*الغش في البكالوريا تحول من ممارسات فردية بسيطة إلى شبكات منظمة
*المعركة اليوم مع ثقافة كاملة بدأت تُقنع بعض الشباب بأن الذكاء هو القدرة على التحايل لا القدرة على الاجتهاد
المعتاد والمتعارف عليه، هو أن النظر للغش كظاهرة فردية بسيطة قديمة، إلا ان ما نطالعه من حين لآخر خلال السنوات الأخيرة وخاصة هذه السنة من دورة البكالوريا يشير بشكل صريح وواضح أن الأمر بات ينم عن شبكات منظمة لتسهيل عملية الغش باساليب ووسائل تكنولوجية متطورة. هذا التطور في أساليب الغش خاصة في امتحان وطني كالبكالوريا المعترف بها دوليا، لا يمكن أن يمر مرور الكرام دون أن يتم التطرق اليه خاصة بعد ما سجلت الدورة الحالية من عملية ايقاف لعدد من التلاميذ بسبب الغش في الامتحان، وكذلك تفكيك الشبكة التي عرفت ب"بائعي البطاطا" التي استخدمت بوقا منزليا.
في هذا السياق افادنا المختص في القانون وعلوم الإجرام أسامة الخزامي في تصريح لـ"الصباح نيوز"، انه بصفته مختصا في القانون وعلم الإجرام وفي تحليل للظواهر الإجرامية والسلوكية، يعتبر أن ما شهدته تونس خلال دورة البكالوريا 2026 ليس مجرد حادثة غش معزولة، بل هو مؤشر خطير على تطور أنماط الانحراف المرتبطة بالمنظومة التعليمية وتحولها تدريجيًا من ممارسات فردية بسيطة إلى شبكات منظمة تستغل التكنولوجيا والذكاء الإجرامي لتحقيق مكاسب غير مشروعة. واضاف الخزامي ان الغش انتقل في تونس عبر مراحل متعددة؛ من "الفوسكة" الورقية التقليدية إلى السماعات الدقيقة والهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية المتطورة، وصولا اليوم إلى ما يمكن تسميته بـ"الغش المسرحي" أو "الغش الميداني المنظم" الذي تجسد في استعمال بوق لبائع بطاطا متجول لإرسال الإجابات باستعمال رموز وشيفرات متفق عليها مسبقا. وكشف ان هذه الواقعة تكشف أمرين خطيرين: أولا، وجود مستوى متقدم من التخطيط والتنظيم والتنسيق، وهو ما يجعلنا أمام سلوك أقرب إلى الجريمة المنظمة منه إلى مجرد مخالفة امتحانية. وثانيا، وجود فئة من الشباب أصبحت تبحث عن أقصر الطرق نحو النجاح مهما كانت الوسيلة، في ظل تراجع قيمة الجهد والعمل والمثابرة أمام ثقافة "الربح السريع" و"النجاح السهل". وبين محدثنا ان المشكل الحقيقي اليوم ليس فقط في الغش، بل في التحول الثقافي الذي جعل بعض التلاميذ يعتبرون الغش مغامرة ذكية وليس سلوكاً معيبا أو جريمة أخلاقية وقانونية. ومن منظور إجرامي، فإن هذه الظاهرة ترتبط بعدة عوامل: منها ضغط النجاح الاجتماعي والعائلي، الخوف من الفشل الدراسي، تراجع سلطة الردع الأخلاقي داخل بعض الأسر والمؤسسات التربوية، انتشار ثقافة التحايل في بعض المجالات الحياتية مما يجعل الشباب يعيد إنتاجها داخل المدرسة. وكذلك الاعتقاد الخاطئ بأن التكنولوجيا قادرة دائما على هزم الرقابة. واوضح في المقابل ان الأخطر من ذلك هو انعكاس هذه الظواهر على صورة الشهادة التونسية.. فالبكالوريا ليست مجرد امتحان، بل هي رمز للجدارة والاستحقاق وكل عملية غش منظمة تمثل اعتداء مباشرا على مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ وعلى مصداقية المنظومة التعليمية التونسية داخلياً وخارجيا. وقال:" صحيح أن الشهادة التونسية مازالت تحظى بقيمة علمية محترمة، لكن تكرار فضائح الغش سنويا يطرح تساؤلات جدية حول قدرة المنظومة على حماية نزاهة الامتحانات، خاصة في عصر أصبحت فيه شبكات الغش عابرة للفضاءات التقليدية وتعتمد تقنيات متطورة باستمرار." ومن الناحية القانونية، أوضح محدثنا ان تكييف الوقائع يبقى من اختصاص النيابة العمومية والجهات القضائية المختصة، باعتبارها الجهة المخول لها تحريك الدعوى العمومية وتحديد النصوص القانونية المنطبقة على الوقائع.. كما أن التكييف الأولي للنيابة لا يلزم قاضي التحقيق أو المحكمة، لأن التكييف النهائي يبقى رهين ما ستكشفه الأبحاث والاختبارات الفنية والقانونية. واشار الى انه في تقديره، فإن النصوص الحالية، رغم أهميتها، تحتاج إلى مراجعة وتحيين دوري لمواكبة الأشكال الجديدة للغش التكنولوجي والإلكتروني، لأن المجرم اليوم يتطور بسرعة تفوق أحياناً سرعة تطور التشريع. أما بخصوص السياسة الزجرية، فإن الردع وحده لا يكفي حيث أثبتت التجارب أن تشديد العقوبات دون بناء وعي مجتمعي قد يؤدي إلى الحد من بعض الأفعال لكنه لا يعالج الأسباب العميقة للظاهرة. وفي سؤال حول الحلول المقترحة لمكافحة الظاهرة، أجاب ان المطلوب اليوم هو معادلة متوازنة تقوم على الردع القانوني الصارم، التوعية المبكرة داخل المؤسسات التربوية، ترسيخ قيم النزاهة والاستحقاق معةإشراك الأسرة في التربية على المواطنة والمسؤولية والعمل على تطوير وسائل المراقبة التقنية والاستباقية.. معتبرا أن الخوف من العقوبة يمنع البعض من الغش، لكن الاقتناع بقيمة النزاهة يمنع الأغلبية من التفكير فيه أصلا. وانتهى محدثنا الى التذكير بواقعة الاطاحة بشبكة "بائعي البطاطا" التي قد سقطت، الا انه في المقابل يوضح ان المعركة الحقيقية ليست مع الأشخاص فقط، بل مع ثقافة كاملة بدأت تُقنع بعض الشباب بأن الذكاء هو القدرة على التحايل لا القدرة على الاجتهاد. وقال :"هنا يكمن الخطر الحقيقي على مستقبل التعليم وعلى صورة الكفاءة التونسية. فالأمم لا تُبنى بالشهادات المزورة ولا بالنجاحات المصطنعة، بل بالكفاءة الحقيقية التي تصمد في قاعات الامتحان كما تصمد لاحقا في سوق العمل وفي خدمة الوطن.".
سعيدة الميساوي
*الغش في البكالوريا تحول من ممارسات فردية بسيطة إلى شبكات منظمة
*المعركة اليوم مع ثقافة كاملة بدأت تُقنع بعض الشباب بأن الذكاء هو القدرة على التحايل لا القدرة على الاجتهاد
المعتاد والمتعارف عليه، هو أن النظر للغش كظاهرة فردية بسيطة قديمة، إلا ان ما نطالعه من حين لآخر خلال السنوات الأخيرة وخاصة هذه السنة من دورة البكالوريا يشير بشكل صريح وواضح أن الأمر بات ينم عن شبكات منظمة لتسهيل عملية الغش باساليب ووسائل تكنولوجية متطورة. هذا التطور في أساليب الغش خاصة في امتحان وطني كالبكالوريا المعترف بها دوليا، لا يمكن أن يمر مرور الكرام دون أن يتم التطرق اليه خاصة بعد ما سجلت الدورة الحالية من عملية ايقاف لعدد من التلاميذ بسبب الغش في الامتحان، وكذلك تفكيك الشبكة التي عرفت ب"بائعي البطاطا" التي استخدمت بوقا منزليا.
في هذا السياق افادنا المختص في القانون وعلوم الإجرام أسامة الخزامي في تصريح لـ"الصباح نيوز"، انه بصفته مختصا في القانون وعلم الإجرام وفي تحليل للظواهر الإجرامية والسلوكية، يعتبر أن ما شهدته تونس خلال دورة البكالوريا 2026 ليس مجرد حادثة غش معزولة، بل هو مؤشر خطير على تطور أنماط الانحراف المرتبطة بالمنظومة التعليمية وتحولها تدريجيًا من ممارسات فردية بسيطة إلى شبكات منظمة تستغل التكنولوجيا والذكاء الإجرامي لتحقيق مكاسب غير مشروعة. واضاف الخزامي ان الغش انتقل في تونس عبر مراحل متعددة؛ من "الفوسكة" الورقية التقليدية إلى السماعات الدقيقة والهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية المتطورة، وصولا اليوم إلى ما يمكن تسميته بـ"الغش المسرحي" أو "الغش الميداني المنظم" الذي تجسد في استعمال بوق لبائع بطاطا متجول لإرسال الإجابات باستعمال رموز وشيفرات متفق عليها مسبقا. وكشف ان هذه الواقعة تكشف أمرين خطيرين: أولا، وجود مستوى متقدم من التخطيط والتنظيم والتنسيق، وهو ما يجعلنا أمام سلوك أقرب إلى الجريمة المنظمة منه إلى مجرد مخالفة امتحانية. وثانيا، وجود فئة من الشباب أصبحت تبحث عن أقصر الطرق نحو النجاح مهما كانت الوسيلة، في ظل تراجع قيمة الجهد والعمل والمثابرة أمام ثقافة "الربح السريع" و"النجاح السهل". وبين محدثنا ان المشكل الحقيقي اليوم ليس فقط في الغش، بل في التحول الثقافي الذي جعل بعض التلاميذ يعتبرون الغش مغامرة ذكية وليس سلوكاً معيبا أو جريمة أخلاقية وقانونية. ومن منظور إجرامي، فإن هذه الظاهرة ترتبط بعدة عوامل: منها ضغط النجاح الاجتماعي والعائلي، الخوف من الفشل الدراسي، تراجع سلطة الردع الأخلاقي داخل بعض الأسر والمؤسسات التربوية، انتشار ثقافة التحايل في بعض المجالات الحياتية مما يجعل الشباب يعيد إنتاجها داخل المدرسة. وكذلك الاعتقاد الخاطئ بأن التكنولوجيا قادرة دائما على هزم الرقابة. واوضح في المقابل ان الأخطر من ذلك هو انعكاس هذه الظواهر على صورة الشهادة التونسية.. فالبكالوريا ليست مجرد امتحان، بل هي رمز للجدارة والاستحقاق وكل عملية غش منظمة تمثل اعتداء مباشرا على مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ وعلى مصداقية المنظومة التعليمية التونسية داخلياً وخارجيا. وقال:" صحيح أن الشهادة التونسية مازالت تحظى بقيمة علمية محترمة، لكن تكرار فضائح الغش سنويا يطرح تساؤلات جدية حول قدرة المنظومة على حماية نزاهة الامتحانات، خاصة في عصر أصبحت فيه شبكات الغش عابرة للفضاءات التقليدية وتعتمد تقنيات متطورة باستمرار." ومن الناحية القانونية، أوضح محدثنا ان تكييف الوقائع يبقى من اختصاص النيابة العمومية والجهات القضائية المختصة، باعتبارها الجهة المخول لها تحريك الدعوى العمومية وتحديد النصوص القانونية المنطبقة على الوقائع.. كما أن التكييف الأولي للنيابة لا يلزم قاضي التحقيق أو المحكمة، لأن التكييف النهائي يبقى رهين ما ستكشفه الأبحاث والاختبارات الفنية والقانونية. واشار الى انه في تقديره، فإن النصوص الحالية، رغم أهميتها، تحتاج إلى مراجعة وتحيين دوري لمواكبة الأشكال الجديدة للغش التكنولوجي والإلكتروني، لأن المجرم اليوم يتطور بسرعة تفوق أحياناً سرعة تطور التشريع. أما بخصوص السياسة الزجرية، فإن الردع وحده لا يكفي حيث أثبتت التجارب أن تشديد العقوبات دون بناء وعي مجتمعي قد يؤدي إلى الحد من بعض الأفعال لكنه لا يعالج الأسباب العميقة للظاهرة. وفي سؤال حول الحلول المقترحة لمكافحة الظاهرة، أجاب ان المطلوب اليوم هو معادلة متوازنة تقوم على الردع القانوني الصارم، التوعية المبكرة داخل المؤسسات التربوية، ترسيخ قيم النزاهة والاستحقاق معةإشراك الأسرة في التربية على المواطنة والمسؤولية والعمل على تطوير وسائل المراقبة التقنية والاستباقية.. معتبرا أن الخوف من العقوبة يمنع البعض من الغش، لكن الاقتناع بقيمة النزاهة يمنع الأغلبية من التفكير فيه أصلا. وانتهى محدثنا الى التذكير بواقعة الاطاحة بشبكة "بائعي البطاطا" التي قد سقطت، الا انه في المقابل يوضح ان المعركة الحقيقية ليست مع الأشخاص فقط، بل مع ثقافة كاملة بدأت تُقنع بعض الشباب بأن الذكاء هو القدرة على التحايل لا القدرة على الاجتهاد. وقال :"هنا يكمن الخطر الحقيقي على مستقبل التعليم وعلى صورة الكفاءة التونسية. فالأمم لا تُبنى بالشهادات المزورة ولا بالنجاحات المصطنعة، بل بالكفاءة الحقيقية التي تصمد في قاعات الامتحان كما تصمد لاحقا في سوق العمل وفي خدمة الوطن.".