في 2 ديسمبر 2012 رحل المفكر التونسي محمد المسعود الشابي مترجلا، وهو الذي غُيَب حيا وميتا من طرف كهنة المعبد الثقافي والفكري والإعلامي التونسي، وقد عاش "الشابي" أكثر من 75 سنة بين توزر والعاصمة وسوريا والعراق وباريس وبيروت ليكمل المشوار خلال السنوات الأخيرة في شقة صغيرة في "حي بومهل" (الضاحية الجنوبية للعاصمة)
عاش الشابي مناضلا ليشهد ثورة الكرامة والحرية قبل وفاته، وفي أول لقاء لي به بعد الثورة قال لي وهو يستضيفني مع عائلتي في أحد المطاعم "لقد انتصر الشعب على جلاديه وعلى المستبدين"، وتحدث يومها بإسهاب عن المؤتمر السابع لحزب البعث في دمشق والذي حضره، وشرح لنا أنه ردد في تدخله في اشغال المؤتمر نفس الكلمات "ستنتصر الشعوب العربية على جلاديها..."
لقد ناضل "الشابي" ولم تتمكن كل المعتقلات وأدوات التعذيب أن تطفأ أحلامه في الحرية وأذكر أنه قال لي "أنا جد مبتهج أن حلم الثعالبي ومحمد علي الحامي وصالح بن يوسف، وفرحات حشاد قد تحقق" ثم أضاف ملخصا فكرته "لقد انتصرت الجماهير"
لم تكن العروبة عند أبي حازم “مجرد هوية يتمسك بأهدابها، كما لم تكن القومية العربية بالنسبة إليه مجرد فكرة نهضوية يطمح إلى تجسيدها في حقيقة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، بل كانت العروبة بالنسبة إليه حياة عاشها متنقلاً بين مشرق الأمّة ومغربها يحمل رايتها رافضاً الحواجز المصطنعة بين أقطارها”
لقد أمضى "الشابي" سنوات شبابه بين السجون والمنافي، ومع ذلك تحدث في كل كتاباته عن المستقبل بل أن نصوصه وكتبه تميّزت بالحديث عن الاستراتيجيات والدراسات المستقبلية…
تعددت محطات مسيرة الشابي بعد خروجه من السجن سنة 1972 حيث توجّه إلى بغداد متسللاً إليها عبر الجزائر، وفي العراق مارس مسؤولياته كعضو منتخب في القيادة القومية للحزب حيث تم انتخابه وهو في السجن، ثم غادر سنة 1975 وأقام في باريس ونال الدكتوراه في العلوم السياسية، وبقي هناك بعد أن أسس منظمة "الديمقراطيين التونسيين" وأصدر باسمها نشرية "الحرية"، ثم عاد إلى تونس عام 1988، وعمل محاميا بعد أن رفض ان يكون سفيرا لدى المخلوع بل ورفض أن يكون من مؤسسي حزب على المقاس، واتجه عمليا للبحث عن آليات فكرية وسياسية لنهوض الأمّة العربية…
في بداية التسعينات أبرز "الشابي" المفكر العلاقة الخاصة، الفكرية والاستراتيجية بين العروبة والإسلام، بعد أن أكّد في الستينات على البعد الوحدوي والطبقي للثورة العربية، فكان بذلك يسهم في إطلاق فكرة التلازم بين العروبة والإسلام، بين الوحدة والنهضة، بين العدل الاجتماعي والتنمية والديمقراطية، كما ساهم في تهيئة الأجواء لما عُرف بالمشروع النهضوي العربي وعناصره الست، وأطره الجامعة في المؤتمر القومي العربي (1990)، وفي المؤتمر القومي – الإسلامي (1994) وقد كان من أبرز المؤسسين لهما...
قاد بعد ذلك "مؤسسة القدس الدولية" وهو ما دل على عمق التزامه في فلسطين وعمله لإنقاذ مقدساتها، كما شارك في كل الأنشطة العربية والدولية لمناصرة العراق، متوقعاً كل المخاطر التي واجهها العراقيون…
كان الشابي كما وصفه أحد رفاقه "عفيفاً، نزيهاً، كريماً، مؤمناً، شفافاً، صادقاً ينتزع احترام كل من عرفه، وكان لطيف المعشر، وفياً، صدوقاً، قريباً إلى القلب بصدقه، وإلى العقل بذكائه، وإلى الروح بصفائه، وكان سيفاً على أي خلل في السلوك، وعاصفة ساحقة ماحقة على كل ما يعتبره تحايلاً أو تزاكياً أو تشاطرا" (الوصف لرفيقه "معن بشور" من مقال له تحت عنوان "محمد المسعود الشابي حين تكون العروبة حياة نعيشها "-موقع "التجديد العربي" بتاريخ 05-12-2012)
كان الشابي كما عرفته ونحن نستعرض الوضع العربي بشكل دوري بين سنتي 2002 و 2010، ثاقب النظرة، واضح الرؤية، علمي التحليل، استراتيجي الاهتمام حيث أنشا من ماله الخاص “صفحات” و”مواقع” تهتم بالاستراتيجية العربية، وفي الأيام الأخيرة وقد قلَت زياراتي له، بدأ لي جد قلق من الوضع العربي كما كان قلقا على الثورة التونسية من أخطاء أبنائها ومن ترصد خصومها حيث أكد لي أن "قدرتهم على استغلال الثغرات في أدائها"، وهو ما حصل بالفعل بعد وفاته ونرى نتائجه…
ويمكن القول إن “محمد المسعود الشابي وأمثاله، هم الذين أمضوا عمرهم يحرقون ذواتهم لكي تصل نارهم إلى هشيم الثورة"، وأنه يعتبر من بين المفكرين التونسيين القلائل، كما أنه من بين الذين غيبوا إعلاميا لاعتبارات سياسية وفكرية متعددة…
(*) كاتب ومحلل سياسي
بقلم:علي اللافي (*)
في 2 ديسمبر 2012 رحل المفكر التونسي محمد المسعود الشابي مترجلا، وهو الذي غُيَب حيا وميتا من طرف كهنة المعبد الثقافي والفكري والإعلامي التونسي، وقد عاش "الشابي" أكثر من 75 سنة بين توزر والعاصمة وسوريا والعراق وباريس وبيروت ليكمل المشوار خلال السنوات الأخيرة في شقة صغيرة في "حي بومهل" (الضاحية الجنوبية للعاصمة)
عاش الشابي مناضلا ليشهد ثورة الكرامة والحرية قبل وفاته، وفي أول لقاء لي به بعد الثورة قال لي وهو يستضيفني مع عائلتي في أحد المطاعم "لقد انتصر الشعب على جلاديه وعلى المستبدين"، وتحدث يومها بإسهاب عن المؤتمر السابع لحزب البعث في دمشق والذي حضره، وشرح لنا أنه ردد في تدخله في اشغال المؤتمر نفس الكلمات "ستنتصر الشعوب العربية على جلاديها..."
لقد ناضل "الشابي" ولم تتمكن كل المعتقلات وأدوات التعذيب أن تطفأ أحلامه في الحرية وأذكر أنه قال لي "أنا جد مبتهج أن حلم الثعالبي ومحمد علي الحامي وصالح بن يوسف، وفرحات حشاد قد تحقق" ثم أضاف ملخصا فكرته "لقد انتصرت الجماهير"
لم تكن العروبة عند أبي حازم “مجرد هوية يتمسك بأهدابها، كما لم تكن القومية العربية بالنسبة إليه مجرد فكرة نهضوية يطمح إلى تجسيدها في حقيقة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، بل كانت العروبة بالنسبة إليه حياة عاشها متنقلاً بين مشرق الأمّة ومغربها يحمل رايتها رافضاً الحواجز المصطنعة بين أقطارها”
لقد أمضى "الشابي" سنوات شبابه بين السجون والمنافي، ومع ذلك تحدث في كل كتاباته عن المستقبل بل أن نصوصه وكتبه تميّزت بالحديث عن الاستراتيجيات والدراسات المستقبلية…
تعددت محطات مسيرة الشابي بعد خروجه من السجن سنة 1972 حيث توجّه إلى بغداد متسللاً إليها عبر الجزائر، وفي العراق مارس مسؤولياته كعضو منتخب في القيادة القومية للحزب حيث تم انتخابه وهو في السجن، ثم غادر سنة 1975 وأقام في باريس ونال الدكتوراه في العلوم السياسية، وبقي هناك بعد أن أسس منظمة "الديمقراطيين التونسيين" وأصدر باسمها نشرية "الحرية"، ثم عاد إلى تونس عام 1988، وعمل محاميا بعد أن رفض ان يكون سفيرا لدى المخلوع بل ورفض أن يكون من مؤسسي حزب على المقاس، واتجه عمليا للبحث عن آليات فكرية وسياسية لنهوض الأمّة العربية…
في بداية التسعينات أبرز "الشابي" المفكر العلاقة الخاصة، الفكرية والاستراتيجية بين العروبة والإسلام، بعد أن أكّد في الستينات على البعد الوحدوي والطبقي للثورة العربية، فكان بذلك يسهم في إطلاق فكرة التلازم بين العروبة والإسلام، بين الوحدة والنهضة، بين العدل الاجتماعي والتنمية والديمقراطية، كما ساهم في تهيئة الأجواء لما عُرف بالمشروع النهضوي العربي وعناصره الست، وأطره الجامعة في المؤتمر القومي العربي (1990)، وفي المؤتمر القومي – الإسلامي (1994) وقد كان من أبرز المؤسسين لهما...
قاد بعد ذلك "مؤسسة القدس الدولية" وهو ما دل على عمق التزامه في فلسطين وعمله لإنقاذ مقدساتها، كما شارك في كل الأنشطة العربية والدولية لمناصرة العراق، متوقعاً كل المخاطر التي واجهها العراقيون…
كان الشابي كما وصفه أحد رفاقه "عفيفاً، نزيهاً، كريماً، مؤمناً، شفافاً، صادقاً ينتزع احترام كل من عرفه، وكان لطيف المعشر، وفياً، صدوقاً، قريباً إلى القلب بصدقه، وإلى العقل بذكائه، وإلى الروح بصفائه، وكان سيفاً على أي خلل في السلوك، وعاصفة ساحقة ماحقة على كل ما يعتبره تحايلاً أو تزاكياً أو تشاطرا" (الوصف لرفيقه "معن بشور" من مقال له تحت عنوان "محمد المسعود الشابي حين تكون العروبة حياة نعيشها "-موقع "التجديد العربي" بتاريخ 05-12-2012)
كان الشابي كما عرفته ونحن نستعرض الوضع العربي بشكل دوري بين سنتي 2002 و 2010، ثاقب النظرة، واضح الرؤية، علمي التحليل، استراتيجي الاهتمام حيث أنشا من ماله الخاص “صفحات” و”مواقع” تهتم بالاستراتيجية العربية، وفي الأيام الأخيرة وقد قلَت زياراتي له، بدأ لي جد قلق من الوضع العربي كما كان قلقا على الثورة التونسية من أخطاء أبنائها ومن ترصد خصومها حيث أكد لي أن "قدرتهم على استغلال الثغرات في أدائها"، وهو ما حصل بالفعل بعد وفاته ونرى نتائجه…
ويمكن القول إن “محمد المسعود الشابي وأمثاله، هم الذين أمضوا عمرهم يحرقون ذواتهم لكي تصل نارهم إلى هشيم الثورة"، وأنه يعتبر من بين المفكرين التونسيين القلائل، كما أنه من بين الذين غيبوا إعلاميا لاعتبارات سياسية وفكرية متعددة…