إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في اليوم العالمي للمرأة.. النساء في تونس.. بين تعزيز المكتسبات والسعي إلى تحقيق «امتيازات» جديدة

 

يُعدّ الاحتفال بعيد المرأة في تونس مسألة مترسخة في التاريخ، باعتبار أن الحركة النسائية كانت سبّاقة ومسايرة للحركات التي عرفها العالم منذ أواخر القرن الثامن عشر. فقد بدأ الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في أوائل القرن العشرين بعد سلسلة من التحركات النسائية العمالية في أوروبا وأمريكا الشمالية للمطالبة بتحسين ظروف العمل والمساواة في الأجر وحق الاقتراع. وفي فيفري 1909، وقع وضع أسس يوم عيد المرأة في نيويورك، ليتم بعد سنتين الاحتفال باليوم الدولي الأول للمرأة، حيث عبّرن خلاله عن آرائهن ومطالبهن.

وتختلف طرق الاحتفال بهذه المناسبة بين الثقافات والشعوب، إذ يتم إعطاء باقات من الزهور الصفراء في إيطاليا للنساء يوم الثامن من مارس من كل سنة، لاعتقادهم أنه يرمز إلى قوة الإناث. في حين يكون الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في أستراليا بطريقة احتجاجية تُرفع خلالها اللافتات والشعارات المنادية بالمساواة التامة مع الرجال وإنهاء كل أشكال التمييز والقطع مع العنف والاعتداءات الجنسية على النساء. وفي روسيا، وهي البلد الوحيد، يندرج يوم 8 مارس ضمن العطل الرسمية.

وفي رومانيا، يُحتفل بيوم المرأة العالمي بطريقة مشابهة لعيد الأم، مما يوفر سببًا للأشخاص، ولاسيما الرجال، للاعتراف بأمهاتهم وجداتهم وصديقاتهم اللواتي لديهن أطفال، من خلال منحهن بطاقات وزهور.

ورغم مرور نحو 115 عامًا على إقرار 8 مارس كيوم عالمي للمرأة، لم تظفر النساء في غالبية دول العالم بالحقوق التي طالبت بها على امتداد هذه السنوات، ومازالت النساء في أغلب دول العالم يعانين من غياب العدالة والمساواة ومن عنف مادي ومعنوي في الفضاءات العامة والخاصة على حدّ السواء.

وفي تونس لا يندرج يوم 8 مارس، اليوم العالمي للمرأة، ضمن العطل الرسمية، كما لا يختص بشكل احتفالي بعينه، لكنه يكون مع كل سنة مناسبة للتذكير والمطالبة بحقوق مفقودة أو تعزيز مكتسبات منقوصة.

ويشكل هذا التاريخ إطارًا لطرح قوانين جديدة ومقترحات تنقيحات وتعديلات تشريعية قادرة على تطوير واقع المرأة التونسية وحضورها في الفضاء العام ومراكز القرار.

ويمكن القول إن النضالات النسوية في بلادنا قد نجحت، على مر الزمن، في مراكمة مزيد من المكتسبات، وتمكنت المرأة التونسية من تحقيق تماهٍ مع الرجل في مساراته في الدراسة والعمل، رغم محدودية حضورها في مراكز القرار والمجال النقابي والسياسي.

كما ظفرت بحقها في السفر مع أطفالها القصر دون الحاجة إلى طلب إذن مسبق من الأب، وفي سنة 2017 تم إلغاء قانون يمنع النساء التونسيات من الزواج من غير المسلم، كما مُنحت الحق في تمكين أبنائها من جنسيتها. وفي أوت 2018 تحصلت، ولأول مرة، امرأة تونسية عزباء على موافقة بتبنّي طفلة.

وتشريعيًا، تُعد حزمة القوانين التي جاء بها المشرّع التونسي إلى غاية الآن من أبرز التشريعات على المستوى الدولي في ما يتعلق بمناهضة جميع أشكال العنف المسلط على المرأة، ولعل القانون الأساسي عدد 58 الصادر سنة 2017 أهمها وأبرزها.

كما تمثل الدولة التونسية، بفضل مجلة الأحوال الشخصية الصادرة منذ سنة 1956، الدولة الأولى على المستوى العربي التي ألغت تعدد الزوجات وجرّمت زواج القاصرات وأقرّت الحق في الطلاق عبر القضاء ونصّت على مبدأ الرضائية في الزواج، ومكّنت المرأة من الحق في الانتخاب والترشح، واعترفت بالحق في الإجهاض منذ سنة 1973.

ويواصل المشرّع التونسي البحث عن أطر قانونية جديدة لتحسين واقع التونسيات، ويُعد مقترح مشروع قانون العمل المرن والتقاعد المبكر آخرها. ورغم ما أثاره من جدل ورفض من قبل المدافعين والمدافعات عن حقوق المرأة واعتباره مشروعًا ذا مقاربة تمييزية قد تدفع النساء للعودة إلى الفضاء المنزلي وتقلّص مشاركتهن في الحياة الاقتصادية، فإن إمكانيات تعديله واردة بشكل يكون أثره شاملًا وإيجابيًا على المجتمع ككل وعلى النساء بشكل خاص.

ومن المهم التذكير أنه لم تنجح كل القوى الحية ونضالات الحركة النسوية في تحقيق مساواة تامة بين النساء والرجال في تونس، وبقيت مسألة المساواة في الإرث من «التابوهات» والمواضيع المقسِّمة التي لم يجرؤ أي من الأنظمة على تناولها وفرضها بقوة القانون ومبدأ المساواة المُدسترة بين كل التونسيين والتونسيات.

كما يبقى إنفاذ القانون الخاص بمناهضة جميع أشكال العنف المسلط على النساء يشكو من نقائص. وأمام ضعف أجهزة الحماية للنساء ومسارات المرافقة والتقاضي، تتكبد الكثيرات شتى أنواع العنف والتنكيل الذكوري في مختلف الفضاءات، ويواجهن انتهاكات وعنفًا يقابله  عدم تفعيل للقانون 58-2017، خصوصًا في جانبه الوقائي والحمائي.

وفي انتظار الإحصائيات المُحيّنة لهذه السنة، تجدر الإشارة إلى أن الأرقام الصادرة عن وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن تفيد بأن العنف المسلط على النساء في تونس قد ارتفع في السنوات الأخيرة، وأن العنف الزوجي بات يمثّل أعلى نسبة من أشكال العنف المسجّلة.

وتكشف الإشعارات التي تصل عبر الخط الأخضر أن 71 % من العنف المسلط على النساء هو عنف زوجي. ويشمل العنف مختلف الفئات العمرية والتعليمية، ويتخذ أشكالًا مختلفة: الجسدي واللفظي والاقتصادي والجنسي والمادي. وتقول الوزارة إنه يمكن لحالة عنف واحدة أن تشمل أكثر من شكل من أشكال العنف.

وتواجه النساء، بمختلف انتماءاتهن الاجتماعية والاقتصادية، إشكاليات في الولوج إلى العدالة في قضايا العنف المسجلة. 

وعلى المستوى الدولي، حتى اليوم، لم تنجح أي دولة في ردم الفجوات القانونية القائمة بين الرجال والنساء. وفي الوقت الراهن لا تحوز النساء سوى 64 % من الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال على الصعيد العالمي. وفي مجالات محددة تشمل العمل والموارد المالية والسلامة والأسرة والملكية وحرية التنقل وممارسة الأعمال والتقاعد، تنحاز القوانين، بصورة منهجية، ضد النساء.

ويدعو اليوم العالمي للمرأة لعام 2026، الذي يُحتفى به تحت شعار «الحقوق. العدالة. العمل. من أجل جميع النساء والفتيات»، إلى تنفيذ تدابير حاسمة لتفكيك جميع العوائق التي تحول دون إرساء العدالة المتكافئة، بما في ذلك القوانين التمييزية، وضعف الضمانات القانونية، والممارسات الضارة والمعايير الاجتماعية التي تنتقص من حقوق النساء والفتيات وتقوضها.

ريم سوودي

في اليوم العالمي للمرأة..   النساء في تونس.. بين تعزيز المكتسبات والسعي إلى تحقيق «امتيازات» جديدة

 

يُعدّ الاحتفال بعيد المرأة في تونس مسألة مترسخة في التاريخ، باعتبار أن الحركة النسائية كانت سبّاقة ومسايرة للحركات التي عرفها العالم منذ أواخر القرن الثامن عشر. فقد بدأ الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في أوائل القرن العشرين بعد سلسلة من التحركات النسائية العمالية في أوروبا وأمريكا الشمالية للمطالبة بتحسين ظروف العمل والمساواة في الأجر وحق الاقتراع. وفي فيفري 1909، وقع وضع أسس يوم عيد المرأة في نيويورك، ليتم بعد سنتين الاحتفال باليوم الدولي الأول للمرأة، حيث عبّرن خلاله عن آرائهن ومطالبهن.

وتختلف طرق الاحتفال بهذه المناسبة بين الثقافات والشعوب، إذ يتم إعطاء باقات من الزهور الصفراء في إيطاليا للنساء يوم الثامن من مارس من كل سنة، لاعتقادهم أنه يرمز إلى قوة الإناث. في حين يكون الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في أستراليا بطريقة احتجاجية تُرفع خلالها اللافتات والشعارات المنادية بالمساواة التامة مع الرجال وإنهاء كل أشكال التمييز والقطع مع العنف والاعتداءات الجنسية على النساء. وفي روسيا، وهي البلد الوحيد، يندرج يوم 8 مارس ضمن العطل الرسمية.

وفي رومانيا، يُحتفل بيوم المرأة العالمي بطريقة مشابهة لعيد الأم، مما يوفر سببًا للأشخاص، ولاسيما الرجال، للاعتراف بأمهاتهم وجداتهم وصديقاتهم اللواتي لديهن أطفال، من خلال منحهن بطاقات وزهور.

ورغم مرور نحو 115 عامًا على إقرار 8 مارس كيوم عالمي للمرأة، لم تظفر النساء في غالبية دول العالم بالحقوق التي طالبت بها على امتداد هذه السنوات، ومازالت النساء في أغلب دول العالم يعانين من غياب العدالة والمساواة ومن عنف مادي ومعنوي في الفضاءات العامة والخاصة على حدّ السواء.

وفي تونس لا يندرج يوم 8 مارس، اليوم العالمي للمرأة، ضمن العطل الرسمية، كما لا يختص بشكل احتفالي بعينه، لكنه يكون مع كل سنة مناسبة للتذكير والمطالبة بحقوق مفقودة أو تعزيز مكتسبات منقوصة.

ويشكل هذا التاريخ إطارًا لطرح قوانين جديدة ومقترحات تنقيحات وتعديلات تشريعية قادرة على تطوير واقع المرأة التونسية وحضورها في الفضاء العام ومراكز القرار.

ويمكن القول إن النضالات النسوية في بلادنا قد نجحت، على مر الزمن، في مراكمة مزيد من المكتسبات، وتمكنت المرأة التونسية من تحقيق تماهٍ مع الرجل في مساراته في الدراسة والعمل، رغم محدودية حضورها في مراكز القرار والمجال النقابي والسياسي.

كما ظفرت بحقها في السفر مع أطفالها القصر دون الحاجة إلى طلب إذن مسبق من الأب، وفي سنة 2017 تم إلغاء قانون يمنع النساء التونسيات من الزواج من غير المسلم، كما مُنحت الحق في تمكين أبنائها من جنسيتها. وفي أوت 2018 تحصلت، ولأول مرة، امرأة تونسية عزباء على موافقة بتبنّي طفلة.

وتشريعيًا، تُعد حزمة القوانين التي جاء بها المشرّع التونسي إلى غاية الآن من أبرز التشريعات على المستوى الدولي في ما يتعلق بمناهضة جميع أشكال العنف المسلط على المرأة، ولعل القانون الأساسي عدد 58 الصادر سنة 2017 أهمها وأبرزها.

كما تمثل الدولة التونسية، بفضل مجلة الأحوال الشخصية الصادرة منذ سنة 1956، الدولة الأولى على المستوى العربي التي ألغت تعدد الزوجات وجرّمت زواج القاصرات وأقرّت الحق في الطلاق عبر القضاء ونصّت على مبدأ الرضائية في الزواج، ومكّنت المرأة من الحق في الانتخاب والترشح، واعترفت بالحق في الإجهاض منذ سنة 1973.

ويواصل المشرّع التونسي البحث عن أطر قانونية جديدة لتحسين واقع التونسيات، ويُعد مقترح مشروع قانون العمل المرن والتقاعد المبكر آخرها. ورغم ما أثاره من جدل ورفض من قبل المدافعين والمدافعات عن حقوق المرأة واعتباره مشروعًا ذا مقاربة تمييزية قد تدفع النساء للعودة إلى الفضاء المنزلي وتقلّص مشاركتهن في الحياة الاقتصادية، فإن إمكانيات تعديله واردة بشكل يكون أثره شاملًا وإيجابيًا على المجتمع ككل وعلى النساء بشكل خاص.

ومن المهم التذكير أنه لم تنجح كل القوى الحية ونضالات الحركة النسوية في تحقيق مساواة تامة بين النساء والرجال في تونس، وبقيت مسألة المساواة في الإرث من «التابوهات» والمواضيع المقسِّمة التي لم يجرؤ أي من الأنظمة على تناولها وفرضها بقوة القانون ومبدأ المساواة المُدسترة بين كل التونسيين والتونسيات.

كما يبقى إنفاذ القانون الخاص بمناهضة جميع أشكال العنف المسلط على النساء يشكو من نقائص. وأمام ضعف أجهزة الحماية للنساء ومسارات المرافقة والتقاضي، تتكبد الكثيرات شتى أنواع العنف والتنكيل الذكوري في مختلف الفضاءات، ويواجهن انتهاكات وعنفًا يقابله  عدم تفعيل للقانون 58-2017، خصوصًا في جانبه الوقائي والحمائي.

وفي انتظار الإحصائيات المُحيّنة لهذه السنة، تجدر الإشارة إلى أن الأرقام الصادرة عن وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن تفيد بأن العنف المسلط على النساء في تونس قد ارتفع في السنوات الأخيرة، وأن العنف الزوجي بات يمثّل أعلى نسبة من أشكال العنف المسجّلة.

وتكشف الإشعارات التي تصل عبر الخط الأخضر أن 71 % من العنف المسلط على النساء هو عنف زوجي. ويشمل العنف مختلف الفئات العمرية والتعليمية، ويتخذ أشكالًا مختلفة: الجسدي واللفظي والاقتصادي والجنسي والمادي. وتقول الوزارة إنه يمكن لحالة عنف واحدة أن تشمل أكثر من شكل من أشكال العنف.

وتواجه النساء، بمختلف انتماءاتهن الاجتماعية والاقتصادية، إشكاليات في الولوج إلى العدالة في قضايا العنف المسجلة. 

وعلى المستوى الدولي، حتى اليوم، لم تنجح أي دولة في ردم الفجوات القانونية القائمة بين الرجال والنساء. وفي الوقت الراهن لا تحوز النساء سوى 64 % من الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال على الصعيد العالمي. وفي مجالات محددة تشمل العمل والموارد المالية والسلامة والأسرة والملكية وحرية التنقل وممارسة الأعمال والتقاعد، تنحاز القوانين، بصورة منهجية، ضد النساء.

ويدعو اليوم العالمي للمرأة لعام 2026، الذي يُحتفى به تحت شعار «الحقوق. العدالة. العمل. من أجل جميع النساء والفتيات»، إلى تنفيذ تدابير حاسمة لتفكيك جميع العوائق التي تحول دون إرساء العدالة المتكافئة، بما في ذلك القوانين التمييزية، وضعف الضمانات القانونية، والممارسات الضارة والمعايير الاجتماعية التي تنتقص من حقوق النساء والفتيات وتقوضها.

ريم سوودي