اختُتم أول أمس المهرجان الطلابي العلمي والثقافي والرياضي في دورته العشرين بالمعهد العالي لأصول الدين، وذلك تحت شعار «العلامة محمد الحبيب بلخوجة أستاذًا مُلهِمًا وشيخًا مُرشِدًا». وقد استمرّ المهرجان على مدى ثلاثة أيام، تنوّعت خلالها الورشات الثقافية والرياضية والفنية، إلى جانب المحاضرات العلمية والأكاديمية في مختلف المجالات والأيام الدراسية.
وحضر افتتاح هذه الأيام الطلابية مفتي الديار التونسية الشيخ هشام بن محمود، ووزير الشؤون الدينية الأسبق محمد خليل، الذي قدّم مداخلة قيّمة حول سيرة العلامة محمد الحبيب بلخوجة، الذي كان علمه وأثره محور شعار هذه الأيام. كما حضر الافتتاح ممثلون عن بعض البعثات الدبلوماسية، كسفارة فلسطين وسفير سلطنة عُمان.
وتضمّن هذا الملتقى الطلابي جملة من الفعاليات، حيث نظّم قسم الشريعة والقانون يومًا دراسيًا حول «الدرس الفقهي في عصر الذكاء الاصطناعي: من المتاح إلى الممكن». كما نظّم نادي الإمام نافع للقرآن الكريم مسابقة في القراءات حفظًا وأداءً، بإشراف الدكتور محمد بشر وبحضور الشيخ عثمان الأنداري، إلى جانب الأنشطة الفنية ضمن أنشطة نادي التعبيرات الفنية. كما تمّ، على هامش هذه الأيام الطلابية، تنظيم ورشة تكوينية تطبيقية حول «الإعداد الذكي لحملة إشهارية ناجحة»، قدّمها جمال علوي، المشرف على الإنتاج الرقمي بمركز الحساب الخوارزمي.
وقد اختُتمت الأيام الطلابية بتنظيم يوم دراسي حول «الحضارات والأديان بين الحوار والصدام»، تماشيًا مع ما يشهده العالم من صراعات دولية وإقليمية، وتضمّن مداخلات قيّمة أمّنها ثلة من أساتذة المعهد العالي لأصول الدين، والتي ركّزت على مبدأ الحوار كشرط للتعايش الإنساني.
أنشطة متنوعة واحتفاء بالعلامة محمد الحبيب بلخوجة
في تصريح خصّ به «الصباح» حول هذه الأيام الطلابية، قال مدير المعهد العالي لأصول الدين د. عبد القادر النفاتي إن هذه الأيام سنّة جامعية دأب عليها المعهد العالي لأصول الدين، مضيفًا: «مع نهاية كل سنة جامعية نحاول أن ننظّم هذا المهرجان العلمي والطلابي والثقافي، الذي يشتمل على عدة أنشطة علمية وثقافية وورشات تكوينية وأيام دراسية وفكرية ومسابقات ومناظرات وغيرها، والهدف من كل ذلك أن يواكب النشاط الثقافي والعلمي النشاط الأكاديمي الأساسي».
ويضيف النفاتي: «اخترنا هذه السنة أن يكون هذا المهرجان مهتمًا بشخصية وطنية وزيتونية لها قيمتها وباعها الفكري والعلمي، وهي شخصية محمد الحبيب بلخوجة. هذه القامة التي درست وتكوّنت في الزيتونة والصادقية والسوربون، وهذا المزيج العلمي مكّنه من أن يبدع وأن يتقلّد عدة وظائف مهمة في تاريخ بلادنا، لعلّ أهمها أنه شغل منصب مفتي الديار التونسية وعميدًا لكلية الزيتونة، وكان من المساهمين في التأسيس على المستوى الخارجي لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ليبلغ صيته الآفاق، وكانت شهرته كبيرة جدًا، وإنتاجاته غزيرة.
ومن هذا المنطلق اخترنا أن تكون هذه الشخصية منطلقًا لتوجيه أبحاث طلبتنا وعلمائنا وأساتذتنا إلى دراسة هذه الشخصية دراسة بحثية معمّقة يمكن أن نستفيد منها ومن إلهاماتها واجتهاداتها في سياق تطوير البحث العلمي وفي سياق مواجهة الواقع المعيش وتحدياته المختلفة. ولذلك اخترنا الشعار المركزي لهذا المهرجان: محمد الحبيب بلخوجة شيخًا مرشدًا وأستاذًا ملهمًا، لتحفيز الطلبة على الاهتمام بهذه الشخصية».
وفي ذات السياق، أكّد مدير المعهد العالي لأصول الدين أن هذا المهرجان تخلّلته عدة أيام دراسية، حيث اهتم قسم الحضارة الإسلامية بمجال التراث والمخزون المادي وتوجيه الطلبة إلى استكشاف ذلك الثراء. أما بالنسبة إلى قسم الفقه والشريعة والقانون، فقد اهتم بدراسة الدرس الفقهي والذكاء الاصطناعي، في سياق توجيه أنظار الطلبة إلى مجال آخر، من خلال ضرورة الاستفادة من العولمة اليوم ومن الذكاء الاصطناعي ومن منتجات العصر في سياق تطوير الدرس الشرعي عمومًا والفقهي خصوصًا.
وقال عبد القادر النفاتي: «نحاول أن نستفيد اليوم من هذه التكنولوجيات ومن هذه الآليات الجديدة التي ظهرت وأصبحت تفرض نفسها في تعاملنا الإنساني وفي تعاملنا العلمي، حيث كان منطلق هذا الدرس توجيه الطلبة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي. وبالنسبة إلى قسم أصول الدين، فقد ركّز على جانب آخر مهم جدًا، وهو جانب الحضارات والأديان: حوار أم صدام. وأردنا من خلال ذلك تبيان أن شخصية الطالب المتزن يجب أن تكون متحاورة مع المختلف مهما كان الأمر، ورغم التحديات، فلا سبيل لتجاوز أي صعوبة أو إشكالية إلا بواسطة الحوار، وهو مبدأ يجب أن يكون راسخًا لدى الجميع للتعايش مع المختلف. وبالتالي، شمل المهرجان عدة أنشطة ثقافية وعلمية، الهدف منها هو إعطاء صورة أخرى للمعهد العالي لأصول الدين».
وفي ختام حديثه، قال د. عبد القادر النفاتي: «في سياق هذا المهرجان، شرّفنا سماحة مفتي الجمهورية الشيخ هشام بن محمود بحضوره، حيث كان لمداخلته في افتتاح هذا المهرجان صدى وأثر كبيران لدى طلبتنا ولدى أساتذة المعهد والباحثين الذين اهتموا بما قاله على مستوى تاريخ الزيتونة. كما شرّفنا بحضوره الدكتور محمد خليل، الوزير الأسبق، وكانت لمداخلته حول الشيخ محمد الحبيب بلخوجة أيضًا أثر بالغ. وبحضورهما كان اليوم الافتتاحي لهذا المهرجان لافتًا، كما نودّ أن نشكر في هذا السياق كل من شرّفنا بالحضور، ومنهم سفير سلطنة عُمان وممثل عن سفارة فلسطين وبقية الضيوف الذين سعدنا بحضورهم».
صدام الحضارات والأديان
كان اليوم الختامي للمهرجان الطلابي لافتًا من حيث اليوم الدراسي الذي كان حول «الحضارات والأديان بين الحوار والصدام». وعن ذلك تقول الدكتورة سارة الجويني حفيظ: «اليوم الدراسي يندرج ضمن أيام المهرجان لأنه يهتم بثقافة وعقلية وذهنية الطالب، وكان حول الحضارات والأديان بين الحوار والصدام. وقد رأينا أن من المهم طرح هذا الموضوع، فنحن اليوم نعيش لحظة صراع وصدام حضاري على أشدّه، فيما أسمّيه أنا بـ›عصر ما بعد التوحّش›. وبالتالي نحن نحتاج إلى هذا الحوار من حيث طرح المسائل والاطلاع عليها.
لذلك بدأنا بطرح إشكال مع الطلبة نتحاور فيه حول البعد الهوياتي في صراع الحضارات والأديان والتجاذب الحاصل اليوم، ثم تطرقنا إلى صراع الأخيار والأغيار في اليهودية، الذي طرحته الدكتورة منية الغربي، وأشارت فيه إلى التحريفات التي وقعت في التوراة، وأن دين الله يأبى الصراع والصدام ويرفض التعدّي على الآخر. كما طرحت الدكتورة منية الماجري درس الحوار القرآني، نصوصه ومآلاته، لأنه في النص القرآني هناك دائمًا الحوار مع الآخر.
كما كانت هناك مداخلة حول الأديان والحضارات في ظل الخلاف المذهبي: من المنطق الصدامي إلى أفق التعايش، قدّمها الدكتور شكري الباجي. أما مداخلتي، فقد كانت حول ‹الآخر الديني في التراتيب الصوفية›، حيث إن المتصوّفة لها تصوّر مخصوص في حوار الأديان، وأغلبهم يتسمون بالسماحة في التعامل مع الآخر، ويرون أن الناس جميعًا تجمعهم وحدة إنسانية. وقد دلّلت على ذلك من خلال نصوص وأشعار، وأنهينا ببعض المخرجات التي يمكن أن نؤسس بها للحوار. البعض يرى أن هذه النصوص مثالية، لكنني أؤكد أن الحوار والانفتاح والاستفادة من الآخر هو أصل التعايش، وليس الصدام».
وضمن نفس اليوم الدراسي، قدّمت الأستاذة بمعهد أصول الدين د. منية الغربي مداخلة حول صراع الأخيار والأغيار في العقيدة اليهودية، تناولت فيها مسألة صراع «الأخيار» (الشعب المختار) و»الأغيار» (الغوييم)، من خلال تتبّع المسار التاريخي واللاهوتي للنص العبري، مستندة إلى نصوص التناخ (التوراة والأنبياء والكتابات)، مرورًا بالتقنين التلمودي، وصولًا إلى الحركات الأيديولوجية الحديثة كالصهيونية وحركة شهود يهوه، بهدف بيان كيف تم تحويل «النص المقدس» إلى «مشروع سياسي» إقصائي للأغيار.
وقد خلصت د. منية الغربي إلى أن «عقيدة الشعب المختار جعلت اليهود يشعرون بالاستعلاء، وهو ما سيكون راسخًا بينهم وبين الأغيار الذين اعتُبروا خُلقوا لخدمتهم، وأنهم مجرد كائنات يمكن إبادتها، لأن هذا الكون وُجد لأجلهم، فهم مركزه وغايته، وهو ما يؤكده سفر التثنية». وتقول د. الغربي في مداخلتها: «خلاصة القول إن الصراع القائم بين إسرائيل وشعوب المنطقة لا يقتصر على كونه بناءً سرديًا أو تصورًا لاهوتيًا، بل هو بنية فكرية مركبة أسهمت في تشكيل الوعي الديني والتاريخي داخل التراث اليهودي، وأدّت إلى التقسيم المعياري المنتج لثنائية الاصطفاء والإقصاء».
منية العرفاوي
اختُتم أول أمس المهرجان الطلابي العلمي والثقافي والرياضي في دورته العشرين بالمعهد العالي لأصول الدين، وذلك تحت شعار «العلامة محمد الحبيب بلخوجة أستاذًا مُلهِمًا وشيخًا مُرشِدًا». وقد استمرّ المهرجان على مدى ثلاثة أيام، تنوّعت خلالها الورشات الثقافية والرياضية والفنية، إلى جانب المحاضرات العلمية والأكاديمية في مختلف المجالات والأيام الدراسية.
وحضر افتتاح هذه الأيام الطلابية مفتي الديار التونسية الشيخ هشام بن محمود، ووزير الشؤون الدينية الأسبق محمد خليل، الذي قدّم مداخلة قيّمة حول سيرة العلامة محمد الحبيب بلخوجة، الذي كان علمه وأثره محور شعار هذه الأيام. كما حضر الافتتاح ممثلون عن بعض البعثات الدبلوماسية، كسفارة فلسطين وسفير سلطنة عُمان.
وتضمّن هذا الملتقى الطلابي جملة من الفعاليات، حيث نظّم قسم الشريعة والقانون يومًا دراسيًا حول «الدرس الفقهي في عصر الذكاء الاصطناعي: من المتاح إلى الممكن». كما نظّم نادي الإمام نافع للقرآن الكريم مسابقة في القراءات حفظًا وأداءً، بإشراف الدكتور محمد بشر وبحضور الشيخ عثمان الأنداري، إلى جانب الأنشطة الفنية ضمن أنشطة نادي التعبيرات الفنية. كما تمّ، على هامش هذه الأيام الطلابية، تنظيم ورشة تكوينية تطبيقية حول «الإعداد الذكي لحملة إشهارية ناجحة»، قدّمها جمال علوي، المشرف على الإنتاج الرقمي بمركز الحساب الخوارزمي.
وقد اختُتمت الأيام الطلابية بتنظيم يوم دراسي حول «الحضارات والأديان بين الحوار والصدام»، تماشيًا مع ما يشهده العالم من صراعات دولية وإقليمية، وتضمّن مداخلات قيّمة أمّنها ثلة من أساتذة المعهد العالي لأصول الدين، والتي ركّزت على مبدأ الحوار كشرط للتعايش الإنساني.
أنشطة متنوعة واحتفاء بالعلامة محمد الحبيب بلخوجة
في تصريح خصّ به «الصباح» حول هذه الأيام الطلابية، قال مدير المعهد العالي لأصول الدين د. عبد القادر النفاتي إن هذه الأيام سنّة جامعية دأب عليها المعهد العالي لأصول الدين، مضيفًا: «مع نهاية كل سنة جامعية نحاول أن ننظّم هذا المهرجان العلمي والطلابي والثقافي، الذي يشتمل على عدة أنشطة علمية وثقافية وورشات تكوينية وأيام دراسية وفكرية ومسابقات ومناظرات وغيرها، والهدف من كل ذلك أن يواكب النشاط الثقافي والعلمي النشاط الأكاديمي الأساسي».
ويضيف النفاتي: «اخترنا هذه السنة أن يكون هذا المهرجان مهتمًا بشخصية وطنية وزيتونية لها قيمتها وباعها الفكري والعلمي، وهي شخصية محمد الحبيب بلخوجة. هذه القامة التي درست وتكوّنت في الزيتونة والصادقية والسوربون، وهذا المزيج العلمي مكّنه من أن يبدع وأن يتقلّد عدة وظائف مهمة في تاريخ بلادنا، لعلّ أهمها أنه شغل منصب مفتي الديار التونسية وعميدًا لكلية الزيتونة، وكان من المساهمين في التأسيس على المستوى الخارجي لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ليبلغ صيته الآفاق، وكانت شهرته كبيرة جدًا، وإنتاجاته غزيرة.
ومن هذا المنطلق اخترنا أن تكون هذه الشخصية منطلقًا لتوجيه أبحاث طلبتنا وعلمائنا وأساتذتنا إلى دراسة هذه الشخصية دراسة بحثية معمّقة يمكن أن نستفيد منها ومن إلهاماتها واجتهاداتها في سياق تطوير البحث العلمي وفي سياق مواجهة الواقع المعيش وتحدياته المختلفة. ولذلك اخترنا الشعار المركزي لهذا المهرجان: محمد الحبيب بلخوجة شيخًا مرشدًا وأستاذًا ملهمًا، لتحفيز الطلبة على الاهتمام بهذه الشخصية».
وفي ذات السياق، أكّد مدير المعهد العالي لأصول الدين أن هذا المهرجان تخلّلته عدة أيام دراسية، حيث اهتم قسم الحضارة الإسلامية بمجال التراث والمخزون المادي وتوجيه الطلبة إلى استكشاف ذلك الثراء. أما بالنسبة إلى قسم الفقه والشريعة والقانون، فقد اهتم بدراسة الدرس الفقهي والذكاء الاصطناعي، في سياق توجيه أنظار الطلبة إلى مجال آخر، من خلال ضرورة الاستفادة من العولمة اليوم ومن الذكاء الاصطناعي ومن منتجات العصر في سياق تطوير الدرس الشرعي عمومًا والفقهي خصوصًا.
وقال عبد القادر النفاتي: «نحاول أن نستفيد اليوم من هذه التكنولوجيات ومن هذه الآليات الجديدة التي ظهرت وأصبحت تفرض نفسها في تعاملنا الإنساني وفي تعاملنا العلمي، حيث كان منطلق هذا الدرس توجيه الطلبة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي. وبالنسبة إلى قسم أصول الدين، فقد ركّز على جانب آخر مهم جدًا، وهو جانب الحضارات والأديان: حوار أم صدام. وأردنا من خلال ذلك تبيان أن شخصية الطالب المتزن يجب أن تكون متحاورة مع المختلف مهما كان الأمر، ورغم التحديات، فلا سبيل لتجاوز أي صعوبة أو إشكالية إلا بواسطة الحوار، وهو مبدأ يجب أن يكون راسخًا لدى الجميع للتعايش مع المختلف. وبالتالي، شمل المهرجان عدة أنشطة ثقافية وعلمية، الهدف منها هو إعطاء صورة أخرى للمعهد العالي لأصول الدين».
وفي ختام حديثه، قال د. عبد القادر النفاتي: «في سياق هذا المهرجان، شرّفنا سماحة مفتي الجمهورية الشيخ هشام بن محمود بحضوره، حيث كان لمداخلته في افتتاح هذا المهرجان صدى وأثر كبيران لدى طلبتنا ولدى أساتذة المعهد والباحثين الذين اهتموا بما قاله على مستوى تاريخ الزيتونة. كما شرّفنا بحضوره الدكتور محمد خليل، الوزير الأسبق، وكانت لمداخلته حول الشيخ محمد الحبيب بلخوجة أيضًا أثر بالغ. وبحضورهما كان اليوم الافتتاحي لهذا المهرجان لافتًا، كما نودّ أن نشكر في هذا السياق كل من شرّفنا بالحضور، ومنهم سفير سلطنة عُمان وممثل عن سفارة فلسطين وبقية الضيوف الذين سعدنا بحضورهم».
صدام الحضارات والأديان
كان اليوم الختامي للمهرجان الطلابي لافتًا من حيث اليوم الدراسي الذي كان حول «الحضارات والأديان بين الحوار والصدام». وعن ذلك تقول الدكتورة سارة الجويني حفيظ: «اليوم الدراسي يندرج ضمن أيام المهرجان لأنه يهتم بثقافة وعقلية وذهنية الطالب، وكان حول الحضارات والأديان بين الحوار والصدام. وقد رأينا أن من المهم طرح هذا الموضوع، فنحن اليوم نعيش لحظة صراع وصدام حضاري على أشدّه، فيما أسمّيه أنا بـ›عصر ما بعد التوحّش›. وبالتالي نحن نحتاج إلى هذا الحوار من حيث طرح المسائل والاطلاع عليها.
لذلك بدأنا بطرح إشكال مع الطلبة نتحاور فيه حول البعد الهوياتي في صراع الحضارات والأديان والتجاذب الحاصل اليوم، ثم تطرقنا إلى صراع الأخيار والأغيار في اليهودية، الذي طرحته الدكتورة منية الغربي، وأشارت فيه إلى التحريفات التي وقعت في التوراة، وأن دين الله يأبى الصراع والصدام ويرفض التعدّي على الآخر. كما طرحت الدكتورة منية الماجري درس الحوار القرآني، نصوصه ومآلاته، لأنه في النص القرآني هناك دائمًا الحوار مع الآخر.
كما كانت هناك مداخلة حول الأديان والحضارات في ظل الخلاف المذهبي: من المنطق الصدامي إلى أفق التعايش، قدّمها الدكتور شكري الباجي. أما مداخلتي، فقد كانت حول ‹الآخر الديني في التراتيب الصوفية›، حيث إن المتصوّفة لها تصوّر مخصوص في حوار الأديان، وأغلبهم يتسمون بالسماحة في التعامل مع الآخر، ويرون أن الناس جميعًا تجمعهم وحدة إنسانية. وقد دلّلت على ذلك من خلال نصوص وأشعار، وأنهينا ببعض المخرجات التي يمكن أن نؤسس بها للحوار. البعض يرى أن هذه النصوص مثالية، لكنني أؤكد أن الحوار والانفتاح والاستفادة من الآخر هو أصل التعايش، وليس الصدام».
وضمن نفس اليوم الدراسي، قدّمت الأستاذة بمعهد أصول الدين د. منية الغربي مداخلة حول صراع الأخيار والأغيار في العقيدة اليهودية، تناولت فيها مسألة صراع «الأخيار» (الشعب المختار) و»الأغيار» (الغوييم)، من خلال تتبّع المسار التاريخي واللاهوتي للنص العبري، مستندة إلى نصوص التناخ (التوراة والأنبياء والكتابات)، مرورًا بالتقنين التلمودي، وصولًا إلى الحركات الأيديولوجية الحديثة كالصهيونية وحركة شهود يهوه، بهدف بيان كيف تم تحويل «النص المقدس» إلى «مشروع سياسي» إقصائي للأغيار.
وقد خلصت د. منية الغربي إلى أن «عقيدة الشعب المختار جعلت اليهود يشعرون بالاستعلاء، وهو ما سيكون راسخًا بينهم وبين الأغيار الذين اعتُبروا خُلقوا لخدمتهم، وأنهم مجرد كائنات يمكن إبادتها، لأن هذا الكون وُجد لأجلهم، فهم مركزه وغايته، وهو ما يؤكده سفر التثنية». وتقول د. الغربي في مداخلتها: «خلاصة القول إن الصراع القائم بين إسرائيل وشعوب المنطقة لا يقتصر على كونه بناءً سرديًا أو تصورًا لاهوتيًا، بل هو بنية فكرية مركبة أسهمت في تشكيل الوعي الديني والتاريخي داخل التراث اليهودي، وأدّت إلى التقسيم المعياري المنتج لثنائية الاصطفاء والإقصاء».