تحتاج الإنسانية اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى وثبة عالية من أصحاب الضمائر الحيّة والعقول الراجحة في سبيل قيادة شعوبهم على دروب السلام. وليس أقدر على أداء هذه الرسالة من النُخبتين العلمية والدينية وكذلك الجمعياتية، باعتبار أنّ غالبية النُخب السياسية قد أفسدها الدهر على حدّ العبارة الرائجة في تراثنا العربي.
ولا شك في أنّ السلام المنشود هو السلام الدائم والعادل الذي يتطلب رؤية موحدة له، بخلاف تلك الرؤية الرائجة التي تُظهر خلاف ما تُبطن لأنها ماكرة، تستبطن تلاعبا بالعقول في سبيل تغليب شعب على آخر أو دولة على أخرى أو فئة اجتماعية أو مهنية أو دينية على أخرى.
نحو رؤية صادقة وموحدة لمفهوم السلام
ومثل هذه الرؤية الصادقة للسلام هي تلك التي ما انفكّ يؤسس لها عقلاء عالمنا الراهن من مختلف الأديان والأعراق والحضارات، الأمر الذي عايشناه مؤخرا في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث انعقدت منذ أيام الدورة التاسعة لمؤتمر منتدى أبو ظبي للسلم تحت إشراف وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وبمشاركة 30 منظمة إقليمية ودولية و500 شخصية جامعية ودينية وثقافية وإعلامية جمعها الحلم بالتأسيس لعالم أفضل تسوده قيم والتعايش السلمي بين الأديان والحضارات والأمم والأفراد.
هذا المؤتمر الذي سهر على تنظيمه المفكر العربي الكبير عبد الله بن بيّة (92 سنة) دارت فقرات برنامجه من ندوات وورشات ومعرض دولي حول قضية "عولمة الحرب وعالمية السلام". ومثّل منبرا عالميا لتُعبّر فيه النخبة المفكرة، الممثلة لمختلف القارات عن مواقفها ممّا يجري في عالمنا الراهن الذي يشهد أزمة اقتصادية دولية خانقة، وحربا متعددة الأطراف في شرق أوروبا، وانتشار الأوبئة، ولرفع صوتها عاليا في وجه التعصّب الديني والتطرّف العنيف بكل أشكاله العقائدية والسياسية والثقافية.
وقد ساهم في إنجاح هذا المؤتمر عدد من قادة الفكر الصاعدين في الوطن العربي على اختلاف بلدانهم، من قبيل الدكتور المحجوب ولد بيه والدكتور خليفة الظاهري والدكتور يوسف بن عبد الله حميتو والدكتور محمد علي إسلم والدكتور فضل هديه والأستاذين يونس الهذيبي ومحمد النجاشي. هذا التنوّع متعدّد المشارب والاختصاصات هو الكفيل بخلق نسيج وجداني وفكري للسلام الذي ينبغي أن تُحلق رايته الخفّاقة فوق جميع القارات بلا استثناء أو إقصاء.
فرسان الحوار العالمي ومشاريعهم الفكرية
أن يكون المثقف العربي اليوم عضويا بالمفهوم الغرامشي الذي يفيد بناء نظامين ثقافي وقانوني جديدين، أو ملتزما بالمعنى السارتري الذي يعبر عن خيارات حرة ينتصر فيها للحق، أو مثقفا متخصصا بالمعنى الفوكوي الذي يحلل واقعه وينقده، أو كونيا بالمفهوم المرلوبنتي، فإنّه ينبغي أن يظل صامدا تحت راية قيم ومبادئ ينتصر لها ليس لتكريس الواقع وإنّما لتغييره بشكل مستمر نحو الأفضل والأرقى والأعدل، وهذا ما لا يمكن الوقوف عليه بمجرد كتابة مقالات أو تأليف كتاب وإنّما بواسطة التحلي بوضوح الرؤية والصبر والثبات في استكمال أركان مشروع قابل للتحقّق على أرض الواقع، سواء من خلال انتشار أفكاره لدى فئة أو فئات معيّنة أو من خلال امتلاك القدرة على تطبيقه وطنيا وإقليميا ودوليا.
وقد تعدّدت المشاريع الفكرية البارزة في العالم العربي من أمثال مشاريع محمد جابر العابدي وعبد الله العروي وحسن حنفي وجابر عصفور والطيب التيزيني ومحمد أركون ومحمد الطالبي وعبد المجيد الشرفي، لكن لئن كان جميعها يرمي إلى النهوض العقلي بالإنسان العربي والمسلم فإنّ ما يعنينا في هذا الصدد هي تلك المشاريع الفكرية ذات البُعد الكوني التي بقدر ما تفكّر في العرب والمسلمين وسُبل الارتقاء بمواردهم البشرية والتمكين لهم في عالم متلاطم الأفكار والمصالح فإنّها تحاول إيجاد موقع آمن لهم تحت المظلة الأممية وكذلك في سياق نظام عالمي شرس وجارف.
وفي هذا المعنى ننزّل مشاريع كل من مالك بن نبي الجزائري (التعاون الحضاري) ومهدي المنجرة المغربي (السلم الحضارية في مقابل الحروب الحضاراتية) وعبد الله بن بيه الموريتاني (الترابط الحضاري)، وهُم أصحاب أطروحات عالمية في مجال التعايش السلمي بين أتباع الحضارات، تتكامل مع أطروحة حوار الحضارات لروجي غارودي، وتتصدى لأطروحة صراع الحضارات لصمويل هنتغتون وكذلك لأطروحة نهاية التاريخ والإنسان الأخير لتلميذه فرانسيس فوكوياما.
في أهمية الاستئناس بالتجارب العربية الناجحة
ولا شكّ في أنّ السلطات الحاكمة في عصرنا هذا لا سيما في الوطن العربي مدعوة اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى أن تحمل مشروعا حضاريا قطريا وآخر عالمي النزعة حتى تكون متجذّرة في واقعها، عاملة وسع جهدها على المشاركة في النهوض به بما يؤدي في الأخير إلى إرساء حالة من الازدهار والسلام، وهي رسالة أوجهها من جامعي تونسي إلى وزيرة الشؤون الثقافية وإلى وزير الشؤون الخارجية في تونس حتى يعيان بأنّ المسؤوليات الوطنية لا تقتصر على إدارة الأعمال اليومية لهياكلهما الوزارية وإنّما تتخطاه إلى الانخراط في المشاريع الذكية للسلام التي تخدم البشرية وتؤسّس للتعايش السلمي وقيمه وثقافته، وهو الرهان الذي لا يرجع في كل الأحوال إلا بكل خير على أمن بلادنا وسياحتنا وصورتها الناصعة دوليا.
*أستاذ جامعي
بقلم: الدكتور الصحبي بن منصور(*)
تحتاج الإنسانية اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى وثبة عالية من أصحاب الضمائر الحيّة والعقول الراجحة في سبيل قيادة شعوبهم على دروب السلام. وليس أقدر على أداء هذه الرسالة من النُخبتين العلمية والدينية وكذلك الجمعياتية، باعتبار أنّ غالبية النُخب السياسية قد أفسدها الدهر على حدّ العبارة الرائجة في تراثنا العربي.
ولا شك في أنّ السلام المنشود هو السلام الدائم والعادل الذي يتطلب رؤية موحدة له، بخلاف تلك الرؤية الرائجة التي تُظهر خلاف ما تُبطن لأنها ماكرة، تستبطن تلاعبا بالعقول في سبيل تغليب شعب على آخر أو دولة على أخرى أو فئة اجتماعية أو مهنية أو دينية على أخرى.
نحو رؤية صادقة وموحدة لمفهوم السلام
ومثل هذه الرؤية الصادقة للسلام هي تلك التي ما انفكّ يؤسس لها عقلاء عالمنا الراهن من مختلف الأديان والأعراق والحضارات، الأمر الذي عايشناه مؤخرا في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث انعقدت منذ أيام الدورة التاسعة لمؤتمر منتدى أبو ظبي للسلم تحت إشراف وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وبمشاركة 30 منظمة إقليمية ودولية و500 شخصية جامعية ودينية وثقافية وإعلامية جمعها الحلم بالتأسيس لعالم أفضل تسوده قيم والتعايش السلمي بين الأديان والحضارات والأمم والأفراد.
هذا المؤتمر الذي سهر على تنظيمه المفكر العربي الكبير عبد الله بن بيّة (92 سنة) دارت فقرات برنامجه من ندوات وورشات ومعرض دولي حول قضية "عولمة الحرب وعالمية السلام". ومثّل منبرا عالميا لتُعبّر فيه النخبة المفكرة، الممثلة لمختلف القارات عن مواقفها ممّا يجري في عالمنا الراهن الذي يشهد أزمة اقتصادية دولية خانقة، وحربا متعددة الأطراف في شرق أوروبا، وانتشار الأوبئة، ولرفع صوتها عاليا في وجه التعصّب الديني والتطرّف العنيف بكل أشكاله العقائدية والسياسية والثقافية.
وقد ساهم في إنجاح هذا المؤتمر عدد من قادة الفكر الصاعدين في الوطن العربي على اختلاف بلدانهم، من قبيل الدكتور المحجوب ولد بيه والدكتور خليفة الظاهري والدكتور يوسف بن عبد الله حميتو والدكتور محمد علي إسلم والدكتور فضل هديه والأستاذين يونس الهذيبي ومحمد النجاشي. هذا التنوّع متعدّد المشارب والاختصاصات هو الكفيل بخلق نسيج وجداني وفكري للسلام الذي ينبغي أن تُحلق رايته الخفّاقة فوق جميع القارات بلا استثناء أو إقصاء.
فرسان الحوار العالمي ومشاريعهم الفكرية
أن يكون المثقف العربي اليوم عضويا بالمفهوم الغرامشي الذي يفيد بناء نظامين ثقافي وقانوني جديدين، أو ملتزما بالمعنى السارتري الذي يعبر عن خيارات حرة ينتصر فيها للحق، أو مثقفا متخصصا بالمعنى الفوكوي الذي يحلل واقعه وينقده، أو كونيا بالمفهوم المرلوبنتي، فإنّه ينبغي أن يظل صامدا تحت راية قيم ومبادئ ينتصر لها ليس لتكريس الواقع وإنّما لتغييره بشكل مستمر نحو الأفضل والأرقى والأعدل، وهذا ما لا يمكن الوقوف عليه بمجرد كتابة مقالات أو تأليف كتاب وإنّما بواسطة التحلي بوضوح الرؤية والصبر والثبات في استكمال أركان مشروع قابل للتحقّق على أرض الواقع، سواء من خلال انتشار أفكاره لدى فئة أو فئات معيّنة أو من خلال امتلاك القدرة على تطبيقه وطنيا وإقليميا ودوليا.
وقد تعدّدت المشاريع الفكرية البارزة في العالم العربي من أمثال مشاريع محمد جابر العابدي وعبد الله العروي وحسن حنفي وجابر عصفور والطيب التيزيني ومحمد أركون ومحمد الطالبي وعبد المجيد الشرفي، لكن لئن كان جميعها يرمي إلى النهوض العقلي بالإنسان العربي والمسلم فإنّ ما يعنينا في هذا الصدد هي تلك المشاريع الفكرية ذات البُعد الكوني التي بقدر ما تفكّر في العرب والمسلمين وسُبل الارتقاء بمواردهم البشرية والتمكين لهم في عالم متلاطم الأفكار والمصالح فإنّها تحاول إيجاد موقع آمن لهم تحت المظلة الأممية وكذلك في سياق نظام عالمي شرس وجارف.
وفي هذا المعنى ننزّل مشاريع كل من مالك بن نبي الجزائري (التعاون الحضاري) ومهدي المنجرة المغربي (السلم الحضارية في مقابل الحروب الحضاراتية) وعبد الله بن بيه الموريتاني (الترابط الحضاري)، وهُم أصحاب أطروحات عالمية في مجال التعايش السلمي بين أتباع الحضارات، تتكامل مع أطروحة حوار الحضارات لروجي غارودي، وتتصدى لأطروحة صراع الحضارات لصمويل هنتغتون وكذلك لأطروحة نهاية التاريخ والإنسان الأخير لتلميذه فرانسيس فوكوياما.
في أهمية الاستئناس بالتجارب العربية الناجحة
ولا شكّ في أنّ السلطات الحاكمة في عصرنا هذا لا سيما في الوطن العربي مدعوة اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى أن تحمل مشروعا حضاريا قطريا وآخر عالمي النزعة حتى تكون متجذّرة في واقعها، عاملة وسع جهدها على المشاركة في النهوض به بما يؤدي في الأخير إلى إرساء حالة من الازدهار والسلام، وهي رسالة أوجهها من جامعي تونسي إلى وزيرة الشؤون الثقافية وإلى وزير الشؤون الخارجية في تونس حتى يعيان بأنّ المسؤوليات الوطنية لا تقتصر على إدارة الأعمال اليومية لهياكلهما الوزارية وإنّما تتخطاه إلى الانخراط في المشاريع الذكية للسلام التي تخدم البشرية وتؤسّس للتعايش السلمي وقيمه وثقافته، وهو الرهان الذي لا يرجع في كل الأحوال إلا بكل خير على أمن بلادنا وسياحتنا وصورتها الناصعة دوليا.