إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

إثر انعقاد الدورة الخامسة للمشاورات السياسية بين البلدين.. البرازيل بوابة تونس نحو أمريكا اللاتينية

مع انعقاد الدورة الخامسة للمشاورات السياسية التونسية البرازيلية في العاصمة برازيليا، تدخل العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة عنوانها تركيز شراكة أكثر ديناميكية ووضوحا في الأهداف والمسارات. فهذا الاستحقاق الثنائي، الذي يندرج في إطار الإعداد للقاء مرتقب على مستوى وزيري الخارجية، يعكس في جوهره إرادة سياسية مشتركة لإعادة تقييم مسار التعاون وتناغمه مع مختلف التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.

وفي عالم تتسع فيه رهانات التعاون جنوب-جنوب، تبدو تونس والبرازيل أمام محطة فعلية لترجمة رصيدهما السياسي المتزن إلى شراكة اقتصادية واستراتيجية أكثر عمقًا وفاعلية.

في هذا الخصوص، لطالما اتسمت العلاقات بين تونس والبرازيل بالتوازن والاحترام المتبادل في المحافل الدولية، غير أنها بقيت دون التطلعات المرجوة استثماريا واقتصاديا.

واليوم، يبدو أن هناك توجها لتحويل هذا الرصيد السياسي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، خاصة في ظل سعي تونس إلى تنويع شركائها والانفتاح على أسواق جديدة، على غرار أمريكا اللاتينية.

في هذا السياق، يكتسب قرار الحكومة البرازيلية المتعلق بالإعفاء الجمركي الكلي لصادرات زيت الزيتون البكر التونسي أهمية استراتيجية تتجاوز بعده التجاري المباشر، باعتباره يعكس ثقة في جودة المنتج التونسي، ويفتح في الوقت نفسه نافذة فعلية أمام أحد أهم القطاعات التصديرية في البلاد.

ومن جانبها، البرازيل، بما تمثله من سوق استهلاكية ضخمة واقتصاد صاعد ضمن مجموعة «بريكس»، قادرة على أن تتحول إلى شريك تجاري هام إذا ما تم استثمار هذا الامتياز الجمركي وتسويقه جيدا.

الاندماج جنوب-جنوب

في هذا الاتجاه، تتمثل الأهمية الكبرى للدورة الخامسة للمشاورات السياسية في تطرقها إلى آفاق التعاون مع مجموعة السوق المشتركة لبلدان أمريكا الجنوبية (الميركوسور). فالبرازيل، بوصفها القوة الاقتصادية الأولى داخل هذا التكتل، تمثل بوابة طبيعية لأي انفتاح تونسي على هذا الفضاء الإقليمي.

كما أن استئناف المفاوضات حول اتفاقية للتبادل الحر مع «الميركوسور» يعكس في جوهره رهانا استراتيجيا على تعزيز التعاون جنوب-جنوب، في ظل نظام دولي يشهد تحولات متسارعة، لاسيما وأن تونس تبحث عن تموقع أكثر توازنا في علاقاتها الاقتصادية، وتجد في أمريكا الجنوبية شريكًا محتملاً يتيح تنويع الأسواق وتقليص المخاطر المرتبطة بالتقلبات الاقتصادية في الفضاءات التقليدية المتعارف عليها.

غير أن هذا المسار، ورغم الفرص الهامة التي يتيحها، يظل رهين مدى قدرة بلادنا على تطوير منظومتها اللوجستية، وتوفير آليات تمويل وتأمين تدعم حضور مؤسساتها في أسواق رغم بعدها الجغرافي، إلا أنها تظل واعدة اقتصاديًا.

تعاون قطاعي متعدد الأبعاد

من جانب آخر، جدير بالذكر أن اللافت في اجتماع الدورة الخامسة للمشاورات السياسية التونسية البرازيلية هو تنوع مجالات التعاون المطروحة: النقل، الفلاحة، الديوانة، الرياضة، التربية، وصولًا إلى التكوين الدبلوماسي. وهذا التنوع يعكس وعيًا وإدراكًا مشتركًا بأن العلاقات الثنائية الراهنة بين الدول لا ترتكز فقط على التبادل التجاري، وإنما تقوم على شبكات متداخلة من المصالح القطاعية والتعاون المؤسسي في مجالات حيوية.

ففي المجال الفلاحي، تمثل التجربة البرازيلية محطة هامة للانفتاح على التكنولوجيا الزراعية، بينما تمثل السوق البرازيلية منصة بارزة لترويج منتجات تونسية ذات قيمة مضافة كزيت الزيتون والتمور والصناعات الغذائية.

أما على مستوى التكوين الدبلوماسي، فإن تفعيل مذكرة التفاهم بين الأكاديمية الدبلوماسية الدولية بتونس ومعهد «ريو برانكو» يعكس وعيًا بأهمية الاستثمار في العنصر البشري وبناء جسور مؤسساتية طويلة المدى، خاصة وأن الدبلوماسية الحديثة باتت فضاءً يرتكز على تبادل الخبرات وبناء آليات نفوذ ناعمة.

الاقتصاد في قلب السياسة

من جهة أخرى، فإن اللقاء مع الغرفة التجارية العربية البرازيلية يبرز بدوره إدراكًا متزايدًا لدور الفاعلين الاقتصاديين في تعزيز وتنمية العلاقات الثنائية. فالدبلوماسية الاقتصادية أصبحت اليوم آلية هامة لنجاح السياسة الخارجية، ولا يمكن لأي انفتاح استراتيجي أن يتحقق دون تشريك القطاع الخاص وغرف التجارة والمختلف الفاعلين الصناعيين.

ومن هذا المنطلق، يمثل الإعداد لمشاركة تونس في معرض ساو باولو للصناعات الغذائية، إلى جانب الزيارة المرتقبة لوفد رجال أعمال برازيليين، اختبارًا عمليًا لمدى قدرة البلدين على ترجمة مختلف التوافقات السياسية إلى شراكات استثمارية فعلية. وهنا يبرز التحدي الأكبر عبر ترجمة الانتقال من منطق اللقاءات الدورية إلى بناء مشاريع مستدامة تطال مجالات حيوية مثل التشغيل.

توافق في المواقف الدولية

وفي الإطار نفسه، لم تغب القضايا الإقليمية والدولية عن المشاورات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث جدد الوفد التونسي موقفه الثابت الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني.

ويعكس هذا التقاطع في المواقف حرص البلدين على التنسيق داخل المنتديات والفضاءات المتعددة الأطراف، خاصة وأن البرازيل، بحكم موقعها الدولي، تلعب دورًا مؤثرًا داخل الأمم المتحدة ومجموعة «بريكس».

وهذا البعد السياسي يمنح العلاقة بعدًا يتجاوز المجال الاقتصادي، ويؤسس لإمكانية تنسيق واسع وشامل في عديد الملفات الجوهرية.

ورغم المؤشرات الإيجابية، تبقى العلاقات التونسية البرازيلية في مرحلة بناء، فالبعد الجغرافي وكلفة النقل، كلها تحديات تعوق تطور المبادلات التجارية إلى مستوى التطلعات المرجوة.

غير أن التحولات الجيوسياسية الراهنة، وسعي تونس إلى تنويع شراكاتها، لاسيما مع مراهنة تونس على العمل المتعدد الأطراف، هذا بالتوازي مع صعود البرازيل كفاعل مؤثر في الجنوب العالمي، جميعها عوامل تدفع نحو تعزيز هذا المسار، لا سيما في ظل وجود إرادة سياسية مشتركة لتطوير التعاون الثنائي بين البلدين.

في هذا الخضم، تتجاوز الدورة الخامسة للمشاورات السياسية بين تونس والبرازيل كونها مجرد استحقاق ثنائي لتمثل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين تونس والبرازيل على أسس أكثر واقعية ونجاعة. فالرهان اليوم لا يتمثل فقط في رفع حجم المبادلات، بل في بناء شراكة متوازنة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والتكوين، وتندرج ضمن رؤية أشمل لتكريس تعاون جنوب-جنوب أكثر فعالية.

منال حرزي

إثر انعقاد الدورة الخامسة للمشاورات السياسية بين البلدين..   البرازيل بوابة تونس نحو أمريكا اللاتينية

مع انعقاد الدورة الخامسة للمشاورات السياسية التونسية البرازيلية في العاصمة برازيليا، تدخل العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة عنوانها تركيز شراكة أكثر ديناميكية ووضوحا في الأهداف والمسارات. فهذا الاستحقاق الثنائي، الذي يندرج في إطار الإعداد للقاء مرتقب على مستوى وزيري الخارجية، يعكس في جوهره إرادة سياسية مشتركة لإعادة تقييم مسار التعاون وتناغمه مع مختلف التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.

وفي عالم تتسع فيه رهانات التعاون جنوب-جنوب، تبدو تونس والبرازيل أمام محطة فعلية لترجمة رصيدهما السياسي المتزن إلى شراكة اقتصادية واستراتيجية أكثر عمقًا وفاعلية.

في هذا الخصوص، لطالما اتسمت العلاقات بين تونس والبرازيل بالتوازن والاحترام المتبادل في المحافل الدولية، غير أنها بقيت دون التطلعات المرجوة استثماريا واقتصاديا.

واليوم، يبدو أن هناك توجها لتحويل هذا الرصيد السياسي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، خاصة في ظل سعي تونس إلى تنويع شركائها والانفتاح على أسواق جديدة، على غرار أمريكا اللاتينية.

في هذا السياق، يكتسب قرار الحكومة البرازيلية المتعلق بالإعفاء الجمركي الكلي لصادرات زيت الزيتون البكر التونسي أهمية استراتيجية تتجاوز بعده التجاري المباشر، باعتباره يعكس ثقة في جودة المنتج التونسي، ويفتح في الوقت نفسه نافذة فعلية أمام أحد أهم القطاعات التصديرية في البلاد.

ومن جانبها، البرازيل، بما تمثله من سوق استهلاكية ضخمة واقتصاد صاعد ضمن مجموعة «بريكس»، قادرة على أن تتحول إلى شريك تجاري هام إذا ما تم استثمار هذا الامتياز الجمركي وتسويقه جيدا.

الاندماج جنوب-جنوب

في هذا الاتجاه، تتمثل الأهمية الكبرى للدورة الخامسة للمشاورات السياسية في تطرقها إلى آفاق التعاون مع مجموعة السوق المشتركة لبلدان أمريكا الجنوبية (الميركوسور). فالبرازيل، بوصفها القوة الاقتصادية الأولى داخل هذا التكتل، تمثل بوابة طبيعية لأي انفتاح تونسي على هذا الفضاء الإقليمي.

كما أن استئناف المفاوضات حول اتفاقية للتبادل الحر مع «الميركوسور» يعكس في جوهره رهانا استراتيجيا على تعزيز التعاون جنوب-جنوب، في ظل نظام دولي يشهد تحولات متسارعة، لاسيما وأن تونس تبحث عن تموقع أكثر توازنا في علاقاتها الاقتصادية، وتجد في أمريكا الجنوبية شريكًا محتملاً يتيح تنويع الأسواق وتقليص المخاطر المرتبطة بالتقلبات الاقتصادية في الفضاءات التقليدية المتعارف عليها.

غير أن هذا المسار، ورغم الفرص الهامة التي يتيحها، يظل رهين مدى قدرة بلادنا على تطوير منظومتها اللوجستية، وتوفير آليات تمويل وتأمين تدعم حضور مؤسساتها في أسواق رغم بعدها الجغرافي، إلا أنها تظل واعدة اقتصاديًا.

تعاون قطاعي متعدد الأبعاد

من جانب آخر، جدير بالذكر أن اللافت في اجتماع الدورة الخامسة للمشاورات السياسية التونسية البرازيلية هو تنوع مجالات التعاون المطروحة: النقل، الفلاحة، الديوانة، الرياضة، التربية، وصولًا إلى التكوين الدبلوماسي. وهذا التنوع يعكس وعيًا وإدراكًا مشتركًا بأن العلاقات الثنائية الراهنة بين الدول لا ترتكز فقط على التبادل التجاري، وإنما تقوم على شبكات متداخلة من المصالح القطاعية والتعاون المؤسسي في مجالات حيوية.

ففي المجال الفلاحي، تمثل التجربة البرازيلية محطة هامة للانفتاح على التكنولوجيا الزراعية، بينما تمثل السوق البرازيلية منصة بارزة لترويج منتجات تونسية ذات قيمة مضافة كزيت الزيتون والتمور والصناعات الغذائية.

أما على مستوى التكوين الدبلوماسي، فإن تفعيل مذكرة التفاهم بين الأكاديمية الدبلوماسية الدولية بتونس ومعهد «ريو برانكو» يعكس وعيًا بأهمية الاستثمار في العنصر البشري وبناء جسور مؤسساتية طويلة المدى، خاصة وأن الدبلوماسية الحديثة باتت فضاءً يرتكز على تبادل الخبرات وبناء آليات نفوذ ناعمة.

الاقتصاد في قلب السياسة

من جهة أخرى، فإن اللقاء مع الغرفة التجارية العربية البرازيلية يبرز بدوره إدراكًا متزايدًا لدور الفاعلين الاقتصاديين في تعزيز وتنمية العلاقات الثنائية. فالدبلوماسية الاقتصادية أصبحت اليوم آلية هامة لنجاح السياسة الخارجية، ولا يمكن لأي انفتاح استراتيجي أن يتحقق دون تشريك القطاع الخاص وغرف التجارة والمختلف الفاعلين الصناعيين.

ومن هذا المنطلق، يمثل الإعداد لمشاركة تونس في معرض ساو باولو للصناعات الغذائية، إلى جانب الزيارة المرتقبة لوفد رجال أعمال برازيليين، اختبارًا عمليًا لمدى قدرة البلدين على ترجمة مختلف التوافقات السياسية إلى شراكات استثمارية فعلية. وهنا يبرز التحدي الأكبر عبر ترجمة الانتقال من منطق اللقاءات الدورية إلى بناء مشاريع مستدامة تطال مجالات حيوية مثل التشغيل.

توافق في المواقف الدولية

وفي الإطار نفسه، لم تغب القضايا الإقليمية والدولية عن المشاورات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث جدد الوفد التونسي موقفه الثابت الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني.

ويعكس هذا التقاطع في المواقف حرص البلدين على التنسيق داخل المنتديات والفضاءات المتعددة الأطراف، خاصة وأن البرازيل، بحكم موقعها الدولي، تلعب دورًا مؤثرًا داخل الأمم المتحدة ومجموعة «بريكس».

وهذا البعد السياسي يمنح العلاقة بعدًا يتجاوز المجال الاقتصادي، ويؤسس لإمكانية تنسيق واسع وشامل في عديد الملفات الجوهرية.

ورغم المؤشرات الإيجابية، تبقى العلاقات التونسية البرازيلية في مرحلة بناء، فالبعد الجغرافي وكلفة النقل، كلها تحديات تعوق تطور المبادلات التجارية إلى مستوى التطلعات المرجوة.

غير أن التحولات الجيوسياسية الراهنة، وسعي تونس إلى تنويع شراكاتها، لاسيما مع مراهنة تونس على العمل المتعدد الأطراف، هذا بالتوازي مع صعود البرازيل كفاعل مؤثر في الجنوب العالمي، جميعها عوامل تدفع نحو تعزيز هذا المسار، لا سيما في ظل وجود إرادة سياسية مشتركة لتطوير التعاون الثنائي بين البلدين.

في هذا الخضم، تتجاوز الدورة الخامسة للمشاورات السياسية بين تونس والبرازيل كونها مجرد استحقاق ثنائي لتمثل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين تونس والبرازيل على أسس أكثر واقعية ونجاعة. فالرهان اليوم لا يتمثل فقط في رفع حجم المبادلات، بل في بناء شراكة متوازنة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والتكوين، وتندرج ضمن رؤية أشمل لتكريس تعاون جنوب-جنوب أكثر فعالية.

منال حرزي