واجهت التجارة العالمية تحديات كبيرة في السنوات الأخيرة، والتي نجمت عن تصاعد النزعة الحمائية والتوترات الجيوسياسية.
وقد أثرت هذه التحديات، إلى جانب تباطؤ التصنيع العالمي، بشكل كبير على التدفقات العابرة للحدود خلال عام 2023 ومطلع عام 2024. إلا أن نمو التجارة شهد انتعاشاً فاق التوقعات خلال عام 2025، مدفوعاً إلى حد كبير بالطفرة في الطلب على السلع والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عوّض الآثار السلبية الناجمة عن ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية وعدم اليقين بشأن السياسات.
وعلى الرغم من استمرار هذه التحديات، فإن عدداً من العوامل الأساسية لا يزال يوفر دعماً مستمراً للتجارة العالمية. ومن بين هذه العوامل دورة الاستثمارات القوية في التقنيات المتقدمة، وعودة نشاط التصنيع إلى طبيعته، واستمرار الزخم في شبكات التجارة في الأسواق الناشئة، مما يسهم في دعم التدفقات العابرة للحدود. وقد امتد هذا الزخم إلى الفترة الحالية، إذ تشير المؤشرات الاستشرافية إلى استمرار نمو التجارة العالمية، وفق تقرير صادر عن قسم الاقتصاد في QNB.
وظل أداء الصادرات قوياً في الاقتصادات الآسيوية شديدة التكامل، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وتايلاند وفيتنام، مع تسارع النمو في الأشهر الأخيرة وتأثره بشكل محدود بالتوترات التجارية المستمرة. وفي الوقت نفسه، تحسنت توقعات المستثمرين تجاه قطاع النقل وفقاً لمؤشر متوسط داو جونز للنقل، مما يشير إلى اتساع النشاط التجاري. وتفيد هذه المؤشرات مجتمعة بأن زخم التجارة العالمية لا يزال متواصلاً، مما يدعم التوقعات باستمرار نموها على المدى القريب.
في هذه المقالة، نستعرض العوامل الرئيسية التي ترتكز عليها التجارة العالمية والتي تدعم انتقالها إلى مرحلة جديدة من النمو المتوازن، حسب قسم الاقتصاد في QNB.
أولاً، تعمل الدورة الاستثمارية الجديدة في الذكاء الاصطناعي كمحرك رئيسي للتجارة العالمية. فقد شكلت السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو نصف نمو تجارة السلع العالمية في عام 2025. كما شهد الطلب على منتجات مثل أشباه الموصلات، ومعدات مراكز البيانات، والإلكترونيات المتقدمة، ارتفاعاً ملحوظاً، حيث بلغت مبيعات أشباه الموصلات العالمية وحدها حوالي 520 إلى 550 مليار دولار أمريكي. ويعكس هذا الأمر الطبيعة العالمية المعقدة لسلاسل التوريد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، وعلى شبكات إنتاج معقدة عابرة للحدود. وبالنظر إلى المستقبل، فإن استمرار قوة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 0.5 نقطة مئوية إلى نمو التجارة العالمية في عام 2026، مما يشكل عاملاً هاماً في التعويض عن تأثير التحديات الجيوسياسية والسياسية الراهنة.
ثانياً، تحظى التجارة العالمية بدعم من عمليات إعادة الهيكلة المستمرة لسلاسل التوريد العالمية. فبينما أصبحت السياسات التجارية أكثر تقييداً، لا سيما من خلال التدابير غير الجمركية والسياسات الصناعية التي تمنح الأولوية للإنتاج المحلي، تكيفت الشركات من خلال إعادة توجيه التدفقات التجارية بدلاً من تقليصها. وعلى وجه الخصوص، لا تزال آسيا في قلب شبكات التصنيع العالمية، حيث تساهم بنحو 60% من الناتج الصناعي العالمي، مع توسع التجارة البينية الإقليمية، واكتساب دول مثل فيتنام وتايلاند والهند حصة سوقية في قطاعات التصدير الرئيسية. ويتجلى ذلك في الزيادة الكبيرة في صادرات الصين إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، والتي تضاعفت أكثر من مرتين خلال العقد الماضي لتتجاوز 500 مليار دولار أمريكي سنوياً، مما يؤكد الأهمية المتزايدة لشبكات الإنتاج الإقليمية. نتيجة لذلك، يشهد التبادل التجاري العالمي تنوعاً جغرافياً أكبر، مع الحفاظ على دعمه الهيكلي من خلال سلاسل التوريد العابرة للحدود والمتكاملة بشكل عميق، وفق فريق QNB الاقتصادي.
ثالثاً، أصبحت الظروف الدورية أكثر دعماً للتجارة العالمية، مع استقرار دورة التصنيع العالمية وتلاشي تأثير تعديل المخزونات. وقد توسعت أحجام التجارة العالمية بنحو 4.6% في عام 2025، مما يعكس انتعاشاً أقوى من المتوقع في النشاط الصناعي. وقد انتهت إلى حد كبير المرحلة السابقة من تخفيض المخزون، التي أثرت سلباً على التجارة خلال عام 2023 وأوائل عام 2024، حيث اتجهت الشركات نحو إعادة بناء المخزون تدريجياً. ويساهم هذا التحول في رفع الطلب على الواردات، لا سيما في القطاعات كثيفة الاعتماد على التجارة مثل الآلات والإلكترونيات والسلع الوسيطة، حيث لا يزال الإنتاج العابر للحدود راسخاً بقوة. وفي الوقت نفسه، يشير تحسن اتجاهات استطلاعات التصنيع وطلبات التصدير إلى استقرار الطلب الخارجي، مما يعزز الانتعاش الدوري ويوفر زخماً إضافياً للتجارة العالمية.
بشكل عام، تظل التوقعات بشأن التجارة العالمية إيجابية على نحو حذِر، مدعومة بمجموعة من العوامل الهيكلية والدورية. رغم استمرار المخاطر جراء التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين بشأن السياسات، فإن قوة دورة الاستثمار المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، واستقرار ديناميكيات التصنيع، وقدرة سلاسل التوريد العالمية على التكيف، كلها عوامل تسهم في الحفاظ على الزخم. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يستمر نمو التجارة العالمية هذا العام.
واجهت التجارة العالمية تحديات كبيرة في السنوات الأخيرة، والتي نجمت عن تصاعد النزعة الحمائية والتوترات الجيوسياسية.
وقد أثرت هذه التحديات، إلى جانب تباطؤ التصنيع العالمي، بشكل كبير على التدفقات العابرة للحدود خلال عام 2023 ومطلع عام 2024. إلا أن نمو التجارة شهد انتعاشاً فاق التوقعات خلال عام 2025، مدفوعاً إلى حد كبير بالطفرة في الطلب على السلع والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عوّض الآثار السلبية الناجمة عن ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية وعدم اليقين بشأن السياسات.
وعلى الرغم من استمرار هذه التحديات، فإن عدداً من العوامل الأساسية لا يزال يوفر دعماً مستمراً للتجارة العالمية. ومن بين هذه العوامل دورة الاستثمارات القوية في التقنيات المتقدمة، وعودة نشاط التصنيع إلى طبيعته، واستمرار الزخم في شبكات التجارة في الأسواق الناشئة، مما يسهم في دعم التدفقات العابرة للحدود. وقد امتد هذا الزخم إلى الفترة الحالية، إذ تشير المؤشرات الاستشرافية إلى استمرار نمو التجارة العالمية، وفق تقرير صادر عن قسم الاقتصاد في QNB.
وظل أداء الصادرات قوياً في الاقتصادات الآسيوية شديدة التكامل، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وتايلاند وفيتنام، مع تسارع النمو في الأشهر الأخيرة وتأثره بشكل محدود بالتوترات التجارية المستمرة. وفي الوقت نفسه، تحسنت توقعات المستثمرين تجاه قطاع النقل وفقاً لمؤشر متوسط داو جونز للنقل، مما يشير إلى اتساع النشاط التجاري. وتفيد هذه المؤشرات مجتمعة بأن زخم التجارة العالمية لا يزال متواصلاً، مما يدعم التوقعات باستمرار نموها على المدى القريب.
في هذه المقالة، نستعرض العوامل الرئيسية التي ترتكز عليها التجارة العالمية والتي تدعم انتقالها إلى مرحلة جديدة من النمو المتوازن، حسب قسم الاقتصاد في QNB.
أولاً، تعمل الدورة الاستثمارية الجديدة في الذكاء الاصطناعي كمحرك رئيسي للتجارة العالمية. فقد شكلت السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو نصف نمو تجارة السلع العالمية في عام 2025. كما شهد الطلب على منتجات مثل أشباه الموصلات، ومعدات مراكز البيانات، والإلكترونيات المتقدمة، ارتفاعاً ملحوظاً، حيث بلغت مبيعات أشباه الموصلات العالمية وحدها حوالي 520 إلى 550 مليار دولار أمريكي. ويعكس هذا الأمر الطبيعة العالمية المعقدة لسلاسل التوريد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، وعلى شبكات إنتاج معقدة عابرة للحدود. وبالنظر إلى المستقبل، فإن استمرار قوة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 0.5 نقطة مئوية إلى نمو التجارة العالمية في عام 2026، مما يشكل عاملاً هاماً في التعويض عن تأثير التحديات الجيوسياسية والسياسية الراهنة.
ثانياً، تحظى التجارة العالمية بدعم من عمليات إعادة الهيكلة المستمرة لسلاسل التوريد العالمية. فبينما أصبحت السياسات التجارية أكثر تقييداً، لا سيما من خلال التدابير غير الجمركية والسياسات الصناعية التي تمنح الأولوية للإنتاج المحلي، تكيفت الشركات من خلال إعادة توجيه التدفقات التجارية بدلاً من تقليصها. وعلى وجه الخصوص، لا تزال آسيا في قلب شبكات التصنيع العالمية، حيث تساهم بنحو 60% من الناتج الصناعي العالمي، مع توسع التجارة البينية الإقليمية، واكتساب دول مثل فيتنام وتايلاند والهند حصة سوقية في قطاعات التصدير الرئيسية. ويتجلى ذلك في الزيادة الكبيرة في صادرات الصين إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، والتي تضاعفت أكثر من مرتين خلال العقد الماضي لتتجاوز 500 مليار دولار أمريكي سنوياً، مما يؤكد الأهمية المتزايدة لشبكات الإنتاج الإقليمية. نتيجة لذلك، يشهد التبادل التجاري العالمي تنوعاً جغرافياً أكبر، مع الحفاظ على دعمه الهيكلي من خلال سلاسل التوريد العابرة للحدود والمتكاملة بشكل عميق، وفق فريق QNB الاقتصادي.
ثالثاً، أصبحت الظروف الدورية أكثر دعماً للتجارة العالمية، مع استقرار دورة التصنيع العالمية وتلاشي تأثير تعديل المخزونات. وقد توسعت أحجام التجارة العالمية بنحو 4.6% في عام 2025، مما يعكس انتعاشاً أقوى من المتوقع في النشاط الصناعي. وقد انتهت إلى حد كبير المرحلة السابقة من تخفيض المخزون، التي أثرت سلباً على التجارة خلال عام 2023 وأوائل عام 2024، حيث اتجهت الشركات نحو إعادة بناء المخزون تدريجياً. ويساهم هذا التحول في رفع الطلب على الواردات، لا سيما في القطاعات كثيفة الاعتماد على التجارة مثل الآلات والإلكترونيات والسلع الوسيطة، حيث لا يزال الإنتاج العابر للحدود راسخاً بقوة. وفي الوقت نفسه، يشير تحسن اتجاهات استطلاعات التصنيع وطلبات التصدير إلى استقرار الطلب الخارجي، مما يعزز الانتعاش الدوري ويوفر زخماً إضافياً للتجارة العالمية.
بشكل عام، تظل التوقعات بشأن التجارة العالمية إيجابية على نحو حذِر، مدعومة بمجموعة من العوامل الهيكلية والدورية. رغم استمرار المخاطر جراء التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين بشأن السياسات، فإن قوة دورة الاستثمار المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، واستقرار ديناميكيات التصنيع، وقدرة سلاسل التوريد العالمية على التكيف، كلها عوامل تسهم في الحفاظ على الزخم. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يستمر نمو التجارة العالمية هذا العام.