إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الأمان الرقمي للأطفال.. الحماية وحدها لا تكفي


في زمن باتت فيه الشاشات نافذةَ الأطفال الأولى على العالم، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة ترفيه أو تعلّم، بل تحوّل إلى بيئة يومية موازية للحياة الواقعية، بكل ما تحمله من فرص وتحديات.
ومن هذا المنطلق، تأتي احتفالات وزارة المرأة بالعيد الوطني للطفولة، في الفترة الممتدة من 26 إلى 28 مارس 2026، تحت شعار: "أطفال آمنون في الفضاء الرقمي... مسؤولية مشتركة"، لتضع واحدة من أهم قضايا العصر في صدارة النقاش الوطني: كيف نضمن لأطفالنا حضورا آمنا وواعيا في عالم افتراضي لا يعترف بالحدود؟
لقد تغيّر مشهد الطفولة بشكل عميق. فالطفل اليوم لا يكتفي باللعب في الفضاءات التقليدية، بل يتنقّل بين التطبيقات والمنصات، يتعلّم ويكتشف ويكوّن علاقاته. غير أن هذا الانفتاح الرقمي يرافقه وجهٌ آخر أكثر تعقيدا، حيث يمكن أن يتعرّض الطفل لمحتويات غير ملائمة، أو للتنمّر الإلكتروني، أو لمحاولات الاستغلال.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن نراقب ونمنع، أم أن الأمان الرقمي يتطلب فهمًا أوسع؟
الأمان الرقمي لدى الأطفال لا يُختزل في الرقابة التقنية أو حجب المواقع، بل يقوم على ثلاث ركائز مترابطة: الحماية، والفهم، والتمكين.
فالحماية تظل ضرورية كخط دفاع أول، سواء عبر دور الأسرة أو من خلال الأدوات التكنولوجية التي تساعد على تقليص المخاطر. لكنها وحدها لا تكفي، لأن الطفل سيجد نفسه، عاجلا أو آجلا، أمام مواقف تتطلب منه اتخاذ القرار بنفسه.
هنا يأتي دور الفهم، وهو جوهر الأمان الحقيقي: أن يدرك الطفل طبيعة الفضاء الرقمي، وأن يميّز بين الآمن والخطر، وأن يعرف قيمة معطياته الشخصية وحدود مشاركتها. هذا الوعي لا يُبنى بالأوامر، بل بالحوار والتربية المستمرة. فكلما فهم الطفل "لماذا"، أصبح أكثر قدرة على حماية نفسه دون خوف أو ارتباك.
أما التمكين، فهو الخطوة الأهم، حيث يتحول الطفل من مستخدم سلبي إلى فاعل واعٍ طفل يعرف كيف يتصرف إذا تعرّض للتنمّر، وكيف يطلب المساعدة، وكيف يحافظ على توازنه بين العالم الرقمي والحياة الواقعية. فالأمان لا يعني فقط تجنّب الخطر، بل أيضا بناء شخصية رقمية متوازنة وواثقة.
كما يعني الأمان الرقمي أيضا توفير بيئة داعمة، يشعر فيها الطفل بالأمان للحديث عمّا يواجهه، دون خوف أو لوم. كما يشمل هذا الأمان بناء وعي مبكر بالهوية الرقمية، حيث يتعلّم الطفل أن ما ينشره اليوم قد يرافقه مستقبلا.
ويعكس اختيار سنة 2026 سنةً للأمان الرقمي في تونس، وما رافقها من تنظيم تظاهرات تحسيسية ومعارض للتكنولوجيا الآمنة، إلى جانب الأنشطة في الفضاءات العامة، إدراكا متزايدا بأن التحدي ليس تقنيا فقط، بل تربوي ومجتمعي بالأساس. فالمطلوب ليس إبعاد الطفل عن العالم الرقمي، بل مرافقة حضوره فيه بشكل واعٍ ومتوازن.
وقد أطلقت كل من وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن ووزارة تكنولوجيات الاتصال الميثاق الوطني لدعم قدرات الأسرة من أجل ضمان بيئة آمنة للطفل في الفضاء الرقمي.
وتتركز الأهداف الرئيسية للميثاق حول صون حقوق الأطفال في بيئة رقمية متوازنة وآمنة، تجمع بين فرص التعلم والمشاركة والإبداع من جهة، ومتطلبات الوقاية والسلامة من جهة أخرى.
 إن "المسؤولية المشتركة"، التي تم اختيارها شعارا لسنة الأمان الرقمي، ليست مجرد عبارة احتفالية، بل دعوة صريحة لكل الأطراف (الأسر، المدارس، المؤسسات، والمجتمع المدني) للعمل معًا من أجل بناء ثقافة رقمية جديدة قائمة على الثقة والمعرفة.
مستقبل تونس الرقمي يبدأ من أطفالها، وضمان أمانهم اليوم لا يتحقق فقط بحمايتهم من المخاطر، بل بتمكينهم من فهم هذا العالم والتفاعل معه بوعي وثقة.


منال العابدي

 الأمان الرقمي للأطفال.. الحماية وحدها لا تكفي


في زمن باتت فيه الشاشات نافذةَ الأطفال الأولى على العالم، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة ترفيه أو تعلّم، بل تحوّل إلى بيئة يومية موازية للحياة الواقعية، بكل ما تحمله من فرص وتحديات.
ومن هذا المنطلق، تأتي احتفالات وزارة المرأة بالعيد الوطني للطفولة، في الفترة الممتدة من 26 إلى 28 مارس 2026، تحت شعار: "أطفال آمنون في الفضاء الرقمي... مسؤولية مشتركة"، لتضع واحدة من أهم قضايا العصر في صدارة النقاش الوطني: كيف نضمن لأطفالنا حضورا آمنا وواعيا في عالم افتراضي لا يعترف بالحدود؟
لقد تغيّر مشهد الطفولة بشكل عميق. فالطفل اليوم لا يكتفي باللعب في الفضاءات التقليدية، بل يتنقّل بين التطبيقات والمنصات، يتعلّم ويكتشف ويكوّن علاقاته. غير أن هذا الانفتاح الرقمي يرافقه وجهٌ آخر أكثر تعقيدا، حيث يمكن أن يتعرّض الطفل لمحتويات غير ملائمة، أو للتنمّر الإلكتروني، أو لمحاولات الاستغلال.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن نراقب ونمنع، أم أن الأمان الرقمي يتطلب فهمًا أوسع؟
الأمان الرقمي لدى الأطفال لا يُختزل في الرقابة التقنية أو حجب المواقع، بل يقوم على ثلاث ركائز مترابطة: الحماية، والفهم، والتمكين.
فالحماية تظل ضرورية كخط دفاع أول، سواء عبر دور الأسرة أو من خلال الأدوات التكنولوجية التي تساعد على تقليص المخاطر. لكنها وحدها لا تكفي، لأن الطفل سيجد نفسه، عاجلا أو آجلا، أمام مواقف تتطلب منه اتخاذ القرار بنفسه.
هنا يأتي دور الفهم، وهو جوهر الأمان الحقيقي: أن يدرك الطفل طبيعة الفضاء الرقمي، وأن يميّز بين الآمن والخطر، وأن يعرف قيمة معطياته الشخصية وحدود مشاركتها. هذا الوعي لا يُبنى بالأوامر، بل بالحوار والتربية المستمرة. فكلما فهم الطفل "لماذا"، أصبح أكثر قدرة على حماية نفسه دون خوف أو ارتباك.
أما التمكين، فهو الخطوة الأهم، حيث يتحول الطفل من مستخدم سلبي إلى فاعل واعٍ طفل يعرف كيف يتصرف إذا تعرّض للتنمّر، وكيف يطلب المساعدة، وكيف يحافظ على توازنه بين العالم الرقمي والحياة الواقعية. فالأمان لا يعني فقط تجنّب الخطر، بل أيضا بناء شخصية رقمية متوازنة وواثقة.
كما يعني الأمان الرقمي أيضا توفير بيئة داعمة، يشعر فيها الطفل بالأمان للحديث عمّا يواجهه، دون خوف أو لوم. كما يشمل هذا الأمان بناء وعي مبكر بالهوية الرقمية، حيث يتعلّم الطفل أن ما ينشره اليوم قد يرافقه مستقبلا.
ويعكس اختيار سنة 2026 سنةً للأمان الرقمي في تونس، وما رافقها من تنظيم تظاهرات تحسيسية ومعارض للتكنولوجيا الآمنة، إلى جانب الأنشطة في الفضاءات العامة، إدراكا متزايدا بأن التحدي ليس تقنيا فقط، بل تربوي ومجتمعي بالأساس. فالمطلوب ليس إبعاد الطفل عن العالم الرقمي، بل مرافقة حضوره فيه بشكل واعٍ ومتوازن.
وقد أطلقت كل من وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن ووزارة تكنولوجيات الاتصال الميثاق الوطني لدعم قدرات الأسرة من أجل ضمان بيئة آمنة للطفل في الفضاء الرقمي.
وتتركز الأهداف الرئيسية للميثاق حول صون حقوق الأطفال في بيئة رقمية متوازنة وآمنة، تجمع بين فرص التعلم والمشاركة والإبداع من جهة، ومتطلبات الوقاية والسلامة من جهة أخرى.
 إن "المسؤولية المشتركة"، التي تم اختيارها شعارا لسنة الأمان الرقمي، ليست مجرد عبارة احتفالية، بل دعوة صريحة لكل الأطراف (الأسر، المدارس، المؤسسات، والمجتمع المدني) للعمل معًا من أجل بناء ثقافة رقمية جديدة قائمة على الثقة والمعرفة.
مستقبل تونس الرقمي يبدأ من أطفالها، وضمان أمانهم اليوم لا يتحقق فقط بحمايتهم من المخاطر، بل بتمكينهم من فهم هذا العالم والتفاعل معه بوعي وثقة.


منال العابدي