إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

سوسة.. مهن وحرف اندثرت وأخرى تُعاني

يحتلّ قطاع الصّناعات التّقليديّة بتونس ومنذ أحقاب طويلة مكانة متميّزة حيث كان العمل اليدويّ الآليّة الوحيدة المعتمدة للصّناعات وشهدت الصناعات الحرفيّة عبر مختلف العصور تطوّرا وازدهارا أثّر على النّمط العمراني والهندسة المعماريّة للمدن العتيقة. 
فقد تميّز العهد الحفصي بتنظيم أسواق خاصّة بكلّ حرفة إلى حدّ تسمية كلّ سوق باسم حرفييها ومجال تخصّصهم فظهرت سوق النحّاسين والصبّاغين والعطّارين والشوّاشين.. وغيرها، ما يُقيم الدّليل على المكانة المتميّزة لهذا القطاع ذو الأبعاد الثقافيّة والإجتماعيّة والإقتصادية باعتباره رافدا اقتصاديا مهمّا في الدورة الإقتصادية للبلاد وعنصرا حيّا في المشهد الثقافيّ والحضاريّ باعتباره من مقوّمات الهويّة والشخصيّة الوطنيّة فهو الرّابط بين الماضي والحاضر بما يضمّه من حرف ومهن تتميّز بطابعها التّراثي الأصيل و ترتكز أساسا على المهارات اليدويّة في كافّة مراحل الإنجاز .
 
غير أنّ واقع قطاع الصناعات التقليدية اليوم أمام التطوّر الذي يشهده نمط حياة الشّعوب ونتيجة للإنفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى والتأثّر بالنّمط الغربي فضلا عن بعض الخيارات والتوجّهات المتعلّقة بمنظومة التّكوين في مجال الصناعات التقليدية وما تشهده تركيبة المجتمعات من تغيّرات شهد قطاع الصّناعات التقليديّة عديد الصعوبات بل الأزمات التي عجّلت باندثار عديد الإختصاصات و الحرف فأغلقت عديد الدكاكين بالمدينة العتيقة أبوابها فيما تغيّر نشاط البعض الآخر .
 
"الصباح نيوز" تجوّلت في بعض أسواق المدينة العتيقة بسوسة وفي رحبة حمام سوسة وتحدّثت إلى بعض الحرفيين ورصدت انطباعاتهم حول واقع القطاع كما استمعت إلى مواقف وتصوّراتهم وسبل إنقاذ القطاع واستعادته لمجده وبريقه .
 
قطاع كريم ..رغم  الجحود والتّهميش 
تجوّلنا بالمدينة العتيقة بسوسة فلم نظفر إلا بحرفييْن اختصّا في صناعة الملابس والأغطية الصّوفيّة، أكّدا على تراجع الإقبال على بضاعتهما وتألّما لواقع القطاع وما تعرفه تجارتهما من كساد عدا في بعض المناسبات المتعلّقة بإعداد جهاز العروس في جانبه التقليدي "العربي" حيث لازالت العروس في بعض جهات السّاحل تحرص على أن يسجّل الجهاز "العربي"  وبصفة خاصّة التّخليلة تواجدها إلى جانب الجهاز العصريّ، وهو ما أكّده أحد الحرفيين الذين التقيناه بدكّانه بسوق الرّحبة بحمام سوسة، حيث شدّد على الصعوبات الكبيرة التي يشهدها قطاع الصناعات التقليديّة بشكل عام و أقرّ بتراجع عائدات حرفته بسبب عزوف شابات اليوم على ارتداء اللباس التقليدي بشكل يومي والإقتصار على الأعراس في محطات معينة كالتّصديرة والجلوة. 
في المقابل، أكّد الحرفي الثاني الذي يزاول نفس الحرفة بالرحبة على تمسّكه بصنعة الأجداد التي اقتحمها في عمر 16 سنة، وبيّن أنه رغم تواضع عائدات حرفته التي لا تفي باحتياجاته البسيطة فإنّ مايشدّه إلى حرفته لا يقدّر بمال وأصرّ على مواصلة المشوار مستمدّا عزمه وإصراره من النّسوة اللاتي تتلحفّن إلى اليوم بالتخليلة والقفطان والفوطة والحزام بكلّ التفاصيل و الخصائص والألوان.. إلى جانب ما يوفره تزويده لأسواق زاوية سوسة وسيدي بوعليّ من مبالغ تسنده. 
 ورأى ضرورة تقديم حوافز وأمثلة ناجحة لاستقطاب الشّباب وجعله يؤمن بالنّجاح والتألّق في هذا القطاع المُلهم بإدخال لمسات فنيّة فيها إبتكار وتجديد وروح عصرية مع المحافظة على الأصل والهوية على بعض المنتوجات الحرفيّة المتعلّقة بملابس الأطفال والمصوغ ..
 
نكبة القطاع في منظومة التّكوين 
أكّد مسؤول سابق في تصريح ل"الصباح نيوز " كان قد تقلّّد عديد المسؤوليات صلب وزارة السياحة والصّناعات التقليديّة سنوات مباشرته، أنّ قطاع الصناعات التقليديّة قطاع حيويّ يضمّ حوالي ستين حرفة موزّعة على نحو 10 مجموعات أهمّها حرف النّسيج والمعادن والخشب والألياف النباتيّة والطين والحجارة ما يجعله قطاعا تنمويّا خالقا للثروة وقاطرة للتنمية والحدّ من البطالة باعتبار مساهمته في الحدّ من البطالة لقدرته على التعبئة الواسعة لليد العاملة وإحداث مواطن الشغل ودوره في تنمية الجهات وخاصّة منها الريفيّة لتواضع كلفة بعث المشاريع الحرفيّة التّقليديّة وتواضع كلفة التّكوين في إحدى الإختصاصات الحرفيّة مقارنة بتكلفة التكوين في عديد القطاعات الأخرى. 
ورأى محدثنا أنّ سحب مهمّة التّكوين عن الدّيوان الوطني للصناعات التقليديّة لفائدة وزارة التّكوين والتّشغيل في مطلع التّسعينات يمثّل النقطة الفارقة التي أضرّت بالقطاع وجعلته يعيش تهميشا كبيرا، فقد كان الديوان الوطني للصّناعات التقليديّة وما ينبثق عنه من هياكل ومنذ إحداثه سنة 1959 يهتمّ بكلّ ما يتعلّق بالتّخطيط واستقراء واقع وآفاق القطاع ويسهر على حسن تأطير الحرفيين والمؤسّسات الحرفيّة وضبط النّواحي القانونيّة للنّشاط الحرفيّ كما يشرف على تنمية المنتوج الحرفيّ والحرص على ضمان الجودة وتوفير المواد الأوليّة للحرفيين بأسعار تفاضليّة تحميهم من الإستغلال الذي يعيشه حرفيو اليوم إلى جانب التكفّل بتسويق المنتوج وخلق فرص الإبتكار والتّجديد من خلال تنظيم المسابقات والتّظاهرات الجهويّة والوطنيّة في الإبتكار والتّجديد بهدف تطوير المنتوج التّقليدي وتكييفه حسب مقتضيات ومتطلّبات العصر مشيرا إلى الصّعوبات الجمة التي يجدها الحرفيون اليوم على مستوى تسويق منتوجاتهم و تكبّدهم لمصاريف نقلها والتنقّل بها في المعارض وأرجع عزوف الشّباب على قطاع الصناعات التقليديّة إلى غياب مراكز التّكوين وهو ما أدّى إلى ندرة وفقدان اليد العاملة المختصّة وأثّر بدوره على جودة المنتوج وبيّن أن غياب الحوافز والتّشجيعات من بين أسباب عزوف الشّباب مستشهدا بما تعرفه بعض مراكز التّكوين الخاصّة الموجودة بالولاية من إقبال محترم رغم ضعف إمكانيّاتها ومستوى تكوينها. 
وأكد محدثنا على ضرورة ان تشهد منظومة التّكوين ثورة حتّى يستعيد القطاع مجده المسلوب وحتّى تُصبح مراكز التّكوين تستجيب لطموحات وتطلّعات الشّباب ومتطلّبات قطاع معطاء يلقى كثيرا من الجحود الجفاء. 
 أنور قلالة
سوسة.. مهن وحرف اندثرت وأخرى تُعاني
يحتلّ قطاع الصّناعات التّقليديّة بتونس ومنذ أحقاب طويلة مكانة متميّزة حيث كان العمل اليدويّ الآليّة الوحيدة المعتمدة للصّناعات وشهدت الصناعات الحرفيّة عبر مختلف العصور تطوّرا وازدهارا أثّر على النّمط العمراني والهندسة المعماريّة للمدن العتيقة. 
فقد تميّز العهد الحفصي بتنظيم أسواق خاصّة بكلّ حرفة إلى حدّ تسمية كلّ سوق باسم حرفييها ومجال تخصّصهم فظهرت سوق النحّاسين والصبّاغين والعطّارين والشوّاشين.. وغيرها، ما يُقيم الدّليل على المكانة المتميّزة لهذا القطاع ذو الأبعاد الثقافيّة والإجتماعيّة والإقتصادية باعتباره رافدا اقتصاديا مهمّا في الدورة الإقتصادية للبلاد وعنصرا حيّا في المشهد الثقافيّ والحضاريّ باعتباره من مقوّمات الهويّة والشخصيّة الوطنيّة فهو الرّابط بين الماضي والحاضر بما يضمّه من حرف ومهن تتميّز بطابعها التّراثي الأصيل و ترتكز أساسا على المهارات اليدويّة في كافّة مراحل الإنجاز .
 
غير أنّ واقع قطاع الصناعات التقليدية اليوم أمام التطوّر الذي يشهده نمط حياة الشّعوب ونتيجة للإنفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى والتأثّر بالنّمط الغربي فضلا عن بعض الخيارات والتوجّهات المتعلّقة بمنظومة التّكوين في مجال الصناعات التقليدية وما تشهده تركيبة المجتمعات من تغيّرات شهد قطاع الصّناعات التقليديّة عديد الصعوبات بل الأزمات التي عجّلت باندثار عديد الإختصاصات و الحرف فأغلقت عديد الدكاكين بالمدينة العتيقة أبوابها فيما تغيّر نشاط البعض الآخر .
 
"الصباح نيوز" تجوّلت في بعض أسواق المدينة العتيقة بسوسة وفي رحبة حمام سوسة وتحدّثت إلى بعض الحرفيين ورصدت انطباعاتهم حول واقع القطاع كما استمعت إلى مواقف وتصوّراتهم وسبل إنقاذ القطاع واستعادته لمجده وبريقه .
 
قطاع كريم ..رغم  الجحود والتّهميش 
تجوّلنا بالمدينة العتيقة بسوسة فلم نظفر إلا بحرفييْن اختصّا في صناعة الملابس والأغطية الصّوفيّة، أكّدا على تراجع الإقبال على بضاعتهما وتألّما لواقع القطاع وما تعرفه تجارتهما من كساد عدا في بعض المناسبات المتعلّقة بإعداد جهاز العروس في جانبه التقليدي "العربي" حيث لازالت العروس في بعض جهات السّاحل تحرص على أن يسجّل الجهاز "العربي"  وبصفة خاصّة التّخليلة تواجدها إلى جانب الجهاز العصريّ، وهو ما أكّده أحد الحرفيين الذين التقيناه بدكّانه بسوق الرّحبة بحمام سوسة، حيث شدّد على الصعوبات الكبيرة التي يشهدها قطاع الصناعات التقليديّة بشكل عام و أقرّ بتراجع عائدات حرفته بسبب عزوف شابات اليوم على ارتداء اللباس التقليدي بشكل يومي والإقتصار على الأعراس في محطات معينة كالتّصديرة والجلوة. 
في المقابل، أكّد الحرفي الثاني الذي يزاول نفس الحرفة بالرحبة على تمسّكه بصنعة الأجداد التي اقتحمها في عمر 16 سنة، وبيّن أنه رغم تواضع عائدات حرفته التي لا تفي باحتياجاته البسيطة فإنّ مايشدّه إلى حرفته لا يقدّر بمال وأصرّ على مواصلة المشوار مستمدّا عزمه وإصراره من النّسوة اللاتي تتلحفّن إلى اليوم بالتخليلة والقفطان والفوطة والحزام بكلّ التفاصيل و الخصائص والألوان.. إلى جانب ما يوفره تزويده لأسواق زاوية سوسة وسيدي بوعليّ من مبالغ تسنده. 
 ورأى ضرورة تقديم حوافز وأمثلة ناجحة لاستقطاب الشّباب وجعله يؤمن بالنّجاح والتألّق في هذا القطاع المُلهم بإدخال لمسات فنيّة فيها إبتكار وتجديد وروح عصرية مع المحافظة على الأصل والهوية على بعض المنتوجات الحرفيّة المتعلّقة بملابس الأطفال والمصوغ ..
 
نكبة القطاع في منظومة التّكوين 
أكّد مسؤول سابق في تصريح ل"الصباح نيوز " كان قد تقلّّد عديد المسؤوليات صلب وزارة السياحة والصّناعات التقليديّة سنوات مباشرته، أنّ قطاع الصناعات التقليديّة قطاع حيويّ يضمّ حوالي ستين حرفة موزّعة على نحو 10 مجموعات أهمّها حرف النّسيج والمعادن والخشب والألياف النباتيّة والطين والحجارة ما يجعله قطاعا تنمويّا خالقا للثروة وقاطرة للتنمية والحدّ من البطالة باعتبار مساهمته في الحدّ من البطالة لقدرته على التعبئة الواسعة لليد العاملة وإحداث مواطن الشغل ودوره في تنمية الجهات وخاصّة منها الريفيّة لتواضع كلفة بعث المشاريع الحرفيّة التّقليديّة وتواضع كلفة التّكوين في إحدى الإختصاصات الحرفيّة مقارنة بتكلفة التكوين في عديد القطاعات الأخرى. 
ورأى محدثنا أنّ سحب مهمّة التّكوين عن الدّيوان الوطني للصناعات التقليديّة لفائدة وزارة التّكوين والتّشغيل في مطلع التّسعينات يمثّل النقطة الفارقة التي أضرّت بالقطاع وجعلته يعيش تهميشا كبيرا، فقد كان الديوان الوطني للصّناعات التقليديّة وما ينبثق عنه من هياكل ومنذ إحداثه سنة 1959 يهتمّ بكلّ ما يتعلّق بالتّخطيط واستقراء واقع وآفاق القطاع ويسهر على حسن تأطير الحرفيين والمؤسّسات الحرفيّة وضبط النّواحي القانونيّة للنّشاط الحرفيّ كما يشرف على تنمية المنتوج الحرفيّ والحرص على ضمان الجودة وتوفير المواد الأوليّة للحرفيين بأسعار تفاضليّة تحميهم من الإستغلال الذي يعيشه حرفيو اليوم إلى جانب التكفّل بتسويق المنتوج وخلق فرص الإبتكار والتّجديد من خلال تنظيم المسابقات والتّظاهرات الجهويّة والوطنيّة في الإبتكار والتّجديد بهدف تطوير المنتوج التّقليدي وتكييفه حسب مقتضيات ومتطلّبات العصر مشيرا إلى الصّعوبات الجمة التي يجدها الحرفيون اليوم على مستوى تسويق منتوجاتهم و تكبّدهم لمصاريف نقلها والتنقّل بها في المعارض وأرجع عزوف الشّباب على قطاع الصناعات التقليديّة إلى غياب مراكز التّكوين وهو ما أدّى إلى ندرة وفقدان اليد العاملة المختصّة وأثّر بدوره على جودة المنتوج وبيّن أن غياب الحوافز والتّشجيعات من بين أسباب عزوف الشّباب مستشهدا بما تعرفه بعض مراكز التّكوين الخاصّة الموجودة بالولاية من إقبال محترم رغم ضعف إمكانيّاتها ومستوى تكوينها. 
وأكد محدثنا على ضرورة ان تشهد منظومة التّكوين ثورة حتّى يستعيد القطاع مجده المسلوب وحتّى تُصبح مراكز التّكوين تستجيب لطموحات وتطلّعات الشّباب ومتطلّبات قطاع معطاء يلقى كثيرا من الجحود الجفاء. 
 أنور قلالة