تحول "الذكاء الاصطناعي" خلال سنوات قليلة من أداة تقنية مُتخصصة إلى رافعة استراتيجية اعادت رسم موازين القوة الاقتصادية والثقافية والجيوسياسية في العالم، إذ لم تعد المنافسة الدولية، اليوم، تدور فقط حول الموارد الطبيعية أو طرق التجارة...، بل حول السيطرة على التكنولوجيا القادرة على إنتاج المعرفة نفسها. فأين تتموقع بلادنا في خضم هذا التحول؟
نقاط تحدثت حولها "الصباح نيوز" مع الخبير في استراتيجية الذكاء الاصطناعي وحوكمته رازي الملياني، الذي انطلق بالاشارة الى موقع الولايات المتحدة الأمريكية والصين في هذا السباق العالمي عبر نماذج متقدمة باتت تؤثر في طريقة العمل والتعلم والإبداع وصناعة القرار. واضاف أنّ الشركات الأمريكية تقود تطوير نماذج مثل GPT وClaude وGemini، فيما تدفع الصين بقوة عبر نماذج مثل Qwen وDeepSeek وKimi. واستدرك الملياني بالقول إن الرهان لم يعد تقنياً، فحسب، بل يتعلق أيضا بالقيم والرؤى التي تُدمج داخل هذه الأنظمة، وبالجهات التي ستُحدّد قواعد استخدامها وحدود تأثيرها.
وهنا، أبرز مواقف خبراء عالميين في المجال من الذكاء الاصطناعي الذين حذروا من أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد ابتكار تقني محايد، بل أصبح يمثل شكلاً جديداً من أشكال السيطرة الاقتصادية القائمة على جمع البيانات وتحويلها إلى مصدر للقوة والنفوذ، واعتبر البعض الآخر أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات تنفذ الأوامر، بل أصبحت قادرة على اتخاذ مبادرات والتأثير في خيارات البشر وتوجيه قراراتهم بطرق قد لا تكون مرئية دائما للمستخدمين.
الأرقام والتحول
وتطرق الملياني ايضا إلى تقديرات معهد ماكينزي العالمي، والتي مفادها أنه يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يضيف ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار سنوياً إلى الاقتصاد العالمي، مُستدركا: "لكن هذه المكاسب الاقتصادية الضخمة لا تخلو من تحديات عميقة.. اذ أظهرت دراسات مُتخصصة أن بعض خوارزميات التوظيف الآلي أعادت إنتاج تحيزات موجودة مسبقاً في البيانات المستخدمة لتدريبها، مما أدى إلى استبعاد بعض الفئات من فرص العمل بشكل غير عادل... كما أن تجربة شبكات التواصل الاجتماعي خلال العقدين الماضيين أظهرت كيف يمكن للخوارزميات أن تؤثر في المجال العام، وأن تعزز الاستقطاب أو تساهم في انتشار المعلومات المضللة وخطابات الكراهية عندما تغيب الضوابط الفعالة".
"الوكلاء المستقلين"
وأشار الخبير إلى أن النقاش أصبح اكثر تعقيدا مع ظهور "الوكلاء المستقلين"، أنظمة قادرة على تنفيذ مهام متعددة واتخاذ قرارات متتابعة لتحقيق أهداف محددة. وقال إن اختبارات السلامة كشفت في عدد من الحالات سلوكيات غير مُتوقعة ما يُؤكّد الحاجة إلى تطوير آليات رقابة أكثر صرامة واستباقية مع تزايد قدرات هذه الأنظمة على تغيير السلوكيات والأفكار أحيانا. وفي ذات السياق، افاد أن التركيز على المخاطر وحدها يحجب جانباً أساسياً من الصورة باعتبار ان الذكاء الاصطناعي يملك إمكانيات ضخمة لتحسين الإنتاجية، تسريع البحث العلمي، تطوير الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم الابتكار في مختلف القطاعات، مُضيفا: "إزاء كلّ هذا لا يتمثل التحدي في إبطاء التطور التكنولوجي أو منعه، بل في وضع قواعد تضمن توجيهه نحو خدمة الصالح العام".
معرفة أكثر شمولية ووضوحا
وواصل رازي الملياني بالحديث عن الذكاء الاصطناعي من الجانب الدولي لمعرفة أكثر شمولية ووضوحا بمفهوم الذكاء الاصطناعي وكيفية تعامل دول متقدمة معه، مُبرزا أهمية الجهود الدولية الرامية إلى بناء إطار عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي. وأوضح ان المجتمع الدولي؛ الأمم المتحدة ومُبادرات إقليمية ووطنية مُتعددة، أطلقت نقاشاً متزايداً حول القواعد والأخلاقيات والمعايير التي ينبغي أن تحكم هذه التكنولوجيا، كما سعى الاتحاد الأوروبي إلى وضع إطار تنظيمي مُتقدم عبر سنّ قانون الذكاء الاصطناعي، فيما تعمل شركات التكنولوجيا الكبرى على تطوير مواثيق ومبادئ للاستخدام المسؤول والآمن، مُشيرا الى أنه ورغم أنّ هذه المبادرات لا تزال في طور التشكّل، إلا انها تعكس إدراكاً متزايدا بأن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُترك لمنطق السوق أو المنافسة الجيوسياسية وحدهما، حسب تعبيره.
حوكمة عالمية مُتوازنة واستشرافية
وبخصوص مدى قوة أنظمة الذكاء الاصطناعي المُقبلة، قال إنّ الأمر يتعلق بمن سيحدد القيم والقواعد التي ستوجّه عملها خاصة أنّ المعركة الحقيقية ليست فقط سباقاً على تطوير النماذج الأكثر تقدماً، وإنما صراع حول شكل المجتمع العالمي الذي ستساهم هذه النماذج في بنائه. وشدد على الضرورة المُلحة لحوكمة عالمية مُتوازنة واستشرافية لتحويل هذه القوة التكنولوجية إلى أداة لخدمة الإنسان وليس إلى قوة تتجاوز قدرته على توجيهها.
التوصيات الخاصة بتونس.. نحو تموقع استراتيجي في الذكاء الاصطناعي
وعودة إلى الشأن الوطني في علاقة بالذكاء الاصطناعي، أكّد أنه أولا، بالنسبة للمؤسسات لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تشغيلية، بل أصبح قراراً استراتيجياً يجب أن تقوده الإدارة العليا، بما يضمن توافقه مع الرؤية والقيم ومستوى التبعية التكنولوجية المقبول، داعيا المؤسسات إلى تطوير قدراتها الداخلية لحوكمة الذكاء الاصطناعي لتشمل إدارة المخاطر والأمن السيبراني وحماية القيمة. ثانيا، فيما يهم المؤسسات الكبرى العمومية والخاصة، قال إنها مدعوة إلى إرساء آليات واضحة لتقييم واعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي، لا تقتصر على الامتثال، بل تأخذ بعين الاعتبار المخاطر الاستراتيجية المُرتبطة بالتبعية التكنولوجية والتحكم بالبيانات واتخاذ القرار.
ثالثا، وعلى المستوى الوطني، أكّد الخبير في استراتيجية الذكاء الاصطناعي وحوكمته رازي الملياني أنّ تونس تحتاج إلى رؤية مُتكاملة للذكاء الاصطناعي عبر التفكير في إحداث هيئة استراتيجية تتولى تنسيق السياسات العمومية، تطوير الكفاءات، وتعزيز الشراكات الدولية، بما يضمن تموقعاً فعالاً داخل الاقتصاد العالمي للذكاء الاصطناعي. وختم بالتأكيد أنه لا يكمن التحدي في تبني الذكاء الاصطناعي فقط، بل في كيفية تحويله إلى رافعة للسيادة والتنافسية في عالم يتشكل بسرعة متزايدة.
عبير الطرابلسي
تحول "الذكاء الاصطناعي" خلال سنوات قليلة من أداة تقنية مُتخصصة إلى رافعة استراتيجية اعادت رسم موازين القوة الاقتصادية والثقافية والجيوسياسية في العالم، إذ لم تعد المنافسة الدولية، اليوم، تدور فقط حول الموارد الطبيعية أو طرق التجارة...، بل حول السيطرة على التكنولوجيا القادرة على إنتاج المعرفة نفسها. فأين تتموقع بلادنا في خضم هذا التحول؟
نقاط تحدثت حولها "الصباح نيوز" مع الخبير في استراتيجية الذكاء الاصطناعي وحوكمته رازي الملياني، الذي انطلق بالاشارة الى موقع الولايات المتحدة الأمريكية والصين في هذا السباق العالمي عبر نماذج متقدمة باتت تؤثر في طريقة العمل والتعلم والإبداع وصناعة القرار. واضاف أنّ الشركات الأمريكية تقود تطوير نماذج مثل GPT وClaude وGemini، فيما تدفع الصين بقوة عبر نماذج مثل Qwen وDeepSeek وKimi. واستدرك الملياني بالقول إن الرهان لم يعد تقنياً، فحسب، بل يتعلق أيضا بالقيم والرؤى التي تُدمج داخل هذه الأنظمة، وبالجهات التي ستُحدّد قواعد استخدامها وحدود تأثيرها.
وهنا، أبرز مواقف خبراء عالميين في المجال من الذكاء الاصطناعي الذين حذروا من أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد ابتكار تقني محايد، بل أصبح يمثل شكلاً جديداً من أشكال السيطرة الاقتصادية القائمة على جمع البيانات وتحويلها إلى مصدر للقوة والنفوذ، واعتبر البعض الآخر أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات تنفذ الأوامر، بل أصبحت قادرة على اتخاذ مبادرات والتأثير في خيارات البشر وتوجيه قراراتهم بطرق قد لا تكون مرئية دائما للمستخدمين.
الأرقام والتحول
وتطرق الملياني ايضا إلى تقديرات معهد ماكينزي العالمي، والتي مفادها أنه يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يضيف ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار سنوياً إلى الاقتصاد العالمي، مُستدركا: "لكن هذه المكاسب الاقتصادية الضخمة لا تخلو من تحديات عميقة.. اذ أظهرت دراسات مُتخصصة أن بعض خوارزميات التوظيف الآلي أعادت إنتاج تحيزات موجودة مسبقاً في البيانات المستخدمة لتدريبها، مما أدى إلى استبعاد بعض الفئات من فرص العمل بشكل غير عادل... كما أن تجربة شبكات التواصل الاجتماعي خلال العقدين الماضيين أظهرت كيف يمكن للخوارزميات أن تؤثر في المجال العام، وأن تعزز الاستقطاب أو تساهم في انتشار المعلومات المضللة وخطابات الكراهية عندما تغيب الضوابط الفعالة".
"الوكلاء المستقلين"
وأشار الخبير إلى أن النقاش أصبح اكثر تعقيدا مع ظهور "الوكلاء المستقلين"، أنظمة قادرة على تنفيذ مهام متعددة واتخاذ قرارات متتابعة لتحقيق أهداف محددة. وقال إن اختبارات السلامة كشفت في عدد من الحالات سلوكيات غير مُتوقعة ما يُؤكّد الحاجة إلى تطوير آليات رقابة أكثر صرامة واستباقية مع تزايد قدرات هذه الأنظمة على تغيير السلوكيات والأفكار أحيانا. وفي ذات السياق، افاد أن التركيز على المخاطر وحدها يحجب جانباً أساسياً من الصورة باعتبار ان الذكاء الاصطناعي يملك إمكانيات ضخمة لتحسين الإنتاجية، تسريع البحث العلمي، تطوير الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم الابتكار في مختلف القطاعات، مُضيفا: "إزاء كلّ هذا لا يتمثل التحدي في إبطاء التطور التكنولوجي أو منعه، بل في وضع قواعد تضمن توجيهه نحو خدمة الصالح العام".
معرفة أكثر شمولية ووضوحا
وواصل رازي الملياني بالحديث عن الذكاء الاصطناعي من الجانب الدولي لمعرفة أكثر شمولية ووضوحا بمفهوم الذكاء الاصطناعي وكيفية تعامل دول متقدمة معه، مُبرزا أهمية الجهود الدولية الرامية إلى بناء إطار عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي. وأوضح ان المجتمع الدولي؛ الأمم المتحدة ومُبادرات إقليمية ووطنية مُتعددة، أطلقت نقاشاً متزايداً حول القواعد والأخلاقيات والمعايير التي ينبغي أن تحكم هذه التكنولوجيا، كما سعى الاتحاد الأوروبي إلى وضع إطار تنظيمي مُتقدم عبر سنّ قانون الذكاء الاصطناعي، فيما تعمل شركات التكنولوجيا الكبرى على تطوير مواثيق ومبادئ للاستخدام المسؤول والآمن، مُشيرا الى أنه ورغم أنّ هذه المبادرات لا تزال في طور التشكّل، إلا انها تعكس إدراكاً متزايدا بأن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُترك لمنطق السوق أو المنافسة الجيوسياسية وحدهما، حسب تعبيره.
حوكمة عالمية مُتوازنة واستشرافية
وبخصوص مدى قوة أنظمة الذكاء الاصطناعي المُقبلة، قال إنّ الأمر يتعلق بمن سيحدد القيم والقواعد التي ستوجّه عملها خاصة أنّ المعركة الحقيقية ليست فقط سباقاً على تطوير النماذج الأكثر تقدماً، وإنما صراع حول شكل المجتمع العالمي الذي ستساهم هذه النماذج في بنائه. وشدد على الضرورة المُلحة لحوكمة عالمية مُتوازنة واستشرافية لتحويل هذه القوة التكنولوجية إلى أداة لخدمة الإنسان وليس إلى قوة تتجاوز قدرته على توجيهها.
التوصيات الخاصة بتونس.. نحو تموقع استراتيجي في الذكاء الاصطناعي
وعودة إلى الشأن الوطني في علاقة بالذكاء الاصطناعي، أكّد أنه أولا، بالنسبة للمؤسسات لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تشغيلية، بل أصبح قراراً استراتيجياً يجب أن تقوده الإدارة العليا، بما يضمن توافقه مع الرؤية والقيم ومستوى التبعية التكنولوجية المقبول، داعيا المؤسسات إلى تطوير قدراتها الداخلية لحوكمة الذكاء الاصطناعي لتشمل إدارة المخاطر والأمن السيبراني وحماية القيمة. ثانيا، فيما يهم المؤسسات الكبرى العمومية والخاصة، قال إنها مدعوة إلى إرساء آليات واضحة لتقييم واعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي، لا تقتصر على الامتثال، بل تأخذ بعين الاعتبار المخاطر الاستراتيجية المُرتبطة بالتبعية التكنولوجية والتحكم بالبيانات واتخاذ القرار.
ثالثا، وعلى المستوى الوطني، أكّد الخبير في استراتيجية الذكاء الاصطناعي وحوكمته رازي الملياني أنّ تونس تحتاج إلى رؤية مُتكاملة للذكاء الاصطناعي عبر التفكير في إحداث هيئة استراتيجية تتولى تنسيق السياسات العمومية، تطوير الكفاءات، وتعزيز الشراكات الدولية، بما يضمن تموقعاً فعالاً داخل الاقتصاد العالمي للذكاء الاصطناعي. وختم بالتأكيد أنه لا يكمن التحدي في تبني الذكاء الاصطناعي فقط، بل في كيفية تحويله إلى رافعة للسيادة والتنافسية في عالم يتشكل بسرعة متزايدة.