إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الشاب مامي في "رمضان في المدينة".. سهرة اختزلت مسيرة ممتدة أدى فيها فنان الراي الشهير من رصيده المتنوع وسط تفاعل جماهيري ملفت

في إطار برمجة الدورة السابعة لتظاهرة “رمضان في المدينة”، احتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، مساء الجمعة 27 فيفري 2026، السهرة الثانية من هذه الدورة، التي أحياها فنان الراي الجزائري الشاب مامي أمام قاعة رفعت لافتة الاكتمال. أمسية جاءت لتؤكد مكانة هذا الاسم في المشهد المغاربي، ولتكرّس في الآن ذاته حضور موسيقى الراي ضمن البرمجة الرمضانية للعاصمة، في لقاء جمع بين رصيد فني ممتد وتفاعل جماهيري لافت.

منذ اللحظات الأولى، اختار مامي أن يفتتح عرضه بأغنية “AZWAW”، واضعا بذلك الإطار الإيقاعي الذي ستتحرك داخله السهرة. افتتاحية حملت طاقة واضحة، ومهدت لانتقالات مدروسة بين محطات مختلفة من مسيرته. لم يتأخر في تقديم “LET ME CRY” و“MA VIE 2 FOIS”، حيث طغت النبرة الرومانسية التي ميّزت جانبا كبيرا من إنتاجه في تسعينات القرن الماضي، قبل أن يواصل بـ“LAZRAG” و“MADANITE” في مسار تصاعدي حافظ على نسق الحفل، وأبقى الجمهور في حالة تفاعل مستمر.

البرنامج الغنائي لم يُبنَ على منطق الاستعراض بقدر ما ارتكز على استعادة متوازنة لمراحل فنية متباينة. حضرت “ما ظنيت” و“ادوها عليا” و“تزعزع خاطري” كأعمال ارتبطت بمرحلة صعوده وانتشاره الواسع، فيما شكّلت “MELI-MELI” لحظة مفصلية في السهرة، إذ تحولت القاعة إلى مساحة جماعية لترديد الأغنية الشهيرة، في مشهد يعكس مدى رسوخها في الذاكرة المشتركة لجمهور الراي.

كما أدّى فنان الراي “فاطمة”، استجابة لتفاعل الحاضرين، مضيفا إلى الأمسية جرعة من الشجن، قبل أن يخصص حيزا لأغنية “بلادي هي الجزائر”، التي حملت بعدا وجدانيا واضحا، خاصة مع تأكيده على عمق الروابط بين تونس والجزائر. تواصل العرض بعد ذلك بإيقاع أكثر سرعة مع “MAMAZAREH” و“HAOULOU” و“WELI YABA”، في خاتمة حافظت على حيوية الأداء، وأبقت نسق السهرة متصاعدا إلى حدود اللحظات الأخيرة.

من الناحية الموسيقية، بدا واضحا أن العرض حافظ على الخصوصية الإيقاعية للراي كما تشكل في بيئته الأصلية، مع إدراج عناصر توزيع حديثة منحت بعض الأعمال نفسا مختلفا. لم يكن هناك تفريط في الهوية، بل سعي إلى تحديث الشكل دون المساس بالجوهر، وهو خيار رافق مسيرة مامي منذ بداياته. الانسجام بينه وبين فرقته بدا جليا، سواء في إدارة الإيقاع أو في الانتقالات السلسة بين الأغاني، ما منح السهرة تماسكها الفني.

الحضور الجماهيري في هذه الأمسية عكس خصوصية المشهد الثقافي التونسي، حيث تتعايش أنماط موسيقية متعددة داخل الذائقة الواحدة. فالجمهور الذي ملأ مدارج الأوبرا لا يُختزل في شريحة واحدة أو في خلفية موسيقية بعينها، بل هو جمهور اعتاد التنقل بين الطرب الكلاسيكي والموسيقى البديلة، بين الجاز والروك والموسيقى الشعبية، دون أن يرى في ذلك تناقضا. هذه القابلية للتفاعل مع أنماط مختلفة جعلت من استقبال الراي في فضاء الأوبرا أمرا طبيعيا، بل منسجما مع تاريخ تونس الثقافي القائم على التعدد والانفتاح. وقد بدا واضحا أن هذا التنوع في الذائقة لا يلغي الحس النقدي، بل يضاعف من انتظارات الجمهور، الذي يتعامل مع العرض بوصفه تجربة فنية متكاملة، لا مجرد سهرة ترفيهية.

هذا التفاعل لا ينفصل عن مسار فنان راكم حضورا يتجاوز أربعة عقود. الشاب مامي، المولود سنة 1966 بمدينة سعيدة جنوب وهران، برز اسمه منذ مشاركته في مهرجان مرسيليا سنة 1986، في محطة أسهمت في فتح آفاق أوسع أمامه خارج الجزائر. وكان من أوائل فناني الراي الذين سجلوا ألبومات في فرنسا، ما مكّن هذا اللون الموسيقي من دخول السوق الأوروبية والخروج من نطاقه المحلي الضيق.

وعلى امتداد مسيرته، لم يكتفِ بتثبيت موقعه داخل الفضاء المغاربي، بل انفتح على تجارب تعاون مع أسماء دولية مثل Sting وZucchero وسميرة سعيد، في أعمال جمعت بين الإيقاعات المغاربية والتوزيعات الغربية. هذه التجارب لم تكن مجرد لقاءات عابرة، بل شكلت جزءا من مسار نقل الراي إلى دوائر أوسع، ومنحته بعدا عالميا دون أن يفقد جذوره الشعبية.

السهرة التي احتضنتها الأوبرا جاءت أيضا في سياق حضور متجدد له في تونس، بعد مشاركته في الدورة 59 لمهرجان الحمامات الدولي صائفة 2025، في عودة اعتُبرت آنذاك محطة بارزة بعد غياب طويل عن ركح المهرجان. وها هو يجدد اللقاء ضمن “رمضان في المدينة” في عرضين متتاليين يومي 27 و28 فيفري، بما يعكس استمرارية العلاقة بينه وبين الجمهور التونسي، وعلى أن هذا اللون الموسيقي ما يزال يجد له موقعا داخل فضاء ثقافي منفتح على التعدد والاختلاف.

إيمان عبد اللطيف

 

 

 

الشاب مامي في "رمضان في المدينة"..   سهرة اختزلت مسيرة ممتدة أدى فيها فنان الراي الشهير من رصيده المتنوع وسط تفاعل جماهيري ملفت

في إطار برمجة الدورة السابعة لتظاهرة “رمضان في المدينة”، احتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، مساء الجمعة 27 فيفري 2026، السهرة الثانية من هذه الدورة، التي أحياها فنان الراي الجزائري الشاب مامي أمام قاعة رفعت لافتة الاكتمال. أمسية جاءت لتؤكد مكانة هذا الاسم في المشهد المغاربي، ولتكرّس في الآن ذاته حضور موسيقى الراي ضمن البرمجة الرمضانية للعاصمة، في لقاء جمع بين رصيد فني ممتد وتفاعل جماهيري لافت.

منذ اللحظات الأولى، اختار مامي أن يفتتح عرضه بأغنية “AZWAW”، واضعا بذلك الإطار الإيقاعي الذي ستتحرك داخله السهرة. افتتاحية حملت طاقة واضحة، ومهدت لانتقالات مدروسة بين محطات مختلفة من مسيرته. لم يتأخر في تقديم “LET ME CRY” و“MA VIE 2 FOIS”، حيث طغت النبرة الرومانسية التي ميّزت جانبا كبيرا من إنتاجه في تسعينات القرن الماضي، قبل أن يواصل بـ“LAZRAG” و“MADANITE” في مسار تصاعدي حافظ على نسق الحفل، وأبقى الجمهور في حالة تفاعل مستمر.

البرنامج الغنائي لم يُبنَ على منطق الاستعراض بقدر ما ارتكز على استعادة متوازنة لمراحل فنية متباينة. حضرت “ما ظنيت” و“ادوها عليا” و“تزعزع خاطري” كأعمال ارتبطت بمرحلة صعوده وانتشاره الواسع، فيما شكّلت “MELI-MELI” لحظة مفصلية في السهرة، إذ تحولت القاعة إلى مساحة جماعية لترديد الأغنية الشهيرة، في مشهد يعكس مدى رسوخها في الذاكرة المشتركة لجمهور الراي.

كما أدّى فنان الراي “فاطمة”، استجابة لتفاعل الحاضرين، مضيفا إلى الأمسية جرعة من الشجن، قبل أن يخصص حيزا لأغنية “بلادي هي الجزائر”، التي حملت بعدا وجدانيا واضحا، خاصة مع تأكيده على عمق الروابط بين تونس والجزائر. تواصل العرض بعد ذلك بإيقاع أكثر سرعة مع “MAMAZAREH” و“HAOULOU” و“WELI YABA”، في خاتمة حافظت على حيوية الأداء، وأبقت نسق السهرة متصاعدا إلى حدود اللحظات الأخيرة.

من الناحية الموسيقية، بدا واضحا أن العرض حافظ على الخصوصية الإيقاعية للراي كما تشكل في بيئته الأصلية، مع إدراج عناصر توزيع حديثة منحت بعض الأعمال نفسا مختلفا. لم يكن هناك تفريط في الهوية، بل سعي إلى تحديث الشكل دون المساس بالجوهر، وهو خيار رافق مسيرة مامي منذ بداياته. الانسجام بينه وبين فرقته بدا جليا، سواء في إدارة الإيقاع أو في الانتقالات السلسة بين الأغاني، ما منح السهرة تماسكها الفني.

الحضور الجماهيري في هذه الأمسية عكس خصوصية المشهد الثقافي التونسي، حيث تتعايش أنماط موسيقية متعددة داخل الذائقة الواحدة. فالجمهور الذي ملأ مدارج الأوبرا لا يُختزل في شريحة واحدة أو في خلفية موسيقية بعينها، بل هو جمهور اعتاد التنقل بين الطرب الكلاسيكي والموسيقى البديلة، بين الجاز والروك والموسيقى الشعبية، دون أن يرى في ذلك تناقضا. هذه القابلية للتفاعل مع أنماط مختلفة جعلت من استقبال الراي في فضاء الأوبرا أمرا طبيعيا، بل منسجما مع تاريخ تونس الثقافي القائم على التعدد والانفتاح. وقد بدا واضحا أن هذا التنوع في الذائقة لا يلغي الحس النقدي، بل يضاعف من انتظارات الجمهور، الذي يتعامل مع العرض بوصفه تجربة فنية متكاملة، لا مجرد سهرة ترفيهية.

هذا التفاعل لا ينفصل عن مسار فنان راكم حضورا يتجاوز أربعة عقود. الشاب مامي، المولود سنة 1966 بمدينة سعيدة جنوب وهران، برز اسمه منذ مشاركته في مهرجان مرسيليا سنة 1986، في محطة أسهمت في فتح آفاق أوسع أمامه خارج الجزائر. وكان من أوائل فناني الراي الذين سجلوا ألبومات في فرنسا، ما مكّن هذا اللون الموسيقي من دخول السوق الأوروبية والخروج من نطاقه المحلي الضيق.

وعلى امتداد مسيرته، لم يكتفِ بتثبيت موقعه داخل الفضاء المغاربي، بل انفتح على تجارب تعاون مع أسماء دولية مثل Sting وZucchero وسميرة سعيد، في أعمال جمعت بين الإيقاعات المغاربية والتوزيعات الغربية. هذه التجارب لم تكن مجرد لقاءات عابرة، بل شكلت جزءا من مسار نقل الراي إلى دوائر أوسع، ومنحته بعدا عالميا دون أن يفقد جذوره الشعبية.

السهرة التي احتضنتها الأوبرا جاءت أيضا في سياق حضور متجدد له في تونس، بعد مشاركته في الدورة 59 لمهرجان الحمامات الدولي صائفة 2025، في عودة اعتُبرت آنذاك محطة بارزة بعد غياب طويل عن ركح المهرجان. وها هو يجدد اللقاء ضمن “رمضان في المدينة” في عرضين متتاليين يومي 27 و28 فيفري، بما يعكس استمرارية العلاقة بينه وبين الجمهور التونسي، وعلى أن هذا اللون الموسيقي ما يزال يجد له موقعا داخل فضاء ثقافي منفتح على التعدد والاختلاف.

إيمان عبد اللطيف