مسرحنا اليوم يتصف بديكتاتورية التنوع من خلال إقصاء المختلف
**المنظومة المسرحية في تونس اليوم مهترئة تشريعا وتكوينا وانتاجا وتوزيعا
تونس- الصباح
رجل مسرح متفرد في اطروحاته واختياراته، رافض للسائد في كل عملية إبداعية مسرحية الى حد القسوة على نفسه، صريح في مواقفه الى حد الجرح، صوت مزمجر في وجه كل من يرى انه استهان بالمسرح وتعامل معه بعقلية بالية، تبحث على الأضواء والمزيد من الكسب على حساب الصورة الجديدة للمسرح ورسالته الإنسانية النبيلة في المجتمع والحياة.
أنور الشعافي في كل عمل ابداعي جديد له يترك اثرا ويثير جدلا وحيرة وتساؤلات ..هو رائد التجريب في الفن الرابع وطنيا وعربيا
هو المخرج المسرحي المنتصر على الذات على كل الجروح في داخله لأجل ابداع مسرحي مدهش متوهج ينبض حياة جديدة نرومها ونبغيها.
إنه قدر مبدع يسكن المسرح في داخله مدى الحياة. التقيناه فكان الحوار التالي:
**استقبلت تونس منذ السبت دورة جديدة لأيام قرطاج المسحية هل ترى في برنامجها تجديدا في مستوى عراقة هذا المهرجان ؟
-تابعت هذه التظاهرة منذ دورتها الثانية سنة 1985 مواكبا أو مشاركا ولا بد أن أوضح هنا مغالطة تاريخية فقرطاج ليس هو الأعرق حيث تتأسس قبله مهرجان دمشق المسرحي سنة 1969، صحيح أنه لم يتواصل للظروف التي يعلمها الجميع لكن قرطاج كان قبل القاهرة وبغداد ثم البقية. ها قد مرت 39 سنة على إنبعاثه وأرى أنه أصبح بلا هوية ذلك أن فكرة تأسيسه قامت على توجّه عربي وإفريقي لكنه انفتح بعد ذلك على التجارب العالمية وكذلك القطاعية مثل مسرح السجون الذي أصبح عنصرا قارا في حين انه يصنف فيما يسمى بمسرح الإدماج ولا علاقة له بالمسرح في مفهومه الجمالي فهذا الفن هو خيار واع ومعرفة ومشروع حياة ، المهرجان لن يتطور ما دام غير مستقل ولا يملك ميزانية تسمح له بشراء العروض ومشاهدتها بشكل مباشر لا اختيارها عن بعد
** تعالت الأصوات مناديه بضرورة عودة أيام المسرحية الى صيغتها القديمة –دورة كل سنتين- اين انت من هذا الامر؟
-أنا مع هذا الإختيار لأسباب عديدة أولها الجودة فنحن لا نملك إنتاجيا من ناحية العدد مسرحيات تسمح بتأثيث دورتين متتاليتين وهذه ليست بدعة فأحد أهم المهرجانات وهو مهرجان مسرح العالم بألمانيا يقام كل ثلاث سنوات كما أن دمج ميزانية دورتين في دورة واحدة يجعل منها أفضل.
هل انتهى عهد النص المسرحي لفائدة جماليات ركحية أخرى ..وهو ما قلص حضور المسرح الكلاسيكي في التظاهرات الكبرى؟
-بالعكس النص هو أساس العمل المسرحي فقد سادت جمالية ما سمي بالكتابة الركحية لكن المسرح المعاصر اليوم يشهد عودة قوية للنص في حين مازال بعض مسرحنا يلوك هذه الجمالية التي أصبحت سلفية بل مثيرة للشفقة وهي بالفعل كذلك تطبيقا لغاية المسرح الأرسطي السائد عندنا وغايته "الكاتارسيس"عن طريق إثارة الشفقة. كما أن مسرحنا يتصف بدكتاتورية النوع حيث يكاد يتشابه ويستنسخ بعضه البعض فيقصي المختلف ليصبح مسرحنا أحادي النوع.
كل عمل مسرحي جديد لك يخلف جدلا ..هل ان اطروحاتك المسرحية مزعجة لممارسي المهنية ؟ ام ان الامر يعود لصعوبة ما تطرحه فنيا؟
-أنا لا أستند إلى طاحونة المسرح المعتاد الذي يوفر مساحة أمان معرفي لأغلب صناع المسرح، أنا متابع و قارىء متجدد و مغامر في أدواتي الإخراجية بوعي فكري و جمالي فالمشهدية في المسرح ليست مجانية في كل مفرداتها وأدق تفاصيلها و تتطلب بحثا و مكابدة تستدعي جهدا و تبصّرا و وقتا.
**التجريب في المسرح، هل يؤسس لمدرسة مسرحية خاصة بأنور الشعافي؟
-لا أدعي أنني أؤسس لمدرسة خاصة لكنني أعي جيدا أن المسرح هو فن متجدد بطبيعته و أحاول أن أضيف له من تجاربي الميدانية فمسرحيتي الأخيرة إستندت فيها إلى ما سمي بالدراما الجديدة و هي إرث ما بعد الدرامي و قد أضفت لها جمالية الغير مكتمل Le non finito وهي في أصلها جمالية في النحت لكنها أيضا بجذور فلسفية و كل الجماليات المسرحية ظهرت أولا في الفنون التشكيلية لذلك لم تُفهم جماليا مسرحيتي الأخيرة لأن لجان المهرجانات و بعض من يكتبون في النقد شاهدوها و قيموها بعيون سلفية فهم إذن من أتباع أبي بكر البغدادي مسرحيا وخاصة دكاترة المسرح من غير الممارسين
. ** كابوس اينشتاين " احدث اعمالك المسرحية ..اي سينوغرافيا جديدة في هذا العمل؟
-إستعمالي لبعض تقنيات الرياضات القصوى وهذا يحدث لأول مرة وهو ليس مجرد إستعمال للإستعراض و الإبهار المجاني كما تُستعمل عادة بل كانت موظفة و حل إخراجي نابع من نظرية النسبية العامة لإنشتاين حول الحركة في الزمكان و تطلب الامر لقاءات عديدة مع أساتذة فيزياء حتى أفهمها وأنا القادم من الآداب ، ألم أقل ان الإخراج يتطلب بحثا و معرفة و مكابدة ؟
**دعوت في اغلب حواراتك الى ضرورة إرساء ميثاق شرف مسرحي لمعانقة المسرح " النبيل"..ما هي مقومات هذا الميثاق؟ وما المقصود بالمسرح " النبيل"؟
-أننا نفتقد لأخلاقيات هذه المهنة النبيلة وقد نجد بين ممارسيها عندنا حرفيّون لكن دون عقلية إحترافية و المسرح بالنسبة لهم وسيلة عيش لا فلسفة حياة. لذلك نجد الأفّاكين و الدجالين و المقاولين.
**كانت لك تجربة على راس المسرح الوطني التونسي ..ماذا بقي في ذاكرتك؟ وكيف يبدو لك وضع هذه المؤسسة الوطنية حاليا؟
-لقد كان لنا عند مرورنا به مشروعا و خارطة طريق فقد رسّمنا أعوان المسرح الوطني و كانوا جميعهم متعاقدون منذ تأسيسه و فتحناه على كل القطاعات و الانواع و حوّلنا اللجنة الاستشارية إلى إقرارية و لم نخرج أي عمل طيلة إدارتنا له رغم أن القانون يسمح لنا بذلك و جددنا المستلزمات التقنية و أحدثنا جائزة النص المسرحي ترشح لها 44 نصا و كان هدفنا إنشاء مدوّنة تونسية كما أمضينا اتفاقيات مع هياكل مسرحية دوليه مثل مشروع NOSTOI . لقد حاول البعض طمس ما قمنا به و هم مفلسون إبداعيا لكنهم باحثون عن الفلس والدينار ، حال المسرح الوطني اليوم لا يسر لأنه يسير دون ربّان منذ سنتين حتى تجرأ على الترشح له من هب و دب طمعا في إمتيازاته.
**المسرح التونسي اليوم كيف يبدو لك عل المستوى العربي ؟
-نشرت منذ مدة مقالا مطولا عن نكوص المسرح التونسي و المصطلح إستعرته من التحليل النفسي ويعني إستحضار الفرد لمرحلة سابقة من حياته لأن ذلك يحقق له إشباعا نفسيا كذلك مسرحنا الآن الذي يعيش على أطلال ريادة مضت هذه الريادة التي بدأت في الإنتقال إلى مناطق أخرى وغياب مشروع واع و شامل للإرتقاء بمسرحنا و لا يجب أن نغترّ بنجاحات فردية هنا و هناك إن المنظومة الحالية تشريعا و تكوينا و إنتاجا و توزيعا أصبحت مهترئة وعاجزة على صنع مسرح ناصع.
حوار محسن بن أحمد
-المخرج المسرحي أنور الشعافي
مسرحنا اليوم يتصف بديكتاتورية التنوع من خلال إقصاء المختلف
**المنظومة المسرحية في تونس اليوم مهترئة تشريعا وتكوينا وانتاجا وتوزيعا
تونس- الصباح
رجل مسرح متفرد في اطروحاته واختياراته، رافض للسائد في كل عملية إبداعية مسرحية الى حد القسوة على نفسه، صريح في مواقفه الى حد الجرح، صوت مزمجر في وجه كل من يرى انه استهان بالمسرح وتعامل معه بعقلية بالية، تبحث على الأضواء والمزيد من الكسب على حساب الصورة الجديدة للمسرح ورسالته الإنسانية النبيلة في المجتمع والحياة.
أنور الشعافي في كل عمل ابداعي جديد له يترك اثرا ويثير جدلا وحيرة وتساؤلات ..هو رائد التجريب في الفن الرابع وطنيا وعربيا
هو المخرج المسرحي المنتصر على الذات على كل الجروح في داخله لأجل ابداع مسرحي مدهش متوهج ينبض حياة جديدة نرومها ونبغيها.
إنه قدر مبدع يسكن المسرح في داخله مدى الحياة. التقيناه فكان الحوار التالي:
**استقبلت تونس منذ السبت دورة جديدة لأيام قرطاج المسحية هل ترى في برنامجها تجديدا في مستوى عراقة هذا المهرجان ؟
-تابعت هذه التظاهرة منذ دورتها الثانية سنة 1985 مواكبا أو مشاركا ولا بد أن أوضح هنا مغالطة تاريخية فقرطاج ليس هو الأعرق حيث تتأسس قبله مهرجان دمشق المسرحي سنة 1969، صحيح أنه لم يتواصل للظروف التي يعلمها الجميع لكن قرطاج كان قبل القاهرة وبغداد ثم البقية. ها قد مرت 39 سنة على إنبعاثه وأرى أنه أصبح بلا هوية ذلك أن فكرة تأسيسه قامت على توجّه عربي وإفريقي لكنه انفتح بعد ذلك على التجارب العالمية وكذلك القطاعية مثل مسرح السجون الذي أصبح عنصرا قارا في حين انه يصنف فيما يسمى بمسرح الإدماج ولا علاقة له بالمسرح في مفهومه الجمالي فهذا الفن هو خيار واع ومعرفة ومشروع حياة ، المهرجان لن يتطور ما دام غير مستقل ولا يملك ميزانية تسمح له بشراء العروض ومشاهدتها بشكل مباشر لا اختيارها عن بعد
** تعالت الأصوات مناديه بضرورة عودة أيام المسرحية الى صيغتها القديمة –دورة كل سنتين- اين انت من هذا الامر؟
-أنا مع هذا الإختيار لأسباب عديدة أولها الجودة فنحن لا نملك إنتاجيا من ناحية العدد مسرحيات تسمح بتأثيث دورتين متتاليتين وهذه ليست بدعة فأحد أهم المهرجانات وهو مهرجان مسرح العالم بألمانيا يقام كل ثلاث سنوات كما أن دمج ميزانية دورتين في دورة واحدة يجعل منها أفضل.
هل انتهى عهد النص المسرحي لفائدة جماليات ركحية أخرى ..وهو ما قلص حضور المسرح الكلاسيكي في التظاهرات الكبرى؟
-بالعكس النص هو أساس العمل المسرحي فقد سادت جمالية ما سمي بالكتابة الركحية لكن المسرح المعاصر اليوم يشهد عودة قوية للنص في حين مازال بعض مسرحنا يلوك هذه الجمالية التي أصبحت سلفية بل مثيرة للشفقة وهي بالفعل كذلك تطبيقا لغاية المسرح الأرسطي السائد عندنا وغايته "الكاتارسيس"عن طريق إثارة الشفقة. كما أن مسرحنا يتصف بدكتاتورية النوع حيث يكاد يتشابه ويستنسخ بعضه البعض فيقصي المختلف ليصبح مسرحنا أحادي النوع.
كل عمل مسرحي جديد لك يخلف جدلا ..هل ان اطروحاتك المسرحية مزعجة لممارسي المهنية ؟ ام ان الامر يعود لصعوبة ما تطرحه فنيا؟
-أنا لا أستند إلى طاحونة المسرح المعتاد الذي يوفر مساحة أمان معرفي لأغلب صناع المسرح، أنا متابع و قارىء متجدد و مغامر في أدواتي الإخراجية بوعي فكري و جمالي فالمشهدية في المسرح ليست مجانية في كل مفرداتها وأدق تفاصيلها و تتطلب بحثا و مكابدة تستدعي جهدا و تبصّرا و وقتا.
**التجريب في المسرح، هل يؤسس لمدرسة مسرحية خاصة بأنور الشعافي؟
-لا أدعي أنني أؤسس لمدرسة خاصة لكنني أعي جيدا أن المسرح هو فن متجدد بطبيعته و أحاول أن أضيف له من تجاربي الميدانية فمسرحيتي الأخيرة إستندت فيها إلى ما سمي بالدراما الجديدة و هي إرث ما بعد الدرامي و قد أضفت لها جمالية الغير مكتمل Le non finito وهي في أصلها جمالية في النحت لكنها أيضا بجذور فلسفية و كل الجماليات المسرحية ظهرت أولا في الفنون التشكيلية لذلك لم تُفهم جماليا مسرحيتي الأخيرة لأن لجان المهرجانات و بعض من يكتبون في النقد شاهدوها و قيموها بعيون سلفية فهم إذن من أتباع أبي بكر البغدادي مسرحيا وخاصة دكاترة المسرح من غير الممارسين
. ** كابوس اينشتاين " احدث اعمالك المسرحية ..اي سينوغرافيا جديدة في هذا العمل؟
-إستعمالي لبعض تقنيات الرياضات القصوى وهذا يحدث لأول مرة وهو ليس مجرد إستعمال للإستعراض و الإبهار المجاني كما تُستعمل عادة بل كانت موظفة و حل إخراجي نابع من نظرية النسبية العامة لإنشتاين حول الحركة في الزمكان و تطلب الامر لقاءات عديدة مع أساتذة فيزياء حتى أفهمها وأنا القادم من الآداب ، ألم أقل ان الإخراج يتطلب بحثا و معرفة و مكابدة ؟
**دعوت في اغلب حواراتك الى ضرورة إرساء ميثاق شرف مسرحي لمعانقة المسرح " النبيل"..ما هي مقومات هذا الميثاق؟ وما المقصود بالمسرح " النبيل"؟
-أننا نفتقد لأخلاقيات هذه المهنة النبيلة وقد نجد بين ممارسيها عندنا حرفيّون لكن دون عقلية إحترافية و المسرح بالنسبة لهم وسيلة عيش لا فلسفة حياة. لذلك نجد الأفّاكين و الدجالين و المقاولين.
**كانت لك تجربة على راس المسرح الوطني التونسي ..ماذا بقي في ذاكرتك؟ وكيف يبدو لك وضع هذه المؤسسة الوطنية حاليا؟
-لقد كان لنا عند مرورنا به مشروعا و خارطة طريق فقد رسّمنا أعوان المسرح الوطني و كانوا جميعهم متعاقدون منذ تأسيسه و فتحناه على كل القطاعات و الانواع و حوّلنا اللجنة الاستشارية إلى إقرارية و لم نخرج أي عمل طيلة إدارتنا له رغم أن القانون يسمح لنا بذلك و جددنا المستلزمات التقنية و أحدثنا جائزة النص المسرحي ترشح لها 44 نصا و كان هدفنا إنشاء مدوّنة تونسية كما أمضينا اتفاقيات مع هياكل مسرحية دوليه مثل مشروع NOSTOI . لقد حاول البعض طمس ما قمنا به و هم مفلسون إبداعيا لكنهم باحثون عن الفلس والدينار ، حال المسرح الوطني اليوم لا يسر لأنه يسير دون ربّان منذ سنتين حتى تجرأ على الترشح له من هب و دب طمعا في إمتيازاته.
**المسرح التونسي اليوم كيف يبدو لك عل المستوى العربي ؟
-نشرت منذ مدة مقالا مطولا عن نكوص المسرح التونسي و المصطلح إستعرته من التحليل النفسي ويعني إستحضار الفرد لمرحلة سابقة من حياته لأن ذلك يحقق له إشباعا نفسيا كذلك مسرحنا الآن الذي يعيش على أطلال ريادة مضت هذه الريادة التي بدأت في الإنتقال إلى مناطق أخرى وغياب مشروع واع و شامل للإرتقاء بمسرحنا و لا يجب أن نغترّ بنجاحات فردية هنا و هناك إن المنظومة الحالية تشريعا و تكوينا و إنتاجا و توزيعا أصبحت مهترئة وعاجزة على صنع مسرح ناصع.