إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رأي.. وقف إطلاق النار وترتيب المنهزمين

 

بقلم: هاني مبارك (*)

يبدو أن الشروط التي على أساسها سيكون هناك وقف لإطلاق النار وتبادل للأسرى هي التي ستحدد الطرف المنتصر أو الأكثر استفادة من هذه الحرب التي اندلعت قبل سبعة أشهر في غزة وتضع حدا لطموحات البعض، وتنهي ادوار البعض الآخر. كما يبدو أن الفهم المشترك بين حماس وإسرائيل لذلك هو ما يدعوهما للتشدد كل في شروطه وعدم تقديم تنازلات قد تعني نهاية الطرف الذي سيقدم عليها.

وحيث في التفاصيل الدقيقة تكمن عقدة الحل وإمكانية نجاح جولة وليم بيرنز وإخراج هذه الصفقة إلى حيز الوجود، بعد أن لم يعد خافيا أن مصالح نتنياهو الشخصية ليست فقط أنها ما عادت تتطابق ومصالح إسرائيل الكيان، بل أنها صارت خطرا عليه، رغم انه إلى هذه اللحظات يعتبر اللاعب الرئيسي في هذه الحرب مدعوما بشلة من أقصى اليمين الديني المتطرف، وأن من شأن هذا الطلاق بين الدولة ورئيس حكومتها أن يساهم في حلحلة عقدة الخلاف مع حماس، وفقا لشروط ليست من تلك التي يرددها نتنياهو لان مصلحة إسرائيل العليا ليست في هذه الشروط بقدر ما هي في المحافظة على دورها الوظيفي إقليميا في إطار الإستراتيجية الأمريكية على الصعيد الدولي.

وما قد يعزز هذا الاعتقاد أن النزعة ذات الطابع اليميني التي تصبغ المجتمع الإسرائيلي بكل أطيافه السياسية لا زالت تعارض بشدة قيام دولة فلسطينية مستقلة، وأن إدراك الولايات المتحدة لهذه الحقيقة من ناحية وعدم نضوج قناعتها بحل إقامة هذه الدولة من ناحية ثانية والغياب التام للموقف العربي الفاعل في هذا الاتجاه من ناحية ثالثة تجعل من استدامة الانقسام الفلسطيني بتجاوز هدف القضاء التام على حماس حجة حيوية للنزول بسقف شروط الحكومة الإسرائيلية لإنجاح صفقة لوقف إطلاق النار تحول دون طرح هدف إقامة الدولة الفلسطينية والبحث عن بدائل تكون أكثر انسجاما وطبيعة مخططات يمين الدولة في إسرائيل ولا تحول دون دينامية دورها المرتقب إقليميا، خاصة وأن كل الدعم اللامحدود عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا الذي قدمته واشنطن للجيش الإسرائيلي قد فشل في تحطيم الصمود الفلسطيني بعد أن ارتكب ولا يزال أبشع أنواع المجازر والتدمير الممنهج للحياة في غزة والتي سيكون لها ما بعدها على وجود إسرائيل وسمعتها وفضح كل سردياتها الكاذبة.

  هذا الافتراق بين أهداف نتنياهو الشخصية ومصالح إسرائيل سيسهل على بايدن- الذي تشير كافة استطلاعات الرأي إلى تدهور شعبيته - تجاوز اشتراطات رئيس الحكومة الإسرائيلية والضغط باتجاه إخراج صفقة لوقف إطلاق النار، تنقذ أولا هيبة الجيش الإسرائيلي التي تدهورت أكثر مما تدهورته في السابع من أكتوبر بعد أن حصد الفشل تلو الفشل منذ ما سماها بمناورته البرية ولم يحقق أي من أهدافه سوى قتل المدنيين العزل، وتتيح ثانيا للولايات المتحدة الوقت الكافي للالتفات لتنفيذ إستراتيجيتها باحتواء النفوذين الروسي والصيني وتقليم تضافر اذرعهما في الإقليم ومحيطه، وإعادة رسم الحدود الجغرافية للنفوذ فيه، والإسراع بتنفيذ صفقة التطبيع الكبرى مع السعودية، هذه الأخيرة التي باتت تخطط لإيقاف أو تأجيل مشروع نيوم بعد أن بات مؤكدا تقلص الطموحات السعودية من ورائه.

صحيح أن الجيش الإسرائيلي أعلن يوم الأحد الماضي أنه استكمل "مرحلة أخرى" في إطار ما وصفها باستعداداته "للحرب" عند الحدود الشمالية مع لبنان حيث يستمر القصف المتبادل مع حزب الله، بينما قال وزير الدفاع غالانت إن سحب كامل قواته من جنوبي قطاع غزة يأتي في إطار الاستعداد للهجوم على رفح، غير أن حقيقة الأمر تشير إلى أن هذا الانسحاب من جنوب القطاع جاء ضغط أمريكي لاستباق أي اتفاق محتمل حتى لا يحسب على أنه انصياع لشروط المقاومة لإنجاز صفقة التبادل.

فالولايات المتحدة التي قطعت مع اللين والتسامح المفرطين في التعامل مع نتنياهو ومهدت لذلك منذ عدة أسابيع، نجدها من جانب لم يعد فيها الرئيس بايدين والحزب الديمقراطي مستعدان لخسارة المعركة الانتخابية من اجل نتنياهو ومن الجانب الآخر فإن مصالحها العليا تقتضي منها التعامل مع الواقع وحقائقه بأقل الخسائر، وأن القضاء على حماس بالصورة التي تتحدث عنها أوساط الحكومة الإسرائيلية لم يكن مطروحا في أروقة صنع القرار الأمريكي، وقد كان ذلك واضحا منذ بداية الحرب وجاء على لسان أكثر من مسؤول أمريكي من أمثال وزير الخارجية ووزير الدفاع وغيرهما، مما يشير بكثير من الواقعية إلى استفاد هذه الحرب لمبررات استمرارها، لاسيما وأن حماس اليوم لم تعد حماس الأمس، كما أن حجم الدمار الذي لحق بقطاع غزة من شأنه أن يشكل عابئا عليها لإعادة الأوضاع لما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر.

كذلك فانه وفي الوقت الذي لن يكون بوسع احد إنكار أن إسرائيل هي الحليف الأكثر تميزا بالنسبة للولايات المتحدة، فإنه لن يكون بوسع احد آخر الاعتقاد بان نتنياهو وشلة اليمين المتطرف حوله، اليمين يحظى بنفس المكانة التي لإسرائيل الدولة، وبالتالي فان إنقاذ هذه الأخيرة من ميولات هذا اليمين الصبيانية تصبح مصلحة أمريكية تقتضي ترتيب الأطراف المنتصرة والأخرى المنهزمة والتي يقف على رأسها نتنياهو يليه اليمين المتطرف ومن ثمة حماس، لكي تتربع واشنطن على قمة هرم المنتصرين ثم إسرائيل الأداة والمشروع، وهو ما يعيه المفاوض الفلسطيني ويضغط باتجاه إعادة تريب الشروط وفقا للواقع الفعلي الذي يراها وينظر إليه بغير العين الأمريكية، وحسابات تختلف كليا عن حسابات الزمن الأمريكي الذي يضيق يوما بعد يوم، والأكثر حساسية والأبهظ ثمنا مقارنة ببقية الأطراف، وربما بمعطيات خارج حسابات واشنطن.

* أستاذ الإعلام في جامعة منوبة

 

 

 

رأي..   وقف إطلاق النار وترتيب المنهزمين

 

بقلم: هاني مبارك (*)

يبدو أن الشروط التي على أساسها سيكون هناك وقف لإطلاق النار وتبادل للأسرى هي التي ستحدد الطرف المنتصر أو الأكثر استفادة من هذه الحرب التي اندلعت قبل سبعة أشهر في غزة وتضع حدا لطموحات البعض، وتنهي ادوار البعض الآخر. كما يبدو أن الفهم المشترك بين حماس وإسرائيل لذلك هو ما يدعوهما للتشدد كل في شروطه وعدم تقديم تنازلات قد تعني نهاية الطرف الذي سيقدم عليها.

وحيث في التفاصيل الدقيقة تكمن عقدة الحل وإمكانية نجاح جولة وليم بيرنز وإخراج هذه الصفقة إلى حيز الوجود، بعد أن لم يعد خافيا أن مصالح نتنياهو الشخصية ليست فقط أنها ما عادت تتطابق ومصالح إسرائيل الكيان، بل أنها صارت خطرا عليه، رغم انه إلى هذه اللحظات يعتبر اللاعب الرئيسي في هذه الحرب مدعوما بشلة من أقصى اليمين الديني المتطرف، وأن من شأن هذا الطلاق بين الدولة ورئيس حكومتها أن يساهم في حلحلة عقدة الخلاف مع حماس، وفقا لشروط ليست من تلك التي يرددها نتنياهو لان مصلحة إسرائيل العليا ليست في هذه الشروط بقدر ما هي في المحافظة على دورها الوظيفي إقليميا في إطار الإستراتيجية الأمريكية على الصعيد الدولي.

وما قد يعزز هذا الاعتقاد أن النزعة ذات الطابع اليميني التي تصبغ المجتمع الإسرائيلي بكل أطيافه السياسية لا زالت تعارض بشدة قيام دولة فلسطينية مستقلة، وأن إدراك الولايات المتحدة لهذه الحقيقة من ناحية وعدم نضوج قناعتها بحل إقامة هذه الدولة من ناحية ثانية والغياب التام للموقف العربي الفاعل في هذا الاتجاه من ناحية ثالثة تجعل من استدامة الانقسام الفلسطيني بتجاوز هدف القضاء التام على حماس حجة حيوية للنزول بسقف شروط الحكومة الإسرائيلية لإنجاح صفقة لوقف إطلاق النار تحول دون طرح هدف إقامة الدولة الفلسطينية والبحث عن بدائل تكون أكثر انسجاما وطبيعة مخططات يمين الدولة في إسرائيل ولا تحول دون دينامية دورها المرتقب إقليميا، خاصة وأن كل الدعم اللامحدود عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا الذي قدمته واشنطن للجيش الإسرائيلي قد فشل في تحطيم الصمود الفلسطيني بعد أن ارتكب ولا يزال أبشع أنواع المجازر والتدمير الممنهج للحياة في غزة والتي سيكون لها ما بعدها على وجود إسرائيل وسمعتها وفضح كل سردياتها الكاذبة.

  هذا الافتراق بين أهداف نتنياهو الشخصية ومصالح إسرائيل سيسهل على بايدن- الذي تشير كافة استطلاعات الرأي إلى تدهور شعبيته - تجاوز اشتراطات رئيس الحكومة الإسرائيلية والضغط باتجاه إخراج صفقة لوقف إطلاق النار، تنقذ أولا هيبة الجيش الإسرائيلي التي تدهورت أكثر مما تدهورته في السابع من أكتوبر بعد أن حصد الفشل تلو الفشل منذ ما سماها بمناورته البرية ولم يحقق أي من أهدافه سوى قتل المدنيين العزل، وتتيح ثانيا للولايات المتحدة الوقت الكافي للالتفات لتنفيذ إستراتيجيتها باحتواء النفوذين الروسي والصيني وتقليم تضافر اذرعهما في الإقليم ومحيطه، وإعادة رسم الحدود الجغرافية للنفوذ فيه، والإسراع بتنفيذ صفقة التطبيع الكبرى مع السعودية، هذه الأخيرة التي باتت تخطط لإيقاف أو تأجيل مشروع نيوم بعد أن بات مؤكدا تقلص الطموحات السعودية من ورائه.

صحيح أن الجيش الإسرائيلي أعلن يوم الأحد الماضي أنه استكمل "مرحلة أخرى" في إطار ما وصفها باستعداداته "للحرب" عند الحدود الشمالية مع لبنان حيث يستمر القصف المتبادل مع حزب الله، بينما قال وزير الدفاع غالانت إن سحب كامل قواته من جنوبي قطاع غزة يأتي في إطار الاستعداد للهجوم على رفح، غير أن حقيقة الأمر تشير إلى أن هذا الانسحاب من جنوب القطاع جاء ضغط أمريكي لاستباق أي اتفاق محتمل حتى لا يحسب على أنه انصياع لشروط المقاومة لإنجاز صفقة التبادل.

فالولايات المتحدة التي قطعت مع اللين والتسامح المفرطين في التعامل مع نتنياهو ومهدت لذلك منذ عدة أسابيع، نجدها من جانب لم يعد فيها الرئيس بايدين والحزب الديمقراطي مستعدان لخسارة المعركة الانتخابية من اجل نتنياهو ومن الجانب الآخر فإن مصالحها العليا تقتضي منها التعامل مع الواقع وحقائقه بأقل الخسائر، وأن القضاء على حماس بالصورة التي تتحدث عنها أوساط الحكومة الإسرائيلية لم يكن مطروحا في أروقة صنع القرار الأمريكي، وقد كان ذلك واضحا منذ بداية الحرب وجاء على لسان أكثر من مسؤول أمريكي من أمثال وزير الخارجية ووزير الدفاع وغيرهما، مما يشير بكثير من الواقعية إلى استفاد هذه الحرب لمبررات استمرارها، لاسيما وأن حماس اليوم لم تعد حماس الأمس، كما أن حجم الدمار الذي لحق بقطاع غزة من شأنه أن يشكل عابئا عليها لإعادة الأوضاع لما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر.

كذلك فانه وفي الوقت الذي لن يكون بوسع احد إنكار أن إسرائيل هي الحليف الأكثر تميزا بالنسبة للولايات المتحدة، فإنه لن يكون بوسع احد آخر الاعتقاد بان نتنياهو وشلة اليمين المتطرف حوله، اليمين يحظى بنفس المكانة التي لإسرائيل الدولة، وبالتالي فان إنقاذ هذه الأخيرة من ميولات هذا اليمين الصبيانية تصبح مصلحة أمريكية تقتضي ترتيب الأطراف المنتصرة والأخرى المنهزمة والتي يقف على رأسها نتنياهو يليه اليمين المتطرف ومن ثمة حماس، لكي تتربع واشنطن على قمة هرم المنتصرين ثم إسرائيل الأداة والمشروع، وهو ما يعيه المفاوض الفلسطيني ويضغط باتجاه إعادة تريب الشروط وفقا للواقع الفعلي الذي يراها وينظر إليه بغير العين الأمريكية، وحسابات تختلف كليا عن حسابات الزمن الأمريكي الذي يضيق يوما بعد يوم، والأكثر حساسية والأبهظ ثمنا مقارنة ببقية الأطراف، وربما بمعطيات خارج حسابات واشنطن.

* أستاذ الإعلام في جامعة منوبة