في وقت تعيد فيه إفريقيا رسم ملامح اقتصادها ومعرفتها لتكون فاعلة من داخل القارة، تبرز العلاقات التونسية – الجنوب إفريقية كنموذج لشراكة تبحث عن عمقها الاستراتيجي خارج الأطر التقليدية المتعارف عليها. فبين شمال القارة وجنوبها، تجاوز التقارب بعده الدبلوماسي الكلاسيكي ليتحول إلى تعاون متعدد المستويات يشمل البلديات، والجامعات، ومراكز البحث العلمي، وفضاءات الاستثمار. فعكست اللقاءات الأخيرة التي احتضنتها بريتوريا وكيب تاون إرادة واضحة للانتقال من منطق التضامن التاريخي إلى منطق المصالح المتبادلة والقيمة المضافة بما يعزز موقع البلدين داخل معادلة إفريقية جديدة قوامها المعرفة، والابتكار، والتنمية المشتركة.
في هذا الخصوص، تبرز العلاقات التونسية-الجنوب إفريقية كنموذج واعد للتعاون «جنوب-جنوب» الذي يلمس قطاعات حيوية على غرار الاقتصاد، البحث العلمي، وتمكين المرأة.
وتعكس التحركات الأخيرة للسفارة التونسية ببريتوريا التي قامت بها سفيرة تونس بجنوب إفريقيا كريمة برداوي، استراتيجية تونسية طموحة لتعزيز التموقع في عمق القارة الأفريقية مرتكزة على «الآليات الناعمة» التونسية التي تترجمها جودة المنتجات والخبرات الأكاديمية.
تاريخ نضالي مشترك
تتقاطع التجربتان التونسية والجنوب إفريقية في خلفية نضالية ضد التمييز والهيمنة، ما منح العلاقات الثنائية بُعدا رمزيا استثنائيا. غير أن التحدي اليوم تجاوز هذا التضامن السياسي ليطال أهمية تحويل هذا الرصيد التاريخي إلى مكاسب اقتصادية وعلمية ملموسة.
وفي هذا السياق، يبرز حرص الدبلوماسية التونسية على توسيع قاعدة الشركاء داخل جنوب إفريقيا، عبر الانفتاح على الفاعلين المحليين والجامعات ومراكز البحث، بما يرسّخ تعاونًا متعدد المستويات يتجاوز الإطار الثنائي الكلاسيكي للتعاون.
فاللقاءات التي أجرتها الأسبوع الماضي سفيرة تونس بجنوب إفريقيا، سواء مع جمعية الحكم المحلي الجنوب إفريقية (SALGA) أو مع جامعة Stellenbosch، أثبتت أن العلاقات بين البلدين لم تعد تقتصر على البعد السياسي والرمزي، بل تتجه بخطى ثابتة نحو شراكات عملية تمسّ الاقتصاد المحلي، والبحث العلمي، وتمكين المرأة، وتثمين المنتجات ذات القيمة المضافة. وهذه الديناميكية تعكس في جوهرها إرادة مشتركة لتجديد أسس التعاون الثنائي بما يواكب التحولات الإقليمية في إفريقيا ويستجيب لأولويات التنمية في البلدين.
اللقاء مع جمعية الحكم المحلي الجنوب إفريقية
لقاء سفيرة تونس بجنوب إفريقيا مع جمعية الحكم المحلي الجنوب إفريقية، التي تضم 275 بلدية، يحمل في جوهره دلالات استراتيجية.
فالرهان لم يعد فقط على العلاقات المركزية بين العواصم، بل على بناء جسور مباشرة مع البلديات والهياكل المحلية القادرة على تحريك عجلة الاستثمار والتبادل التجاري على أرض الواقع.
كما أن التطرق إلى إمكانية مشاركة وفد من الجمعية في الدورة التاسعة لمؤتمر تمويل الاستثمار والتجارة في إفريقيا (FITA 2026) بتونس، يعكس وعيا بأهمية المنصات الاقتصادية القارية في ربط الفاعلين الأفارقة ببعضهم البعض، لا سيما وأن جنوب إفريقيا تمثل قوة اقتصادية ومالية وازنة في القارة، وتوسيع حضورها في الفعاليات الاقتصادية المنظمة بتونس يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار المشترك، خاصة في مجالات الصناعات الغذائية، الطاقات المتجددة، والخدمات.
تثمين المنتجات التونسية
اللقاء مثل أيضا فرصة للتعريف بمنتجات تونسية على غرار زيت الزيتون والتمور وبالتميز الذي حققته تونس في إضفاء قيمة مضافة على هذه المنتجات. وهذا المعطى يكشف تحولا في التعاطي الاقتصادي التونسي الذي أصبح يقوم على الترويج لمنتجات مصنّعة ومعلبة وفق معايير جودة عالمية.
وهو طرح يستمد شرعيته بوصف جنوب إفريقيا تمتلك سوقا استهلاكية متطورة وقنوات توزيع واسعة داخل القارة، ويمكن أن يشكل التعاون في هذا المجال مدخلا لإعادة تموقع المنتجات التونسية داخل الأسواق الإفريقية عبر بلورة آليات تقوم على ضبط شراكات صناعية مشتركة في مجالات عديدة.
تمكين المرأة.. جسر للتعاون
تقديم لمحة عن التجربة التونسية في تمكين المرأة في مجال بعث المشاريع، لاسيما عبر برامج التكوين والتمويل والمتابعة مثل برنامج «ريادة»، يندرج ضمن مقاربة تنموية شاملة. فجنوب إفريقيا بدورها تواجه تحديات اجتماعية مما يجعل من تبادل الخبرات في مجال ريادة الأعمال النسائية مجالًا واعدًا للتعاون.
ومن جانب آخر، تتجاوز مسألة تمكين المرأة كونها مجرد ملف اجتماعي لتكون رافعة اقتصادية حقيقية. حيث يمكن للبلدين تطوير برامج تبادل خبرات أو دورات تكوينية مشتركة، بل وحتى إنشاء شبكات نسائية إفريقية لريادة الأعمال تكون تونس وجنوب إفريقيا من بين محركاتها الأساسية.
دبلوماسية المعرفة
من جانب آخر، فإن الاجتماع الافتراضي مع مدير مركز التعاون مع إفريقيا بجامعة Stellenbosch يسلط الضوء على بُعد آخر للعلاقات الثنائية: دبلوماسية المعرفة. يتجلى في تثمين التعاون بين الجامعة الجنوب إفريقية وجامعات تونسية مثل جامعة تونس المنار والمعهد الوطني للعلوم الفلاحية، خاصة في مجال المياه، ويعكس إدراكا مشتركا لأولوية الأمن المائي في سياق التغيرات المناخية.
كما أن نجاح مشاريع البحث العلمي المشتركة يفتح الباب أمام تعميق التعاون في مجالات أخرى من بينها إدارة الموارد الطبيعية، والابتكار التكنولوجي. ثم إن الاتفاق على مشاركة الجامعة في التظاهرات العلمية التي تنظمها البعثة بالتعاون مع وزارة العلوم والتكنولوجيا والابتكار الجنوب إفريقية من شأنه أن يعزز شبكة التعاون الثلاثي بين الجامعات والحكومات والبعثات الدبلوماسية.
نحو شراكة إفريقية متوازنة
ومن خلال كل هذه التحركات الدبلوماسية التي طالت مجالات حيوية، يبدو أن العلاقات التونسية – الجنوب إفريقية تتجه نحو مرحلة أكثر نضجًا، تقوم على تنويع مجالات التعاون وتوسيع دائرة الفاعلين. غير أن تطوير هذه الشراكة يظل رهين جملة من التحديات الهامة على غرار تحسين خدمات الربط اللوجستي والنقل بين شمال وجنوب القارة، فضلًا عن دعم الأطر القانونية والمالية التي تسهل المبادلات التجارية.
في هذا السياق، جدير بالذكر أن كل هذه المساعي الدبلوماسية الأخيرة تعكس في جوهرها توجها عمليا نحو إعادة تعريف العلاقات التونسية – الجنوب إفريقية على أسس أكثر ديناميكية وتكاملاً. فبين الدبلوماسية الاقتصادية، وتمكين المرأة، وتثمين المنتجات الوطنية، والتعاون العلمي، تتشكل ملامح شراكة إفريقية تقوم على تبادل المصالح والمعرفة.
ويبدو أن الرهان الحقيقي للبلدين هو تحويل هذا الزخم إلى مشاريع ملموسة تعزز حضورهما داخل القارة، وتؤسس لنموذج تعاون إفريقي–إفريقي يقوم على الثقة، والابتكار، والقيمة المضافة.
منال الحرزي
في وقت تعيد فيه إفريقيا رسم ملامح اقتصادها ومعرفتها لتكون فاعلة من داخل القارة، تبرز العلاقات التونسية – الجنوب إفريقية كنموذج لشراكة تبحث عن عمقها الاستراتيجي خارج الأطر التقليدية المتعارف عليها. فبين شمال القارة وجنوبها، تجاوز التقارب بعده الدبلوماسي الكلاسيكي ليتحول إلى تعاون متعدد المستويات يشمل البلديات، والجامعات، ومراكز البحث العلمي، وفضاءات الاستثمار. فعكست اللقاءات الأخيرة التي احتضنتها بريتوريا وكيب تاون إرادة واضحة للانتقال من منطق التضامن التاريخي إلى منطق المصالح المتبادلة والقيمة المضافة بما يعزز موقع البلدين داخل معادلة إفريقية جديدة قوامها المعرفة، والابتكار، والتنمية المشتركة.
في هذا الخصوص، تبرز العلاقات التونسية-الجنوب إفريقية كنموذج واعد للتعاون «جنوب-جنوب» الذي يلمس قطاعات حيوية على غرار الاقتصاد، البحث العلمي، وتمكين المرأة.
وتعكس التحركات الأخيرة للسفارة التونسية ببريتوريا التي قامت بها سفيرة تونس بجنوب إفريقيا كريمة برداوي، استراتيجية تونسية طموحة لتعزيز التموقع في عمق القارة الأفريقية مرتكزة على «الآليات الناعمة» التونسية التي تترجمها جودة المنتجات والخبرات الأكاديمية.
تاريخ نضالي مشترك
تتقاطع التجربتان التونسية والجنوب إفريقية في خلفية نضالية ضد التمييز والهيمنة، ما منح العلاقات الثنائية بُعدا رمزيا استثنائيا. غير أن التحدي اليوم تجاوز هذا التضامن السياسي ليطال أهمية تحويل هذا الرصيد التاريخي إلى مكاسب اقتصادية وعلمية ملموسة.
وفي هذا السياق، يبرز حرص الدبلوماسية التونسية على توسيع قاعدة الشركاء داخل جنوب إفريقيا، عبر الانفتاح على الفاعلين المحليين والجامعات ومراكز البحث، بما يرسّخ تعاونًا متعدد المستويات يتجاوز الإطار الثنائي الكلاسيكي للتعاون.
فاللقاءات التي أجرتها الأسبوع الماضي سفيرة تونس بجنوب إفريقيا، سواء مع جمعية الحكم المحلي الجنوب إفريقية (SALGA) أو مع جامعة Stellenbosch، أثبتت أن العلاقات بين البلدين لم تعد تقتصر على البعد السياسي والرمزي، بل تتجه بخطى ثابتة نحو شراكات عملية تمسّ الاقتصاد المحلي، والبحث العلمي، وتمكين المرأة، وتثمين المنتجات ذات القيمة المضافة. وهذه الديناميكية تعكس في جوهرها إرادة مشتركة لتجديد أسس التعاون الثنائي بما يواكب التحولات الإقليمية في إفريقيا ويستجيب لأولويات التنمية في البلدين.
اللقاء مع جمعية الحكم المحلي الجنوب إفريقية
لقاء سفيرة تونس بجنوب إفريقيا مع جمعية الحكم المحلي الجنوب إفريقية، التي تضم 275 بلدية، يحمل في جوهره دلالات استراتيجية.
فالرهان لم يعد فقط على العلاقات المركزية بين العواصم، بل على بناء جسور مباشرة مع البلديات والهياكل المحلية القادرة على تحريك عجلة الاستثمار والتبادل التجاري على أرض الواقع.
كما أن التطرق إلى إمكانية مشاركة وفد من الجمعية في الدورة التاسعة لمؤتمر تمويل الاستثمار والتجارة في إفريقيا (FITA 2026) بتونس، يعكس وعيا بأهمية المنصات الاقتصادية القارية في ربط الفاعلين الأفارقة ببعضهم البعض، لا سيما وأن جنوب إفريقيا تمثل قوة اقتصادية ومالية وازنة في القارة، وتوسيع حضورها في الفعاليات الاقتصادية المنظمة بتونس يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار المشترك، خاصة في مجالات الصناعات الغذائية، الطاقات المتجددة، والخدمات.
تثمين المنتجات التونسية
اللقاء مثل أيضا فرصة للتعريف بمنتجات تونسية على غرار زيت الزيتون والتمور وبالتميز الذي حققته تونس في إضفاء قيمة مضافة على هذه المنتجات. وهذا المعطى يكشف تحولا في التعاطي الاقتصادي التونسي الذي أصبح يقوم على الترويج لمنتجات مصنّعة ومعلبة وفق معايير جودة عالمية.
وهو طرح يستمد شرعيته بوصف جنوب إفريقيا تمتلك سوقا استهلاكية متطورة وقنوات توزيع واسعة داخل القارة، ويمكن أن يشكل التعاون في هذا المجال مدخلا لإعادة تموقع المنتجات التونسية داخل الأسواق الإفريقية عبر بلورة آليات تقوم على ضبط شراكات صناعية مشتركة في مجالات عديدة.
تمكين المرأة.. جسر للتعاون
تقديم لمحة عن التجربة التونسية في تمكين المرأة في مجال بعث المشاريع، لاسيما عبر برامج التكوين والتمويل والمتابعة مثل برنامج «ريادة»، يندرج ضمن مقاربة تنموية شاملة. فجنوب إفريقيا بدورها تواجه تحديات اجتماعية مما يجعل من تبادل الخبرات في مجال ريادة الأعمال النسائية مجالًا واعدًا للتعاون.
ومن جانب آخر، تتجاوز مسألة تمكين المرأة كونها مجرد ملف اجتماعي لتكون رافعة اقتصادية حقيقية. حيث يمكن للبلدين تطوير برامج تبادل خبرات أو دورات تكوينية مشتركة، بل وحتى إنشاء شبكات نسائية إفريقية لريادة الأعمال تكون تونس وجنوب إفريقيا من بين محركاتها الأساسية.
دبلوماسية المعرفة
من جانب آخر، فإن الاجتماع الافتراضي مع مدير مركز التعاون مع إفريقيا بجامعة Stellenbosch يسلط الضوء على بُعد آخر للعلاقات الثنائية: دبلوماسية المعرفة. يتجلى في تثمين التعاون بين الجامعة الجنوب إفريقية وجامعات تونسية مثل جامعة تونس المنار والمعهد الوطني للعلوم الفلاحية، خاصة في مجال المياه، ويعكس إدراكا مشتركا لأولوية الأمن المائي في سياق التغيرات المناخية.
كما أن نجاح مشاريع البحث العلمي المشتركة يفتح الباب أمام تعميق التعاون في مجالات أخرى من بينها إدارة الموارد الطبيعية، والابتكار التكنولوجي. ثم إن الاتفاق على مشاركة الجامعة في التظاهرات العلمية التي تنظمها البعثة بالتعاون مع وزارة العلوم والتكنولوجيا والابتكار الجنوب إفريقية من شأنه أن يعزز شبكة التعاون الثلاثي بين الجامعات والحكومات والبعثات الدبلوماسية.
نحو شراكة إفريقية متوازنة
ومن خلال كل هذه التحركات الدبلوماسية التي طالت مجالات حيوية، يبدو أن العلاقات التونسية – الجنوب إفريقية تتجه نحو مرحلة أكثر نضجًا، تقوم على تنويع مجالات التعاون وتوسيع دائرة الفاعلين. غير أن تطوير هذه الشراكة يظل رهين جملة من التحديات الهامة على غرار تحسين خدمات الربط اللوجستي والنقل بين شمال وجنوب القارة، فضلًا عن دعم الأطر القانونية والمالية التي تسهل المبادلات التجارية.
في هذا السياق، جدير بالذكر أن كل هذه المساعي الدبلوماسية الأخيرة تعكس في جوهرها توجها عمليا نحو إعادة تعريف العلاقات التونسية – الجنوب إفريقية على أسس أكثر ديناميكية وتكاملاً. فبين الدبلوماسية الاقتصادية، وتمكين المرأة، وتثمين المنتجات الوطنية، والتعاون العلمي، تتشكل ملامح شراكة إفريقية تقوم على تبادل المصالح والمعرفة.
ويبدو أن الرهان الحقيقي للبلدين هو تحويل هذا الزخم إلى مشاريع ملموسة تعزز حضورهما داخل القارة، وتؤسس لنموذج تعاون إفريقي–إفريقي يقوم على الثقة، والابتكار، والقيمة المضافة.