يُعتبر توقيع كلّ من تونس وليبيا والجزائر، الأربعاء الفارط، على القانون الأساسي لإرساء آلية تشاور دائمة تُعنى بإدارة المياه الجوفية المشتركة في الصحراء الشمالية، خطوة مهمة في الاستثمار في المياه الذي أصبح منذ سنوات مطلبًا عاجلًا لضمان الحد الأدنى للأجيال، لا سيما وأن هذا الاتفاق يضمن إطارًا عمليًا لتنظيم استغلال أحد أكبر احتياطيات المياه الجوفية في العالم.
وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز التنسيق بين الدول الثلاث واعتماد مقاربة جماعية ومستدامة للتصرف في هذه الموارد الحيوية، خاصة في ظل تحديات ندرة المياه والتغيرات المناخية، حيث يشير التقرير الدولي للأمم المتحدة (20 جانفي 2026)، والمستند إلى بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، إلى انخفاض الموارد المائية العالمية بنسبة 20 % منذ 2000، مما يدخل العالم مرحلة «إفلاس مائي».
إدارة مشتركة
وجاء التوقيع خلال الاجتماع الوزاري الثلاثي الذي احتضنته العاصمة الليبية طرابلس، بمشاركة وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ ووزير الموارد المائية الليبي محمد عويدان وممثل عن الجزائر، في إطار دعم التعاون الإقليمي وتعزيز الحوكمة المستدامة للموارد المائية المشتركة.
وأفادت وزارة الفلاحة بأنه تم اعتماد البيان الختامي تحت مسمى «بيان طرابلس»، الذي أكد التزام الدول الثلاث بتعزيز التعاون الفني والعلمي، وتبادل الخبرات والمعطيات، والعمل على تطوير سياسات مندمجة تضمن حسن استغلال الموائد المائية الجوفية وصونها للأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، أكّد وزير الفلاحة عز الدين بالشيخ حرص تونس على مزيد تدعيم الشراكة الإقليمية في مجال إدارة الموارد المائية، بما يخدم أهداف الأمن المائي ويعزز مسارات التنمية المستدامة في المنطقة.
وبموجب التوقيع تم تفعيل “آلية التشاور” التي أُقرت سابقًا في قمة 2024، كهيئة دائمة تعنى بتسيير هذا المورد المشترك، مع إسناد رئاستها الدورية للجزائر لمدة ثلاث سنوات.
وتشير مصادر إعلامية إلى أن مهام هذه الآلية تشمل وضع سياسات مندمجة، وتحديد حصص استغلال لكل دولة، إلى جانب مراقبة مستويات المياه ومخاطر التلوث، بالاعتماد على نماذج رياضية وأنظمة تتبع دقيقة. كما ستعتمد الإدارة المشتركة على مراقبة مستمرة لمخزون المياه الجوفية، بما يضمن تفادي الاستغلال المفرط أو التدهور البيئي، خاصة في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالتغيرات المناخية وارتفاع الطلب على الموارد المائية.
تحديات
في تونس، تطرح جملة من التحديات في علاقة بملف المياه. وتشير الدراسات الأنثروبولوجية إلى تأثر 60 % من صغار الفلاحين في المناطق الداخلية بنقص المياه، حيث يفقدون 30 % من إنتاجيتهم.
ووفق الخبراء، تشمل الإشكاليات الرئيسية لملف المياه السيادة الغذائية، على اعتبار أن القطاع الفلاحي يستهلك 80% من المياه وفق تقرير البنك الدولي لسنة 2024، كما أدت الصناعات الاستخراجية في الحوض المنجمي إلى تلوث 15 % من المياه الجوفية، إلى جانب استنزاف الموارد المائية المرتبط بمعالجة الفسفاط.
وتشترك الدول الثلاث تونس والجزائر وليبيا بتصنيفها ضمن فئة الدول الفقيرة جدًا في الموارد المائية، بالنسبة لعتبة الندرة التي حددها البنك الدولي بألف متر مكعب للفرد في السنة.
بخصوص الاتفاق الموقع، يقول المختص في السياسات المائية حسين الرحيلي إن هذه المائدة المائية الأحفورية المشتركة تقع على أعماق تتجاوز 2000 متر، وتتوزع جغرافيًا بين الدول الثلاث بنسبة تقارب 70 % في الجزائر، و20 % في ليبيا، و10 % في تونس.
مضيفًا في تصريح إعلامي أن «هذه المائدة الجوفية تُقدّر بحوالي 60 ألف مليار متر مكعب، وهي بمثابة نهر تحت الأرض من نوع ‹nappe artésienne›. غير أنه بيّن أن الاستغلال المكثف خلال العقود الماضية، خاصة من قبل الجزائر وليبيا، أثّر على خصائصها الطبيعية، مما أدى إلى تراجع ميزتها التي كانت تقلّص كلفة الضخ. ونبّه الرحيلي إلى مخاطر أخرى، منها ارتفاع نسبة ملوحة المياه التي بلغت في بعض الآبار نحو 28 غرامًا، مؤكّدًا على ضرورة اعتماد تنسيق علمي محكم وتنظيم الاستغلال لضمان استدامة هذا المورد».
وفي تصريح سابق، أشار إبراهيم موحوش، الخبير الدولي في الأمن المائي والغذائي، وأستاذ بالمدرسة الوطنية العليا للزراعة في الجزائر، إلى أن طبقة المياه الجوفية المشتركة يقدر حجمها في الواقع بحوالي 40 إلى 50 ألف مليار متر مكعب من المنسوب الجوفي.
ويعتبر موحوش الاتفاق مهمًا للمستقبل، لا سيما وأن البلدان المعنيّة «تقع في قلب المنطقة الجغرافية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المعروفة بالجفاف والعجز الشديد في المياه، علاوة على ذلك، فإن جميع أراضيها تقريبًا قاحلة وصحراوية. ويعني هذا الوضع أن الموارد المائية المتجددة لا يمكنها تغطية الاحتياجات المائية لهذه الدول، خاصة فيما يتعلق بالقطاع الزراعي الذي يستهلك ما بين 70 إلى 85 % من الإمكانات المائية لها».
◗ م.ي
يُعتبر توقيع كلّ من تونس وليبيا والجزائر، الأربعاء الفارط، على القانون الأساسي لإرساء آلية تشاور دائمة تُعنى بإدارة المياه الجوفية المشتركة في الصحراء الشمالية، خطوة مهمة في الاستثمار في المياه الذي أصبح منذ سنوات مطلبًا عاجلًا لضمان الحد الأدنى للأجيال، لا سيما وأن هذا الاتفاق يضمن إطارًا عمليًا لتنظيم استغلال أحد أكبر احتياطيات المياه الجوفية في العالم.
وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز التنسيق بين الدول الثلاث واعتماد مقاربة جماعية ومستدامة للتصرف في هذه الموارد الحيوية، خاصة في ظل تحديات ندرة المياه والتغيرات المناخية، حيث يشير التقرير الدولي للأمم المتحدة (20 جانفي 2026)، والمستند إلى بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، إلى انخفاض الموارد المائية العالمية بنسبة 20 % منذ 2000، مما يدخل العالم مرحلة «إفلاس مائي».
إدارة مشتركة
وجاء التوقيع خلال الاجتماع الوزاري الثلاثي الذي احتضنته العاصمة الليبية طرابلس، بمشاركة وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ ووزير الموارد المائية الليبي محمد عويدان وممثل عن الجزائر، في إطار دعم التعاون الإقليمي وتعزيز الحوكمة المستدامة للموارد المائية المشتركة.
وأفادت وزارة الفلاحة بأنه تم اعتماد البيان الختامي تحت مسمى «بيان طرابلس»، الذي أكد التزام الدول الثلاث بتعزيز التعاون الفني والعلمي، وتبادل الخبرات والمعطيات، والعمل على تطوير سياسات مندمجة تضمن حسن استغلال الموائد المائية الجوفية وصونها للأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، أكّد وزير الفلاحة عز الدين بالشيخ حرص تونس على مزيد تدعيم الشراكة الإقليمية في مجال إدارة الموارد المائية، بما يخدم أهداف الأمن المائي ويعزز مسارات التنمية المستدامة في المنطقة.
وبموجب التوقيع تم تفعيل “آلية التشاور” التي أُقرت سابقًا في قمة 2024، كهيئة دائمة تعنى بتسيير هذا المورد المشترك، مع إسناد رئاستها الدورية للجزائر لمدة ثلاث سنوات.
وتشير مصادر إعلامية إلى أن مهام هذه الآلية تشمل وضع سياسات مندمجة، وتحديد حصص استغلال لكل دولة، إلى جانب مراقبة مستويات المياه ومخاطر التلوث، بالاعتماد على نماذج رياضية وأنظمة تتبع دقيقة. كما ستعتمد الإدارة المشتركة على مراقبة مستمرة لمخزون المياه الجوفية، بما يضمن تفادي الاستغلال المفرط أو التدهور البيئي، خاصة في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالتغيرات المناخية وارتفاع الطلب على الموارد المائية.
تحديات
في تونس، تطرح جملة من التحديات في علاقة بملف المياه. وتشير الدراسات الأنثروبولوجية إلى تأثر 60 % من صغار الفلاحين في المناطق الداخلية بنقص المياه، حيث يفقدون 30 % من إنتاجيتهم.
ووفق الخبراء، تشمل الإشكاليات الرئيسية لملف المياه السيادة الغذائية، على اعتبار أن القطاع الفلاحي يستهلك 80% من المياه وفق تقرير البنك الدولي لسنة 2024، كما أدت الصناعات الاستخراجية في الحوض المنجمي إلى تلوث 15 % من المياه الجوفية، إلى جانب استنزاف الموارد المائية المرتبط بمعالجة الفسفاط.
وتشترك الدول الثلاث تونس والجزائر وليبيا بتصنيفها ضمن فئة الدول الفقيرة جدًا في الموارد المائية، بالنسبة لعتبة الندرة التي حددها البنك الدولي بألف متر مكعب للفرد في السنة.
بخصوص الاتفاق الموقع، يقول المختص في السياسات المائية حسين الرحيلي إن هذه المائدة المائية الأحفورية المشتركة تقع على أعماق تتجاوز 2000 متر، وتتوزع جغرافيًا بين الدول الثلاث بنسبة تقارب 70 % في الجزائر، و20 % في ليبيا، و10 % في تونس.
مضيفًا في تصريح إعلامي أن «هذه المائدة الجوفية تُقدّر بحوالي 60 ألف مليار متر مكعب، وهي بمثابة نهر تحت الأرض من نوع ‹nappe artésienne›. غير أنه بيّن أن الاستغلال المكثف خلال العقود الماضية، خاصة من قبل الجزائر وليبيا، أثّر على خصائصها الطبيعية، مما أدى إلى تراجع ميزتها التي كانت تقلّص كلفة الضخ. ونبّه الرحيلي إلى مخاطر أخرى، منها ارتفاع نسبة ملوحة المياه التي بلغت في بعض الآبار نحو 28 غرامًا، مؤكّدًا على ضرورة اعتماد تنسيق علمي محكم وتنظيم الاستغلال لضمان استدامة هذا المورد».
وفي تصريح سابق، أشار إبراهيم موحوش، الخبير الدولي في الأمن المائي والغذائي، وأستاذ بالمدرسة الوطنية العليا للزراعة في الجزائر، إلى أن طبقة المياه الجوفية المشتركة يقدر حجمها في الواقع بحوالي 40 إلى 50 ألف مليار متر مكعب من المنسوب الجوفي.
ويعتبر موحوش الاتفاق مهمًا للمستقبل، لا سيما وأن البلدان المعنيّة «تقع في قلب المنطقة الجغرافية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المعروفة بالجفاف والعجز الشديد في المياه، علاوة على ذلك، فإن جميع أراضيها تقريبًا قاحلة وصحراوية. ويعني هذا الوضع أن الموارد المائية المتجددة لا يمكنها تغطية الاحتياجات المائية لهذه الدول، خاصة فيما يتعلق بالقطاع الزراعي الذي يستهلك ما بين 70 إلى 85 % من الإمكانات المائية لها».