إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رغم استقراره في حدود 6.7% خلال سبتمبر الماضي.. التضخم في تونس مازال مرتفعا وينهك القدرة الشرائية للتونسيين

تونس- الصباح

سجلت تونس نسبة تضخم بلغت 6.7% خلال شهر سبتمبر 2024، وفقًا لتقرير صادر عن المعهد الوطني للإحصاء موفى الأسبوع الماضي. هذا الاستقرار النسبي في نسبة التضخم يأتي في وقت تواجه فيه تونس العديد من الصعوبات الاقتصادية، بما في ذلك ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، التي تشكل عبئًا كبيرًا على المواطن التونسي.

وفقًا لبيانات المعهد الوطني للإحصاء، فإن استقرار نسبة التضخم في حدود 6.7% خلال شهر سبتمبر يعزى إلى عدة عوامل متناقضة من حيث التأثير. فمن جهة، شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعًا ملحوظًا، حيث بلغت نسبة الزيادة 9.2% مقارنة بنفس الشهر من العام السابق، وهي نسبة أعلى من تلك المسجلة في أوت(8.5%). ومن جهة أخرى، شهدت بعض القطاعات الأخرى انخفاضًا في وتيرة ارتفاع الأسعار، مثل قطاع الملابس والأحذية الذي سجل ارتفاعًا بنسبة 9.7% في سبتمبر مقارنة بنسبة 9.9% في أوت، وقطاع المشروبات الكحولية والتبغ الذي تراجع من 5.4% في أوت إلى 0.3% في سبتمبر.

هذا التباين في التطورات السعرية بين مختلف القطاعات يعكس حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي، حيث تواصل بعض القطاعات تسجيل زيادات كبيرة في الأسعار، في حين تشهد قطاعات أخرى تباطؤًا في التضخم أو حتى تراجعًا.

تأثير التضخم على المواطن التونسي

التضخم، وخاصة في قطاع المواد الغذائية، يمثل تحديًا كبيرًا للأسر التونسية التي تعاني من تآكل القدرة الشرائية. مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية مثل الحبوب، والزيوت، واللحوم، يجد المواطن العادي نفسه مضطرًا لتقليص حجم استهلاكه أو البحث عن بدائل أقل تكلفة، مما يؤثر على جودة الحياة اليومية. إلى جانب ذلك، فإن ارتفاع تكاليف الترفيه بنسبة7% في سبتمبر، مقارنة بـ5.8% في أوت، يزيد من الضغوط على الأسر التونسية التي تواجه بالفعل صعوبة في تلبية احتياجاتها الأساسية.

الحلول الممكنة للسيطرة على التضخم

في ظل هذه التحديات، يرى العديد من الخبراء، انه بات من الضروري أن تتخذ الحكومة التونسية مجموعة من الإجراءات الفعالة للسيطرة على التضخم وتحقيق استقرار اقتصادي. ومن بين الحلول المقترحة، تحسين سياسات الدعم الحكومي للمواد الأساسية، والذي يعد جزءًا مهمًا من الحلول لمواجهة التضخم، إلا أن هناك حاجة إلى إعادة هيكلة هذا الدعم بحيث يصل إلى الفئات الأكثر احتياجًا. كما يجب أن يتم توجيه الدعم بشكل أكثر فعالية.

كذلك تعزيز الإنتاج المحلي للحد من الاعتماد على الاستيراد الذي يؤدي إلى زيادة الأسعار بسبب تقلبات السوق العالمية، ويجب على الحكومة تشجيع الإنتاج المحلي، خاصة في قطاعي الزراعة والصناعة. يمكن تحقيق ذلك من خلال تقديم تسهيلات للمزارعين والصناعيين، مثل تخفيض الضرائب وتقديم قروض ميسرة.

إلى جانب تحفيز الاستثمار الأجنبي والمحلي، حيث يعد جذب الاستثمار من أهم السبل لتعزيز الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة، مما يساعد في تخفيف الضغط على الأسعار. ومطلوب اليوم  تحسين بيئة الأعمال من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية وتقديم حوافز ضريبية للمستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب.

مراقبة الأسعار ومحاربة الاحتكار

يجب على السلطات المختصة تكثيف الرقابة على الأسواق لمنع التجار من استغلال الأزمات الاقتصادية ورفع الأسعار بشكل غير مبرر. كما يجب تشديد العقوبات على الممارسات الاحتكارية التي تؤدي إلى زيادة الأسعار بشكل مصطنع، فضلا عن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، حيث يمثل قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة عصب الاقتصاد التونسي، ويمكن أن يسهم بشكل كبير في تحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار. لذلك، يجب على الحكومة تقديم دعم أكبر لهذا القطاع من خلال توفير التمويل اللازم وتقديم التسهيلات الإدارية واللوجستية.

كما يمكن أن يسهم إصلاح النظام الضريبي في تخفيف العبء على المواطنين والشركات، مما يساعد في تعزيز النمو الاقتصادي. ويطالب جزء واسع من الخبراء الاقتصاد، أن تكون هناك خطة لإعادة توزيع الضرائب بحيث لا تكون هناك ضرائب مرتفعة على الطبقات المتوسطة والمحدودة الدخل، مع فرض ضرائب تصاعدية على أصحاب الدخل المرتفع. كما يمكن لتونس أن تستفيد من التعاون الدولي مع المنظمات الاقتصادية الكبرى والدول الشقيقة والصديقة للحصول على مساعدات مالية أو تقنية. يشدد بعض أساتذة الاقتصاد على أن من شأن هذه المساعدات أن تدعم جهود الحكومة في تحقيق استقرار اقتصادي وتخفيف حدة التضخم.

تجارب ناجحة 

أواخر السبعينيات، كانت الولايات المتحدة تعاني من تضخم مرتفع (تجاوز 14% في عام 1980). جاء "بول فولكر" على رأس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي واعتمد سياسات صارمة للقضاء على التضخم، منها رفع أسعار الفائدة بشكل كبير للحد من الطلب الكلي وتقليص الضغوط التضخمية. تبنى الفيدرالي سياسات نقدية صارمة تهدف إلى الحد من نمو عرض النقود. رغم أن هذه السياسات أدت إلى ركود اقتصادي قصير الأمد، إلا أنها نجحت في تحقيق استقرار طويل الأمد وخفض التضخم.

ويتفق خبراء الاقتصاد اليوم، إن رفع أسعار الفائدة يُعد أداة فعالة جدًا في السيطرة على التضخم، ولكن يجب أن يتم بحذر لتجنب ركود طويل الأمد، إلى جانب التحكم في عرض النقود وهو أحد المفاتيح الأساسية للحد من التضخم.

تُظهر التجارب الدولية الناجحة في مكافحة التضخم أن الحلول الفعالة تتطلب مزيجًا من السياسات النقدية والمالية الصارمة، إلى جانب إصلاحات هيكلية لتحرير الأسواق وتعزيز الإنتاج المحلي. كما يُبرز أهمية استقلالية البنك المركزي والتعاون الدولي في بعض الأحيان للحصول على الدعم المالي والتقني. بالنسبة لتونس، يمكن الاستفادة من هذه التجارب من خلال التركيز على

تحسين السياسات النقدية، بما في ذلك تقليص عرض النقود وضبط أسعار الفائدة، وتحفيز الإنتاج المحلي، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وتحرير الأسواق بالتوازي مع حماية الفئات الأكثر ضعفًا، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي للحصول على الدعم المالي والتقني لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة.

ورغم أن هذه الحلول الممكنة، تواجه تونس تحديات كبيرة على المدى الطويل، ومن أبرز هذه التحديات هو تأثير الأزمة المالية العالمية واضطرابات سلاسل التوريد على الاقتصاد التونسي. بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع نسبة المديونية العامة يشكل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد التونسي. حيث يحد من قدرة الحكومة على تمويل المشاريع التنموية ودعم الاقتصاد المحلي دون اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، مما يزيد من الاعتماد على المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها تونس، من الضروري أن تتخذ الحكومة خطوات جادة وعاجلة للسيطرة على التضخم وتحقيق استقرار اقتصادي. ورغم أن التحديات كبيرة، إلا أن هناك فرصًا لتحقيق نقلة نوعية في الاقتصاد التونسي من خلال تنفيذ إصلاحات شاملة وتحفيز الاستثمار ودعم الإنتاج المحلي.

سفيان المهداوي 

رغم استقراره في حدود 6.7% خلال سبتمبر الماضي..   التضخم في تونس مازال مرتفعا وينهك القدرة الشرائية للتونسيين

تونس- الصباح

سجلت تونس نسبة تضخم بلغت 6.7% خلال شهر سبتمبر 2024، وفقًا لتقرير صادر عن المعهد الوطني للإحصاء موفى الأسبوع الماضي. هذا الاستقرار النسبي في نسبة التضخم يأتي في وقت تواجه فيه تونس العديد من الصعوبات الاقتصادية، بما في ذلك ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، التي تشكل عبئًا كبيرًا على المواطن التونسي.

وفقًا لبيانات المعهد الوطني للإحصاء، فإن استقرار نسبة التضخم في حدود 6.7% خلال شهر سبتمبر يعزى إلى عدة عوامل متناقضة من حيث التأثير. فمن جهة، شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعًا ملحوظًا، حيث بلغت نسبة الزيادة 9.2% مقارنة بنفس الشهر من العام السابق، وهي نسبة أعلى من تلك المسجلة في أوت(8.5%). ومن جهة أخرى، شهدت بعض القطاعات الأخرى انخفاضًا في وتيرة ارتفاع الأسعار، مثل قطاع الملابس والأحذية الذي سجل ارتفاعًا بنسبة 9.7% في سبتمبر مقارنة بنسبة 9.9% في أوت، وقطاع المشروبات الكحولية والتبغ الذي تراجع من 5.4% في أوت إلى 0.3% في سبتمبر.

هذا التباين في التطورات السعرية بين مختلف القطاعات يعكس حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي، حيث تواصل بعض القطاعات تسجيل زيادات كبيرة في الأسعار، في حين تشهد قطاعات أخرى تباطؤًا في التضخم أو حتى تراجعًا.

تأثير التضخم على المواطن التونسي

التضخم، وخاصة في قطاع المواد الغذائية، يمثل تحديًا كبيرًا للأسر التونسية التي تعاني من تآكل القدرة الشرائية. مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية مثل الحبوب، والزيوت، واللحوم، يجد المواطن العادي نفسه مضطرًا لتقليص حجم استهلاكه أو البحث عن بدائل أقل تكلفة، مما يؤثر على جودة الحياة اليومية. إلى جانب ذلك، فإن ارتفاع تكاليف الترفيه بنسبة7% في سبتمبر، مقارنة بـ5.8% في أوت، يزيد من الضغوط على الأسر التونسية التي تواجه بالفعل صعوبة في تلبية احتياجاتها الأساسية.

الحلول الممكنة للسيطرة على التضخم

في ظل هذه التحديات، يرى العديد من الخبراء، انه بات من الضروري أن تتخذ الحكومة التونسية مجموعة من الإجراءات الفعالة للسيطرة على التضخم وتحقيق استقرار اقتصادي. ومن بين الحلول المقترحة، تحسين سياسات الدعم الحكومي للمواد الأساسية، والذي يعد جزءًا مهمًا من الحلول لمواجهة التضخم، إلا أن هناك حاجة إلى إعادة هيكلة هذا الدعم بحيث يصل إلى الفئات الأكثر احتياجًا. كما يجب أن يتم توجيه الدعم بشكل أكثر فعالية.

كذلك تعزيز الإنتاج المحلي للحد من الاعتماد على الاستيراد الذي يؤدي إلى زيادة الأسعار بسبب تقلبات السوق العالمية، ويجب على الحكومة تشجيع الإنتاج المحلي، خاصة في قطاعي الزراعة والصناعة. يمكن تحقيق ذلك من خلال تقديم تسهيلات للمزارعين والصناعيين، مثل تخفيض الضرائب وتقديم قروض ميسرة.

إلى جانب تحفيز الاستثمار الأجنبي والمحلي، حيث يعد جذب الاستثمار من أهم السبل لتعزيز الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة، مما يساعد في تخفيف الضغط على الأسعار. ومطلوب اليوم  تحسين بيئة الأعمال من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية وتقديم حوافز ضريبية للمستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب.

مراقبة الأسعار ومحاربة الاحتكار

يجب على السلطات المختصة تكثيف الرقابة على الأسواق لمنع التجار من استغلال الأزمات الاقتصادية ورفع الأسعار بشكل غير مبرر. كما يجب تشديد العقوبات على الممارسات الاحتكارية التي تؤدي إلى زيادة الأسعار بشكل مصطنع، فضلا عن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، حيث يمثل قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة عصب الاقتصاد التونسي، ويمكن أن يسهم بشكل كبير في تحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار. لذلك، يجب على الحكومة تقديم دعم أكبر لهذا القطاع من خلال توفير التمويل اللازم وتقديم التسهيلات الإدارية واللوجستية.

كما يمكن أن يسهم إصلاح النظام الضريبي في تخفيف العبء على المواطنين والشركات، مما يساعد في تعزيز النمو الاقتصادي. ويطالب جزء واسع من الخبراء الاقتصاد، أن تكون هناك خطة لإعادة توزيع الضرائب بحيث لا تكون هناك ضرائب مرتفعة على الطبقات المتوسطة والمحدودة الدخل، مع فرض ضرائب تصاعدية على أصحاب الدخل المرتفع. كما يمكن لتونس أن تستفيد من التعاون الدولي مع المنظمات الاقتصادية الكبرى والدول الشقيقة والصديقة للحصول على مساعدات مالية أو تقنية. يشدد بعض أساتذة الاقتصاد على أن من شأن هذه المساعدات أن تدعم جهود الحكومة في تحقيق استقرار اقتصادي وتخفيف حدة التضخم.

تجارب ناجحة 

أواخر السبعينيات، كانت الولايات المتحدة تعاني من تضخم مرتفع (تجاوز 14% في عام 1980). جاء "بول فولكر" على رأس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي واعتمد سياسات صارمة للقضاء على التضخم، منها رفع أسعار الفائدة بشكل كبير للحد من الطلب الكلي وتقليص الضغوط التضخمية. تبنى الفيدرالي سياسات نقدية صارمة تهدف إلى الحد من نمو عرض النقود. رغم أن هذه السياسات أدت إلى ركود اقتصادي قصير الأمد، إلا أنها نجحت في تحقيق استقرار طويل الأمد وخفض التضخم.

ويتفق خبراء الاقتصاد اليوم، إن رفع أسعار الفائدة يُعد أداة فعالة جدًا في السيطرة على التضخم، ولكن يجب أن يتم بحذر لتجنب ركود طويل الأمد، إلى جانب التحكم في عرض النقود وهو أحد المفاتيح الأساسية للحد من التضخم.

تُظهر التجارب الدولية الناجحة في مكافحة التضخم أن الحلول الفعالة تتطلب مزيجًا من السياسات النقدية والمالية الصارمة، إلى جانب إصلاحات هيكلية لتحرير الأسواق وتعزيز الإنتاج المحلي. كما يُبرز أهمية استقلالية البنك المركزي والتعاون الدولي في بعض الأحيان للحصول على الدعم المالي والتقني. بالنسبة لتونس، يمكن الاستفادة من هذه التجارب من خلال التركيز على

تحسين السياسات النقدية، بما في ذلك تقليص عرض النقود وضبط أسعار الفائدة، وتحفيز الإنتاج المحلي، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وتحرير الأسواق بالتوازي مع حماية الفئات الأكثر ضعفًا، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي للحصول على الدعم المالي والتقني لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة.

ورغم أن هذه الحلول الممكنة، تواجه تونس تحديات كبيرة على المدى الطويل، ومن أبرز هذه التحديات هو تأثير الأزمة المالية العالمية واضطرابات سلاسل التوريد على الاقتصاد التونسي. بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع نسبة المديونية العامة يشكل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد التونسي. حيث يحد من قدرة الحكومة على تمويل المشاريع التنموية ودعم الاقتصاد المحلي دون اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، مما يزيد من الاعتماد على المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها تونس، من الضروري أن تتخذ الحكومة خطوات جادة وعاجلة للسيطرة على التضخم وتحقيق استقرار اقتصادي. ورغم أن التحديات كبيرة، إلا أن هناك فرصًا لتحقيق نقلة نوعية في الاقتصاد التونسي من خلال تنفيذ إصلاحات شاملة وتحفيز الاستثمار ودعم الإنتاج المحلي.

سفيان المهداوي