إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

غانم الزرلي أحدها.. قامات تمثيلية عالية تضيف لكل عمل.. لكنها غير موظفة جيدا في الدراما التونسية

 

  • لماذا تضطر كفاءاتنا للهجرة وتحمل الأذى أحيانا بحثا عن فرص ممكنة؟
  • هل من المستحيل أن يلتقي الرباعي هند صبري ودرة زروق وظافر العابدين وغانم الزرلي مثلا، في عمل درامي تونسي واحد؟
  • لدينا كوكبة من الممثلين من الجيل الجديد وأسماء متمكنة يمكن أن نؤسس من خلالها لصناعة حقيقية.
  • الممثل يبقى العمود الفقري في الدراما التلفزيونية، والتطور التقني لم يغير من الأمر.

عبر الكثيرون، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن سعادتهم بظهور الممثل غانم الزرلي مجددا في الدراما التلفزيونية الرمضانية التونسية. فقد غاب تقريبا عن الساحة التونسية منذ مسلسل المايسترو - 2019 - الذي أخرجه الأسعد الوسلاتي، وقدم فيه شخصية مركبة ترمز للشر بأسلوب مقنع، مكنه من الحصول على جائزة أفضل ممثل في عدة مسابقات نظمتها مؤسسات إعلامية وفنية. وقد عاد غانم الزرلي هذا العام في مسلسل خطيفة للمخرجة سوسن الجمني، ويُبث على قناة الحوار التونسي.

ولا يختلف دور الممثل هذه المرة كثيرا عن دوره السابق من حيث طبيعته كشخصية تصنف في خانة الشخصيات الرمادية، لكنه يختلف مع شخصية الشرطي في المايسترو من ناحية التحولات التي تطرأ عليه، والتي تجعله يعيش صراعات نفسية داخلية تنعكس على سلوكه وتجعله يتأرجح بين مشاعر مختلطة، لا سيما أن المسلسل يطرح قضية خطيرة، وهي قضية اختطاف الأطفال. ويؤدي غانم الزرلي دور شقيق بطلة العمل التي تربي ابنا مخطوفا، ويكون الأخ طرفا أساسيا في هذه الدراما بحكم تورطه في عملية الاختطاف. لكن رغم الدور الذي يعتبر هاما في المسلسل، فإننا لم نر بعد غانم الزرلي في دور رئيسي بارز في عمل درامي تونسي، يقدم فيه كل إمكانياته.

فغانم الزرلي، بما يتميز به من قوة في الأداء وقوة التعبير، إلى جانب حضور فيه الكثير من الكاريزما، يمكنه أن يضيف الكثير إلى مدونة الدراما التونسية التي تظل تفتقر إلى أعمال قوية تبقى في الذاكرة، على غرار ما يحدث في العديد من البلدان العربية والأجنبية التي راهنت على كفاءاتها وتمكنت من فرض نفسها، ليس فقط على الجمهور المحلي، وإنما استقطبت جماهير كثيرة من الخارج، ومن بينها الدراما التركية التي ما تزال مهيمنة في الساحة العربية، وأيضا الدراما الكورية التي تستقطب بالخصوص جماهيرنا من الشباب. والملاحظ في التجربتين هو التعويل على الكفاءات التمثيلية، حيث تكتب الشخصية من أجل الممثل أو الممثلة.

وهذا يقودنا إلى الحديث عن معضلة اسمها كتابة السيناريو في تونس. كل الشخصيات تبدو ضائعة وتائهة، ومن برز منها فبمجهوده الخاص.

لا نجد شخصية محورية تقود الأحداث، وإنما مواقف مشتتة ومشاهد مركبة بطريقة غريبة أحيانا، حيث تتواتر المشاهد بطريقة شبه آلية، ولا وجود لخطوط ربط تجعل الانتقال من مشهد إلى مشهد أو من وضعية إلى وضعية سلسا ويبدو طبيعيا ومقنعا. ولئن تفاعل الملاحظون بإيجابية كبيرة مع تعدد الاقتراحات الدرامية لرمضان هذا العام، فإنه سرعان ما تبين أن الوفرة نسبيا هذا العام لا تعكس بالضرورة تطورا وتحسنا في الطرح الدرامي وفي الأداء، حيث يجد المشاهد نفسه تقريبا أمام أعمال متشابهة جدا وتدور في نفس الفلك.

لا ننكر المجهودات التي بذلت من أجل إعداد أعمال، بعضها أنجز تحت ضغط عامل الوقت، ولا ننكر أيضا وجود بعض نقاط الضوء، من بينها مثلا الحضور الملفت للممثل محمد علي بن جمعة، وخاصة في مسلسل « أكسيدون» على قناة نسمة الجديدة، وقد أبدع إلى حد الحلقات المعروضة في أداء أحد شخصيات الأثرياء الجدد الذي يعتبر أن كل شيء من حقه، لمجرد أنه تعب وحقق ثروة وصنع مكانة اجتماعية لنفسه وفرضها بعمله وبما كسبه من أموال. لكن دراما هذا العام موغلة في مشاهد الظلمة والبكاء والصراخ، وهي تستنزف المشاهد لكثرة ما تعرضه من تعقيدات وبكائيات ومشاهد مدمرة للأعصاب، لسوء الأداء أو بسبب الحوار البائس، حيث يمكن أن يستمر مشهد واحد وقتا طويلا دون أن يحمل أي مضمون. وهو ما يقودنا مجددا للحديث عن السيناريوهات التي تهدر الفرص وتهدر الطاقة، وتجعلنا كما لو كنا في حلقة مفرغة، ويدفعنا إلى طرح السؤال مجددا: لماذا يكون لدينا ممثلين في قيمة غانم الزرلي ولا تكتب أعمال من أجلهم؟ فليس من السهل أن تعثر على ممثل يجمع بين جل الخصال المطلوبة من إقناع في الأداء وحضور مميز وتعبير قوي، فالممثل يظل العمود الفقري للعمل، وهو الذي يقود العمل التلفزيوني للنجاح أو للفشل، وكل المؤثرات الجديدة والصورة السينمائية والرقميات التي غزت العالم السمعي البصري لم تغير من الأمر شيئا، ومازال الممثل هو جوهر العمل، وبتعبير آخر، يكون الممثل أولا ثم تكون بقية مكونات العمل. لكننا في تونس مازلنا، وكما هو واضح، نهمش الممثلين ونعتقد أحيانا أن استعمال تقنيات السينما وتقديم مشاهد مكثفة ولقطات سينمائية كفيلة بخلق حالة من الإبهار حول المسلسل، والحقيقة أن التجربة أثبتت أن أداء الممثل في التلفزيون هو الأهم، ونحن في تونس، وهذه معضلة حقيقية، لدينا ممثلين وممثلات من طراز عال، لكن لا يقع توظيف كفاءاتهم من أجل خدمة الدراما التونسية. وقد لا نبالغ عندما نقول إن أغلب الممثلين غير مستغلين بالشكل الجيد، بما في ذلك السيدة منى نور الدين. فرغم وجودها المكثف في الدراما، فإنها كان من الممكن أن تكون أدوارها أقوى وأن تبني شهرة توازي أو تفوق عدة نجمات عربيات شهيرات.

ولا يقف الأمر عند السيدة منى نور الدين، وإنما الأمثلة عديدة. لدينا مثلا ممثلة في حجم وجيهة الجندوبي تتقن الدراما والكوميديا، لكنها أيضا، وعلى الرغم من مشاركاتها العديدة، مازلنا في انتظار عمل فارق لها يمكنها من إبراز كل إمكانياتها. وغياب سيناريوهات تكتب لأجل الشخصية أمر يرهق الممثل الذي يظل دائما يبحث عن الشخصية الملهمة، أو هو يدفعه إلى الهجرة أو يجعله في النهاية يطبع مع الموجود ويقبل بالأمر الواقع. وهي ترهق أيضا المتفرج الذي يجد نفسه أمام أعمال لا يوجد بها خط درامي يقود الأحداث ويثير حماسة المشاهد لمشاهدة العمل، حتى وإن كانت الحلقات طويلة وتمتد على مواسم، على غرار ما يحدث في الدراما التركية مثلا.

لماذا لا توظف الدراما التونسية كفاءة تمثيلية مثل غانم الزرلي؟ لماذا لا يمثل ظافر العابدين في تونس وهو مضطر للترحال دائما؟ لماذا لا تعمل هند صبري في تونس ولا تقدم درة زروق أعمالا تونسية؟ وهل من المستحيل مثلا أن يلتقي الرباعي هند صبري ودرة زروق وظافر العابدين وغانم الزرلي في عمل درامي تونسي واحد؟

وحتى إن اعترفنا بأن العامل المادي موجود، وأن الإمكانيات المادية ليست دائما متوفرة، فإن ذلك لا يخفي حقيقة واضحة، وهو تكون قناعة لدينا أنه يكفي جمع وجوه شابة، وبعضها قادم من مواقع التواصل الاجتماعي ولا علاقة لهم بالتمثيل، في مشاهد في ديكور جاهز، ويكون عادة إما بيتا فخما يتكون من غرف شاسعة على طريقة الدراما التركية أو في علب ليلية، وينتهي المشهد في مركز للشرطة، ويكون فيه الشباب بطبيعة الحال في وضعية نفسية بائسة، يأكلهم اليأس والفراغ ويشكون من غياب الأب أو الأم، حتى نكون قد قدمنا دراما متطورة ونابعة من العصر.

صحيح، لا بد من تطعيم الأعمال بوجوه جديدة، لكن الزج بالشباب في أعمال تعد على عجل وبدون إدارة أو توجيه، لا يخدمهم ولا يسمح أيضا بميلاد جيل جديد قادر على فرض نفسه. وهو تماما ما يحدث في الدراما التونسية، إذ لم تفرض الأسماء التي ظهرت في السنوات الأخيرة وجودها باستثناء أسماء قليلة، بل ظلت الأغلبية تكرر نفسها وتعيد إنتاج صورة التلميذ أو الشاب التائه الذي يبحث عن ذاته داخل أسرة مفككة. ويبقى دائما السيناريو هو أصل المشكل. فإدارة الممثل يمكن أن تتحسن إذا ما توفر السيناريو الجيد وكتبت الشخصية بأسلوب واضح ومقنع، وإمكانيات التصوير والإخراج تطورت كثيرا مع التطور التقني، لكن يبقى العمل مشروخا في غياب سيناريو متكامل ومقنع.

إن الممثل غانم الزرلي، وإن كان نموذجا بارزا، فإنه ليس وحده من اضطر للبحث عن فرص أخرى بالخارج. فالكثير من الممثلين الموجودين من الجيل الحالي ومن الأجيال المخضرمة كان من الممكن أن تكون حظوظهم أفضل. لقد تراجعنا حتى عما كانت عليه الدراما في الماضي، أي في ظل قلة الإمكانيات والتخلف التكنولوجي، إذا صح التعبير، مقارنة بما يتوفر في هذا العصر. الدراما التونسية أنتجت من قبل أسماء فارقة مثل عمر خلفة وحليمة داود وعبد المجيد الأكحل، وقدمت أسماء شابة مثل سعاد محاسن وخديجة السويسي والراحلة خديجة بن عرفة وغيرهن كثير، خاصة من تكونوا على خشبة المسرح، حتى إن المسلسلات القديمة جدا مثل سلسلة أمي تراكي كانت تتعامل مع الممثل بشكل أفضل وتمنحه مساحة كافية للحضور، وخلقت نجوما مازالوا أحياء في الذاكرة.

اليوم الساحة تعج بالممثلين من مختلف الأجيال، ولا سيما من الجيل الجديد، أغلبها لا توجه بالطريقة المثلى، وهناك أسماء متمكنة مثل غانم الزرلي ومحمد مراد ومحمد علي بن جمعة ووجيهة الجندوبي ونجلاء بن عبد الله وزهيرة بن عمارة وغيرها، وتشترك هذه الأسماء في الكفاءة والكاريزما، وكان من الممكن وببساطة أن نؤسس من خلالها لدراما جميلة شكلا ومميزة من حيث المضامين. يمكن حتى أن نؤسس من خلالها لصناعة درامية حقيقية.

حياة السايب

غانم الزرلي أحدها..   قامات تمثيلية عالية تضيف لكل عمل.. لكنها غير موظفة جيدا في الدراما التونسية

 

  • لماذا تضطر كفاءاتنا للهجرة وتحمل الأذى أحيانا بحثا عن فرص ممكنة؟
  • هل من المستحيل أن يلتقي الرباعي هند صبري ودرة زروق وظافر العابدين وغانم الزرلي مثلا، في عمل درامي تونسي واحد؟
  • لدينا كوكبة من الممثلين من الجيل الجديد وأسماء متمكنة يمكن أن نؤسس من خلالها لصناعة حقيقية.
  • الممثل يبقى العمود الفقري في الدراما التلفزيونية، والتطور التقني لم يغير من الأمر.

عبر الكثيرون، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن سعادتهم بظهور الممثل غانم الزرلي مجددا في الدراما التلفزيونية الرمضانية التونسية. فقد غاب تقريبا عن الساحة التونسية منذ مسلسل المايسترو - 2019 - الذي أخرجه الأسعد الوسلاتي، وقدم فيه شخصية مركبة ترمز للشر بأسلوب مقنع، مكنه من الحصول على جائزة أفضل ممثل في عدة مسابقات نظمتها مؤسسات إعلامية وفنية. وقد عاد غانم الزرلي هذا العام في مسلسل خطيفة للمخرجة سوسن الجمني، ويُبث على قناة الحوار التونسي.

ولا يختلف دور الممثل هذه المرة كثيرا عن دوره السابق من حيث طبيعته كشخصية تصنف في خانة الشخصيات الرمادية، لكنه يختلف مع شخصية الشرطي في المايسترو من ناحية التحولات التي تطرأ عليه، والتي تجعله يعيش صراعات نفسية داخلية تنعكس على سلوكه وتجعله يتأرجح بين مشاعر مختلطة، لا سيما أن المسلسل يطرح قضية خطيرة، وهي قضية اختطاف الأطفال. ويؤدي غانم الزرلي دور شقيق بطلة العمل التي تربي ابنا مخطوفا، ويكون الأخ طرفا أساسيا في هذه الدراما بحكم تورطه في عملية الاختطاف. لكن رغم الدور الذي يعتبر هاما في المسلسل، فإننا لم نر بعد غانم الزرلي في دور رئيسي بارز في عمل درامي تونسي، يقدم فيه كل إمكانياته.

فغانم الزرلي، بما يتميز به من قوة في الأداء وقوة التعبير، إلى جانب حضور فيه الكثير من الكاريزما، يمكنه أن يضيف الكثير إلى مدونة الدراما التونسية التي تظل تفتقر إلى أعمال قوية تبقى في الذاكرة، على غرار ما يحدث في العديد من البلدان العربية والأجنبية التي راهنت على كفاءاتها وتمكنت من فرض نفسها، ليس فقط على الجمهور المحلي، وإنما استقطبت جماهير كثيرة من الخارج، ومن بينها الدراما التركية التي ما تزال مهيمنة في الساحة العربية، وأيضا الدراما الكورية التي تستقطب بالخصوص جماهيرنا من الشباب. والملاحظ في التجربتين هو التعويل على الكفاءات التمثيلية، حيث تكتب الشخصية من أجل الممثل أو الممثلة.

وهذا يقودنا إلى الحديث عن معضلة اسمها كتابة السيناريو في تونس. كل الشخصيات تبدو ضائعة وتائهة، ومن برز منها فبمجهوده الخاص.

لا نجد شخصية محورية تقود الأحداث، وإنما مواقف مشتتة ومشاهد مركبة بطريقة غريبة أحيانا، حيث تتواتر المشاهد بطريقة شبه آلية، ولا وجود لخطوط ربط تجعل الانتقال من مشهد إلى مشهد أو من وضعية إلى وضعية سلسا ويبدو طبيعيا ومقنعا. ولئن تفاعل الملاحظون بإيجابية كبيرة مع تعدد الاقتراحات الدرامية لرمضان هذا العام، فإنه سرعان ما تبين أن الوفرة نسبيا هذا العام لا تعكس بالضرورة تطورا وتحسنا في الطرح الدرامي وفي الأداء، حيث يجد المشاهد نفسه تقريبا أمام أعمال متشابهة جدا وتدور في نفس الفلك.

لا ننكر المجهودات التي بذلت من أجل إعداد أعمال، بعضها أنجز تحت ضغط عامل الوقت، ولا ننكر أيضا وجود بعض نقاط الضوء، من بينها مثلا الحضور الملفت للممثل محمد علي بن جمعة، وخاصة في مسلسل « أكسيدون» على قناة نسمة الجديدة، وقد أبدع إلى حد الحلقات المعروضة في أداء أحد شخصيات الأثرياء الجدد الذي يعتبر أن كل شيء من حقه، لمجرد أنه تعب وحقق ثروة وصنع مكانة اجتماعية لنفسه وفرضها بعمله وبما كسبه من أموال. لكن دراما هذا العام موغلة في مشاهد الظلمة والبكاء والصراخ، وهي تستنزف المشاهد لكثرة ما تعرضه من تعقيدات وبكائيات ومشاهد مدمرة للأعصاب، لسوء الأداء أو بسبب الحوار البائس، حيث يمكن أن يستمر مشهد واحد وقتا طويلا دون أن يحمل أي مضمون. وهو ما يقودنا مجددا للحديث عن السيناريوهات التي تهدر الفرص وتهدر الطاقة، وتجعلنا كما لو كنا في حلقة مفرغة، ويدفعنا إلى طرح السؤال مجددا: لماذا يكون لدينا ممثلين في قيمة غانم الزرلي ولا تكتب أعمال من أجلهم؟ فليس من السهل أن تعثر على ممثل يجمع بين جل الخصال المطلوبة من إقناع في الأداء وحضور مميز وتعبير قوي، فالممثل يظل العمود الفقري للعمل، وهو الذي يقود العمل التلفزيوني للنجاح أو للفشل، وكل المؤثرات الجديدة والصورة السينمائية والرقميات التي غزت العالم السمعي البصري لم تغير من الأمر شيئا، ومازال الممثل هو جوهر العمل، وبتعبير آخر، يكون الممثل أولا ثم تكون بقية مكونات العمل. لكننا في تونس مازلنا، وكما هو واضح، نهمش الممثلين ونعتقد أحيانا أن استعمال تقنيات السينما وتقديم مشاهد مكثفة ولقطات سينمائية كفيلة بخلق حالة من الإبهار حول المسلسل، والحقيقة أن التجربة أثبتت أن أداء الممثل في التلفزيون هو الأهم، ونحن في تونس، وهذه معضلة حقيقية، لدينا ممثلين وممثلات من طراز عال، لكن لا يقع توظيف كفاءاتهم من أجل خدمة الدراما التونسية. وقد لا نبالغ عندما نقول إن أغلب الممثلين غير مستغلين بالشكل الجيد، بما في ذلك السيدة منى نور الدين. فرغم وجودها المكثف في الدراما، فإنها كان من الممكن أن تكون أدوارها أقوى وأن تبني شهرة توازي أو تفوق عدة نجمات عربيات شهيرات.

ولا يقف الأمر عند السيدة منى نور الدين، وإنما الأمثلة عديدة. لدينا مثلا ممثلة في حجم وجيهة الجندوبي تتقن الدراما والكوميديا، لكنها أيضا، وعلى الرغم من مشاركاتها العديدة، مازلنا في انتظار عمل فارق لها يمكنها من إبراز كل إمكانياتها. وغياب سيناريوهات تكتب لأجل الشخصية أمر يرهق الممثل الذي يظل دائما يبحث عن الشخصية الملهمة، أو هو يدفعه إلى الهجرة أو يجعله في النهاية يطبع مع الموجود ويقبل بالأمر الواقع. وهي ترهق أيضا المتفرج الذي يجد نفسه أمام أعمال لا يوجد بها خط درامي يقود الأحداث ويثير حماسة المشاهد لمشاهدة العمل، حتى وإن كانت الحلقات طويلة وتمتد على مواسم، على غرار ما يحدث في الدراما التركية مثلا.

لماذا لا توظف الدراما التونسية كفاءة تمثيلية مثل غانم الزرلي؟ لماذا لا يمثل ظافر العابدين في تونس وهو مضطر للترحال دائما؟ لماذا لا تعمل هند صبري في تونس ولا تقدم درة زروق أعمالا تونسية؟ وهل من المستحيل مثلا أن يلتقي الرباعي هند صبري ودرة زروق وظافر العابدين وغانم الزرلي في عمل درامي تونسي واحد؟

وحتى إن اعترفنا بأن العامل المادي موجود، وأن الإمكانيات المادية ليست دائما متوفرة، فإن ذلك لا يخفي حقيقة واضحة، وهو تكون قناعة لدينا أنه يكفي جمع وجوه شابة، وبعضها قادم من مواقع التواصل الاجتماعي ولا علاقة لهم بالتمثيل، في مشاهد في ديكور جاهز، ويكون عادة إما بيتا فخما يتكون من غرف شاسعة على طريقة الدراما التركية أو في علب ليلية، وينتهي المشهد في مركز للشرطة، ويكون فيه الشباب بطبيعة الحال في وضعية نفسية بائسة، يأكلهم اليأس والفراغ ويشكون من غياب الأب أو الأم، حتى نكون قد قدمنا دراما متطورة ونابعة من العصر.

صحيح، لا بد من تطعيم الأعمال بوجوه جديدة، لكن الزج بالشباب في أعمال تعد على عجل وبدون إدارة أو توجيه، لا يخدمهم ولا يسمح أيضا بميلاد جيل جديد قادر على فرض نفسه. وهو تماما ما يحدث في الدراما التونسية، إذ لم تفرض الأسماء التي ظهرت في السنوات الأخيرة وجودها باستثناء أسماء قليلة، بل ظلت الأغلبية تكرر نفسها وتعيد إنتاج صورة التلميذ أو الشاب التائه الذي يبحث عن ذاته داخل أسرة مفككة. ويبقى دائما السيناريو هو أصل المشكل. فإدارة الممثل يمكن أن تتحسن إذا ما توفر السيناريو الجيد وكتبت الشخصية بأسلوب واضح ومقنع، وإمكانيات التصوير والإخراج تطورت كثيرا مع التطور التقني، لكن يبقى العمل مشروخا في غياب سيناريو متكامل ومقنع.

إن الممثل غانم الزرلي، وإن كان نموذجا بارزا، فإنه ليس وحده من اضطر للبحث عن فرص أخرى بالخارج. فالكثير من الممثلين الموجودين من الجيل الحالي ومن الأجيال المخضرمة كان من الممكن أن تكون حظوظهم أفضل. لقد تراجعنا حتى عما كانت عليه الدراما في الماضي، أي في ظل قلة الإمكانيات والتخلف التكنولوجي، إذا صح التعبير، مقارنة بما يتوفر في هذا العصر. الدراما التونسية أنتجت من قبل أسماء فارقة مثل عمر خلفة وحليمة داود وعبد المجيد الأكحل، وقدمت أسماء شابة مثل سعاد محاسن وخديجة السويسي والراحلة خديجة بن عرفة وغيرهن كثير، خاصة من تكونوا على خشبة المسرح، حتى إن المسلسلات القديمة جدا مثل سلسلة أمي تراكي كانت تتعامل مع الممثل بشكل أفضل وتمنحه مساحة كافية للحضور، وخلقت نجوما مازالوا أحياء في الذاكرة.

اليوم الساحة تعج بالممثلين من مختلف الأجيال، ولا سيما من الجيل الجديد، أغلبها لا توجه بالطريقة المثلى، وهناك أسماء متمكنة مثل غانم الزرلي ومحمد مراد ومحمد علي بن جمعة ووجيهة الجندوبي ونجلاء بن عبد الله وزهيرة بن عمارة وغيرها، وتشترك هذه الأسماء في الكفاءة والكاريزما، وكان من الممكن وببساطة أن نؤسس من خلالها لدراما جميلة شكلا ومميزة من حيث المضامين. يمكن حتى أن نؤسس من خلالها لصناعة درامية حقيقية.

حياة السايب