إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

إرادة راسخة للإصلاح والإرتقاء بالمنظومة التربوية.. ضرورة تأمين عودة مدرسية ناجحة وهادئة

-رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة بالبرلمان لـ«الصباح»: ضرورة تفعيل لغة الحوار من أجل بلوغ عودة مدرسية هادئة

 

تشكل العودة المدرسية هذا العام اختبارا حقيقيا لقدرة مختلف الأطراف المتدخلة في الشأن التربوي على الالتقاء حول هدف مشترك: إنجاح الموسم الدراسي وضمان انطلاقه في ظروف هادئة ومستقرة. ولن يتحقق ذلك دون الدفع نحو عودة مدرسية آمنة وناجحة. فالرهان يتجاوز مجرد فتح أبواب المدارس والمعاهد في موعدها، ليعكس توجها سياسيا وإرادة جماعية للنهوض بقطاع التربية باعتباره أحد أعمدة الدولة الوطنية.

في سياق وطني يرتفع فيه شعار الإصلاح ويُترجم إلى فعل، تصبح العودة المدرسية هذه السنة محطة مفصلية ينبغي أن تكون ناجحة وهادئة، حتى تفتح الباب أمام إصلاح تربوي جاد يُعيد الاعتبار للمدرسة العمومية كفضاء جذّاب جامع للعلم والعدالة الاجتماعية.

إرادة سياسية ورؤية إصلاحية

أصبحت الإرادة السياسية لإصلاح والارتقاء بالمنظومة التربوية اليوم معلنة وجلية، بما يعكس الوعي بأهمية هذا القطاع في صناعة المستقبل. تجلّت هذه الإرادة من خلال زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى مقر المجلس الأعلى للتربية، في أول زيارة من نوعها لرئيس الدولة إلى هذا المرفق، ما يعكس الأهمية الكبيرة التي يولّيها لهذا الهيكل باعتباره ركيزة أساسية في مسار إصلاح التعليم وصياغة سياسات تربوية جديدة. من المتوقع أن يصبح المجلس بيئة تتقاطع فيها الرؤى والتوجهات الكبرى، لرسم خيارات مطالب إصلاح المدرسة العمومية وإعادتها كأداة مركزية لتحقيق العدالة الاجتماعية. ويحافظ رئيس الجمهورية على تأكيده المستمر على أن تحسين البنية التحتية للمؤسسات يمثل اليوم ضرورة وطنية. وقد تجلّت على أرض الواقع من خلال سلسلة زيارات ميدانية ومتابعة مباشرة لتقدّم الأشغال بالمبنى المخصص للمجلس الأعلى للتربية والتعليم، في إشارة إلى جدّية الدولة في توفير ظروف نجاح العودة المدرسية وجعل المدرسة العمومية فضاء للعلم والعدالة الاجتماعية.

جهود وزارة التربية

في إطار بلوغ الإصلاح التربوي المنشود، تتحرّك وزارة التربية منذ مدة على أكثر من صعيد استعدادا للعودة المدرسية. وتشمل الحملة الوطنية المستمرة برامج شاملة لتطوير البنية التحتية للمؤسسات التربوية في كامل جهات الجمهورية، تأهبًا للعودة المدرسية 2025–2026.

وتكرّس هذه المبادرة حق كل التلميذات والتلاميذ في تعليم عمومي جيد يتوفر فيه شروط الجودة والسلامة والنجاعة، وتأكيدًا على أن الإصلاح التربوي يبدأ من بيئة تعليمية لائقة.

يشمل البرنامج أشغال بناء وصيانة وتجهيز وتهيئة عدد هام من المدارس الابتدائية والمعاهد الثانوية، إلى جانب ترميم المبيتات والمطاعم المدرسية، تعزيزا لتكافؤ الفرص بين مختلف الفئات والجهات. وبلغت الكلفة الجملية لمشاريع إحداث مؤسسات تربوية جديدة 159 مليون دينار من أصل اعتمادات جملية تقارب ربع مليار دينار. تمثل هذه الاستثمارات بعدًا إصلاحيًا يتجاوز المادة؛ إذ تشكّل خطوة عملية نحو إرساء مدرسة عمومية حديثة قادرة على استيعاب التحولات التربوية والاجتماعية، وتمنحها قوّة في مشروع الإصلاح الوطني الشامل.

التهديد والوعيد

لكن، وكما جرت العادة، لا تخلو عودة مدرسية من سياسة التهديد والوعيد، واستعمال التلميذ كورقة ضغط لتحقيق مطالب، كما يرى بعض المراقبين. فقد اختتمت الهيئة القطاعية المشتركة لتونس الكبرى (تونس، أريانة، بن عروس، منوبة) الاثنين الماضي اجتماعها في مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، واتفقت على تعبئة الهياكل النقابية لتنفيذ وقفة احتجاجية اليوم الخميس 28 أوت الجاري أمام وزارة التربية. ويأتي هذا التحرك بحسب ما صرّح به الكاتب العام المساعد للجامعة العامة للتعليم الأساسي، إقبال العزابي، احتجاجا على ما وصفه بـ«غلق باب التفاوض من قبل وزارة التربية».

كما لوّحت الجامعة العامة للتعليم الأساسي بإضراب قطاعي يوم 7 أكتوبر المقبل، بينما تتمسك نقابة التعليم الثانوي بتنفيذ الاتفاقيات السابقة وفتح باب التفاوض مع الوزارة.

ورغم مشروعية المطالب الاجتماعية والمهنية، فإن توقيت هذه الاحتجاجات يثير قلقا ويطرح تساؤلات جدية حول قيمة العودة المدرسية، التي من المفترض أن تجمع الجهود لإنجاحها وإرساء الهدوء. فدون خوض في مدى أحقيّة الأطراف المتنازعة، يُوضَع نجاح الموسم الدراسي على المحك حين تُلوّح بالإضراب العام قبيل انطلاق العام الدراسي. هذا التوتر قد يدفع بعض العائلات نحو التعليم الخاص، ما يضعف المدرسة العمومية كركيزة لضمان تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.

ضرورة تضافر الجهود

من الأهمية بمكان التذكير بأن نجاح العودة المدرسية الهادئة لا يقع على عاتق وزارة التربية فحسب، بل هو رهَان وطني يتطلّب تضافر جهود الجميع: الدولة، النقابات، الأولياء، والمجتمع المدني. فالمدرسة ليست مكانا لتصفية الحسابات، بل ورشة لنحت جيل المستقبل. وأوضح رسالة يمكن توجيهها في هذه اللحظة هي: إنّ الولي الذي تحمل عناء تهيئة مستلزمات سنة دراسية كاملة لأبنائه، يستحق أن يجد عودة مدرسية هادئة ومضمونة، بعيدًا عن اضطرابات أو إضرابات قد تهدد انطلاقة الموسم الدراسي. فالنجاح لا يُقاس فقط بالإصلاحات والبنية التحتية، بل أيضًا بضمان الاستقرار وسلاسة الانطلاق، مما يعزّز ثقة الأولياء ويؤكد أن المدرسة العمومية تبقى الحصن الأمثل لتعليم أبناء الوطن.

منال حرزي

إرادة راسخة  للإصلاح والإرتقاء بالمنظومة التربوية..    ضرورة تأمين عودة مدرسية ناجحة وهادئة

-رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة بالبرلمان لـ«الصباح»: ضرورة تفعيل لغة الحوار من أجل بلوغ عودة مدرسية هادئة

 

تشكل العودة المدرسية هذا العام اختبارا حقيقيا لقدرة مختلف الأطراف المتدخلة في الشأن التربوي على الالتقاء حول هدف مشترك: إنجاح الموسم الدراسي وضمان انطلاقه في ظروف هادئة ومستقرة. ولن يتحقق ذلك دون الدفع نحو عودة مدرسية آمنة وناجحة. فالرهان يتجاوز مجرد فتح أبواب المدارس والمعاهد في موعدها، ليعكس توجها سياسيا وإرادة جماعية للنهوض بقطاع التربية باعتباره أحد أعمدة الدولة الوطنية.

في سياق وطني يرتفع فيه شعار الإصلاح ويُترجم إلى فعل، تصبح العودة المدرسية هذه السنة محطة مفصلية ينبغي أن تكون ناجحة وهادئة، حتى تفتح الباب أمام إصلاح تربوي جاد يُعيد الاعتبار للمدرسة العمومية كفضاء جذّاب جامع للعلم والعدالة الاجتماعية.

إرادة سياسية ورؤية إصلاحية

أصبحت الإرادة السياسية لإصلاح والارتقاء بالمنظومة التربوية اليوم معلنة وجلية، بما يعكس الوعي بأهمية هذا القطاع في صناعة المستقبل. تجلّت هذه الإرادة من خلال زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى مقر المجلس الأعلى للتربية، في أول زيارة من نوعها لرئيس الدولة إلى هذا المرفق، ما يعكس الأهمية الكبيرة التي يولّيها لهذا الهيكل باعتباره ركيزة أساسية في مسار إصلاح التعليم وصياغة سياسات تربوية جديدة. من المتوقع أن يصبح المجلس بيئة تتقاطع فيها الرؤى والتوجهات الكبرى، لرسم خيارات مطالب إصلاح المدرسة العمومية وإعادتها كأداة مركزية لتحقيق العدالة الاجتماعية. ويحافظ رئيس الجمهورية على تأكيده المستمر على أن تحسين البنية التحتية للمؤسسات يمثل اليوم ضرورة وطنية. وقد تجلّت على أرض الواقع من خلال سلسلة زيارات ميدانية ومتابعة مباشرة لتقدّم الأشغال بالمبنى المخصص للمجلس الأعلى للتربية والتعليم، في إشارة إلى جدّية الدولة في توفير ظروف نجاح العودة المدرسية وجعل المدرسة العمومية فضاء للعلم والعدالة الاجتماعية.

جهود وزارة التربية

في إطار بلوغ الإصلاح التربوي المنشود، تتحرّك وزارة التربية منذ مدة على أكثر من صعيد استعدادا للعودة المدرسية. وتشمل الحملة الوطنية المستمرة برامج شاملة لتطوير البنية التحتية للمؤسسات التربوية في كامل جهات الجمهورية، تأهبًا للعودة المدرسية 2025–2026.

وتكرّس هذه المبادرة حق كل التلميذات والتلاميذ في تعليم عمومي جيد يتوفر فيه شروط الجودة والسلامة والنجاعة، وتأكيدًا على أن الإصلاح التربوي يبدأ من بيئة تعليمية لائقة.

يشمل البرنامج أشغال بناء وصيانة وتجهيز وتهيئة عدد هام من المدارس الابتدائية والمعاهد الثانوية، إلى جانب ترميم المبيتات والمطاعم المدرسية، تعزيزا لتكافؤ الفرص بين مختلف الفئات والجهات. وبلغت الكلفة الجملية لمشاريع إحداث مؤسسات تربوية جديدة 159 مليون دينار من أصل اعتمادات جملية تقارب ربع مليار دينار. تمثل هذه الاستثمارات بعدًا إصلاحيًا يتجاوز المادة؛ إذ تشكّل خطوة عملية نحو إرساء مدرسة عمومية حديثة قادرة على استيعاب التحولات التربوية والاجتماعية، وتمنحها قوّة في مشروع الإصلاح الوطني الشامل.

التهديد والوعيد

لكن، وكما جرت العادة، لا تخلو عودة مدرسية من سياسة التهديد والوعيد، واستعمال التلميذ كورقة ضغط لتحقيق مطالب، كما يرى بعض المراقبين. فقد اختتمت الهيئة القطاعية المشتركة لتونس الكبرى (تونس، أريانة، بن عروس، منوبة) الاثنين الماضي اجتماعها في مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، واتفقت على تعبئة الهياكل النقابية لتنفيذ وقفة احتجاجية اليوم الخميس 28 أوت الجاري أمام وزارة التربية. ويأتي هذا التحرك بحسب ما صرّح به الكاتب العام المساعد للجامعة العامة للتعليم الأساسي، إقبال العزابي، احتجاجا على ما وصفه بـ«غلق باب التفاوض من قبل وزارة التربية».

كما لوّحت الجامعة العامة للتعليم الأساسي بإضراب قطاعي يوم 7 أكتوبر المقبل، بينما تتمسك نقابة التعليم الثانوي بتنفيذ الاتفاقيات السابقة وفتح باب التفاوض مع الوزارة.

ورغم مشروعية المطالب الاجتماعية والمهنية، فإن توقيت هذه الاحتجاجات يثير قلقا ويطرح تساؤلات جدية حول قيمة العودة المدرسية، التي من المفترض أن تجمع الجهود لإنجاحها وإرساء الهدوء. فدون خوض في مدى أحقيّة الأطراف المتنازعة، يُوضَع نجاح الموسم الدراسي على المحك حين تُلوّح بالإضراب العام قبيل انطلاق العام الدراسي. هذا التوتر قد يدفع بعض العائلات نحو التعليم الخاص، ما يضعف المدرسة العمومية كركيزة لضمان تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.

ضرورة تضافر الجهود

من الأهمية بمكان التذكير بأن نجاح العودة المدرسية الهادئة لا يقع على عاتق وزارة التربية فحسب، بل هو رهَان وطني يتطلّب تضافر جهود الجميع: الدولة، النقابات، الأولياء، والمجتمع المدني. فالمدرسة ليست مكانا لتصفية الحسابات، بل ورشة لنحت جيل المستقبل. وأوضح رسالة يمكن توجيهها في هذه اللحظة هي: إنّ الولي الذي تحمل عناء تهيئة مستلزمات سنة دراسية كاملة لأبنائه، يستحق أن يجد عودة مدرسية هادئة ومضمونة، بعيدًا عن اضطرابات أو إضرابات قد تهدد انطلاقة الموسم الدراسي. فالنجاح لا يُقاس فقط بالإصلاحات والبنية التحتية، بل أيضًا بضمان الاستقرار وسلاسة الانطلاق، مما يعزّز ثقة الأولياء ويؤكد أن المدرسة العمومية تبقى الحصن الأمثل لتعليم أبناء الوطن.

منال حرزي