لم تتوقف الطرقات والمسالك الريفية عن حصد أرواح العاملات في القطاع الفلاحي، وسنويا يرتفع عدد الجريحات في صفوفهن. ومع كل حادث جديد تكتب منطقة من تلك الربوع المنسية داخل البلاد قصة جديدة تروي فيها عمق تهميشها وحجم غياب الدولة فيها ومستوى عزلتها وفشل مختلف الإجراءات والقوانين وبرامج التمكين في تغيير واقع نساء محرومات من أبسط حقوقهن الشغلية، يضعن كل صباح حياتهن على محك شاحنة نقل غير آمنة.
وتقول حياة العطار المكلفة بملف عاملات الفلاحة بـ"المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، أن أرقام الجرحى والوفيات جراء حوادث الشاحنات ما انفكت ترتفع من سنة إلى أخرى. وتعتبر العطار أن حادثة الشاحنة التي شهدتها الطريق الجهوية بين معتمدية السبيخة من ولاية القيروان ومعتمدية الناظور من معتمدية زغوان يوم أمس، لم تعكس فقط حجم المأساة في تلك المناطق وضعف الإرادة في تغيير واقع النساء الفلاحات فقط، بل ذكرت أن المشكل يشمل أيضا تشغيل فئة الأطفال، فالضحية هذه المرة كانت طفلة سنها 16 عاما إلى جانب 14 جريحة. وهو أمر سجل سابقا في حادثة السبالة التي حصدت أرواح طفلات سنهن بين 14 و15 سنة، وكان "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، قد نبه لذلك في مختلف زياراته الميدانية للعاملات في القطاع الفلاحي.
وبينت العطار لـ"الصباح" أن 78 حادثا لشاحنات نقل فلاحات سجلتها طرقاتنا بين سنة 2015 وإلى غاية أمس الأربعاء 26 جوان 2024، خلفت في جملتها وفاة 62 عاملة فلاحة وإصابة 907 بجروح متفاوتة الخطورة تصل حد الإعاقة لدى عدد منهن".
وتشير العطار إلى أن أكثر من نصف هذه الحوادث، (42 حادثا)، سجلت ما بعد صدور القانون 51 لسنة 2019 المتعلق بتنظيم نقل العملة والعاملات في القطاع الفلاحي والأمر الترتيبي عدد 724 لسنة 2020 المتعلق بأساليب تطبيقه. وشهدت هذه الفترة فقدان 22 عاملة فلاحة و375 إصابة بجروح متفاوتة الخطورة.
وحسب نتائج رصد "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، تحتل ولاية سيدي بوزيد المرتبة الأولى في ترتيب الجهات الأكثر تسجيلا لحوادث نقل عاملات الفلاحة أين عرفت 22 حادثا تليها في ذلك ولاية القيروان التي شهدت 16 حادثا وتأتي بعدهما ولاية القصرين في المرتبة الثالثة بـ6 حوادث وولاية سليانة بـ 5 حوادث.
وتعتبر حياة عطار انه ورغم أهمية الدور الذي تضطلع به العمالة النسوية ومساهمتها الهامة في ضمان صمود القطاع الفلاحي ومقاومته للازمات، إلا أنهن مازلن يمثلن الحلقة الأضعف في سلسلة القطاع الفلاحي، ويعملن دون حقوق، ويواجهن الاستغلال والعنف بكل أشكاله، ويقاومن التمييز ويركبن المخاطر دون حماية ولا وقاية ولا تأمين.
وذكرت المكلفة بعاملات الفلاحة بـ"المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، أن عدد النساء في الريف التونسي يقدر بأكثر من 1.7 مليون امرأة أي ما يعادل ثلث نساء تونس وهو ما يمثل أكثر من 50 % من سكان الأرياف. كما يعكس الواقع الميداني اكتساحا كبيرا لليد العاملة النسوية في قطاع الفلاحة قد يصل في عدة ولايات إلى نسب كبيرة تفوق الــ90% في بعض المواسم. وتمثل نسبة الأطفال المشتغلين في القطاع الفلاحي 50% من العدد الجملي للأطفال الناشطين حسب المسح الذي قام به المعهد الوطني للإحصاء ووزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة العمل الدولية سنة 2017، وهو ما يمثل نحو الـ 107 آلاف طفل ( يبلغ عدد الأطفال الناشطين في تونس 215 ألف طفل).
وتوضح العطار في نفس السياق أن ما تواجهه النساء العاملات في الفلاحة اليوم، انه واقع فرضته قسرا وضعية الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية للنساء وارتفاع نسب البطالة لدى الإناث مقارنة بالذكور سواء من حاملي الشهادات العليا أو من عموم الناشطين وفق الأرقام التي يحيّنها المعهد الوطني للإحصاء من سداسية لأخرى. إلى جانب عزوف الرجال عن العمل الفلاحي بسبب تدني الأجور وعدم استقرار الوضعية الشغلية فيه.
ولا يمكن، حسب حياة العطار، تناول ظاهرة عمالة الأطفال في القطاع الفلاحي والانتهاكات المسلطة على هذه الشريحة العمرية الحساسة بمعزل عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة.
فهي نتاج لحالة الفقر التي تعيشها عائلاتهم ومستوى العزلة والتهميش التي تتسم بها مناطق سكنهم ونسب الانقطاع المدرسي المترتبة عن العاملين السابقين. وبالتالي لا يمكن أيضا أن نتكلم عن حلول وبدائل للتصدي لها والحد منها دون المرور ضرورة عبر إصلاح المنظومة التشريعية الحالية وتقييم مدى انسجامها ومواكبتها لالتزامات الدولة التونسية في علاقة بحماية حقوق الطفل خاصة أنها مجلة لم تشهد التحيين اللازم منذ الستينات ولم تواكب التغيرات الواردة على القطاع الفلاحي (لم يعد قطاعا عائليا). أما بالنسبة لمأساة العاملات في القطاع الفلاحي ككل ومستوى الهشاشة التي يعانونها، فـ"المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، يعتبر أن الانطلاق في الإصلاح يشمل الهيكلة وتنظيم القطاع وتحديد صفة العاملة أو الاعتراف بها قانونيا، فضلا عن تحسين القانون عدد 51 الذي كشف بالواضح أنه غير قابل للتطبيق..، وهي جميعها في اتصال برؤية الدولة وسياساتها العمومية.
وللإشارة كشفت دراسة أعدها المنتدى، تحت عنوان "المرأة العاملة في القطاع الفلاحي وسياسات تأبيد الهشاشة أي سبل للإنقاذ ورد الاعتبار؟"، وتناولت عينة تمثيلية عن 12 ولاية من النساء العاملات في الفلاحة، أن 78% من العاملات في القطاع الفلاحي متحملات لجزء كبير من أعباء المنزل حيث أن 20 % من الأزواج لا يشتغلون والبقية لهم شغل غير قار.
ولا تعتبر الشاحنات حسب شهادات العاملات في القطاع الفلاحي، وسيلة النقل الوحيدة بل يتم اعتماد العربات المجرورة بالخيول وسيرا على الأقدام. ويحمّل نسبة 67% من المستجوبات، الدولة المسؤولية في الحوادث التي يعيشونها دوريا وتخلف في كل مرة جريحات وقتيلات.
وحسب نفس الأرقام 2% فقط من العاملات في الفلاحة أجورهن اليومية تتجاوز الـ20 دينارا في حين أن 48% منهن أجورهن بين الـ 10 و15 دينارا والبقية لهن أجور بين الـ 15 والـ20 دينارا جميعهن مجبرات على تمكين الناقل أو الوسيط من مبلغ يتراوح بين الـ 3 و5 دنانير ما يجعل أجورهن اقل من المذكور. وبالتالي فان النسبة الأكبر منهن يتحصلن على أجور دون الأجر الأدنى المضمون في الفلاحة وهو ما يمثل أكثر من 90% من العاملات.. ويعبر 93 % أنهن غير راضيات عن أجورهن، ومنزعجات من التمييز الحاصل في قطاع الفلاحة لأن الرجل يتقاضى أجرا أكثر منهن، مع العلم أن 15% من المستجوبات لا يقلقهن هذا التمييز ويستبطن القبول للتمييز بينهن وبين الرجل ويبررن ذلك. وبينت نفس الدراسة أن 92% من العاملات في الفلاحة لا يتمتعن بتغطية اجتماعية وليست لهن بطاقات علاج.
ريم سوودي
تونس- الصباح
لم تتوقف الطرقات والمسالك الريفية عن حصد أرواح العاملات في القطاع الفلاحي، وسنويا يرتفع عدد الجريحات في صفوفهن. ومع كل حادث جديد تكتب منطقة من تلك الربوع المنسية داخل البلاد قصة جديدة تروي فيها عمق تهميشها وحجم غياب الدولة فيها ومستوى عزلتها وفشل مختلف الإجراءات والقوانين وبرامج التمكين في تغيير واقع نساء محرومات من أبسط حقوقهن الشغلية، يضعن كل صباح حياتهن على محك شاحنة نقل غير آمنة.
وتقول حياة العطار المكلفة بملف عاملات الفلاحة بـ"المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، أن أرقام الجرحى والوفيات جراء حوادث الشاحنات ما انفكت ترتفع من سنة إلى أخرى. وتعتبر العطار أن حادثة الشاحنة التي شهدتها الطريق الجهوية بين معتمدية السبيخة من ولاية القيروان ومعتمدية الناظور من معتمدية زغوان يوم أمس، لم تعكس فقط حجم المأساة في تلك المناطق وضعف الإرادة في تغيير واقع النساء الفلاحات فقط، بل ذكرت أن المشكل يشمل أيضا تشغيل فئة الأطفال، فالضحية هذه المرة كانت طفلة سنها 16 عاما إلى جانب 14 جريحة. وهو أمر سجل سابقا في حادثة السبالة التي حصدت أرواح طفلات سنهن بين 14 و15 سنة، وكان "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، قد نبه لذلك في مختلف زياراته الميدانية للعاملات في القطاع الفلاحي.
وبينت العطار لـ"الصباح" أن 78 حادثا لشاحنات نقل فلاحات سجلتها طرقاتنا بين سنة 2015 وإلى غاية أمس الأربعاء 26 جوان 2024، خلفت في جملتها وفاة 62 عاملة فلاحة وإصابة 907 بجروح متفاوتة الخطورة تصل حد الإعاقة لدى عدد منهن".
وتشير العطار إلى أن أكثر من نصف هذه الحوادث، (42 حادثا)، سجلت ما بعد صدور القانون 51 لسنة 2019 المتعلق بتنظيم نقل العملة والعاملات في القطاع الفلاحي والأمر الترتيبي عدد 724 لسنة 2020 المتعلق بأساليب تطبيقه. وشهدت هذه الفترة فقدان 22 عاملة فلاحة و375 إصابة بجروح متفاوتة الخطورة.
وحسب نتائج رصد "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، تحتل ولاية سيدي بوزيد المرتبة الأولى في ترتيب الجهات الأكثر تسجيلا لحوادث نقل عاملات الفلاحة أين عرفت 22 حادثا تليها في ذلك ولاية القيروان التي شهدت 16 حادثا وتأتي بعدهما ولاية القصرين في المرتبة الثالثة بـ6 حوادث وولاية سليانة بـ 5 حوادث.
وتعتبر حياة عطار انه ورغم أهمية الدور الذي تضطلع به العمالة النسوية ومساهمتها الهامة في ضمان صمود القطاع الفلاحي ومقاومته للازمات، إلا أنهن مازلن يمثلن الحلقة الأضعف في سلسلة القطاع الفلاحي، ويعملن دون حقوق، ويواجهن الاستغلال والعنف بكل أشكاله، ويقاومن التمييز ويركبن المخاطر دون حماية ولا وقاية ولا تأمين.
وذكرت المكلفة بعاملات الفلاحة بـ"المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، أن عدد النساء في الريف التونسي يقدر بأكثر من 1.7 مليون امرأة أي ما يعادل ثلث نساء تونس وهو ما يمثل أكثر من 50 % من سكان الأرياف. كما يعكس الواقع الميداني اكتساحا كبيرا لليد العاملة النسوية في قطاع الفلاحة قد يصل في عدة ولايات إلى نسب كبيرة تفوق الــ90% في بعض المواسم. وتمثل نسبة الأطفال المشتغلين في القطاع الفلاحي 50% من العدد الجملي للأطفال الناشطين حسب المسح الذي قام به المعهد الوطني للإحصاء ووزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة العمل الدولية سنة 2017، وهو ما يمثل نحو الـ 107 آلاف طفل ( يبلغ عدد الأطفال الناشطين في تونس 215 ألف طفل).
وتوضح العطار في نفس السياق أن ما تواجهه النساء العاملات في الفلاحة اليوم، انه واقع فرضته قسرا وضعية الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية للنساء وارتفاع نسب البطالة لدى الإناث مقارنة بالذكور سواء من حاملي الشهادات العليا أو من عموم الناشطين وفق الأرقام التي يحيّنها المعهد الوطني للإحصاء من سداسية لأخرى. إلى جانب عزوف الرجال عن العمل الفلاحي بسبب تدني الأجور وعدم استقرار الوضعية الشغلية فيه.
ولا يمكن، حسب حياة العطار، تناول ظاهرة عمالة الأطفال في القطاع الفلاحي والانتهاكات المسلطة على هذه الشريحة العمرية الحساسة بمعزل عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة.
فهي نتاج لحالة الفقر التي تعيشها عائلاتهم ومستوى العزلة والتهميش التي تتسم بها مناطق سكنهم ونسب الانقطاع المدرسي المترتبة عن العاملين السابقين. وبالتالي لا يمكن أيضا أن نتكلم عن حلول وبدائل للتصدي لها والحد منها دون المرور ضرورة عبر إصلاح المنظومة التشريعية الحالية وتقييم مدى انسجامها ومواكبتها لالتزامات الدولة التونسية في علاقة بحماية حقوق الطفل خاصة أنها مجلة لم تشهد التحيين اللازم منذ الستينات ولم تواكب التغيرات الواردة على القطاع الفلاحي (لم يعد قطاعا عائليا). أما بالنسبة لمأساة العاملات في القطاع الفلاحي ككل ومستوى الهشاشة التي يعانونها، فـ"المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، يعتبر أن الانطلاق في الإصلاح يشمل الهيكلة وتنظيم القطاع وتحديد صفة العاملة أو الاعتراف بها قانونيا، فضلا عن تحسين القانون عدد 51 الذي كشف بالواضح أنه غير قابل للتطبيق..، وهي جميعها في اتصال برؤية الدولة وسياساتها العمومية.
وللإشارة كشفت دراسة أعدها المنتدى، تحت عنوان "المرأة العاملة في القطاع الفلاحي وسياسات تأبيد الهشاشة أي سبل للإنقاذ ورد الاعتبار؟"، وتناولت عينة تمثيلية عن 12 ولاية من النساء العاملات في الفلاحة، أن 78% من العاملات في القطاع الفلاحي متحملات لجزء كبير من أعباء المنزل حيث أن 20 % من الأزواج لا يشتغلون والبقية لهم شغل غير قار.
ولا تعتبر الشاحنات حسب شهادات العاملات في القطاع الفلاحي، وسيلة النقل الوحيدة بل يتم اعتماد العربات المجرورة بالخيول وسيرا على الأقدام. ويحمّل نسبة 67% من المستجوبات، الدولة المسؤولية في الحوادث التي يعيشونها دوريا وتخلف في كل مرة جريحات وقتيلات.
وحسب نفس الأرقام 2% فقط من العاملات في الفلاحة أجورهن اليومية تتجاوز الـ20 دينارا في حين أن 48% منهن أجورهن بين الـ 10 و15 دينارا والبقية لهن أجور بين الـ 15 والـ20 دينارا جميعهن مجبرات على تمكين الناقل أو الوسيط من مبلغ يتراوح بين الـ 3 و5 دنانير ما يجعل أجورهن اقل من المذكور. وبالتالي فان النسبة الأكبر منهن يتحصلن على أجور دون الأجر الأدنى المضمون في الفلاحة وهو ما يمثل أكثر من 90% من العاملات.. ويعبر 93 % أنهن غير راضيات عن أجورهن، ومنزعجات من التمييز الحاصل في قطاع الفلاحة لأن الرجل يتقاضى أجرا أكثر منهن، مع العلم أن 15% من المستجوبات لا يقلقهن هذا التمييز ويستبطن القبول للتمييز بينهن وبين الرجل ويبررن ذلك. وبينت نفس الدراسة أن 92% من العاملات في الفلاحة لا يتمتعن بتغطية اجتماعية وليست لهن بطاقات علاج.