصعوبات البيروقراطية وما تتطلبه من مراجعة شاملة وتسهيلات لتحويل هذه الثروة إلى نقطة قوة.

• وهل في تقديرك بإمكان السلطة التنفيذية تحويل الإصلاحات في التشريعات إلى إصلاحات عملية، خاصة في ظل غياب التقييم لأدائها على امتداد ما يقارب السنتين فضلا عما يذهب له البعض من محدودية صلاحيات هذا البرلمان؟

-أعتقد أن من يروج لمحدودية صلاحيات هذا البرلمان كان لأهداف سياسوية ضيقة بهدف تقزيم هذا البرلمان، ولكن مجلس نواب الشعب أثبت اليوم أنه مكتمل بين نواب أحرار ومختلفين في مواقفهم وتوجهاتهم مع الإجماع حول المصلحة الوطنية، وهو برلمان قادر على صنع التحدي وكسب نتائجه بما يخدم المصلحة الوطنية بعد التوصل إلى تنصيب هياكله ولجانه والحسم في النظام الداخلي في ظرف زمني وجيز. وقد انطلقنا مثلما أسلفت الذكر في تلقي مشاريع القوانين ومناقشتها. ثم أننا انطلقنا أيضا في توجيه أسئلة كتابية وشفاهية للحكومة أذكر من بينها مساءلة وزير تكنولوجيا الاتصال عن سبب تفويت الدولة التونسية في أسهمها في شركة الاتصالات بموريتانيا رغم الأرباح المحققة في ذلك. وفي تقديري أن عملية الإصلاح يجب أن تصب في خانة خدمة المصلحة العليا للوطن دون سواها، لأن البرلمان بدأ في مباشرة المهمة الرقابية للحكومة وسيعمل على تكريسها مستقبلا.

• كيف تقيم الاتفاقات التي أبرمتها الدولة التونسية مؤخرا مع وفد الاتحاد الأوروبي؟

-لا أبالغ إذا قلت إن هذه الاتفاقات على غاية من الأهمية نظرا لما تضمنته من برامج ومشاريع تعاون ودعم مالي لبلادنا من ناحية ولما أثبتته من قدرة تونس على التحاور والتفاوض من موقع قوة بشكل مختلف عما سبق من ناحية ثانية، خاصة أنها كانت تتويجا لجملة المهام والأدوار التي قام بها وزير الخارجية الحالي نبيل عمار منذ مسكه بحقيبة وزارة الشؤون الخارجية والتونسيين بالخارج منذ فيفري الماضي. وهو العارف بكواليس الدبلوماسية الأوروبية ودواليب الاتحاد الأوروبي.

• ماذا تقصد بذلك؟

-ما أشدد على قوله هو نجاح عملية التفاوض مع أي جهة كانت لا يتم عبر الطرق الكلاسيكية بل يتطلب ضرورة إجادة لغة كل جهة وإتقان أدوات الحوار معها. وأعتقد أن هذا ما فهمه نبيل عمار. إذ استطاع أن يغير المواقف والمفاهيم ويصحح الصورة في ظرف زمني وجيز وبعمل مضاعف بنسق ماراطوني كبير. فبعد أشهر قليلة كانت مواقف أغلب البلدان والمنظمات والهياكل الأوروبية من تونس جد سلبية ترجمتها البيانات والتصريحات المعارضة لسياسة بلادنا، ولكنه نجح في قلب المعادلة لفائدة تونس بعد تصحيح المغالطات وما يروج من صورة سلبية عن حقيقة الوضع. وبعد فتحه آفاق الحوار مع الجهات الأوروبية وزيارة وفود أوروبية إلى بلادنا وحضوره في عدة مناسبات دولية وطرحه ونجاعته في دفاعه عن المقاربة التونسية تغيرت المواقف لتتوج بالاتفاقات التي تم إبرامها في الزيارة الأخيرة للوفد الأوروبي. لذلك فإن ذلك يعد فرصة جد هامة وجب على السلطات التونسية حسن التعاطي معها وتحويلها إلى فرص لتعزيز الاستثمار وفرص التنمية خاصة أمام رغبة الجهات الأوروبية في تعزيز التعاون والشراكة مع بلادنا في هذه المرحلة الصعبة بالنسبة لأوروبا.

• هل تعني أن أوروبا في حاجة إلى مثل هذا الاتفاق مع بلادنا؟

-في الحقيقة الجهات الأوروبية كانت على وعي بأن استقرار الوضع على أراضيهم ورفاهيتهم لا يكون إلا باستقرار ورفاهية الأجوار، خاصة أن تونس بمثابة المفتاح الأساسي لاستقرار منطقة المتوسط عامة وأوروبا خاصة. ثم أن هؤلاء على وعي اليوم أيضا أن ملف الهجرة بشكل عام لا يمكن معالجته بمنأى عن ملفات أخرى كالفقر والمشاكل الاقتصادية والأمنية والتغيرات المناخية، لاسيما أمام الإجماع على أن حل ملف الهجرة عبر المقاربة الأمنية وحدها تظل مسألة صعبة التحقق، لذلك أرى أن هناك صفحة جديدة في العلاقة التونسية الأوروبية.

• البيان المشترك الصادر بين تونس والجانب الأوروبي جاء تحت عنوان "حزمة شراكة شاملة" في التعاون الاقتصادي والطاقة والهجرة، هل تعتبره كافيا، خاصة أن البعض اعتبره غير مجز وكان بالإمكان أفضل مما كان؟

-صحيح أن 900 ألف أورو تعد قليلة مقارنة بما تستطيع الجهات الأوروبية منحه من مساعدات في شكل برامج مشاريع دعم وشراكة وتعاون ولكن الأهم هو التغيير الكبير في شكل التعاون والاتفاقات ويجب اليوم أن نعمل على تحسين التحالف الاستراتيجي واستغلاله على أكفأ وجه بما يؤسس لإصلاحات واستثمارات كبرى، لذلك لا يجب أن نقف عند الخطوط العريضة بل تعزيز التعاون والشراكة واستغلال مشاريع التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر والمجال الرقمي والذكاء الاصطناعي باعتبارها مجالات يمكن بلادنا أن تتميز فيها وتحقق الريادة إقليميا وعالميا لاسيما في ظل الكفاءات والثروة البشرية التي تتميز بها بلادنا في الغرض لأن كفاءات تونسية من تقف وراء صنع الربيع الرقمي والتكنولوجي الأوروبي. وهذا من شأنه أن يخلق موارد شغل نوعية ويساهم في تحسين أرقام التنمية. وهذا يتطلب إستراتيجية جديدة شاملة وديبلوماسية متطورة تحسن التفاوض وطرح وفتح الملفات الكبرى بندية وتقطع مع الدبلوماسية الكلاسيكية. لأن تونس اليوم ليست في موقف ضعف مثلما يروج لذلك البعض بل في موقف قوة وقادرة على تحويل ملف الهجرة غير النظامية إلى ورقة تفاوض كبرى بأريحية بما يعزز الاتفاقات المذكورة وتجاوزها إلى ما هو أشمل.

• ذكرت في سياق حديثك أن مراهنة أوروبا على أن تكون تونس من خلال هذه الاتفاقات، منصة عبور للاستثمار في إفريقيا، كيف يمكن الاستفادة من ذلك؟

-صحيح أنه يمكن بلادنا أن تكون منصة استثمار وتعاون جنوب شمال بما يحقق ويعود بالفوائد الكبرى على بلادنا في عدة مستويات، وذلك لا يتم إلا بعد مراجعة التشريعات عبر إصلاح شامل لمنظومة التشريعات وتخفيف الأعباء البيروقراطية التي تعطر وتنفّر المستثمرين ومراجعة طرق التعامل مع هؤلاء.

• هل تعتبر أن المهمة دبلوماسية بالأساس؟

- بكل تأكيد لأن العلاقات الخارجية والدبلوماسية تلعب دورا كبيرا في مثل هذه المهام والعمليات لتكون في تناغم مع سياسة الدولة.

• وماذا عن الدبلوماسية البرلمانية؟

- أعتقد أنه يمكن المراهنة على الدبلوماسية البرلمانية في هذا الجانب شرط أن تكون منظمة ومتناغمة مع الدبلوماسية الرسمية حتى تكون رافدا من روافد الدبلوماسية الرسمية.