إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

على هامش ندوة "أيّة مدرسة؟ لأيّ مجتمع؟"

نظّمت جمعية "مواطنات"يوم السبت 26 أكتوبر بالمركب الثقافي محمد الجموسي بمدينة صفاقس ندوة فكرية تحت عنوان: "أيّة مدرسة؟ لأيّ مجتمع؟"أدارتهاالأستاذة ثريا بن عبد الله. وقد أسهم في النّدوة مختصّون في التربية والتعليم وهم الأساتذة ابراهيم بن صالح المتفقد العام في التربية، عادل الحداد المتفقد العام الخبير في التربية والمدير العام الأسبق للبرامج والتكوين المستمر وعمران البخاري مدير إدارة البرامج سابقا.

الملاحظة الأولى التي تجدر الإشارة إليها هي أنّ النّدوة قد حضرها عدد كبير من نساء التربية والتعليم ورجالهما في مختلف مراحلهما بدءا من رياض الأطفال مرورا بالتعليم الابتدائي وصولا إلى التعليم الإعدادي والثانوي والعالي. وأما الملاحظة الثانية، فإنّ الحضور قد تابع النّدوة منذ بدايتها على الساعة الثالثة بعد الظهر إلى نهايتها في حدود الساعة السادسة والنصف مساء بكل اهتمام وتركيز على امتداد مداخلات الأستاذة المختصّين وأثناء النّقاش وتبادل وجهات النظر.

كانت المداخلة الأولى من نصيب الأستاذ إبراهيم بن صالح. وقد جاء فيها بالخصوص:

"إنّ كلّ اختيار سياسي تربوي ينبني على مشروع مدرسيّ، وإنّ كلّ مشروع مدرسي يرتبط وثيق الارتباط بمشروع مجتمعي، هكذا كان الأمر مع كلّ من الأستاذ محمود المسعدي في قانون 4 نوفمبر 1958 والأستاذ محمّد الشرفي في قانون 29 جويلية 1991 والأستاذ منصر الرويسي في قانون 23 جويلية 2002...إنّ عدد الوزراء الذين تولّوا وزارة التربية أدرك السبعة والثلاثين وزيرا، خمسة وعشرون منهم تولّوها قبل سنة 2011 واثنا عشر وزيرا تولّوها بعد سنة 2011. والذي يقفز إلى الذهن مباشرة هو أنّ بقاء الوزير الواحد مدة تناهز السنة أو أقلّ أو أكثر بقليل لم يكن يسمح ببناء مشروع تربويّ استراتيجيّ لا لشيء إلاّ لأنّ المجتمع التونسي كان في مرحلة انتقالية. والأمر نفسه في المستوى السياسي العامّ إذ تولّى الوزارة الأولى اثنا عشر وزيرا أوّل، وهذا العدد يدلّ على أن لا أحد من رؤساء الحكومة الذين تداولوا على هذا المنصب كان يملك مشروعا مجتمعيّا يمكن أن تسترشد به المدرسة، وهذا سبب رئيسيّ من أسباب أزمة المدرسة اليوم. لقد كان أهل السياسة مشغولين بظاهرة الاغتيالات السياسية وبظاهرة الإرهاب وبالصراعات الحزبية والمنافسات السياسية والاحتجاجات الاجتماعية الحادة الأمر الذي أحدث عدة شروخ في المجتمع كان لها انعكاسات سلبية على المدرسة فضلا عما أحدثه وباء الكوفيد من تعطيل مدرسي أضعف من مردود المدرسة الكثير". ثمّ توقف المتدخّل عند أسباب نجاح الأستاذ محمود المسعدي في مشروعه التربوي وإخفاق كلّ من الأستاذين محمد الشرفي ومنصر الرويسي في مشروعهما. فبيّن أن الأستاذ محمود المسعدي بنى مشروعه التربوي على أساس الاستجابة لجاجيات المجتمع من وجهين:النخبة الجيّدة التي ستقود البلاد والإطارات المتوسطة فكريا وتقنيا لضمان الخدمات الضرورية للمجتمع فعدّد المسالك التعليمية بما يستجيب لقدرات كلّ تلميذ أو رغباته. أمّا الأستاذ محمد الشرفي فقد بنى مشروعه التربوي على توجّه واحد هو جعل المدرسة ذات رسالة أساسية واحدة هي ضمان حدّ أدنى من التكوين للجميع إلى سنّ السادسة عشرة من العمر لكنّ التعليم الأرقى لا يكون إلاّ للنّخبة دون سواها على أساس أنّ " الأمم بنخبها " من المفكّرين والعلماء.فكانت نتيجة هذا الاختيار أنّ عشرات الآلاف من التلاميذ صاروا من روّاد الشارع تنهبهم البطالة والآفات الاجتماعية. فلم تطل هذه التجربة واستدرك عليها الأستاذ منصر الرويسي بقانون 2002.

وبيّن المحاضر أنّ علاج نقيصة مشروع الشرفي كان بنقيصة لا تقلّ خطرا عن النقيصة الأولى وهي أن فائض التلاميذ الذي كان مع مشروع 1991 عاد إلى المدرسة من جديد مع قانون 2002، فتجمهرت المدارس واكتظّت الأقسام وتراجع مردود المدرسة تراجعا كبيرا واحتار المدرّس بين المقاربات البيداغوجية ولم يفلح في أيّ منها بسبب هذه الجمهرة. وهو أمر تعاني منه المدرسة إلى اليوم. وبقطع النظر عن أنواع المقاربات البيداغوجية ومدى نجاعة هذه أو تلك فإنّ المدرّس ظلّ دون تكوين مسبق لأيّ مشروع تربوي يختاره رجل السياسة. ومن هذا المنطلق دعا الأستاذ ابراهيم بن صالح إلى ضرورة الاعتناء بالمدرّس علميّا وصناعيا واجتماعيا، فلا إصلاح تربويّا دون الارتقاء بمنزلة المدرّس ماديا ودون تحسين منزلته الاعتباريّة في المجتمع ودون التخفيف من عدد التلاميذ في الأقسام حتى يؤدّي مهامّه بنجاح وفي مناخ مدرسي جذّاب. ويضيف الأستاذ بن صالح: "مفتاح كلّ نجاح تربوي مرتبط بمدى انخراط المدرّس والمدرّسة في المشروع التربوي الذي تزمع الدولة التأسيس عليه لنموذج مجتمعيّ استراتيجي".

ثم تناول الكلمة الأستاذ عادل الحداد الذي ركز على على خمسة عناصر اعتبرها أساسية:

أولا: التنبيه إلى المفارقة الغريبة التي تشق خطابنا. نقر من ناحية اقتران الوضع الذي يجب أن تكون عليه المدرسة الآن بصورة المجتمع في المستقبل ومن ناحية ثانية لا نملك صورة واضحة عن تونس سنة 2050 مثلا... إننا لا نملك الا صورة هلامية عن بلادنا كما نريدها أن تكون في غضون الثلاثين سنة المقبلة وقدرتنا الاستشرافية إلى حد الآن منعدمة أو محدودة في أحسن الحالات؟ من بحق له بناء هذه الصورة؟ من عليه هذا الواجب؟ أي دور للقوى المجتمعية وما دور النخبة في كل ذلك؟

ثانيا: الإشارة إلى إمكانية قراءة تاريخ المدرسة التونسية انطلاقا من مقاربات مختلفة تتعاضد للتمكن من هذا التاريخ وفهمه. على وجاهة ما تفضل به الأستاذين يمكن اعتبار المقاربة المبنية على التمييز تاريخيا بين "منطق الحاجة" (دولة الاستقلال) و"منطق الحق" بعد ذلك وما يترتب عليه من مشكلات واقعية تتعلق بمبدأي الإنصاف وتكافؤ الفرص التي على النخب الفكرية والسياسات الواجب اعتمادها أن تعالجها. ثالثا: ارتباط مفهوم "الأزمة" بمفهوم "المنظومة". إلى جانب القراءة "السريرية" (مرض / طب/ علاج) يمكن أن نجازف بمقاربة "تقنية" تسندها "النمذجةالسيستمية". فالمنظومة هي كل مركب من نظم صغرى هي بدورها مركبة. وأن سلامة هذا "الكل" البراغماتية تبقى رهينة التوازن الداخلي التفاعلي بين النظم الصغرى والتوازن التفاعلي الخارجي الذي يصل هذا "الكل،" بمحيطه القريب المجتمع بكل نظمه المختلفة) والبعيد (المجتمع الدولي بكل نظمه المختلفة). يدل مفهوم الأزمة ضمن هذه المقاربة على حدوث خلل / عطب في هذا التوازن المضاعف. وبذلك قد تكون المقاربة المنظومة أكثر وجاهة من غيرها من المقاربات.

رابعا: الحاجة إلى التمييز بين "الإصلاح المنظومي" عن الإجراءات الشبيهة التي تبقى ضرورية لكنها لا تعالج العطب إذا أخذنت منعزلة. يمكن أن نجازف بهذا المفهوم للإصلاح: "يؤخذ هذا المفهوم على معنى اتخاذ سلسلة متجانسة من الإجراءات المتزامنة التي من شأنها إحداث تغييرات هيكلية تمكن المنظومة من استعادة توازنها التفاعلي عبر تحقيق الأهداف المقدرة، تحقيق تيسره سياسات دقيقة من أجل بلوغ مرتبة أعلى في مجال التنمية يتحقق فيها التوازن الواقعي الذي قدرته المجموعة الوطنية بين الإنساني والاجتماعي. لذلك يجب أن لا نحمل إجراءات المتابعة والتطوير على معنى الإصلاح ونوهم المجتمع بأننا نصلح المنظومة.

خامسا: يفيد الطابع المنظومي للإصلاح أن تكون المعالجة بالتدخل في النظم الماكروفيزيائية للمنظومة ونظمها الميكروفيزيائية. وإن إهمال التناغم بين التدخلين يمكن أن يزيد الوضع تأزما.

ثم أعطيت الكلمة للأستاذ عمران البخاري الذي تحدّث بدوره قائلا:

"بمبادرة من جمعية مواطنات، انتظم لقاء فكري في مدينة صفاقس، تناول فيه الحاضرون مسألة على غاية من الأهمية تتعلق باستشراف ملامح المدرسة التونسية في ظلّ التحولات التي ينتظر أن يشهدها مجتمعنا. وقد دار حوار ثري ّ ومعمّق انطلاقا من ورقات أولية قدمها عدد من أصحاب التجربة الطويلة في مجال التربية والتعليم. وقد أبان النقاش عن اتفاق واسع مفاده تردّي أوضاع مدرستنا وتراجع مردودها لأسباب عديدة بعضها من داخل المدرسة ذاتها وبعضها الآخر يعزى إلى عوامل خارجة عن سلطة المدرسة. ثم حاول الحاضرون تلمّس أهم اتجاهات تطوّر المجتمع التونسي وطرح بعض سيناريوهات التي يمكن أو ينبغي أن تشهدها مدرستنا لتكون متصالحة مع المجتمع. واعتبارا لجسامة الرهانات ولتشابك المسائل، أجمع كل الحاضرين على ضرورة مواصلة الحوار وتنويع فرصه وفضاءاته مما يحمّل المجتمع المدني مسؤولية كبيرة في تيسير وتسيير التفكير في واحدة من أمهات المعارك القادمة."

وعلى هامش النّدوة،التقت الصباح بالأستاذ الأزهر التونسي المندوب الجهوي الأسبق للتربية والتعليم الذي صرح بما يلي:

"أعتقد أن المدرسة التونسيّة تعيش أزمة غير مسبوقة. ورغم اقتناع كل الأطراف بضرورة الإصلاح إلاّ أنّ هذا الأمر قد تأخر كثيرا لأسباب عدّة لعل أهمّها ضعف الإمكانيات المادية لمجابهة الإصلاح. والمسألة الثانية التي جعلت الإصلاح يتعطل هي عدم اتفاق مختلف الأطراف خاصة السياسية منها على نمط المجتمع التونسي مستقبلا. ولهذا كلّ يرى في الإصلاح فرصة لفرض نموذج للمجتمع. وبالتالي يصبح الإصلاح متعطلا نتيجة عدم الاتفاق على طبيعة المدرسة وملامح التلميذ المتخرج من المدرسة".

ثم تحدّث إلينا الأستاذ عبد العزيز الجربي المتفقد العام للتربية الذي عبّر لنا عما يلي:

"في تقديري أزمة التربية والتعليم من أزمة المجتمع في مجمله. فلا يمكن وضع استراتيجيات واضحة في مجال التعليم والتربية ما لم تتوفر رؤية مجتمعية استشرافية تحدّد دور كلّ مجال من مجالات الحياة الاجتماعية سواء منها الاقتصادية أوالتربوية أوالثقافية".

كما أدلى جمال بن عطوش أستاذ تعليم ابتدائي، باحث في المجال التربوي ومتحصل على الاستاذية في علوم التربية بدلوه على النحو التالي:

"في إطار توصيف الوضع القائم للتربية والتّعليم أكّد المتدخّلون على أنّ "هويّة المدرسة غائمة...وبلا مشروع" وهو ما يعني أنّ "المدرسة لم تستقر على هويّة واحدة" منذ عقود ممّا أدّى الى الإقرار بأنّ "مدرستنا مريضة وأنّها قد تركت تاريخها وراءها" وهو ما أدّى الى أنّ "المجتمع الذي كان يقدّر ويقدّس المدرسة قد داخله الشكّ في مدرسته"

كما جاء في احدى المداخلات أنّ "المدرسة تشكو من عطب يتمثّل في عدم قدرتها على إيجاد التّوازن بين الدّاخل (الاكراهات الوطنيّة) والخارج (اكراهات التّحوّلات العالمية وخاصّة العولمة)" وهو ما يعيد طرح إشكالية "النّخبويّة والجمهرة" التي فشل النّظام التربوي على امتداد عقود على حلّها مما أدّى الى الإقرار بأنّ "الجودة مسألة قد أصبحت مستحيلة في الشروط الرّاهنة للمدرسة التّونسيّة".

وبالتّساؤل حول ماهية الإصلاح وشروطه العلميّة والموضوعيّة أثار المتدخّلون اشكاليّات "التّداخل بين قانوني الإصلاح التربويين لسنتي 1991 و2002 " وضرورة النّظر "للتّربية كمنظومة" وأنّ "الإصلاح يعني احداث تغييرات هيكليّة" وهو ما اعتبره أغلب المتدخّلين مستحيلا في الشّروط الرّاهنة السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة اذ أنّ "الإصلاح يعني احداث تغييرات هيكليّة" في ظلّ "غياب إرادة الإصلاح" بما هي إرادة سياسيّة بالدّرجة الأولى.

ومع إقرار أغلب المتدخّلين بأنّ "التعليم أصبح مكلفا" وأنّ ميزانيات وزارة التربية في تراجع مستمر فانّ "غياب الرّؤية لملامح المجتمع التّونسي في افق 2050 " يعمّق بدوره "انعدام العدالة وتكافؤ الفرص" ويعسّر عمليّة الإصلاح والتّجديد في الخيارات الاستراتيجيّة للتعليم عموما.

ولئن جاءت أغلب المداخلات وتفاعلات الحاضرين في النّدوة تشخيصيّة تقويميّة هيمن عليها البعد التّشاؤمي واحساس بالعجز أمام تفاقم وتشابك مظاهر الأزمة التي تعيشها المدرسة على جميع الأصعدة وبصفة خاصّة التّحوّل الخطير في دور المدرّس اذ أصبح مجرّد " عون مكلّفا بالتّربية" وهو ما يعني الكثير في علاقة بالأدوار التّقليدية المحمولة عليه في ظلّ تساؤلات محيّرة حول" نوعيّة المدرّسين الذّين تتوفّر عليهم المدرسة" فانّ بعض المقترحات قد تؤشّر الى امكانيّة انبلاج الضوء في آخر النّفق ولعلّ أهمّها يتمثّل في "الرّفع من شأن المدرّس معرفيّا ومادّيا" والدّعوة الصّريحة الى "عدم خضوع من سيقوم بعمليّة الإصلاح التّربوي لرجل السياسية..." وحثّه على عدم التّسرّع تحت شعاري "خذ وقتك أيّها المصلح" و "وضّح أمرك مع المعنى في علاقة بمسألة التّربية".

إنّ إقرار إطارات سامية سابقة بوزارة التربية بالأزمة الخطيرة التي تعيشها المدرسة التّونسيّة بالرّغم من "الإصلاحات" المتتالية وتعمّق الأزمة بينها وبين المجتمع نظرا لوجود سرعات مختلفة داخل المنظومة التربوية وتفاوت حاد بين الفئات والطبقات والجهات مما يؤدّي سنويا الى انقطاعات بعشرات الآلاف من المتمدرسين في مقابل تكريس مزيد من النّخبويّة نظرا لعدم التّكافؤ بين مختلف المتمدرسين وغياب الانصاف والعدالة والتهميش الذي تعاني منه آلاف المؤسسات التّربويّة بالإضافة الى انعكاس الإجراءات المتّخذة بصفة ارتجاليّة وآنيّة مع تواتر التعيينات الوزاريّة ...كلّ هذه الإشكاليات تطرح احداث قطيعة جذريّة مع موروث مدرسة الاستعمار الجديد وقطع أصابع التّدخّل الخارجي في الإصلاحات التربويّة انسجاما مع ما تقتضيه"حرب التّحرير الوطنيّة" ومقتضيات المسار الثوري الذي أطلقته انتفاضة السابع عشر من ديسمبر بما يرفع من شأن المدرسة التونسية ويجعلها تنسجم مع احدى الشّعارات الحركة التقدّمية التي نادت منذ عقود الى تكريس شعار "تعليم ديمقراطي ثقافة وطنية جامعة شعبيّة"."

وعلى العموم، فإنه بالإمكان القول إنّ أشغال النّدوة قد عبّرت إجمالا عن تواجد أزمة حقيقية في المنظومة التربوية يتخبّط فيها المتداخلون في العمليّة التربوية من مربي وتلميذ وولي، إذ تعيش كلّ هذه الأطراف حالة من القلق والانزعاج لعدم وضوح الرّؤيا المستقبلية للوضع التربوي. وفي اعتقادنا أنّ الإصلاح التربوي لا يمكن أن يكون جادّا ومثمرا مادام الوضع العام في البلاد يشكو الكثير من الهنات ومادامت جميع القطاعات تقريبا منخرمة وعديد المسائل الجوهرية مغيّبة وهو ما يعكس الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي الحرج الذي تمرّ به البلاد.

مصدّق الشّريف

على هامش ندوة "أيّة مدرسة؟ لأيّ مجتمع؟"

نظّمت جمعية "مواطنات"يوم السبت 26 أكتوبر بالمركب الثقافي محمد الجموسي بمدينة صفاقس ندوة فكرية تحت عنوان: "أيّة مدرسة؟ لأيّ مجتمع؟"أدارتهاالأستاذة ثريا بن عبد الله. وقد أسهم في النّدوة مختصّون في التربية والتعليم وهم الأساتذة ابراهيم بن صالح المتفقد العام في التربية، عادل الحداد المتفقد العام الخبير في التربية والمدير العام الأسبق للبرامج والتكوين المستمر وعمران البخاري مدير إدارة البرامج سابقا.

الملاحظة الأولى التي تجدر الإشارة إليها هي أنّ النّدوة قد حضرها عدد كبير من نساء التربية والتعليم ورجالهما في مختلف مراحلهما بدءا من رياض الأطفال مرورا بالتعليم الابتدائي وصولا إلى التعليم الإعدادي والثانوي والعالي. وأما الملاحظة الثانية، فإنّ الحضور قد تابع النّدوة منذ بدايتها على الساعة الثالثة بعد الظهر إلى نهايتها في حدود الساعة السادسة والنصف مساء بكل اهتمام وتركيز على امتداد مداخلات الأستاذة المختصّين وأثناء النّقاش وتبادل وجهات النظر.

كانت المداخلة الأولى من نصيب الأستاذ إبراهيم بن صالح. وقد جاء فيها بالخصوص:

"إنّ كلّ اختيار سياسي تربوي ينبني على مشروع مدرسيّ، وإنّ كلّ مشروع مدرسي يرتبط وثيق الارتباط بمشروع مجتمعي، هكذا كان الأمر مع كلّ من الأستاذ محمود المسعدي في قانون 4 نوفمبر 1958 والأستاذ محمّد الشرفي في قانون 29 جويلية 1991 والأستاذ منصر الرويسي في قانون 23 جويلية 2002...إنّ عدد الوزراء الذين تولّوا وزارة التربية أدرك السبعة والثلاثين وزيرا، خمسة وعشرون منهم تولّوها قبل سنة 2011 واثنا عشر وزيرا تولّوها بعد سنة 2011. والذي يقفز إلى الذهن مباشرة هو أنّ بقاء الوزير الواحد مدة تناهز السنة أو أقلّ أو أكثر بقليل لم يكن يسمح ببناء مشروع تربويّ استراتيجيّ لا لشيء إلاّ لأنّ المجتمع التونسي كان في مرحلة انتقالية. والأمر نفسه في المستوى السياسي العامّ إذ تولّى الوزارة الأولى اثنا عشر وزيرا أوّل، وهذا العدد يدلّ على أن لا أحد من رؤساء الحكومة الذين تداولوا على هذا المنصب كان يملك مشروعا مجتمعيّا يمكن أن تسترشد به المدرسة، وهذا سبب رئيسيّ من أسباب أزمة المدرسة اليوم. لقد كان أهل السياسة مشغولين بظاهرة الاغتيالات السياسية وبظاهرة الإرهاب وبالصراعات الحزبية والمنافسات السياسية والاحتجاجات الاجتماعية الحادة الأمر الذي أحدث عدة شروخ في المجتمع كان لها انعكاسات سلبية على المدرسة فضلا عما أحدثه وباء الكوفيد من تعطيل مدرسي أضعف من مردود المدرسة الكثير". ثمّ توقف المتدخّل عند أسباب نجاح الأستاذ محمود المسعدي في مشروعه التربوي وإخفاق كلّ من الأستاذين محمد الشرفي ومنصر الرويسي في مشروعهما. فبيّن أن الأستاذ محمود المسعدي بنى مشروعه التربوي على أساس الاستجابة لجاجيات المجتمع من وجهين:النخبة الجيّدة التي ستقود البلاد والإطارات المتوسطة فكريا وتقنيا لضمان الخدمات الضرورية للمجتمع فعدّد المسالك التعليمية بما يستجيب لقدرات كلّ تلميذ أو رغباته. أمّا الأستاذ محمد الشرفي فقد بنى مشروعه التربوي على توجّه واحد هو جعل المدرسة ذات رسالة أساسية واحدة هي ضمان حدّ أدنى من التكوين للجميع إلى سنّ السادسة عشرة من العمر لكنّ التعليم الأرقى لا يكون إلاّ للنّخبة دون سواها على أساس أنّ " الأمم بنخبها " من المفكّرين والعلماء.فكانت نتيجة هذا الاختيار أنّ عشرات الآلاف من التلاميذ صاروا من روّاد الشارع تنهبهم البطالة والآفات الاجتماعية. فلم تطل هذه التجربة واستدرك عليها الأستاذ منصر الرويسي بقانون 2002.

وبيّن المحاضر أنّ علاج نقيصة مشروع الشرفي كان بنقيصة لا تقلّ خطرا عن النقيصة الأولى وهي أن فائض التلاميذ الذي كان مع مشروع 1991 عاد إلى المدرسة من جديد مع قانون 2002، فتجمهرت المدارس واكتظّت الأقسام وتراجع مردود المدرسة تراجعا كبيرا واحتار المدرّس بين المقاربات البيداغوجية ولم يفلح في أيّ منها بسبب هذه الجمهرة. وهو أمر تعاني منه المدرسة إلى اليوم. وبقطع النظر عن أنواع المقاربات البيداغوجية ومدى نجاعة هذه أو تلك فإنّ المدرّس ظلّ دون تكوين مسبق لأيّ مشروع تربوي يختاره رجل السياسة. ومن هذا المنطلق دعا الأستاذ ابراهيم بن صالح إلى ضرورة الاعتناء بالمدرّس علميّا وصناعيا واجتماعيا، فلا إصلاح تربويّا دون الارتقاء بمنزلة المدرّس ماديا ودون تحسين منزلته الاعتباريّة في المجتمع ودون التخفيف من عدد التلاميذ في الأقسام حتى يؤدّي مهامّه بنجاح وفي مناخ مدرسي جذّاب. ويضيف الأستاذ بن صالح: "مفتاح كلّ نجاح تربوي مرتبط بمدى انخراط المدرّس والمدرّسة في المشروع التربوي الذي تزمع الدولة التأسيس عليه لنموذج مجتمعيّ استراتيجي".

ثم تناول الكلمة الأستاذ عادل الحداد الذي ركز على على خمسة عناصر اعتبرها أساسية:

أولا: التنبيه إلى المفارقة الغريبة التي تشق خطابنا. نقر من ناحية اقتران الوضع الذي يجب أن تكون عليه المدرسة الآن بصورة المجتمع في المستقبل ومن ناحية ثانية لا نملك صورة واضحة عن تونس سنة 2050 مثلا... إننا لا نملك الا صورة هلامية عن بلادنا كما نريدها أن تكون في غضون الثلاثين سنة المقبلة وقدرتنا الاستشرافية إلى حد الآن منعدمة أو محدودة في أحسن الحالات؟ من بحق له بناء هذه الصورة؟ من عليه هذا الواجب؟ أي دور للقوى المجتمعية وما دور النخبة في كل ذلك؟

ثانيا: الإشارة إلى إمكانية قراءة تاريخ المدرسة التونسية انطلاقا من مقاربات مختلفة تتعاضد للتمكن من هذا التاريخ وفهمه. على وجاهة ما تفضل به الأستاذين يمكن اعتبار المقاربة المبنية على التمييز تاريخيا بين "منطق الحاجة" (دولة الاستقلال) و"منطق الحق" بعد ذلك وما يترتب عليه من مشكلات واقعية تتعلق بمبدأي الإنصاف وتكافؤ الفرص التي على النخب الفكرية والسياسات الواجب اعتمادها أن تعالجها. ثالثا: ارتباط مفهوم "الأزمة" بمفهوم "المنظومة". إلى جانب القراءة "السريرية" (مرض / طب/ علاج) يمكن أن نجازف بمقاربة "تقنية" تسندها "النمذجةالسيستمية". فالمنظومة هي كل مركب من نظم صغرى هي بدورها مركبة. وأن سلامة هذا "الكل" البراغماتية تبقى رهينة التوازن الداخلي التفاعلي بين النظم الصغرى والتوازن التفاعلي الخارجي الذي يصل هذا "الكل،" بمحيطه القريب المجتمع بكل نظمه المختلفة) والبعيد (المجتمع الدولي بكل نظمه المختلفة). يدل مفهوم الأزمة ضمن هذه المقاربة على حدوث خلل / عطب في هذا التوازن المضاعف. وبذلك قد تكون المقاربة المنظومة أكثر وجاهة من غيرها من المقاربات.

رابعا: الحاجة إلى التمييز بين "الإصلاح المنظومي" عن الإجراءات الشبيهة التي تبقى ضرورية لكنها لا تعالج العطب إذا أخذنت منعزلة. يمكن أن نجازف بهذا المفهوم للإصلاح: "يؤخذ هذا المفهوم على معنى اتخاذ سلسلة متجانسة من الإجراءات المتزامنة التي من شأنها إحداث تغييرات هيكلية تمكن المنظومة من استعادة توازنها التفاعلي عبر تحقيق الأهداف المقدرة، تحقيق تيسره سياسات دقيقة من أجل بلوغ مرتبة أعلى في مجال التنمية يتحقق فيها التوازن الواقعي الذي قدرته المجموعة الوطنية بين الإنساني والاجتماعي. لذلك يجب أن لا نحمل إجراءات المتابعة والتطوير على معنى الإصلاح ونوهم المجتمع بأننا نصلح المنظومة.

خامسا: يفيد الطابع المنظومي للإصلاح أن تكون المعالجة بالتدخل في النظم الماكروفيزيائية للمنظومة ونظمها الميكروفيزيائية. وإن إهمال التناغم بين التدخلين يمكن أن يزيد الوضع تأزما.

ثم أعطيت الكلمة للأستاذ عمران البخاري الذي تحدّث بدوره قائلا:

"بمبادرة من جمعية مواطنات، انتظم لقاء فكري في مدينة صفاقس، تناول فيه الحاضرون مسألة على غاية من الأهمية تتعلق باستشراف ملامح المدرسة التونسية في ظلّ التحولات التي ينتظر أن يشهدها مجتمعنا. وقد دار حوار ثري ّ ومعمّق انطلاقا من ورقات أولية قدمها عدد من أصحاب التجربة الطويلة في مجال التربية والتعليم. وقد أبان النقاش عن اتفاق واسع مفاده تردّي أوضاع مدرستنا وتراجع مردودها لأسباب عديدة بعضها من داخل المدرسة ذاتها وبعضها الآخر يعزى إلى عوامل خارجة عن سلطة المدرسة. ثم حاول الحاضرون تلمّس أهم اتجاهات تطوّر المجتمع التونسي وطرح بعض سيناريوهات التي يمكن أو ينبغي أن تشهدها مدرستنا لتكون متصالحة مع المجتمع. واعتبارا لجسامة الرهانات ولتشابك المسائل، أجمع كل الحاضرين على ضرورة مواصلة الحوار وتنويع فرصه وفضاءاته مما يحمّل المجتمع المدني مسؤولية كبيرة في تيسير وتسيير التفكير في واحدة من أمهات المعارك القادمة."

وعلى هامش النّدوة،التقت الصباح بالأستاذ الأزهر التونسي المندوب الجهوي الأسبق للتربية والتعليم الذي صرح بما يلي:

"أعتقد أن المدرسة التونسيّة تعيش أزمة غير مسبوقة. ورغم اقتناع كل الأطراف بضرورة الإصلاح إلاّ أنّ هذا الأمر قد تأخر كثيرا لأسباب عدّة لعل أهمّها ضعف الإمكانيات المادية لمجابهة الإصلاح. والمسألة الثانية التي جعلت الإصلاح يتعطل هي عدم اتفاق مختلف الأطراف خاصة السياسية منها على نمط المجتمع التونسي مستقبلا. ولهذا كلّ يرى في الإصلاح فرصة لفرض نموذج للمجتمع. وبالتالي يصبح الإصلاح متعطلا نتيجة عدم الاتفاق على طبيعة المدرسة وملامح التلميذ المتخرج من المدرسة".

ثم تحدّث إلينا الأستاذ عبد العزيز الجربي المتفقد العام للتربية الذي عبّر لنا عما يلي:

"في تقديري أزمة التربية والتعليم من أزمة المجتمع في مجمله. فلا يمكن وضع استراتيجيات واضحة في مجال التعليم والتربية ما لم تتوفر رؤية مجتمعية استشرافية تحدّد دور كلّ مجال من مجالات الحياة الاجتماعية سواء منها الاقتصادية أوالتربوية أوالثقافية".

كما أدلى جمال بن عطوش أستاذ تعليم ابتدائي، باحث في المجال التربوي ومتحصل على الاستاذية في علوم التربية بدلوه على النحو التالي:

"في إطار توصيف الوضع القائم للتربية والتّعليم أكّد المتدخّلون على أنّ "هويّة المدرسة غائمة...وبلا مشروع" وهو ما يعني أنّ "المدرسة لم تستقر على هويّة واحدة" منذ عقود ممّا أدّى الى الإقرار بأنّ "مدرستنا مريضة وأنّها قد تركت تاريخها وراءها" وهو ما أدّى الى أنّ "المجتمع الذي كان يقدّر ويقدّس المدرسة قد داخله الشكّ في مدرسته"

كما جاء في احدى المداخلات أنّ "المدرسة تشكو من عطب يتمثّل في عدم قدرتها على إيجاد التّوازن بين الدّاخل (الاكراهات الوطنيّة) والخارج (اكراهات التّحوّلات العالمية وخاصّة العولمة)" وهو ما يعيد طرح إشكالية "النّخبويّة والجمهرة" التي فشل النّظام التربوي على امتداد عقود على حلّها مما أدّى الى الإقرار بأنّ "الجودة مسألة قد أصبحت مستحيلة في الشروط الرّاهنة للمدرسة التّونسيّة".

وبالتّساؤل حول ماهية الإصلاح وشروطه العلميّة والموضوعيّة أثار المتدخّلون اشكاليّات "التّداخل بين قانوني الإصلاح التربويين لسنتي 1991 و2002 " وضرورة النّظر "للتّربية كمنظومة" وأنّ "الإصلاح يعني احداث تغييرات هيكليّة" وهو ما اعتبره أغلب المتدخّلين مستحيلا في الشّروط الرّاهنة السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة اذ أنّ "الإصلاح يعني احداث تغييرات هيكليّة" في ظلّ "غياب إرادة الإصلاح" بما هي إرادة سياسيّة بالدّرجة الأولى.

ومع إقرار أغلب المتدخّلين بأنّ "التعليم أصبح مكلفا" وأنّ ميزانيات وزارة التربية في تراجع مستمر فانّ "غياب الرّؤية لملامح المجتمع التّونسي في افق 2050 " يعمّق بدوره "انعدام العدالة وتكافؤ الفرص" ويعسّر عمليّة الإصلاح والتّجديد في الخيارات الاستراتيجيّة للتعليم عموما.

ولئن جاءت أغلب المداخلات وتفاعلات الحاضرين في النّدوة تشخيصيّة تقويميّة هيمن عليها البعد التّشاؤمي واحساس بالعجز أمام تفاقم وتشابك مظاهر الأزمة التي تعيشها المدرسة على جميع الأصعدة وبصفة خاصّة التّحوّل الخطير في دور المدرّس اذ أصبح مجرّد " عون مكلّفا بالتّربية" وهو ما يعني الكثير في علاقة بالأدوار التّقليدية المحمولة عليه في ظلّ تساؤلات محيّرة حول" نوعيّة المدرّسين الذّين تتوفّر عليهم المدرسة" فانّ بعض المقترحات قد تؤشّر الى امكانيّة انبلاج الضوء في آخر النّفق ولعلّ أهمّها يتمثّل في "الرّفع من شأن المدرّس معرفيّا ومادّيا" والدّعوة الصّريحة الى "عدم خضوع من سيقوم بعمليّة الإصلاح التّربوي لرجل السياسية..." وحثّه على عدم التّسرّع تحت شعاري "خذ وقتك أيّها المصلح" و "وضّح أمرك مع المعنى في علاقة بمسألة التّربية".

إنّ إقرار إطارات سامية سابقة بوزارة التربية بالأزمة الخطيرة التي تعيشها المدرسة التّونسيّة بالرّغم من "الإصلاحات" المتتالية وتعمّق الأزمة بينها وبين المجتمع نظرا لوجود سرعات مختلفة داخل المنظومة التربوية وتفاوت حاد بين الفئات والطبقات والجهات مما يؤدّي سنويا الى انقطاعات بعشرات الآلاف من المتمدرسين في مقابل تكريس مزيد من النّخبويّة نظرا لعدم التّكافؤ بين مختلف المتمدرسين وغياب الانصاف والعدالة والتهميش الذي تعاني منه آلاف المؤسسات التّربويّة بالإضافة الى انعكاس الإجراءات المتّخذة بصفة ارتجاليّة وآنيّة مع تواتر التعيينات الوزاريّة ...كلّ هذه الإشكاليات تطرح احداث قطيعة جذريّة مع موروث مدرسة الاستعمار الجديد وقطع أصابع التّدخّل الخارجي في الإصلاحات التربويّة انسجاما مع ما تقتضيه"حرب التّحرير الوطنيّة" ومقتضيات المسار الثوري الذي أطلقته انتفاضة السابع عشر من ديسمبر بما يرفع من شأن المدرسة التونسية ويجعلها تنسجم مع احدى الشّعارات الحركة التقدّمية التي نادت منذ عقود الى تكريس شعار "تعليم ديمقراطي ثقافة وطنية جامعة شعبيّة"."

وعلى العموم، فإنه بالإمكان القول إنّ أشغال النّدوة قد عبّرت إجمالا عن تواجد أزمة حقيقية في المنظومة التربوية يتخبّط فيها المتداخلون في العمليّة التربوية من مربي وتلميذ وولي، إذ تعيش كلّ هذه الأطراف حالة من القلق والانزعاج لعدم وضوح الرّؤيا المستقبلية للوضع التربوي. وفي اعتقادنا أنّ الإصلاح التربوي لا يمكن أن يكون جادّا ومثمرا مادام الوضع العام في البلاد يشكو الكثير من الهنات ومادامت جميع القطاعات تقريبا منخرمة وعديد المسائل الجوهرية مغيّبة وهو ما يعكس الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي الحرج الذي تمرّ به البلاد.

مصدّق الشّريف