- ما حصل في سيدي بوزيد ليس إعصارا بل ظاهرة جوية يُطلق عليها اسم الرياح «الهابطة» «Downburst»
تم تعريف التطرّف المناخي على أنه «ظاهرة جوية متطرفة (شديدة القوة) أو سابقة لأوانها، وتتميّز بحدوث تغيّرات جوية مفاجئة أو غير فصلية. تشمل الأحوال الجوية الشديدة طقسًا غير متوقّع، غير عادي، غير مُتنبأ به، قاس، حاد أو غير موسمي».
ومن أهم ملامح التطرّف المناخي الأعاصير والرياح القوية، والأمطار الغزيرة، ونزول البَرَد بأحجام غير عادية تتسبب في أضرار جسيمة، وخاصة أضرار فلاحية.
عاصفة رعدية في سيدي بوزيد.. وأضرار جسيمة
خلال الأيام الماضية، شهدت ولاية سيدي بوزيد، وتحديدا يوم السبت 23 أوت 2025، عاصفة رعدية مصحوبة برياح قوية وصلت سرعتها إلى نحو 100 كلم/س، ما أدى إلى سقوط جدران وأشجار وتضرر عدد من السيارات، دون تسجيل إصابات بشرية.
وقد اتخذت العاصفة شكل إعصار قصير المدة، تسببت في سقوط جدار واقتلاع أشجار، بالإضافة إلى تضرر بعض المناطق الفلاحية، حيث تكبّد الفلاحون خسائر هامة في البيوت المكيفة وزراعة الفلفل والبصل..
ومنذ شهر ماي الماضي، عاشت العديد من ولايات الجمهورية على وقع نزول أمطار محليا غزيرة، مع هبوب رياح قوية ونزول البرد بأحجام كبيرة تسببت في أضرار فلاحية جسيمة شملت الخضروات والأشجار.
وحول ما حصل في سيدي بوزيد، وتوقّعات الوضع الجوي، وإمكانية حدوث أعاصير في تونس، وتأثيرات التطرّف المناخي على بلادنا، تحدّثت «الصباح» مع حمدي حشاد، المهندس البيئي والخبير في الشأن المناخي، الذي أفادنا بأن ما حصل بسيدي بوزيد ظاهرة جوية.
تقلبات منتظرة
فسّر في هذا السياق بأن ما حصل في سيدي بوزيد يوم 23 أوت 2025 ليس إعصارا، بل ظاهرة جوية يُطلق عليها اسم الرياح الهابطة – Downburstوقد حصل مثلها خلال الفترة الماضية في كل من توزر ونفطة.
وأردف موضحا أن الطقس في سيدي بوزيد كان حارّا وجافا بدرجة كبيرة، وكانت درجات الحرارة في حدود 34 درجة مائوية، مع وجود رطوبة معتدلة ورياح خفيفة، ورغم ذلك، حدث هبوط مفاجئ لهواء بارد من سحب رعدية محلية، أدّى إلى هبوب رياح قوية تنفجر من نقطة واحدة وتنشر أضرارا كبيرة في وقت قصير جدا.
وأوضح أن هذه الظاهرة تحدث وتتكرر أحيانا في الصيف، فعندما تسقط قطرات مطر أو بخار من سحب، يتبخّر في الهواء الجاف، يتزامن ذلك مع نزول الهواء البارد بسرعة إلى سطح الأرض، ما يؤدي إلى بروز رياح قوية على نطاق صغير، دون أن تتحوّل إلى عاصفة كبيرة.
وأشار إلى أن هذه التقلبات حدثت خلال صيف العام الفارط في الحمامات ونابل وسوسة.
وأضاف في سياق متصل، أن النماذج الخاصة بالتوقعات قد أشارت إلى أنه، وانطلاقا من يوم الاثنين 25 أوت وحتى آخر الشهر، يُتوقّع صعود ملفت للرطوبة المدارية في اتجاه شمال إفريقيا، مع كميات كبيرة من الرطوبة المدارية والاستوائية متّجهة نحو المنطقة، ومعها نشاط حراري مهم، حيث ترتفع درجات الحرارة ببضع درجات فوق المستويات العادية، لتصل أولا إلى موريتانيا، ثم تنتقل نحو الجزائر، خاصة في الغرب والجنوب والشمال، على أن تصل لاحقًا إلى تونس وجنوب وشرق المغرب.
وكشف أن خريطة النموذج الأوروبي ليوم 27 أوت تُوضح هذه التيارات المتحرّكة من المناطق الاستوائية الماطرة حتى الصحراء الكبرى، ومعها تدفّق معتبر للرطوبة في طبقات الجو، مؤكدا أن وجود إعصار مداري وشبه مداري في المحيط الأطلسي، وهو إعصار Erin، قد غيّر توزيع الضغوط الجوية وفتح الطريق أمام الهواء الصحراوي ليتجه نحو الشمال.
وخلص حمدي حشاد، المهندس البيئي والخبير في المناخ، إلى أنه من المنتظر خلال هذه الفترة أن تشهد مناطق واسعة في المغرب العربي سحبا رعدية وأمطارا بدرجات متفاوتة.
ضرورة التخطيط والتكيّف مع المخاطر المناخية
وحول تداعيات التطرّف المناخي على الاقتصاد، بيّن أن التقارير المناخية الأخيرة حول تونس، وبالأخص تقرير البنك الدولي للمخاطر المناخية لسنة 2025، أشارت إلى بعض التحوّلات المهمة، تتمثّل في ارتفاع معدّل الحرارة خلال العقود الماضية بنحو 0.46 درجة مائوية في كل عشر سنوات، وهو نسق أسرع من المعدل العالمي.
وبيّن أن التوقعات تشير إلى تواصل هذا الارتفاع بنحو 0.35 درجة في العقد إلى حدود 2050، مع زيادة في عدد الأيام التي تتجاوز 35 درجة مئوية، وكذلك الليالي الدافئة التي لا تنزل فيها الحرارة عن 23 درجة.
وعلى مستوى الأمطار، كشف مصدرنا أن التقرير قد توقّع اتجاه المعدّلات السنوية نحو الانخفاض بنسبة تقارب 8 % في أفق منتصف القرن، خاصة في المناطق الشمالية الغربية.
وبيّن أن هذا التراجع لا يعني بالضرورة نقصا متواصلا، إذ ما تزال هناك تقلبات سنوية كبيرة قد تتجاوز المستويات العادية، إلا أنها تبقى قليلة الحدوث. مستدركا بالقول إن المعدّل العام يتجه إلى الانخفاض، ما قد يؤثر على الزراعة والموارد المائية.
وكشف الخبير في المناخ أن المناطق الساحلية تبرز كأكثر حساسية للتغيرات، مع ارتفاع متوقّع في مستوى سطح البحر بنحو 23 سنتيمترا بحلول 2050.
وشدّد حمدي حشاد على أن هذا الارتفاع يطرح تساؤلات حول التخطيط العمراني، والبنية التحتية، والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسواحل، مؤكدا أن هذه المعطيات تمثّل أساسا لمزيد التفكير في كيفية التكيّف والتخطيط الاستراتيجي، وبمدى جاهزية المؤسسات والقطاعات الاقتصادية لاعتماد حلول تضمن استدامة الموارد وتقلّل من المخاطر المحتملة.
حنان قيراط
- ما حصل في سيدي بوزيد ليس إعصارا بل ظاهرة جوية يُطلق عليها اسم الرياح «الهابطة» «Downburst»
تم تعريف التطرّف المناخي على أنه «ظاهرة جوية متطرفة (شديدة القوة) أو سابقة لأوانها، وتتميّز بحدوث تغيّرات جوية مفاجئة أو غير فصلية. تشمل الأحوال الجوية الشديدة طقسًا غير متوقّع، غير عادي، غير مُتنبأ به، قاس، حاد أو غير موسمي».
ومن أهم ملامح التطرّف المناخي الأعاصير والرياح القوية، والأمطار الغزيرة، ونزول البَرَد بأحجام غير عادية تتسبب في أضرار جسيمة، وخاصة أضرار فلاحية.
عاصفة رعدية في سيدي بوزيد.. وأضرار جسيمة
خلال الأيام الماضية، شهدت ولاية سيدي بوزيد، وتحديدا يوم السبت 23 أوت 2025، عاصفة رعدية مصحوبة برياح قوية وصلت سرعتها إلى نحو 100 كلم/س، ما أدى إلى سقوط جدران وأشجار وتضرر عدد من السيارات، دون تسجيل إصابات بشرية.
وقد اتخذت العاصفة شكل إعصار قصير المدة، تسببت في سقوط جدار واقتلاع أشجار، بالإضافة إلى تضرر بعض المناطق الفلاحية، حيث تكبّد الفلاحون خسائر هامة في البيوت المكيفة وزراعة الفلفل والبصل..
ومنذ شهر ماي الماضي، عاشت العديد من ولايات الجمهورية على وقع نزول أمطار محليا غزيرة، مع هبوب رياح قوية ونزول البرد بأحجام كبيرة تسببت في أضرار فلاحية جسيمة شملت الخضروات والأشجار.
وحول ما حصل في سيدي بوزيد، وتوقّعات الوضع الجوي، وإمكانية حدوث أعاصير في تونس، وتأثيرات التطرّف المناخي على بلادنا، تحدّثت «الصباح» مع حمدي حشاد، المهندس البيئي والخبير في الشأن المناخي، الذي أفادنا بأن ما حصل بسيدي بوزيد ظاهرة جوية.
تقلبات منتظرة
فسّر في هذا السياق بأن ما حصل في سيدي بوزيد يوم 23 أوت 2025 ليس إعصارا، بل ظاهرة جوية يُطلق عليها اسم الرياح الهابطة – Downburstوقد حصل مثلها خلال الفترة الماضية في كل من توزر ونفطة.
وأردف موضحا أن الطقس في سيدي بوزيد كان حارّا وجافا بدرجة كبيرة، وكانت درجات الحرارة في حدود 34 درجة مائوية، مع وجود رطوبة معتدلة ورياح خفيفة، ورغم ذلك، حدث هبوط مفاجئ لهواء بارد من سحب رعدية محلية، أدّى إلى هبوب رياح قوية تنفجر من نقطة واحدة وتنشر أضرارا كبيرة في وقت قصير جدا.
وأوضح أن هذه الظاهرة تحدث وتتكرر أحيانا في الصيف، فعندما تسقط قطرات مطر أو بخار من سحب، يتبخّر في الهواء الجاف، يتزامن ذلك مع نزول الهواء البارد بسرعة إلى سطح الأرض، ما يؤدي إلى بروز رياح قوية على نطاق صغير، دون أن تتحوّل إلى عاصفة كبيرة.
وأشار إلى أن هذه التقلبات حدثت خلال صيف العام الفارط في الحمامات ونابل وسوسة.
وأضاف في سياق متصل، أن النماذج الخاصة بالتوقعات قد أشارت إلى أنه، وانطلاقا من يوم الاثنين 25 أوت وحتى آخر الشهر، يُتوقّع صعود ملفت للرطوبة المدارية في اتجاه شمال إفريقيا، مع كميات كبيرة من الرطوبة المدارية والاستوائية متّجهة نحو المنطقة، ومعها نشاط حراري مهم، حيث ترتفع درجات الحرارة ببضع درجات فوق المستويات العادية، لتصل أولا إلى موريتانيا، ثم تنتقل نحو الجزائر، خاصة في الغرب والجنوب والشمال، على أن تصل لاحقًا إلى تونس وجنوب وشرق المغرب.
وكشف أن خريطة النموذج الأوروبي ليوم 27 أوت تُوضح هذه التيارات المتحرّكة من المناطق الاستوائية الماطرة حتى الصحراء الكبرى، ومعها تدفّق معتبر للرطوبة في طبقات الجو، مؤكدا أن وجود إعصار مداري وشبه مداري في المحيط الأطلسي، وهو إعصار Erin، قد غيّر توزيع الضغوط الجوية وفتح الطريق أمام الهواء الصحراوي ليتجه نحو الشمال.
وخلص حمدي حشاد، المهندس البيئي والخبير في المناخ، إلى أنه من المنتظر خلال هذه الفترة أن تشهد مناطق واسعة في المغرب العربي سحبا رعدية وأمطارا بدرجات متفاوتة.
ضرورة التخطيط والتكيّف مع المخاطر المناخية
وحول تداعيات التطرّف المناخي على الاقتصاد، بيّن أن التقارير المناخية الأخيرة حول تونس، وبالأخص تقرير البنك الدولي للمخاطر المناخية لسنة 2025، أشارت إلى بعض التحوّلات المهمة، تتمثّل في ارتفاع معدّل الحرارة خلال العقود الماضية بنحو 0.46 درجة مائوية في كل عشر سنوات، وهو نسق أسرع من المعدل العالمي.
وبيّن أن التوقعات تشير إلى تواصل هذا الارتفاع بنحو 0.35 درجة في العقد إلى حدود 2050، مع زيادة في عدد الأيام التي تتجاوز 35 درجة مئوية، وكذلك الليالي الدافئة التي لا تنزل فيها الحرارة عن 23 درجة.
وعلى مستوى الأمطار، كشف مصدرنا أن التقرير قد توقّع اتجاه المعدّلات السنوية نحو الانخفاض بنسبة تقارب 8 % في أفق منتصف القرن، خاصة في المناطق الشمالية الغربية.
وبيّن أن هذا التراجع لا يعني بالضرورة نقصا متواصلا، إذ ما تزال هناك تقلبات سنوية كبيرة قد تتجاوز المستويات العادية، إلا أنها تبقى قليلة الحدوث. مستدركا بالقول إن المعدّل العام يتجه إلى الانخفاض، ما قد يؤثر على الزراعة والموارد المائية.
وكشف الخبير في المناخ أن المناطق الساحلية تبرز كأكثر حساسية للتغيرات، مع ارتفاع متوقّع في مستوى سطح البحر بنحو 23 سنتيمترا بحلول 2050.
وشدّد حمدي حشاد على أن هذا الارتفاع يطرح تساؤلات حول التخطيط العمراني، والبنية التحتية، والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسواحل، مؤكدا أن هذه المعطيات تمثّل أساسا لمزيد التفكير في كيفية التكيّف والتخطيط الاستراتيجي، وبمدى جاهزية المؤسسات والقطاعات الاقتصادية لاعتماد حلول تضمن استدامة الموارد وتقلّل من المخاطر المحتملة.