إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

المجلس الأعلى للتربية.. ضمانة لإصلاح المنظومة التربوية وبناء مدرسة الغد

جدّد رئيس الجمهورية قيس سعيد - على هامش افتتاح الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب بقصر المعارض بالكرم -تأكيده على أن التعليم سيظل في صدارة أولويات الدولة، معلنًا أنّ إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم بات قريبًا، في خطوة تعكس توجهًا واضحًا نحو إعادة بناء المنظومة التربوية على أسس أكثر نجاعة وتطورًا بما يتماشى مع متطلبات سوق الشغل.

وهذا التصريح يؤكد في جوهره أن إصلاح التعليم بات اليوم ضرورة وطنية تقترن مباشرة بمستقبل تونس واستقرارها الاجتماعي والاقتصادي.

من هذا المنطلق، لطالما أكد رئيس الدولة قيس سعيد في معرض لقاءاته الرسمية أن التعليم هو رهان المستقبل وأحد أهم أعمدة بناء الدولة الوطنية الحديثة، موضحًا أنه من خلال المدرسة العمومية التي عرفت أوج ازدهارها في ستينات القرن الماضي تشكلت النخب، وترسخت قيم المواطنة، وصعدت أجيال كاملة عبر مبدأ تكافؤ الفرص.

غير أن هذا القطاع الحيوي والسيادي في نفس الوقت عاش خلال السنوات الأخيرة على وقع سلسلة من الإشكاليات والتحديات، كما كان غالبًا محل تجاذبات سياسية كانت سببًا مباشرًا في المساس بجودة التكوين، وتراجع البنية التحتية، وعدم مواكبة المناهج التعليمية للتحولات الرقمية والتكنولوجية، بالتوازي مع اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق الشغل، وهو ما جعل الإصلاح الشامل مسألة ملحّة لا تحتمل المزيد من التأجيل.

وضمن هذه المقاربة، يبرز المجلس الأعلى للتربية والتعليم كأحد أهم المشاريع الإصلاحية المنتظرة، باعتباره مؤسسة يُفترض أن تضطلع بدور استراتيجي يتجاوز المعالجات الظرفية للأزمات والتحديات القطاعية المتكررة، على اعتبار أن الرهان المطروح اليوم يتجاوز مجرد معالجة مشاكل ظرفية مرتبطة بالامتحانات أو المطالب الاجتماعية أو النقص في الموارد البشرية، ليطال صياغة رؤية وطنية شاملة تحدد ملامح المدرسة التونسية الجديدة، وتجيب عن أسئلة ملحة من قبيل: أي تعليم نريد لتونس المستقبل؟ وأي مناهج مدرسية تكون متناغمة مع التحديات التي تفرضها سوق الشغل؟

على أن الأهم يبقى هو: أي زمن مدرسي نعتمد بما يخفف الضغط الحاصل على التلميذ ويضمن له توازنًا فعليًا بين التحصيل العلمي والراحة النفسية، بعيدًا عن الإرهاق اليومي الذي أثقل كاهل الأسرة والمدرسة معًا؟

الاستمرارية في القرار التربوي

وفي هذا السياق، يبرز المجلس الأعلى للتربية والتعليم الذي أقره رئيس الدولة قيس سعيد، حيث تقوم وظيفته الأساسية على مبدأ الاستمرارية في القرار التربوي، بعيدًا عن دواليب السياسة المرتبطة بتعاقب الحكومات، على اعتبار أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يكون مجرد جدل سياسي أو أن يُعالج بمنطق المواعيد الانتخابية أو الحلول الظرفية السريعة، بما أن نتائجه تكون طويلة الأمد وتطال أجيالًا برمتها.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى هيكل يضم خبراء ومربين وجامعيين وممثلي المجتمع المدني وكل الفاعلين في الشأن التربوي، لصياغة سياسات تربوية طويلة المدى تضمن أولًا الاستقرار التربوي، وثانيًا استشراف المستقبل.

كما يحمل هذا التوجه رسالة واضحة، لطالما شدد عليها رئيس الدولة قيس سعيد في معرض لقاءاته الرسمية، تتمثل في أهمية إعادة الاعتبار إلى المدرسة العمومية، التي ظلت لعقود رمزًا للعدالة الاجتماعية ومنارة مشعة ومصعدًا اجتماعيًا، قبل أن تتراجع مكانتها بفعل أزمات متراكمة ومطلبية حادة أفضت إلى تراجع الثقة فيها كمنارة تعليمية أفرزت أجيالًا ساهمت في بناء الدولة الوطنية الحديثة.

إعادة ربط التعليم بالتنمية

ولعل من أبرز التحديات التي تجعل هذا المجلس ضرورة وطنية هي العلاقة الوطيدة بين التعليم وسوق الشغل. فآلاف الشهادات الجامعية تُمنح سنويًا دون أن تجد طريقها إلى الإدماج الاقتصادي الحقيقي، مما خلق حالة من الإحباط لدى الشباب، ورسخ شعورًا بأن المنظومة التعليمية الراهنة لا تنتج فرصًا بقدر ما تنتج آمالًا معلقة.

لذلك فإن عملية الإصلاح المطلوبة لا تقتصر فقط على مراجعة البرامج، بل تشمل إعادة ربط التعليم بالتنمية الوطنية وبحاجيات الاقتصاد الحقيقي.

من جانب آخر، يفرض التحول الرقمي نفسه كأحد أبرز رهانات المرحلة. فالعالم اليوم يعيش ثورة معرفية كبرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحديثة، وهو ما يجعل من الضروري أن تتطور المدرسة التونسية لتواكب هذه التحولات.

وفي هذا الاتجاه، تكتسب مبادرات مثل مشروع «سفراء الأمان الرقمي»، الذي اطلع عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال زيارته للمعرض، أهمية باعتبارها تعكس وعيًا جديدًا بأن التربية لم تعد مرتبطة فقط بالمناهج التعليمية التقليدية، وإنما أيضًا ببناء مواطن واعٍ ومسؤول ومواكب لجملة التحولات التكنولوجية المتسارعة.

ولا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون التطرق إلى مسألة العدالة التعليمية بين مختلف جهات الجمهورية. فالتفاوت بين المؤسسات التربوية في المدن الكبرى والمناطق الداخلية، لا سيما فيما يتعلق بمعضلة النقص الحاصل في الإطار التربوي، يجعل من المجلس الأعلى للتربية والتعليم أداة ضرورية لإعادة التوازن الوطني وضمان حق متساوٍ في التعليم لكل أبناء تونس، بما يضمن بلوغ العدالة الاجتماعية التي يشدد رئيس الدولة قيس سعيد على أهمية بلوغها في أكثر من مجال.

وفي هذا الإطار، يعكس تصريح رئيس الدولة قيس سعيد بأن المجلس الأعلى للتربية سيتم إرساؤه قريبًا قناعة راسخة بأن بناء الدولة يبدأ من بناء الإنسان. فالتنمية ليست فقط مشاريع اقتصادية واستثمارات كبرى، بل هي قبل كل شيء صناعة عقل وطني قادر على حماية تلك المشاريع وضمان استمراريتها. ولهذا فإن الاستثمار في التعليم يظل الاستثمار الأكثر عمقًا وربحية، لأنه استثمار في الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي والسيادة الوطنية. وضمن هذه المقاربة، يؤكد رئيس الدولة في أكثر من مناسبة أن التعليم هو رهان المستقبل، وأن إصلاحه لا يجب أن يظل حبيس الحلول الظرفية أو المعالجات الجزئية، وإنما ينبغي أن يندرج ضمن مشروع وطني شامل يعيد الاعتبار للمدرسة العمومية ولدورها التاريخي في صناعة النخب وبناء المجتمع، معتبرًا أن المعركة الفعلية لا تنحصر فقط في تدعيم البنية التحتية أو مراجعة البرامج، بل في صياغة رؤية جديدة للتربية والتعليم تُفرز جيلًا قادرًا على التفكير والإبداع والمساهمة الفعلية في بناء تونس الحديثة.

وهذا الطرح يستمد شرعيته كون التعليم في تونس ظل لعقود طويلة ساحة للتجاذبات الإيديولوجية والصراعات السياسية، حيث غالبًا ما دفعت المدرسة العمومية ثمن هذه التجاذبات.

وبالتالي يسعى رئيس الدولة قيس سعيد من خلال إرساء المجلس الأعلى للتربية إلى إبعاد المدرسة العمومية عن كل سجال أو صراع إيديولوجي أو سياسي ضيّق، وإعادتها إلى موقعها الطبيعي كفضاء وطني جامع يُبنى فيه الإنسان قبل كل شيء. فالمدرسة العمومية – وبالعودة إلى الدور الريادي الذي لعبته سابقًا – لم تكن يومًا ساحة للتجاذبات ولا مجالًا لتصفية الحسابات، وإنما كانت فضاءً تربويًا تُصاغ داخله ملامح الأجيال القادمة.

وضمن هذه المقاربة، فإن المجلس الأعلى للتربية سيشكل إطارًا مستقرًا لصياغة السياسات التعليمية الكبرى، بعيدًا عن سياسة التغيير الظرفي المرتبط بتعاقب الحكومات أو التغيرات السياسية، بما يضمن استمرارية الإصلاح ويحفظ للتعليم مكانته كأولوية لا تخضع للحسابات الآنية، من خلال إصلاحات ملموسة يلحظها التلميذ والولي والأسرة التربوية برمتها.

إعادة الثقة في المدرسة العمومية

ويهدف رئيس الدولة قيس سعيد عبر إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم إلى إعادة الثقة في المدرسة العمومية، ذلك الصرح الذي كان في ستينات القرن الماضي منارة مشعة أنجبت أجيالًا من الكفاءات والنخب التي ساهمت في بناء الدولة الوطنية وترسيخ مؤسساتها، حيث كانت المدرسة التونسية آنذاك فضاءً للارتقاء الاجتماعي ومجالًا حقيقيًا لتكافؤ الفرص، بما أنها فتحت أبواب النجاح أمام أبناء مختلف الفئات والجهات، ونجحت في أن تجعل من التعليم أداة للتحرر والتنمية وصناعة المستقبل.

ومن هنا يبرز اليوم رهان الدولة في أعلى هرمها على إعادة الاعتبار لهذا المرفق العمومي، ليس فقط عبر الإصلاح الإداري أو البيداغوجي، بل من خلال رؤية شاملة تعيد للمدرسة مكانتها كحاضنة للكفاءة، وضمانة أساسية لمستقبل تونس واستقرارها الاجتماعي.

وبالتالي فإن تأكيد رئيس الجمهورية على إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم قريبا، من قلب معرض الكتاب، مثل في جوهره رسالة واضحة بأن المعركة الأساسية والجوهرية هي معركة وعي ومعرفة وإصلاح عميق يبدأ أولا من المدرسة. لأن التفكير في المستقبل وفي مجابهة كل التحديات يبدأ أولا بإصلاح التعليم، وببناء أجيال تؤمن بأن المعرفة هي أساس السيادة وصناعة المستقبل.

منال حرزي

المجلس الأعلى للتربية..   ضمانة لإصلاح المنظومة التربوية وبناء مدرسة الغد

جدّد رئيس الجمهورية قيس سعيد - على هامش افتتاح الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب بقصر المعارض بالكرم -تأكيده على أن التعليم سيظل في صدارة أولويات الدولة، معلنًا أنّ إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم بات قريبًا، في خطوة تعكس توجهًا واضحًا نحو إعادة بناء المنظومة التربوية على أسس أكثر نجاعة وتطورًا بما يتماشى مع متطلبات سوق الشغل.

وهذا التصريح يؤكد في جوهره أن إصلاح التعليم بات اليوم ضرورة وطنية تقترن مباشرة بمستقبل تونس واستقرارها الاجتماعي والاقتصادي.

من هذا المنطلق، لطالما أكد رئيس الدولة قيس سعيد في معرض لقاءاته الرسمية أن التعليم هو رهان المستقبل وأحد أهم أعمدة بناء الدولة الوطنية الحديثة، موضحًا أنه من خلال المدرسة العمومية التي عرفت أوج ازدهارها في ستينات القرن الماضي تشكلت النخب، وترسخت قيم المواطنة، وصعدت أجيال كاملة عبر مبدأ تكافؤ الفرص.

غير أن هذا القطاع الحيوي والسيادي في نفس الوقت عاش خلال السنوات الأخيرة على وقع سلسلة من الإشكاليات والتحديات، كما كان غالبًا محل تجاذبات سياسية كانت سببًا مباشرًا في المساس بجودة التكوين، وتراجع البنية التحتية، وعدم مواكبة المناهج التعليمية للتحولات الرقمية والتكنولوجية، بالتوازي مع اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق الشغل، وهو ما جعل الإصلاح الشامل مسألة ملحّة لا تحتمل المزيد من التأجيل.

وضمن هذه المقاربة، يبرز المجلس الأعلى للتربية والتعليم كأحد أهم المشاريع الإصلاحية المنتظرة، باعتباره مؤسسة يُفترض أن تضطلع بدور استراتيجي يتجاوز المعالجات الظرفية للأزمات والتحديات القطاعية المتكررة، على اعتبار أن الرهان المطروح اليوم يتجاوز مجرد معالجة مشاكل ظرفية مرتبطة بالامتحانات أو المطالب الاجتماعية أو النقص في الموارد البشرية، ليطال صياغة رؤية وطنية شاملة تحدد ملامح المدرسة التونسية الجديدة، وتجيب عن أسئلة ملحة من قبيل: أي تعليم نريد لتونس المستقبل؟ وأي مناهج مدرسية تكون متناغمة مع التحديات التي تفرضها سوق الشغل؟

على أن الأهم يبقى هو: أي زمن مدرسي نعتمد بما يخفف الضغط الحاصل على التلميذ ويضمن له توازنًا فعليًا بين التحصيل العلمي والراحة النفسية، بعيدًا عن الإرهاق اليومي الذي أثقل كاهل الأسرة والمدرسة معًا؟

الاستمرارية في القرار التربوي

وفي هذا السياق، يبرز المجلس الأعلى للتربية والتعليم الذي أقره رئيس الدولة قيس سعيد، حيث تقوم وظيفته الأساسية على مبدأ الاستمرارية في القرار التربوي، بعيدًا عن دواليب السياسة المرتبطة بتعاقب الحكومات، على اعتبار أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يكون مجرد جدل سياسي أو أن يُعالج بمنطق المواعيد الانتخابية أو الحلول الظرفية السريعة، بما أن نتائجه تكون طويلة الأمد وتطال أجيالًا برمتها.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى هيكل يضم خبراء ومربين وجامعيين وممثلي المجتمع المدني وكل الفاعلين في الشأن التربوي، لصياغة سياسات تربوية طويلة المدى تضمن أولًا الاستقرار التربوي، وثانيًا استشراف المستقبل.

كما يحمل هذا التوجه رسالة واضحة، لطالما شدد عليها رئيس الدولة قيس سعيد في معرض لقاءاته الرسمية، تتمثل في أهمية إعادة الاعتبار إلى المدرسة العمومية، التي ظلت لعقود رمزًا للعدالة الاجتماعية ومنارة مشعة ومصعدًا اجتماعيًا، قبل أن تتراجع مكانتها بفعل أزمات متراكمة ومطلبية حادة أفضت إلى تراجع الثقة فيها كمنارة تعليمية أفرزت أجيالًا ساهمت في بناء الدولة الوطنية الحديثة.

إعادة ربط التعليم بالتنمية

ولعل من أبرز التحديات التي تجعل هذا المجلس ضرورة وطنية هي العلاقة الوطيدة بين التعليم وسوق الشغل. فآلاف الشهادات الجامعية تُمنح سنويًا دون أن تجد طريقها إلى الإدماج الاقتصادي الحقيقي، مما خلق حالة من الإحباط لدى الشباب، ورسخ شعورًا بأن المنظومة التعليمية الراهنة لا تنتج فرصًا بقدر ما تنتج آمالًا معلقة.

لذلك فإن عملية الإصلاح المطلوبة لا تقتصر فقط على مراجعة البرامج، بل تشمل إعادة ربط التعليم بالتنمية الوطنية وبحاجيات الاقتصاد الحقيقي.

من جانب آخر، يفرض التحول الرقمي نفسه كأحد أبرز رهانات المرحلة. فالعالم اليوم يعيش ثورة معرفية كبرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحديثة، وهو ما يجعل من الضروري أن تتطور المدرسة التونسية لتواكب هذه التحولات.

وفي هذا الاتجاه، تكتسب مبادرات مثل مشروع «سفراء الأمان الرقمي»، الذي اطلع عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال زيارته للمعرض، أهمية باعتبارها تعكس وعيًا جديدًا بأن التربية لم تعد مرتبطة فقط بالمناهج التعليمية التقليدية، وإنما أيضًا ببناء مواطن واعٍ ومسؤول ومواكب لجملة التحولات التكنولوجية المتسارعة.

ولا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون التطرق إلى مسألة العدالة التعليمية بين مختلف جهات الجمهورية. فالتفاوت بين المؤسسات التربوية في المدن الكبرى والمناطق الداخلية، لا سيما فيما يتعلق بمعضلة النقص الحاصل في الإطار التربوي، يجعل من المجلس الأعلى للتربية والتعليم أداة ضرورية لإعادة التوازن الوطني وضمان حق متساوٍ في التعليم لكل أبناء تونس، بما يضمن بلوغ العدالة الاجتماعية التي يشدد رئيس الدولة قيس سعيد على أهمية بلوغها في أكثر من مجال.

وفي هذا الإطار، يعكس تصريح رئيس الدولة قيس سعيد بأن المجلس الأعلى للتربية سيتم إرساؤه قريبًا قناعة راسخة بأن بناء الدولة يبدأ من بناء الإنسان. فالتنمية ليست فقط مشاريع اقتصادية واستثمارات كبرى، بل هي قبل كل شيء صناعة عقل وطني قادر على حماية تلك المشاريع وضمان استمراريتها. ولهذا فإن الاستثمار في التعليم يظل الاستثمار الأكثر عمقًا وربحية، لأنه استثمار في الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي والسيادة الوطنية. وضمن هذه المقاربة، يؤكد رئيس الدولة في أكثر من مناسبة أن التعليم هو رهان المستقبل، وأن إصلاحه لا يجب أن يظل حبيس الحلول الظرفية أو المعالجات الجزئية، وإنما ينبغي أن يندرج ضمن مشروع وطني شامل يعيد الاعتبار للمدرسة العمومية ولدورها التاريخي في صناعة النخب وبناء المجتمع، معتبرًا أن المعركة الفعلية لا تنحصر فقط في تدعيم البنية التحتية أو مراجعة البرامج، بل في صياغة رؤية جديدة للتربية والتعليم تُفرز جيلًا قادرًا على التفكير والإبداع والمساهمة الفعلية في بناء تونس الحديثة.

وهذا الطرح يستمد شرعيته كون التعليم في تونس ظل لعقود طويلة ساحة للتجاذبات الإيديولوجية والصراعات السياسية، حيث غالبًا ما دفعت المدرسة العمومية ثمن هذه التجاذبات.

وبالتالي يسعى رئيس الدولة قيس سعيد من خلال إرساء المجلس الأعلى للتربية إلى إبعاد المدرسة العمومية عن كل سجال أو صراع إيديولوجي أو سياسي ضيّق، وإعادتها إلى موقعها الطبيعي كفضاء وطني جامع يُبنى فيه الإنسان قبل كل شيء. فالمدرسة العمومية – وبالعودة إلى الدور الريادي الذي لعبته سابقًا – لم تكن يومًا ساحة للتجاذبات ولا مجالًا لتصفية الحسابات، وإنما كانت فضاءً تربويًا تُصاغ داخله ملامح الأجيال القادمة.

وضمن هذه المقاربة، فإن المجلس الأعلى للتربية سيشكل إطارًا مستقرًا لصياغة السياسات التعليمية الكبرى، بعيدًا عن سياسة التغيير الظرفي المرتبط بتعاقب الحكومات أو التغيرات السياسية، بما يضمن استمرارية الإصلاح ويحفظ للتعليم مكانته كأولوية لا تخضع للحسابات الآنية، من خلال إصلاحات ملموسة يلحظها التلميذ والولي والأسرة التربوية برمتها.

إعادة الثقة في المدرسة العمومية

ويهدف رئيس الدولة قيس سعيد عبر إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم إلى إعادة الثقة في المدرسة العمومية، ذلك الصرح الذي كان في ستينات القرن الماضي منارة مشعة أنجبت أجيالًا من الكفاءات والنخب التي ساهمت في بناء الدولة الوطنية وترسيخ مؤسساتها، حيث كانت المدرسة التونسية آنذاك فضاءً للارتقاء الاجتماعي ومجالًا حقيقيًا لتكافؤ الفرص، بما أنها فتحت أبواب النجاح أمام أبناء مختلف الفئات والجهات، ونجحت في أن تجعل من التعليم أداة للتحرر والتنمية وصناعة المستقبل.

ومن هنا يبرز اليوم رهان الدولة في أعلى هرمها على إعادة الاعتبار لهذا المرفق العمومي، ليس فقط عبر الإصلاح الإداري أو البيداغوجي، بل من خلال رؤية شاملة تعيد للمدرسة مكانتها كحاضنة للكفاءة، وضمانة أساسية لمستقبل تونس واستقرارها الاجتماعي.

وبالتالي فإن تأكيد رئيس الجمهورية على إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم قريبا، من قلب معرض الكتاب، مثل في جوهره رسالة واضحة بأن المعركة الأساسية والجوهرية هي معركة وعي ومعرفة وإصلاح عميق يبدأ أولا من المدرسة. لأن التفكير في المستقبل وفي مجابهة كل التحديات يبدأ أولا بإصلاح التعليم، وببناء أجيال تؤمن بأن المعرفة هي أساس السيادة وصناعة المستقبل.

منال حرزي