يعيد ما شهده سوق السمك بباب الجبلي في صفاقس من حالة ركود غير مسبوق، إثر استجابة المواطنين لدعوات مقاطعة أُطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي احتجاجًا على الارتفاع الجنوني لأسعار الأسماك، واتساع رقعة الدعوات لتعميم هذه الحملة للتصدي لكل من يتلاعب بقوت التونسيين، طرح مسألة المقاطعة كسلاح بيد المستهلك للدفاع عن حقوقه إلى جانب موضوع المواطنة الواعية والمسؤولية، والسلوك الاستهلاكي أحد مظاهرها.
يتحمل المواطن جزءا من المسؤولية في وضعه الراهن كضحية لجملة من صنوف التحايل والاحتكار والترفيع في الأسعار، ومزيد استنزاف مقدرته الشرائية بحكم الغياب الكلي للثقافة الاستهلاكية، لا سيما في المناسبات الاستهلاكية الكبرى على غرار شهر رمضان، حيث ترتفع نسبة الاستهلاك لدى التونسي بنسبة 34 % خلال هذا الشهر، وفق دراسة سابقة للمعهد الوطني للاستهلاك.
خلل في العادات الاستهلاكية
يوجد خلل في العادات الاستهلاكية لدى العائلة التونسية يتم استغلاله بشكل فاحش من قبل التجار في غياب أي وسائل دفاع ذاتية من قبل المستهلك، خاصة وأن ثقافة المقاطعة ظلت للأسف موسمية وظرفية ودون نتائج ملموسة على أرض الواقع بسبب نسب الاستجابة المحدودة لمثل هذه الدعوات والحملات من قبل المواطنين، إلا في حالات نادرة على غرار حالة سوق السمك بصفاقس الأخيرة، وقبلها حملة المقاطعة في 2017.
يُذكر أن حملة 2017 كانت عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار "قاطع الغلاء تعيش بالقدا"، وقادها الشباب بهدف مقاطعة جميع أنواع الخضر والغلال والمنتجات الغذائية التي ارتفع سعرها بشكل كبير، مثل "البنان" و"البطاطا"، كما شملت الدعوة مقاطعة "الزقوقو"، وسجلت انخراطًا طوعيًا لعدد كبير من المواطنين.
لكن تحويل هذه المبادرات المحدودة في الزمان والمكان إلى "منظومة دفاع ذاتية" تعمل تلقائيًا لدى المستهلك التونسي مع كل تهديد لمقدرته الشرائية، يواجه العديد من التحديات ويحتاج إلى تغيير العقلية والسلوك.
يقر القائمون على الهياكل المعنية بالدفاع عن المستهلك بأن تحويل المقاطعة إلى سلاح فعال ضد الغلاء والممارسات غير القانونية يحتاج إلى سنوات لتغيير السلوك وترشيد الوعي بضرورة الوقاية الذاتية.
وفي تصريح سابق للمدير العام للمعهد الوطني للاستهلاك، طارق بن جازية، قال: "إن المقاطعة شبه غائبة في الثقافة الاستهلاكية لدى التونسيين، والدراسات التي قام بها المعهد على مدار السنوات الماضية أثبتت أن البعد الاجتماعي يغطّي على الإكراهات الاقتصادية في حياة التونسيين ونمطهم الاستهلاكي".
وفي تصريح إعلامي آخر يقول بن جازية: "إن البعد الاجتماعي للسلوك الاستهلاكي للتونسي يؤكد أن هناك نمط استهلاك يريد التونسي المحافظة عليه وليس مستعدًا لتغييره. على سبيل المثال، أجواء شهر رمضان تضع المستهلك التونسي في جو استهلاكي تام من خلال الإعلانات التلفزيونية والبرامج وحجم المعروض في الأسواق".
تغيير السلوك
مع ذلك، تتواصل الدعوات والمبادرات لدفع التونسي لتغيير سلوكياته الاستهلاكية الخاطئة. ومؤخرًا، وتزامنًا مع الاحتفال باليوم العالمي دون شراء، دعت المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك إلى كبح دوامة الاستهلاك المفرط، وإعادة تقييم العادات الاستهلاكية، واسترجاع القدرة على اتخاذ قرار اقتصادي حر ومسؤول بعيدًا عن الضغوط الإشهارية والتجارية.
ودعت المنظمة المواطن إلى "التوقف عن اقتناء السلع غير الضرورية، حتى يشعر أنه سيد قراراته، وقادر على مقاومة إغراءات الإعلانات والعروض التجارية وتأثيرها على السلوك الشرائي، وضبط ميزانية عائلية واضحة، والتمييز بين الحاجيات والكماليات".
حملات "استهلك تونسي"
إلى جانب المقاطعة، يطرح منذ سنوات جانب آخر من السلوك الاستهلاكي الواعي ويشمل "استهلك تونسي" كسلاح ذاتي وطني له انعكاسات إيجابية على الاقتصاد الوطني، لكنه يمر حتمًا عبر وعي المستهلك.
تجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى أن ورقة تحليلية نشرها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات مؤخرًا بينت أن "الاستهلاك المحلي ليس مجرد بادرة مدنية، إذ إنه يُولّد ثروة للاقتصاد التونسي تصل إلى ضعفين ونصف، كما يُشكل رافعة استراتيجية للمرونة الاقتصادية والسيادة. إذ أن الاستهلاك المحلي يهدف إلى خلق تآزر اقتصادي عام: فكل وحدة نقدية تُنفق على شراء منتج محلي تُولّد زيادة في الدخل القومي والنشاط الاقتصادي العام".
وكشفت الورقة أن "الأرقام الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء خلال آخر مسح أجراه حول ميزانية الأسر التونسية واستهلاكها ومستوى معيشتها عام 2021، تظهر ارتفاعًا ملحوظًا في الإنفاق الإجمالي. أما تحليل تطور الواردات في تونس فيكشف نموًا كبيرًا في معظم المنتجات المستوردة بين عامي 2018 و2023، وهو ما يعني المزيد من استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي، وتفاقم الخلل التجاري، فضلاً عن تدهور الإنتاج المحلي".
وتضمنت التوصيات الصادرة عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات الحاجة إلى تغيير أنماط الاستهلاك، وضرورة استهلاك المنتجات المحلية بشكل أكبر.
م.ي
يعيد ما شهده سوق السمك بباب الجبلي في صفاقس من حالة ركود غير مسبوق، إثر استجابة المواطنين لدعوات مقاطعة أُطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي احتجاجًا على الارتفاع الجنوني لأسعار الأسماك، واتساع رقعة الدعوات لتعميم هذه الحملة للتصدي لكل من يتلاعب بقوت التونسيين، طرح مسألة المقاطعة كسلاح بيد المستهلك للدفاع عن حقوقه إلى جانب موضوع المواطنة الواعية والمسؤولية، والسلوك الاستهلاكي أحد مظاهرها.
يتحمل المواطن جزءا من المسؤولية في وضعه الراهن كضحية لجملة من صنوف التحايل والاحتكار والترفيع في الأسعار، ومزيد استنزاف مقدرته الشرائية بحكم الغياب الكلي للثقافة الاستهلاكية، لا سيما في المناسبات الاستهلاكية الكبرى على غرار شهر رمضان، حيث ترتفع نسبة الاستهلاك لدى التونسي بنسبة 34 % خلال هذا الشهر، وفق دراسة سابقة للمعهد الوطني للاستهلاك.
خلل في العادات الاستهلاكية
يوجد خلل في العادات الاستهلاكية لدى العائلة التونسية يتم استغلاله بشكل فاحش من قبل التجار في غياب أي وسائل دفاع ذاتية من قبل المستهلك، خاصة وأن ثقافة المقاطعة ظلت للأسف موسمية وظرفية ودون نتائج ملموسة على أرض الواقع بسبب نسب الاستجابة المحدودة لمثل هذه الدعوات والحملات من قبل المواطنين، إلا في حالات نادرة على غرار حالة سوق السمك بصفاقس الأخيرة، وقبلها حملة المقاطعة في 2017.
يُذكر أن حملة 2017 كانت عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار "قاطع الغلاء تعيش بالقدا"، وقادها الشباب بهدف مقاطعة جميع أنواع الخضر والغلال والمنتجات الغذائية التي ارتفع سعرها بشكل كبير، مثل "البنان" و"البطاطا"، كما شملت الدعوة مقاطعة "الزقوقو"، وسجلت انخراطًا طوعيًا لعدد كبير من المواطنين.
لكن تحويل هذه المبادرات المحدودة في الزمان والمكان إلى "منظومة دفاع ذاتية" تعمل تلقائيًا لدى المستهلك التونسي مع كل تهديد لمقدرته الشرائية، يواجه العديد من التحديات ويحتاج إلى تغيير العقلية والسلوك.
يقر القائمون على الهياكل المعنية بالدفاع عن المستهلك بأن تحويل المقاطعة إلى سلاح فعال ضد الغلاء والممارسات غير القانونية يحتاج إلى سنوات لتغيير السلوك وترشيد الوعي بضرورة الوقاية الذاتية.
وفي تصريح سابق للمدير العام للمعهد الوطني للاستهلاك، طارق بن جازية، قال: "إن المقاطعة شبه غائبة في الثقافة الاستهلاكية لدى التونسيين، والدراسات التي قام بها المعهد على مدار السنوات الماضية أثبتت أن البعد الاجتماعي يغطّي على الإكراهات الاقتصادية في حياة التونسيين ونمطهم الاستهلاكي".
وفي تصريح إعلامي آخر يقول بن جازية: "إن البعد الاجتماعي للسلوك الاستهلاكي للتونسي يؤكد أن هناك نمط استهلاك يريد التونسي المحافظة عليه وليس مستعدًا لتغييره. على سبيل المثال، أجواء شهر رمضان تضع المستهلك التونسي في جو استهلاكي تام من خلال الإعلانات التلفزيونية والبرامج وحجم المعروض في الأسواق".
تغيير السلوك
مع ذلك، تتواصل الدعوات والمبادرات لدفع التونسي لتغيير سلوكياته الاستهلاكية الخاطئة. ومؤخرًا، وتزامنًا مع الاحتفال باليوم العالمي دون شراء، دعت المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك إلى كبح دوامة الاستهلاك المفرط، وإعادة تقييم العادات الاستهلاكية، واسترجاع القدرة على اتخاذ قرار اقتصادي حر ومسؤول بعيدًا عن الضغوط الإشهارية والتجارية.
ودعت المنظمة المواطن إلى "التوقف عن اقتناء السلع غير الضرورية، حتى يشعر أنه سيد قراراته، وقادر على مقاومة إغراءات الإعلانات والعروض التجارية وتأثيرها على السلوك الشرائي، وضبط ميزانية عائلية واضحة، والتمييز بين الحاجيات والكماليات".
حملات "استهلك تونسي"
إلى جانب المقاطعة، يطرح منذ سنوات جانب آخر من السلوك الاستهلاكي الواعي ويشمل "استهلك تونسي" كسلاح ذاتي وطني له انعكاسات إيجابية على الاقتصاد الوطني، لكنه يمر حتمًا عبر وعي المستهلك.
تجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى أن ورقة تحليلية نشرها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات مؤخرًا بينت أن "الاستهلاك المحلي ليس مجرد بادرة مدنية، إذ إنه يُولّد ثروة للاقتصاد التونسي تصل إلى ضعفين ونصف، كما يُشكل رافعة استراتيجية للمرونة الاقتصادية والسيادة. إذ أن الاستهلاك المحلي يهدف إلى خلق تآزر اقتصادي عام: فكل وحدة نقدية تُنفق على شراء منتج محلي تُولّد زيادة في الدخل القومي والنشاط الاقتصادي العام".
وكشفت الورقة أن "الأرقام الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء خلال آخر مسح أجراه حول ميزانية الأسر التونسية واستهلاكها ومستوى معيشتها عام 2021، تظهر ارتفاعًا ملحوظًا في الإنفاق الإجمالي. أما تحليل تطور الواردات في تونس فيكشف نموًا كبيرًا في معظم المنتجات المستوردة بين عامي 2018 و2023، وهو ما يعني المزيد من استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي، وتفاقم الخلل التجاري، فضلاً عن تدهور الإنتاج المحلي".
وتضمنت التوصيات الصادرة عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات الحاجة إلى تغيير أنماط الاستهلاك، وضرورة استهلاك المنتجات المحلية بشكل أكبر.