مرة أخرى تتوقف الدولة في أعلى هرمها عند ملف الصناديق الاجتماعية، بوصفه أحد أعمدة منظومة الحماية الاجتماعية وأحد الآليات الأساسية لضمان الاستقرار والعدالة صلب المجتمع. فالأمر يتجاوز كونه مجرد توازنات مالية أو أرقام عجز تتراكم من سنة إلى أخرى، ليطال ملفًا دقيقًا يمس مباشرة صميم العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، لاسيما وأن هذه المؤسسات التي يفترض أن تكون ضمانة للكادحين وكرامة للمتقاعدين تحولت، مع مرور الزمن، إلى عنوان لأزمة هيكلية معقدة تراكمت أسبابها بين اختيارات غير موفقة وسوء تصرف إداري ومالي، فضلًا عن إشكاليات عميقة في الحوكمة وفي آليات التسيير والتصرف.
وفي هذا الإطار يكتسب اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيّد برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر أهمية خاصة، باعتباره يعيد هذا الملف إلى صدارة الاهتمام والنقاش الوطني في مرحلة تفتح فيها الدولة مقاربات إصلاحية شاملة في أكثر من مجال.
فملف الصناديق الاجتماعية، على أهميته، لم يعد يحتمل حلولًا ترقيعية أو معالجات ظرفية، بما أن النهوض به بات رهين الإجابة عن سؤال جوهري مفاده: كيف يمكن إعادة بناء منظومة اجتماعية أكثر عدلًا وتوازنًا واستدامة، وتكون في الوقت نفسه قادرة على حماية الحقوق الاجتماعية للتونسيين وضمان توازناتها المالية على المدى البعيد؟
ومن هنا يندرج لقاء قرطاج في سياق بحث الدولة في أعلى هرمها عن مسار إصلاحي جديد يعالج جذور الأزمة، ويؤسس لمرحلة تكون فيها الصناديق الاجتماعية ركيزة فعلية للاستقرار الاجتماعي.
معركة التصحيح الهيكلي
في هذا الخصوص لم يكن اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيّد بكل من رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر مجرد لقاء دوري لمناقشة توازنات مالية، بل كان إعلانًا سياسيًا عن انطلاق معركة «التصحيح الهيكلي» في أحد أكثر القطاعات حساسية ومساسًا بالسلم الاجتماعي.
ويأتي هذا اللقاء في مرحلة يؤكد من خلالها رئيس الدولة قيس سعيّد أهمية القطع مع سياسات «الرتق» والحلول الترقيعية، والتوجه نحو بناء منظومة جديدة تقوم على أنقاض نموذج أثبت قصوره وعدم أهليته، جراء سوء التصرف الذي كان سببًا رئيسيًا في استنزاف منظومة الصناديق الاجتماعية وتدهورها.
ومن هذا المنطلق، وضمن هذه المقاربة، يشكل ملف الصناديق الاجتماعية في تونس أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا نظرًا لارتباطه بتوازنات اجتماعية واقتصادية تمس مباشرة ملايين التونسيين. وهنا يؤكد رئيس الدولة قيس سعيّد، من خلال لقاء قرطاج، أن هذا الملف أُدرج ضمن أولويات الدولة بعيدًا عن سياسة المسكنات والمعالجات الظرفية، وإنما من منظور إصلاحي شامل يطال جذور الأزمة ويؤشر لمنظومة أكثر توازنًا وديمومة، على اعتبار أن الصناديق الاجتماعية ليست مجرد مؤسسات إدارية تُعنى فقط بتسيير الجرايات أو تأمين التغطية الاجتماعية، وإنما هي أحد مفاتيح الاستقرار الاجتماعي في البلاد.
ومن هذا المنطلق جاء تأكيد رئيس الدولة قيس سعيّد أن الوضع الذي آلت إليه هذه الصناديق «لم يعد مقبولًا»، في إشارة واضحة إلى حجم التجاوزات التي تراكمت على مدار سنوات خلت. فالعجز المالي المتفاقم، وتراجع جودة الخدمات، وتزايد حجم الضغوطات الديمغرافية والاقتصادية، كلها عوامل جعلت من هذا الملف تحديًا هيكليًا يهدد توازن المنظومة الاجتماعية برمتها.
غير أن اللافت في مضمون هذا اللقاء هو الإقرار الواضح بأن الأزمة ليست وليدة ظرف اقتصادي عابر، وإنما هي نتيجة «إرث ثقيل» من الاختيارات الخاطئة وسوء التصرف، بل وحتى الفساد الذي أدى إلى استنزاف موارد الصناديق. وهذه المقاربة تعكس توجهًا سياسيًا يسعى إلى إعادة قراءة الأزمة في سياقها التاريخي، بعيدًا عن الحلول التقنية الترقيعية الضيقة التي اكتفت في مراحل سابقة بمعالجات جزئية لم تغير من الواقع شيئًا.
فالإصلاح الحقيقي، كما تعرض إليه رئيس الدولة قيس سعيّد، يقتضي تشخيصًا عميقًا للأسباب التي دفعت بالمنظومة إلى هذه المرحلة من التردي، بما يسمح بتفكيك حلقات الخلل وإعادة بناء النظام على أسس أكثر صلابة.
وفي هذا الإطار يبرز مفهوم «الإصلاحات الهيكلية الشاملة» الذي أكد عليه رئيس الدولة قيس سعيّد كعنوان رئيسي للمرحلة القادمة. فالمسألة لا تتعلق بإجراءات ترقيعية أو تعديلات محدودة على بعض النصوص القانونية، بل بإعادة النظر في المنظومة بأكملها: من طرق التمويل، إلى أنماط الحوكمة، وصولًا إلى طبيعة الخدمات المقدمة للمضمونين الاجتماعيين.
ترسيخ مبادئ العدل والإنصاف
وفي هذا السياق يراهن رئيس الدولة قيس سعيّد على مقاربة إصلاحية تقوم على معالجة جذور الإخلالات المتراكمة داخل هذه الصناديق، وذلك عبر بناء منظومة أكثر شفافية ونجاعة في إدارة الموارد بما يضمن ديمومتها المالية ويعيد إليها دورها الريادي كمنظومة للحماية الاجتماعية.
كما يندرج هذا التوجه ضمن رؤية أوسع تسعى إلى ترسيخ مبادئ العدل والإنصاف بين مختلف الفئات الاجتماعية، بحيث لا يكون الإصلاح مجرد عملية لإعادة التوازنات المالية إلى نصابها، بل مسارًا يهدف في جوهره إلى حماية حقوق المضمونين الاجتماعيين وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
ومن جانب آخر، من بين الرسائل اللافتة التي تضمنها هذا اللقاء أيضًا تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد ضرورة أن يقوم الاستشراف المستقبلي على «اختيارات واضحة قوامها العدل والإنصاف». فالإصلاح الاجتماعي، وفقًا لهذا التصور، لا يمكن أن يكون مجرد عملية حسابية لإعادة التوازنات المالية إلى الصناديق، بل يجب أن يحافظ في جوهره على البعد الاجتماعي للمنظومة، على اعتبار أن الهدف الرئيسي لا ينحصر في تقليص العجز، وإنما في ضمان حقوق التونسيين في التغطية الاجتماعية وفي جرايات تحفظ كرامتهم بعد سنوات من البذل والعطاء.
كما يعكس حديث رئيس الدولة قيس سعيّد عن الحاجة إلى «نصوص جديدة» توجهًا نحو القطع مع مرحلة طغت فيها المعالجات الجزئية التي وصفها بـ»الرتق». فهذه العبارة تختزل نقدًا واضحًا لسياسات سابقة اعتمدت حلولًا ترقيعية ظرفية سرعان ما تجاوزها الزمن. ومن هنا يبرز الرهان الحقيقي: صياغة إطار تشريعي جديد قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ويمنح الصناديق الاجتماعية آليات فعلية تضمن ديمومتها المالية والإدارية.
الصناديق كرافعة مالية
وفي بعد آخر لا يقل أهمية، حمل لقاء قرطاج رسالة سياسية مفادها أن الصناديق الاجتماعية كان يفترض أن لا تعاني مطلقًا عجزًا أو صعوبات، إذ كان يمكن أن تتحول إلى رافعة مالية تدعم ميزانية الدولة عند الحاجة.
ويمثل هذا الطرح إعادة تعريف لدور الصناديق الاجتماعية، فبدلًا من أن تظل مجرد هياكل تقتات على مساهمات المنخرطين وتستجدي دعم الدولة لتغطية عجزها، يرى رئيس الجمهورية قيس سعيّد أنه كان من المفترض أن تكون «مصدرًا لتمويل ميزانية الدولة».
وهذا التوجه يشير إلى رؤية اقتصادية تهدف إلى تحويل المدخرات الاجتماعية إلى استثمارات تسهم في خلق الثروة. ومن هذا المنطلق يبرز الرهان على إرساء حوكمة رشيدة تضمن حسن إدارة هذه الموارد، بما يحقق التوازن بين ضمان حقوق المضمونين الاجتماعيين والمساهمة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية بما يخدم مصالح الأجيال القادمة.
إعادة ترتيب الأولويات
من جهة أخرى، جدير بالذكر أنه يمكن قراءة هذا اللقاء ضمن سياق التوجه العام الذي يسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل السياسات العمومية، عبر التركيز على الملفات التي تمس مباشرة حياة المواطنين. فالإصلاح الاجتماعي لا ينفصل عن مسار إصلاح الدولة نفسها، ولا عن الرهان الأكبر المتعلق باستعادة ثقة المواطن في المؤسسات العمومية وكافة هياكل الدولة. ذلك أن نجاح أي إصلاح في هذا المجال يظل رهين مدى قدرته على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
كما أن التأكيد المتكرر من قبل رئيس الدولة قيس سعيّد على مواصلة العمل «دون انقطاع لرفع كل التحديات» يحمل في طياته رسالة طمأنة للرأي العام، مفادها أن الدولة واعية بحجم التحديات الاجتماعية التي تواجهها، وأنها عازمة على التعامل معها بمنطق الإصلاح العميق لا بمنطق إدارة الأزمات.
فملف الصناديق الاجتماعية لم يعد يحتمل التأجيل، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين متطلبات الديمومة المالية ومقتضيات العدالة الاجتماعية.
وفي هذا الخضم يمكن القول إن لقاء قرطاج يعكس بداية مرحلة جديدة في التعاطي مع أحد أعقد الملفات الاجتماعية في تونس؛ مرحلة عنوانها الانتقال من تشخيص الأزمة إلى الشروع في صياغة حلول جذرية تعيد للمنظومة الاجتماعية توازنها ودورها الريادي.
فالإصلاح الفعلي لمنظومة الصناديق الاجتماعية هو بالأساس خيار سياسي واجتماعي يحدد طبيعة العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها، وهو ما يعمل رئيس الجمهورية قيس سعيّد على ترسيخه من خلال الدفع نحو إصلاحات عميقة وجذرية تعيد لهذه الصناديق إشعاعها ودورها الريادي.
وبين الإرث الثقيل وتعقيدات الحاضر وتحديات المستقبل، يبقى الرهان الأساسي هو تجسيم الإرادة السياسية المعلنة إلى سياسات عملية قادرة على إعادة الثقة في منظومة الحماية الاجتماعية. فحين تستعيد هذه المؤسسات توازنها وتنجح في أداء دورها على الوجه المطلوب، فإنها ستكون أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي ورافعة من روافع بناء الدولة العادلة التي يتطلع إليها الجميع.
منال حرزي
مرة أخرى تتوقف الدولة في أعلى هرمها عند ملف الصناديق الاجتماعية، بوصفه أحد أعمدة منظومة الحماية الاجتماعية وأحد الآليات الأساسية لضمان الاستقرار والعدالة صلب المجتمع. فالأمر يتجاوز كونه مجرد توازنات مالية أو أرقام عجز تتراكم من سنة إلى أخرى، ليطال ملفًا دقيقًا يمس مباشرة صميم العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، لاسيما وأن هذه المؤسسات التي يفترض أن تكون ضمانة للكادحين وكرامة للمتقاعدين تحولت، مع مرور الزمن، إلى عنوان لأزمة هيكلية معقدة تراكمت أسبابها بين اختيارات غير موفقة وسوء تصرف إداري ومالي، فضلًا عن إشكاليات عميقة في الحوكمة وفي آليات التسيير والتصرف.
وفي هذا الإطار يكتسب اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيّد برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر أهمية خاصة، باعتباره يعيد هذا الملف إلى صدارة الاهتمام والنقاش الوطني في مرحلة تفتح فيها الدولة مقاربات إصلاحية شاملة في أكثر من مجال.
فملف الصناديق الاجتماعية، على أهميته، لم يعد يحتمل حلولًا ترقيعية أو معالجات ظرفية، بما أن النهوض به بات رهين الإجابة عن سؤال جوهري مفاده: كيف يمكن إعادة بناء منظومة اجتماعية أكثر عدلًا وتوازنًا واستدامة، وتكون في الوقت نفسه قادرة على حماية الحقوق الاجتماعية للتونسيين وضمان توازناتها المالية على المدى البعيد؟
ومن هنا يندرج لقاء قرطاج في سياق بحث الدولة في أعلى هرمها عن مسار إصلاحي جديد يعالج جذور الأزمة، ويؤسس لمرحلة تكون فيها الصناديق الاجتماعية ركيزة فعلية للاستقرار الاجتماعي.
معركة التصحيح الهيكلي
في هذا الخصوص لم يكن اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيّد بكل من رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر مجرد لقاء دوري لمناقشة توازنات مالية، بل كان إعلانًا سياسيًا عن انطلاق معركة «التصحيح الهيكلي» في أحد أكثر القطاعات حساسية ومساسًا بالسلم الاجتماعي.
ويأتي هذا اللقاء في مرحلة يؤكد من خلالها رئيس الدولة قيس سعيّد أهمية القطع مع سياسات «الرتق» والحلول الترقيعية، والتوجه نحو بناء منظومة جديدة تقوم على أنقاض نموذج أثبت قصوره وعدم أهليته، جراء سوء التصرف الذي كان سببًا رئيسيًا في استنزاف منظومة الصناديق الاجتماعية وتدهورها.
ومن هذا المنطلق، وضمن هذه المقاربة، يشكل ملف الصناديق الاجتماعية في تونس أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا نظرًا لارتباطه بتوازنات اجتماعية واقتصادية تمس مباشرة ملايين التونسيين. وهنا يؤكد رئيس الدولة قيس سعيّد، من خلال لقاء قرطاج، أن هذا الملف أُدرج ضمن أولويات الدولة بعيدًا عن سياسة المسكنات والمعالجات الظرفية، وإنما من منظور إصلاحي شامل يطال جذور الأزمة ويؤشر لمنظومة أكثر توازنًا وديمومة، على اعتبار أن الصناديق الاجتماعية ليست مجرد مؤسسات إدارية تُعنى فقط بتسيير الجرايات أو تأمين التغطية الاجتماعية، وإنما هي أحد مفاتيح الاستقرار الاجتماعي في البلاد.
ومن هذا المنطلق جاء تأكيد رئيس الدولة قيس سعيّد أن الوضع الذي آلت إليه هذه الصناديق «لم يعد مقبولًا»، في إشارة واضحة إلى حجم التجاوزات التي تراكمت على مدار سنوات خلت. فالعجز المالي المتفاقم، وتراجع جودة الخدمات، وتزايد حجم الضغوطات الديمغرافية والاقتصادية، كلها عوامل جعلت من هذا الملف تحديًا هيكليًا يهدد توازن المنظومة الاجتماعية برمتها.
غير أن اللافت في مضمون هذا اللقاء هو الإقرار الواضح بأن الأزمة ليست وليدة ظرف اقتصادي عابر، وإنما هي نتيجة «إرث ثقيل» من الاختيارات الخاطئة وسوء التصرف، بل وحتى الفساد الذي أدى إلى استنزاف موارد الصناديق. وهذه المقاربة تعكس توجهًا سياسيًا يسعى إلى إعادة قراءة الأزمة في سياقها التاريخي، بعيدًا عن الحلول التقنية الترقيعية الضيقة التي اكتفت في مراحل سابقة بمعالجات جزئية لم تغير من الواقع شيئًا.
فالإصلاح الحقيقي، كما تعرض إليه رئيس الدولة قيس سعيّد، يقتضي تشخيصًا عميقًا للأسباب التي دفعت بالمنظومة إلى هذه المرحلة من التردي، بما يسمح بتفكيك حلقات الخلل وإعادة بناء النظام على أسس أكثر صلابة.
وفي هذا الإطار يبرز مفهوم «الإصلاحات الهيكلية الشاملة» الذي أكد عليه رئيس الدولة قيس سعيّد كعنوان رئيسي للمرحلة القادمة. فالمسألة لا تتعلق بإجراءات ترقيعية أو تعديلات محدودة على بعض النصوص القانونية، بل بإعادة النظر في المنظومة بأكملها: من طرق التمويل، إلى أنماط الحوكمة، وصولًا إلى طبيعة الخدمات المقدمة للمضمونين الاجتماعيين.
ترسيخ مبادئ العدل والإنصاف
وفي هذا السياق يراهن رئيس الدولة قيس سعيّد على مقاربة إصلاحية تقوم على معالجة جذور الإخلالات المتراكمة داخل هذه الصناديق، وذلك عبر بناء منظومة أكثر شفافية ونجاعة في إدارة الموارد بما يضمن ديمومتها المالية ويعيد إليها دورها الريادي كمنظومة للحماية الاجتماعية.
كما يندرج هذا التوجه ضمن رؤية أوسع تسعى إلى ترسيخ مبادئ العدل والإنصاف بين مختلف الفئات الاجتماعية، بحيث لا يكون الإصلاح مجرد عملية لإعادة التوازنات المالية إلى نصابها، بل مسارًا يهدف في جوهره إلى حماية حقوق المضمونين الاجتماعيين وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
ومن جانب آخر، من بين الرسائل اللافتة التي تضمنها هذا اللقاء أيضًا تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد ضرورة أن يقوم الاستشراف المستقبلي على «اختيارات واضحة قوامها العدل والإنصاف». فالإصلاح الاجتماعي، وفقًا لهذا التصور، لا يمكن أن يكون مجرد عملية حسابية لإعادة التوازنات المالية إلى الصناديق، بل يجب أن يحافظ في جوهره على البعد الاجتماعي للمنظومة، على اعتبار أن الهدف الرئيسي لا ينحصر في تقليص العجز، وإنما في ضمان حقوق التونسيين في التغطية الاجتماعية وفي جرايات تحفظ كرامتهم بعد سنوات من البذل والعطاء.
كما يعكس حديث رئيس الدولة قيس سعيّد عن الحاجة إلى «نصوص جديدة» توجهًا نحو القطع مع مرحلة طغت فيها المعالجات الجزئية التي وصفها بـ»الرتق». فهذه العبارة تختزل نقدًا واضحًا لسياسات سابقة اعتمدت حلولًا ترقيعية ظرفية سرعان ما تجاوزها الزمن. ومن هنا يبرز الرهان الحقيقي: صياغة إطار تشريعي جديد قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ويمنح الصناديق الاجتماعية آليات فعلية تضمن ديمومتها المالية والإدارية.
الصناديق كرافعة مالية
وفي بعد آخر لا يقل أهمية، حمل لقاء قرطاج رسالة سياسية مفادها أن الصناديق الاجتماعية كان يفترض أن لا تعاني مطلقًا عجزًا أو صعوبات، إذ كان يمكن أن تتحول إلى رافعة مالية تدعم ميزانية الدولة عند الحاجة.
ويمثل هذا الطرح إعادة تعريف لدور الصناديق الاجتماعية، فبدلًا من أن تظل مجرد هياكل تقتات على مساهمات المنخرطين وتستجدي دعم الدولة لتغطية عجزها، يرى رئيس الجمهورية قيس سعيّد أنه كان من المفترض أن تكون «مصدرًا لتمويل ميزانية الدولة».
وهذا التوجه يشير إلى رؤية اقتصادية تهدف إلى تحويل المدخرات الاجتماعية إلى استثمارات تسهم في خلق الثروة. ومن هذا المنطلق يبرز الرهان على إرساء حوكمة رشيدة تضمن حسن إدارة هذه الموارد، بما يحقق التوازن بين ضمان حقوق المضمونين الاجتماعيين والمساهمة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية بما يخدم مصالح الأجيال القادمة.
إعادة ترتيب الأولويات
من جهة أخرى، جدير بالذكر أنه يمكن قراءة هذا اللقاء ضمن سياق التوجه العام الذي يسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل السياسات العمومية، عبر التركيز على الملفات التي تمس مباشرة حياة المواطنين. فالإصلاح الاجتماعي لا ينفصل عن مسار إصلاح الدولة نفسها، ولا عن الرهان الأكبر المتعلق باستعادة ثقة المواطن في المؤسسات العمومية وكافة هياكل الدولة. ذلك أن نجاح أي إصلاح في هذا المجال يظل رهين مدى قدرته على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
كما أن التأكيد المتكرر من قبل رئيس الدولة قيس سعيّد على مواصلة العمل «دون انقطاع لرفع كل التحديات» يحمل في طياته رسالة طمأنة للرأي العام، مفادها أن الدولة واعية بحجم التحديات الاجتماعية التي تواجهها، وأنها عازمة على التعامل معها بمنطق الإصلاح العميق لا بمنطق إدارة الأزمات.
فملف الصناديق الاجتماعية لم يعد يحتمل التأجيل، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين متطلبات الديمومة المالية ومقتضيات العدالة الاجتماعية.
وفي هذا الخضم يمكن القول إن لقاء قرطاج يعكس بداية مرحلة جديدة في التعاطي مع أحد أعقد الملفات الاجتماعية في تونس؛ مرحلة عنوانها الانتقال من تشخيص الأزمة إلى الشروع في صياغة حلول جذرية تعيد للمنظومة الاجتماعية توازنها ودورها الريادي.
فالإصلاح الفعلي لمنظومة الصناديق الاجتماعية هو بالأساس خيار سياسي واجتماعي يحدد طبيعة العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها، وهو ما يعمل رئيس الجمهورية قيس سعيّد على ترسيخه من خلال الدفع نحو إصلاحات عميقة وجذرية تعيد لهذه الصناديق إشعاعها ودورها الريادي.
وبين الإرث الثقيل وتعقيدات الحاضر وتحديات المستقبل، يبقى الرهان الأساسي هو تجسيم الإرادة السياسية المعلنة إلى سياسات عملية قادرة على إعادة الثقة في منظومة الحماية الاجتماعية. فحين تستعيد هذه المؤسسات توازنها وتنجح في أداء دورها على الوجه المطلوب، فإنها ستكون أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي ورافعة من روافع بناء الدولة العادلة التي يتطلع إليها الجميع.