إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تراجع الإقبال على شعبة الرياضيات.. وزارة التربية تسعى لمقاربات جديدة حتى لا تنقرض شعبة «العباقرة»

راهنت الدولة الوطنية منذ الاستقلال على العقول واعتبرت ذلك مدخلًا للتقدّم بالمجتمع وتطويره وتحقيق الرُقي والتحضّر، وكانت الإرادة السياسية حاضرة لبناء منظومة تربوية متينة ومتماسكة تجاوزت التعليم الديني إلى تركيز نظام تعليم عصري يستجيب لحاجيات بناء الدولة.

وداخل رهان التعليم والعمل على محو الأمية وتحقيق عدالة تربوية بين كل الجهات، حتى في المناطق المهمّشة والفقيرة، كانت هناك رهانات فرعية، ومنها تركيز منظومة تربوية مرنة وذكية تقوم على مسارات ذات توجّه علمي مثل شعب العلوم التقنية، والعلوم التجريبية، وعلوم الرياضيات، التي تبقى ملكة الشعب وصانعة العباقرة، والتي تستقطب نخبة التلاميذ. المنتمون إليها يحوزون أهم الاختصاصات بالجامعة التونسية، ويقودون لاحقًا قاطرة الاختصاصات الصعبة في مجالات دقيقة تهم الهندسة والتكنولوجيا والاقتصاد والطب والتقنية والاختصاصات السيبرنية والرقمنة الشاملة والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة التي أصبحت تتحكّم في العالم.

إلا أن ما تشهده هذه الشعبة من تراجع على مستوى الإقبال عليها في الباكالوريا يبدو مثيرًا للقلق، حيث من سنة إلى أخرى يتراجع عدد تلاميذ هذه الشعبة، ولو بشكل طفيف، كما حدث هذه السنة، حيث يُتوقع أن يجتاز اختبار باكالوريا الرياضيات حوالي 8220 تلميذًا، بتراجع طفيف عن السنة الماضية، التي تصدرت فيها شعبة الرياضيات نتائج الدورة الرئيسية لمناظرة الباكالوريا لسنة 2025، حيث سجلت أعلى نسبة نجاح وطنية بلغت 74.93 بالمائة.

وتراجع الإقبال عن شعبة الباكالوريا وغياب هذا الاختصاص من عدة معاهد بسبب نقص عدد التلاميذ المتوجهين إلى الشعبة أو نقص الإطار التربوي، مسألة تدعو إلى التفكير وإيجاد الحلول، خاصة مع وجود اليوم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الذي من دوره إبداء الرأي في كل السياسات العمومية والقضايا ذات الطابع الوطني التي تهم ميادين التربية والتكوين والبحث العلمي.

تميّز تونسي في الرياضيات

على مدى عقود، تميّز تونسيون في شعبة الرياضيات وبلغ صيتهم العالم، وساهموا في إشعاع الوطن في المحافل الدولية، ففي «الرياضيات التطبيقية والتحليل التوافقي» بجامعة صفاقس، وبفضل البروفيسور علي البقلوطي، عضو الأكاديمية التونسية للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة ورئيس مخبر البحث، حصلت تونس لأول مرة في تاريخها على جائزة «فايزر»، الجائزة العلمية المرموقة التي يتنافس عليها سنويًا باحثون يقدمون مساهمات مبتكرة في مجالات أبحاثهم.

ويُعتبر هذا التتويج تأكيدًا لقيمة البحث العلمي في مجال الرياضيات. وجائزة «فايزر» تعتبر من الجوائز العلمية المرموقة، وهي جائزة عريقة تُمنح للبحوث المتفوقة دوليًا في مادة الرياضيات منذ 1660، وقد مرّ بها أغلب العلماء والعباقرة في الرياضيات، ومنهم نيوتن. ويُذكر أن شروط الجائزة أن يقضي الباحث 15 عامًا من البحث في بيئته المحلية، وأن يقدم ورقات علمية ذات إشعاع محلي ودولي في ذات الوقت.

إلى جانب تألّق البروفيسور علي البقلوطي، حصل أيضًا البروفيسور إحسان اليانقي على جائزة أفضل باحث في الرياضيات على مستوى القارة الإفريقية والعالم العربي لعام 2024. كما حقق تلاميذ تونسيون تألقًا بارزًا في مسابقات الرياضيات الدولية والحساب الذهني لعامي 2025 و2026، حيث توجت آمنة الشريف بذهبية البطولة الدولية الأولى لألعاب الرياضيات، وفاز أحمد العيادي بالمرتبة الأولى عالميًا في الحساب الذهني بتايوان.

عزوف التلاميذ

عزوف التلاميذ وتراجع عدد الموجهين لشعب الرياضيات في السنوات الأخيرة بات يثير القلق والاستغراب، خاصة أن هذه الشعبة عُرفت دائمًا بتميّزها، وكانت تتصدّر نسب النجاح في أغلب دورات الباكالوريا، ومنها الدورة الأخيرة، حيث تصدّرت شعبة الرياضيات نتائج الدورة الرئيسية. كما أن في السنوات الأخيرة حصلت شخصيات وطنية على تتويجات دولية معتبرة في مادة الرياضيات، مثل البروفيسور إحسان اليانقي والبروفيسور علي البقلوطي، وهما باحثان لامعان دوليًا في الرياضيات.

وفي ماي الماضي، أكّد المستشار العام في الإعلام والتوجيه المنصف الخميري أن نتائج الدراسة التي قامت بها كل من وزارتي التربية والتعليم العالي بالشراكة مع المعهد الفرنسي بتونس حول عزوف التلاميذ في تونس عن الشعب العلمية، وخاصة شعبة الرياضيات، بيّنت أن نسبة التلاميذ الموجهين سنويًا إلى هذه الشعبة قد تضاءلت، حيث تراجعت نسبة المقبلين على هذه الشعبة من 20 بالمائة قبل نحو 25 سنة إلى 6 بالمائة في السنوات الأخيرة.

كما بيّنت الدراسة أن أهم أسباب العزوف هو ضعف المكتسبات الأساسية للتلميذ التونسي في المرحلة الابتدائية، وهو ما أكّده أيضًا تقرير «اليونيسف» لسنة 2021، حيث أثبت التقرير أن 74 بالمائة من التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و14 سنة يعانون من ضعف فادح في مادة الحساب، و34 بالمائة يعانون من نقص فادح في القراءة والكتابة. كما أن نسبة التوجّه إلى شعبة الرياضيات تخفي الاختلال الحاصل في بعض الجهات التي تتذيّل الترتيب الوطني في نتائج الباكالوريا.

ولمعالجة هذا العزوف وهذا الاختلال، اتفق المشرفون على إعداد دراسة ترى أنه لابد من مقاربة جديدة ليكون أغلب المُوجّهين للمدرسة العليا لتكوين المعلّمين من خريجي الشعب العلمية، لمعالجة الضعف الفادح في التحصيل بالنسبة للمرحلة الابتدائية، حيث من غير المنطقي الاعتماد على معلمين يعانون من ضعف في مادة الحساب لتدريس هذه المادة في المرحلة الابتدائية. بالإضافة إلى ضرورة تغيير منوال تكوين المدرسين والتقليص أكثر ما يمكن من التوجيه نحو الشعب الأدبية والاقتصاد والتصرّف، خاصة وأن شعبة أساسية كشعبة الرياضيات باتت مهدّدة بالانقراض، رغم ما توفره هذه الشعبة من عروض تكوين في التعليم العالي عالية المردودية والجودة.

وقد أكّد المستشار العام في الإعلام والتوجيه المنصف الخميري خلال الندوة الصحفية التي عقدتها وزارة التربية في ماي الماضي، لتسليط الضوء على أسباب العزوف عن شعبة الرياضيات المؤهلة لفتح آفاق أكاديمية مهمة وطنية ودوليًا، أنه تم قبول حوالي ألف تلميذ من المتفوقين في الرياضيات في مدارس ومعاهد عليا، مثل معهد «باستور» بمدينة مرسيليا وبعض الجامعات الألمانية والفرنسية، إضافة إلى مؤسسات التميز في تونس، مثل الأقسام التحضيرية في اختصاصات الهندسة المختلفة. ومع ذلك، لا يتوفّر العدد الكافي من تلاميذ شعبة الرياضيات لتغطية حاجيات بقية المؤسسات الجامعية التي تحتاج هذا النوع من الشعب الدراسية، وخاصة في اختصاصات التصرّف والعلوم الأساسية والتكنولوجيا.

وهذا العزوف بسبب عدم توفّر المهارات الأساسية للتوجّه إلى الشعب العلمية، كما أنتج اختلالًا داخل المنظومة التربوية، ساهم أيضًا في اختلال التوازن بين نوعية الخرّيجين وحاجيات السوق التونسية من الكفاءات المختصّة، بما يفرض اليوم التفكير في سياسة وطنية شاملة تقلّص التوجيه المفرط نحو شعب الآداب والاقتصاد مقابل عزوف شديد عن الشعب العلمية، إلى جانب وجود تفاوت كبير بين الجهات.

وفي ندوة نظمها المعهد العربي لحقوق الإنسان في جانفي الماضي، بالشراكة مع المعهد العربي لرؤساء المؤسسات وبدعم من «وكالة خبراء فرنسا» للتعاون التقني الدولي، حول «التعليم في تونس اليوم: الرهانات الاجتماعية، التحديات الاقتصادية، وآفاق التنمية المستدامة»، تم التأكيد على أن إصلاح التعليم ليس مسألة تقنية أو قطاعية، بل خيار مجتمعي حضاري يقتضي إرادة سياسية وحوكمة رشيدة، وشراكة فعلية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، من أجل ضمان الحق في تعليم ذي جودة.

وأنه لا بدّ من الانتقال من تعليم موجه للوظيفة إلى تعليم يهدف إلى خلق القيمة والثروة، ويعيد تعريف غاية التعليم باعتباره رافعة للتحرر الفردي والتنمية الاقتصادية العادلة والتماسك الاجتماعي.

منية العرفاوي

تراجع الإقبال على شعبة الرياضيات..   وزارة التربية تسعى لمقاربات جديدة حتى لا تنقرض شعبة «العباقرة»

راهنت الدولة الوطنية منذ الاستقلال على العقول واعتبرت ذلك مدخلًا للتقدّم بالمجتمع وتطويره وتحقيق الرُقي والتحضّر، وكانت الإرادة السياسية حاضرة لبناء منظومة تربوية متينة ومتماسكة تجاوزت التعليم الديني إلى تركيز نظام تعليم عصري يستجيب لحاجيات بناء الدولة.

وداخل رهان التعليم والعمل على محو الأمية وتحقيق عدالة تربوية بين كل الجهات، حتى في المناطق المهمّشة والفقيرة، كانت هناك رهانات فرعية، ومنها تركيز منظومة تربوية مرنة وذكية تقوم على مسارات ذات توجّه علمي مثل شعب العلوم التقنية، والعلوم التجريبية، وعلوم الرياضيات، التي تبقى ملكة الشعب وصانعة العباقرة، والتي تستقطب نخبة التلاميذ. المنتمون إليها يحوزون أهم الاختصاصات بالجامعة التونسية، ويقودون لاحقًا قاطرة الاختصاصات الصعبة في مجالات دقيقة تهم الهندسة والتكنولوجيا والاقتصاد والطب والتقنية والاختصاصات السيبرنية والرقمنة الشاملة والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة التي أصبحت تتحكّم في العالم.

إلا أن ما تشهده هذه الشعبة من تراجع على مستوى الإقبال عليها في الباكالوريا يبدو مثيرًا للقلق، حيث من سنة إلى أخرى يتراجع عدد تلاميذ هذه الشعبة، ولو بشكل طفيف، كما حدث هذه السنة، حيث يُتوقع أن يجتاز اختبار باكالوريا الرياضيات حوالي 8220 تلميذًا، بتراجع طفيف عن السنة الماضية، التي تصدرت فيها شعبة الرياضيات نتائج الدورة الرئيسية لمناظرة الباكالوريا لسنة 2025، حيث سجلت أعلى نسبة نجاح وطنية بلغت 74.93 بالمائة.

وتراجع الإقبال عن شعبة الباكالوريا وغياب هذا الاختصاص من عدة معاهد بسبب نقص عدد التلاميذ المتوجهين إلى الشعبة أو نقص الإطار التربوي، مسألة تدعو إلى التفكير وإيجاد الحلول، خاصة مع وجود اليوم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الذي من دوره إبداء الرأي في كل السياسات العمومية والقضايا ذات الطابع الوطني التي تهم ميادين التربية والتكوين والبحث العلمي.

تميّز تونسي في الرياضيات

على مدى عقود، تميّز تونسيون في شعبة الرياضيات وبلغ صيتهم العالم، وساهموا في إشعاع الوطن في المحافل الدولية، ففي «الرياضيات التطبيقية والتحليل التوافقي» بجامعة صفاقس، وبفضل البروفيسور علي البقلوطي، عضو الأكاديمية التونسية للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة ورئيس مخبر البحث، حصلت تونس لأول مرة في تاريخها على جائزة «فايزر»، الجائزة العلمية المرموقة التي يتنافس عليها سنويًا باحثون يقدمون مساهمات مبتكرة في مجالات أبحاثهم.

ويُعتبر هذا التتويج تأكيدًا لقيمة البحث العلمي في مجال الرياضيات. وجائزة «فايزر» تعتبر من الجوائز العلمية المرموقة، وهي جائزة عريقة تُمنح للبحوث المتفوقة دوليًا في مادة الرياضيات منذ 1660، وقد مرّ بها أغلب العلماء والعباقرة في الرياضيات، ومنهم نيوتن. ويُذكر أن شروط الجائزة أن يقضي الباحث 15 عامًا من البحث في بيئته المحلية، وأن يقدم ورقات علمية ذات إشعاع محلي ودولي في ذات الوقت.

إلى جانب تألّق البروفيسور علي البقلوطي، حصل أيضًا البروفيسور إحسان اليانقي على جائزة أفضل باحث في الرياضيات على مستوى القارة الإفريقية والعالم العربي لعام 2024. كما حقق تلاميذ تونسيون تألقًا بارزًا في مسابقات الرياضيات الدولية والحساب الذهني لعامي 2025 و2026، حيث توجت آمنة الشريف بذهبية البطولة الدولية الأولى لألعاب الرياضيات، وفاز أحمد العيادي بالمرتبة الأولى عالميًا في الحساب الذهني بتايوان.

عزوف التلاميذ

عزوف التلاميذ وتراجع عدد الموجهين لشعب الرياضيات في السنوات الأخيرة بات يثير القلق والاستغراب، خاصة أن هذه الشعبة عُرفت دائمًا بتميّزها، وكانت تتصدّر نسب النجاح في أغلب دورات الباكالوريا، ومنها الدورة الأخيرة، حيث تصدّرت شعبة الرياضيات نتائج الدورة الرئيسية. كما أن في السنوات الأخيرة حصلت شخصيات وطنية على تتويجات دولية معتبرة في مادة الرياضيات، مثل البروفيسور إحسان اليانقي والبروفيسور علي البقلوطي، وهما باحثان لامعان دوليًا في الرياضيات.

وفي ماي الماضي، أكّد المستشار العام في الإعلام والتوجيه المنصف الخميري أن نتائج الدراسة التي قامت بها كل من وزارتي التربية والتعليم العالي بالشراكة مع المعهد الفرنسي بتونس حول عزوف التلاميذ في تونس عن الشعب العلمية، وخاصة شعبة الرياضيات، بيّنت أن نسبة التلاميذ الموجهين سنويًا إلى هذه الشعبة قد تضاءلت، حيث تراجعت نسبة المقبلين على هذه الشعبة من 20 بالمائة قبل نحو 25 سنة إلى 6 بالمائة في السنوات الأخيرة.

كما بيّنت الدراسة أن أهم أسباب العزوف هو ضعف المكتسبات الأساسية للتلميذ التونسي في المرحلة الابتدائية، وهو ما أكّده أيضًا تقرير «اليونيسف» لسنة 2021، حيث أثبت التقرير أن 74 بالمائة من التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و14 سنة يعانون من ضعف فادح في مادة الحساب، و34 بالمائة يعانون من نقص فادح في القراءة والكتابة. كما أن نسبة التوجّه إلى شعبة الرياضيات تخفي الاختلال الحاصل في بعض الجهات التي تتذيّل الترتيب الوطني في نتائج الباكالوريا.

ولمعالجة هذا العزوف وهذا الاختلال، اتفق المشرفون على إعداد دراسة ترى أنه لابد من مقاربة جديدة ليكون أغلب المُوجّهين للمدرسة العليا لتكوين المعلّمين من خريجي الشعب العلمية، لمعالجة الضعف الفادح في التحصيل بالنسبة للمرحلة الابتدائية، حيث من غير المنطقي الاعتماد على معلمين يعانون من ضعف في مادة الحساب لتدريس هذه المادة في المرحلة الابتدائية. بالإضافة إلى ضرورة تغيير منوال تكوين المدرسين والتقليص أكثر ما يمكن من التوجيه نحو الشعب الأدبية والاقتصاد والتصرّف، خاصة وأن شعبة أساسية كشعبة الرياضيات باتت مهدّدة بالانقراض، رغم ما توفره هذه الشعبة من عروض تكوين في التعليم العالي عالية المردودية والجودة.

وقد أكّد المستشار العام في الإعلام والتوجيه المنصف الخميري خلال الندوة الصحفية التي عقدتها وزارة التربية في ماي الماضي، لتسليط الضوء على أسباب العزوف عن شعبة الرياضيات المؤهلة لفتح آفاق أكاديمية مهمة وطنية ودوليًا، أنه تم قبول حوالي ألف تلميذ من المتفوقين في الرياضيات في مدارس ومعاهد عليا، مثل معهد «باستور» بمدينة مرسيليا وبعض الجامعات الألمانية والفرنسية، إضافة إلى مؤسسات التميز في تونس، مثل الأقسام التحضيرية في اختصاصات الهندسة المختلفة. ومع ذلك، لا يتوفّر العدد الكافي من تلاميذ شعبة الرياضيات لتغطية حاجيات بقية المؤسسات الجامعية التي تحتاج هذا النوع من الشعب الدراسية، وخاصة في اختصاصات التصرّف والعلوم الأساسية والتكنولوجيا.

وهذا العزوف بسبب عدم توفّر المهارات الأساسية للتوجّه إلى الشعب العلمية، كما أنتج اختلالًا داخل المنظومة التربوية، ساهم أيضًا في اختلال التوازن بين نوعية الخرّيجين وحاجيات السوق التونسية من الكفاءات المختصّة، بما يفرض اليوم التفكير في سياسة وطنية شاملة تقلّص التوجيه المفرط نحو شعب الآداب والاقتصاد مقابل عزوف شديد عن الشعب العلمية، إلى جانب وجود تفاوت كبير بين الجهات.

وفي ندوة نظمها المعهد العربي لحقوق الإنسان في جانفي الماضي، بالشراكة مع المعهد العربي لرؤساء المؤسسات وبدعم من «وكالة خبراء فرنسا» للتعاون التقني الدولي، حول «التعليم في تونس اليوم: الرهانات الاجتماعية، التحديات الاقتصادية، وآفاق التنمية المستدامة»، تم التأكيد على أن إصلاح التعليم ليس مسألة تقنية أو قطاعية، بل خيار مجتمعي حضاري يقتضي إرادة سياسية وحوكمة رشيدة، وشراكة فعلية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، من أجل ضمان الحق في تعليم ذي جودة.

وأنه لا بدّ من الانتقال من تعليم موجه للوظيفة إلى تعليم يهدف إلى خلق القيمة والثروة، ويعيد تعريف غاية التعليم باعتباره رافعة للتحرر الفردي والتنمية الاقتصادية العادلة والتماسك الاجتماعي.

منية العرفاوي