إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

اليوم الذكرى 24 لوفاته .. بورقيبة الظاهرة التي لم تخمد بعوامل الزمن والسياسة والتاريخ

تونس – الصباح

تمر اليوم الذكرى الرابعة والعشرون لوفاة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ولا يزال الجدل قائما حول أول رئيس للجمهورية التونسية تولى قيادة الحكم في تونس بعد الاستقلال من 25 جويلية 1957 إلى 7 نوفمبر 1987. وهي ذكرى "زعيم" حكم الدولة في مرحلة خروجها من الاستعمار بنزعة التأسيس والإصلاح والتحديث و"الزعاماتية"، معتمدا في ذلك على مجموعة نيرة من نخبة البلاد من خريجي المعاهد والجامعات الأوروبية وتحديدا الفرنسية وآخرين من خريجي المعاهد التونسية وجامعة الزيتونة تحديدا، مراهنا فقط على من يتقاطع معه حول رؤية ومشروع بناء الدولة الحديثة الذي خططت له الحركة الوطنية. لذلك ظلت شخصية "الزعيم بورقيبة" رجل السياسة القوي المصلح والحداثي والتنويري راسخة إلى اليوم في أذهان بعض التونسيين. وهي صورة "جدلية" بألوانها المختلفة تتناقلها الأجيال بما في ذلك الأجيال التي لم تعايش فترة حكمه أو التي لم تنخرط في قبول أو مناقشة متعلقاته. وقد توفرت جملة من العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية ساهمت في نشر "البورقيبية" كظاهرة تونسية لم تنطفئ ولم تتأثر بفعل عوامل الزمن والسياسة والتاريخ، إذ يعتبرها البعض مقياسا للتقييم والتبرير والبعض الآخر ينطلق منها كمثال للمراجعة والتدارك وإصلاح ما يجب إصلاحه، خاصة أن المراجع المعتمدة حول تلك الفترة لم تظهر للعيان إلا بعد خروجه من الحكم والبعض الآخر رأى النور بعد وفاته لعل أبرزها "مذكرات سياسية" للمناضل سليمان بن سليمان الذي كان مقربا من بورقيبة وقدم في مذكراته شهادات حية عن الراحل إضافة إلى الكتب التاريخية وما حملته من حقائق ومعطيات وأدلة تؤرخ لمرحلة حكمه وسياسته وخياراته وتوجهاته وتقدم قراءات وجوانب أخرى تم تغييبها من تاريخ تونس المعاصر.

فرغم بقائه 13 عاما تحت الإقامة الجبرية بعد خروجه من الحكم وغلق كل منافذ التواصل أو الاتصال به وهو في أرذل العمر من أي جهة كانت، لم تستطع سياسة الراحل زين العابدين بن علي تغييبه واقتلاعه من أذهان التونسيين، بل ظل اسمه بما يحمله من رمزية وهو الذي يمثله جزءا من تاريخ تونس المعاصر وما يمثله من إحالات سياسية واجتماعية واقتصادية، ظل راسخا في أذهان الجميع من معارضيه وأنصاره على حد السواء.

فالزعيم لا يزال محل تنازع القراءات والمواقف بين من يعتبره مرجعا في السياسة والفكر ويعتد بدوره في تكريس مبادئ الجمهورية الأولى الحديثة والمعاصرة واستعادة السيادة الوطنية وتحديث المجتمع وما يتطلبه ذلك من مؤسسات وهياكل وتشريعات وقوانين وبرامج اجتماعية واقتصادية بالأساس أحدثت نقلة نوعية في الدولة الحديثة، وبين شق آخر يحمله مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع على أكثر من صعيد اليوم، واعتبار أن ذلك يعد نتيجة للسياسة الأحادية التي كرسها في المجتمع والعقل السياسي الواحد من قبيل الجهوية والولاءات وتجفيف منابع الحريات ورفض التعددية والاختلاف مقابل فرض إيديولوجية الحزب الواحد. الأمر الذي سهل مهمة خليفته الراحل زين العابدين بن علي خلال مرحلة حكمه، في القضاء على المعارضة وتقزيم دورها ومواصلة سياسة احتواء "التائبين"، وهو ما ولّد مجتمعا سياسيا هشا لا يزال إلى اليوم يبحث عن ذاته ومقومات اكتساب القوة والثبات والصمود وشق آخر من هذا المجتمع السياسي يتنازع حول الاستثمار في "باتيندا" الحزب البورقيبي والظاهرة البورقيبية ككل كآلية وحيدة للتطور والتنوير والتقدم والازدهار للدولة التونسية بعد 24 سنة من وفاته وبعد 39 سنة من مغادرته للحكم إثر عملية انقلاب سلمية في 7 نوفمبر 1987 أصبح بموجبها بن علي رئيسا للجمهورية التونسية.

المؤرخ عبد الجليل بوقرة لـ"الصباح": "البورقيبية" مفصلية وهامة وفارقة في تونس

يعتبر المؤرخ الجامعي والكاتب عبدالجليل بوقرة في حديثه لـ"الصباح"، أن مرحلة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة تعد مهمة ومفصلية وفارقة في تاريخ تونس المعاصر، وتنقسم إلى ظاهرتين، إيجابية وسلبية، رغم تأكيده على أن أي فترة تأسيس لا يمكن أن تكون سهلة وإنما متعثرة وصعبة لاسيما فيما يتعلق بتأسيس مشروع دولة متكامل وما يتطلبه من غرس ثقافة وطنية. فسّر المؤرخ التونسي ما هو إيجابي في تلك المرحلة على أنه كبير ولا يمكن إيجازه أو اختزاله ولكنه اعتبر أن ذلك تجلى بالأساس في جملة من العناوين الكبرى التي تحيل إلى دوره في استرجاع السيادة الوطنية بعد الجلاء العسكري للاستعمار الفرنسي وتونسة الأمن والدبلوماسية التونسية وبعث البنك المركزي والدينار التونسي على نحو لم يكن هناك مجال للتصرف الأجنبي في الدولة التونسية.

كم اعتبر أن من إيجابيات سياسة بورقيبة في إدارة دواليب الدولة التونسية تحديث المجتمع التونسي على غرار وضع مجلة الأحوال الشخصية ووضع محاكم عصرية تعتمد على قوانين وضعية وتطوير القضاء. وأضاف قائلا: "هناك إصلاحات عميقة تحسب لسياسة بورقيبة في دولة الاستقلال المعاصرة، كانت بمثابة معركة تحديث كبرى كسبها الراحل في مراحل حكمه الأولى لعل أبرزها نشر التعليم في كامل ربوع وقرى الجمهورية والاهتمام بالصحة وجلب التلاقيح ووضع حد للأوبئة والأمراض. إضافة إلى المشروع الإصلاحي الاجتماعي والتنموي الذي انطلق في الستينات من القرن الماضي لضمان التوازن بين الجهات على بعث مصنع للسكر بولاية باجة ومصنع لعجين الحلفاء بالقصرين وقطب صناعي بقابس وآخر بمنزل بورقيبة ومعامل للصناعات الغذائية بالقيروان وفي السبعينات كان هناك انتشار للصناعات الصغرى والمتوسطة، وتعزيز حضور الدور الاجتماعي للطبقة الوسطى. فكان ذلك عنوانا للتوازن والسلم الاجتماعيين وهي بدورها شكلت عنوانا للتوازن الثقافي والسياسي في تلك المرحلة خاصة أن الطبقة المتوسطة التي تشكلت تعزز دورها في تلك الحقبة وضمنت نوعا من السلم الأهلي".

نزعة تسلطية وليست ديكتاتورية

في تطرقه لما هو سلبي في مرحلة حكم الراحل الحبيب بورقيبة قال المؤرخ الجامعي: "نحن لا نصدر أحكاما ولكننا نتعاطى بموضوعية مع واقع ومعطيات تاريخية في تقييم مرحلة حكم الراحل التي لم تكن سهلة وهينة. فما يُعَابُ على بورقيبة سياسته التسلطية وليست الديكتاتورية وأعتقد أن من يقول بورقيبة ديكتاتوري هي شتيمة لأنها تفتقد للدقة العلمية التي تضع شروطا في ذلك".

وبين محدثنا أن بورقيبة لم يكن يؤمن بالتعددية والانتخابات مبينا أنه بعد صعوده للحكم إثر الاستقلال كانت هناك تعددية حزبية ومدنية ولكنه ألغى ذلك سنة 1963 رغم أن الدستور المعتمد آنذاك كان يقر بالتعددية. وأوضح ذلك قائلا: "جاء قانون الجمعيات سنة 1959 منظما للمسألة بأن تكوين الجمعيات يتطلب وجوبا العودة إلى وزارة الداخلية فكان هذا القانون أقوى من الدستور لتظل تونس إلى غاية 1981 دون أحزاب وجمعيات إلا لمن ترضى عنهم السلطة".

ويرى عبدالجليل بوقرة أن بورقيبة انتهج سياسة تسلطية بلغت درجة قصوى سنة 1975 عندما أصدر قرارا بإلغاء الانتخابات وإقرار الرئاسة مدى الحياة باعتبار أن آخر انتخابات رئاسية في تونس كانت سنة 1974. ويعتبر أن من تداعيات هذه السياسة التسلطية في مرحلة حكمه الأخيرة تعدد المحاكمات السياسية ولأصحاب الرأي وإجبار بعض المعارضين والرافضين لسياسته على الهجرة وطلب اللجوء في الخارج.

ويضع المؤرخ والكاتب التونسي انحياز بورقيبة الجهوي وتمييزه للمسقط رأسه المنستير على بقية الجهات من السلبيات التي تحسب له وخلفت نوعا من الأحقاد الجهوية التي أضيفت لعيوب نظامه وذلك بإجماع أغلب من عايشوا فترة حكمه من سياسيين ومقربين منه.

"الصباح" المرجع

كما أقر المؤرخ بالجامعة التونسية أنه رغم الوضع الذي أصبح عليه واقع التضييق على الصحافة بشكل عام في تونس بعد أن أصبحت مراقبة بشكل مزعج، إلا أن مؤسسة "الصباح"، استطاعت أن تنأى بنفسها موضحا ذلك بالقول: "كانت الصباح مؤسسة خاصة يديرها صاحبها الراحل الحبيب شيخ روحه، كانت تحاول أن تمرر وتنشر بعض ما هو موجود في المناخ السياسي لتلك الفترة عبر متابعة المحاكمات السياسية ونشر مداولات المحاكمات والاستنطاق والمرافعات في مراحل مفصلية في تاريخ تونس المعاصر على غرار 1962 و1958 وجانفي 1978 فكانت إلى يومنا هذا مرجعا تاريخيا هاما".

نزيهة

المؤرخ رضا التليلي لـ"الصباح":

فترة حكم "بورقيبة" ثرية لكن !

تونس – الصباح

يعتبر الجامعي المختص في التاريخ رضا التليلي، في حديثه عن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة أن فترة حكمه تنقسم إلى مراحل مختلفة رغم أنها بدأت مباشرة مع الاستقلال وكانت ثرية، تجمع بين الإيجابي والسلبي. وقسمها في حديثه عن بورقيبة لـ"الصباح"، أنه نجح في السنوات الأولى من مرحلة حكمه في تطبيق جزء من مطالب ومبادئ الحركة الوطنية التي ساهمت بدورها، وفق تأكيده في تكريس وغرس روح الوطنية لدى التونسيين والمتمثلة في تعميم التعليم والخدمات الصحية لكل التونسيين والنهوض بالفئات الفقيرة والمتوسطة لاسيما أمام ما يحظى به بورقيبة من حب ومقبولية في أوساط الحزب الحر باستثناء التيار اليوسفي. لكنه في المقابل اعتبر بمجرد قطع سياسة بورقيبة مع أهداف ما كان مخططا له في الحركة الوطنية، بدأت القطيعة مع الروح الوطنية تتلاشى.

واعتبر أن القراءات التاريخية لفترة حكم بورقيبة المطولة تبين التغيرات التي رافقتها معتبرا محاولة الانقلاب التي جدت سنة 1962 قد أحدثت نقلة نوعية في سياسة الرئيس الراحل بعد أن شعر هو والمحيطون به من أقاربه وأبناء جهته أنهم جميعا في خطر. وأضاف قائلا: "محاولة الانقلاب تلك دفعت بورقيبة للدخول في تحالف جهوي ضيق بهدف الحفاظ على السلطة فتأسست منذ ذلك الوقت إيديولوجية الحزب الواحد ليتغير بذلك النظام ويصبح يخضع لقيادة الحزب الواحد بعد إلغاء التعددية وأصبحت النقابات والجمعيات تحت الحزب الواحد وتعويضها بشعب مهنية. ونفس هؤلاء من طالبوا أو دفعوا لقراره الحكم مدى الحياة لأن هناك مطامع في المنصب". ليكرس بذلك ولاءات جهوية في مواقع القرار والدولة وقيادة الحزب الواحد. لأنه يعتبر أن خيار الرئاسة مدى الحياة هي عملية افتكاك للسلطة من قبل فئة معينة قريبة منه لاسيما بعد أن أصبح بورقيبة عاجزا عن اتخاذ القرار.

الديمقراطية والسياسة الخارجية

كما ذهب الأكاديمي المختص في التاريخ المعاصر أن ما يحسب لسياسة بورقيبة التغيير الذي أحدثه في علاقة تونس الخارجية هو اختياره التوجه إلى مساندة الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، رغم النقاشات والجدل الذي رافق تلك الخيارات على اعتبار أن في ذلك انحيازا قطع مع التعددية وحصرا للسياسة الخارجية في توجه معين، وضد البلدان والتيارات الإيديولوجية والماركسية والاشتراكية.

أما في الجانب الاقتصادي فيرى محدثنا أن البورقيبية عرفت نوعا من التذبذب بالمرور من الاقتصاد الحر إلى اشتراكي ثم اقتصاد حر فاقتصاد الدولة وانفتاح على الليبرالية فليبرالية الدولة التي تلقي نفوذها وسيطرتها على الاقتصاد الحر إلى اليوم.

ويعتبر رضا التليلي أن تكريس فكرة الحزب الواحد وعدم الإيمان بالديمقراطية التي كان يعتبرها الرئيس الراحل تهدف لافتكاك السلطة منه، هي نفس الفكرة التي ينتهجها بعض السياسيين اليوم في رفضهم للديمقراطية وللآخر.

نزيهة

 

 

 

 

 

 

 

 

اليوم الذكرى 24 لوفاته ..  بورقيبة الظاهرة التي لم تخمد بعوامل الزمن والسياسة والتاريخ

تونس – الصباح

تمر اليوم الذكرى الرابعة والعشرون لوفاة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ولا يزال الجدل قائما حول أول رئيس للجمهورية التونسية تولى قيادة الحكم في تونس بعد الاستقلال من 25 جويلية 1957 إلى 7 نوفمبر 1987. وهي ذكرى "زعيم" حكم الدولة في مرحلة خروجها من الاستعمار بنزعة التأسيس والإصلاح والتحديث و"الزعاماتية"، معتمدا في ذلك على مجموعة نيرة من نخبة البلاد من خريجي المعاهد والجامعات الأوروبية وتحديدا الفرنسية وآخرين من خريجي المعاهد التونسية وجامعة الزيتونة تحديدا، مراهنا فقط على من يتقاطع معه حول رؤية ومشروع بناء الدولة الحديثة الذي خططت له الحركة الوطنية. لذلك ظلت شخصية "الزعيم بورقيبة" رجل السياسة القوي المصلح والحداثي والتنويري راسخة إلى اليوم في أذهان بعض التونسيين. وهي صورة "جدلية" بألوانها المختلفة تتناقلها الأجيال بما في ذلك الأجيال التي لم تعايش فترة حكمه أو التي لم تنخرط في قبول أو مناقشة متعلقاته. وقد توفرت جملة من العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية ساهمت في نشر "البورقيبية" كظاهرة تونسية لم تنطفئ ولم تتأثر بفعل عوامل الزمن والسياسة والتاريخ، إذ يعتبرها البعض مقياسا للتقييم والتبرير والبعض الآخر ينطلق منها كمثال للمراجعة والتدارك وإصلاح ما يجب إصلاحه، خاصة أن المراجع المعتمدة حول تلك الفترة لم تظهر للعيان إلا بعد خروجه من الحكم والبعض الآخر رأى النور بعد وفاته لعل أبرزها "مذكرات سياسية" للمناضل سليمان بن سليمان الذي كان مقربا من بورقيبة وقدم في مذكراته شهادات حية عن الراحل إضافة إلى الكتب التاريخية وما حملته من حقائق ومعطيات وأدلة تؤرخ لمرحلة حكمه وسياسته وخياراته وتوجهاته وتقدم قراءات وجوانب أخرى تم تغييبها من تاريخ تونس المعاصر.

فرغم بقائه 13 عاما تحت الإقامة الجبرية بعد خروجه من الحكم وغلق كل منافذ التواصل أو الاتصال به وهو في أرذل العمر من أي جهة كانت، لم تستطع سياسة الراحل زين العابدين بن علي تغييبه واقتلاعه من أذهان التونسيين، بل ظل اسمه بما يحمله من رمزية وهو الذي يمثله جزءا من تاريخ تونس المعاصر وما يمثله من إحالات سياسية واجتماعية واقتصادية، ظل راسخا في أذهان الجميع من معارضيه وأنصاره على حد السواء.

فالزعيم لا يزال محل تنازع القراءات والمواقف بين من يعتبره مرجعا في السياسة والفكر ويعتد بدوره في تكريس مبادئ الجمهورية الأولى الحديثة والمعاصرة واستعادة السيادة الوطنية وتحديث المجتمع وما يتطلبه ذلك من مؤسسات وهياكل وتشريعات وقوانين وبرامج اجتماعية واقتصادية بالأساس أحدثت نقلة نوعية في الدولة الحديثة، وبين شق آخر يحمله مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع على أكثر من صعيد اليوم، واعتبار أن ذلك يعد نتيجة للسياسة الأحادية التي كرسها في المجتمع والعقل السياسي الواحد من قبيل الجهوية والولاءات وتجفيف منابع الحريات ورفض التعددية والاختلاف مقابل فرض إيديولوجية الحزب الواحد. الأمر الذي سهل مهمة خليفته الراحل زين العابدين بن علي خلال مرحلة حكمه، في القضاء على المعارضة وتقزيم دورها ومواصلة سياسة احتواء "التائبين"، وهو ما ولّد مجتمعا سياسيا هشا لا يزال إلى اليوم يبحث عن ذاته ومقومات اكتساب القوة والثبات والصمود وشق آخر من هذا المجتمع السياسي يتنازع حول الاستثمار في "باتيندا" الحزب البورقيبي والظاهرة البورقيبية ككل كآلية وحيدة للتطور والتنوير والتقدم والازدهار للدولة التونسية بعد 24 سنة من وفاته وبعد 39 سنة من مغادرته للحكم إثر عملية انقلاب سلمية في 7 نوفمبر 1987 أصبح بموجبها بن علي رئيسا للجمهورية التونسية.

المؤرخ عبد الجليل بوقرة لـ"الصباح": "البورقيبية" مفصلية وهامة وفارقة في تونس

يعتبر المؤرخ الجامعي والكاتب عبدالجليل بوقرة في حديثه لـ"الصباح"، أن مرحلة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة تعد مهمة ومفصلية وفارقة في تاريخ تونس المعاصر، وتنقسم إلى ظاهرتين، إيجابية وسلبية، رغم تأكيده على أن أي فترة تأسيس لا يمكن أن تكون سهلة وإنما متعثرة وصعبة لاسيما فيما يتعلق بتأسيس مشروع دولة متكامل وما يتطلبه من غرس ثقافة وطنية. فسّر المؤرخ التونسي ما هو إيجابي في تلك المرحلة على أنه كبير ولا يمكن إيجازه أو اختزاله ولكنه اعتبر أن ذلك تجلى بالأساس في جملة من العناوين الكبرى التي تحيل إلى دوره في استرجاع السيادة الوطنية بعد الجلاء العسكري للاستعمار الفرنسي وتونسة الأمن والدبلوماسية التونسية وبعث البنك المركزي والدينار التونسي على نحو لم يكن هناك مجال للتصرف الأجنبي في الدولة التونسية.

كم اعتبر أن من إيجابيات سياسة بورقيبة في إدارة دواليب الدولة التونسية تحديث المجتمع التونسي على غرار وضع مجلة الأحوال الشخصية ووضع محاكم عصرية تعتمد على قوانين وضعية وتطوير القضاء. وأضاف قائلا: "هناك إصلاحات عميقة تحسب لسياسة بورقيبة في دولة الاستقلال المعاصرة، كانت بمثابة معركة تحديث كبرى كسبها الراحل في مراحل حكمه الأولى لعل أبرزها نشر التعليم في كامل ربوع وقرى الجمهورية والاهتمام بالصحة وجلب التلاقيح ووضع حد للأوبئة والأمراض. إضافة إلى المشروع الإصلاحي الاجتماعي والتنموي الذي انطلق في الستينات من القرن الماضي لضمان التوازن بين الجهات على بعث مصنع للسكر بولاية باجة ومصنع لعجين الحلفاء بالقصرين وقطب صناعي بقابس وآخر بمنزل بورقيبة ومعامل للصناعات الغذائية بالقيروان وفي السبعينات كان هناك انتشار للصناعات الصغرى والمتوسطة، وتعزيز حضور الدور الاجتماعي للطبقة الوسطى. فكان ذلك عنوانا للتوازن والسلم الاجتماعيين وهي بدورها شكلت عنوانا للتوازن الثقافي والسياسي في تلك المرحلة خاصة أن الطبقة المتوسطة التي تشكلت تعزز دورها في تلك الحقبة وضمنت نوعا من السلم الأهلي".

نزعة تسلطية وليست ديكتاتورية

في تطرقه لما هو سلبي في مرحلة حكم الراحل الحبيب بورقيبة قال المؤرخ الجامعي: "نحن لا نصدر أحكاما ولكننا نتعاطى بموضوعية مع واقع ومعطيات تاريخية في تقييم مرحلة حكم الراحل التي لم تكن سهلة وهينة. فما يُعَابُ على بورقيبة سياسته التسلطية وليست الديكتاتورية وأعتقد أن من يقول بورقيبة ديكتاتوري هي شتيمة لأنها تفتقد للدقة العلمية التي تضع شروطا في ذلك".

وبين محدثنا أن بورقيبة لم يكن يؤمن بالتعددية والانتخابات مبينا أنه بعد صعوده للحكم إثر الاستقلال كانت هناك تعددية حزبية ومدنية ولكنه ألغى ذلك سنة 1963 رغم أن الدستور المعتمد آنذاك كان يقر بالتعددية. وأوضح ذلك قائلا: "جاء قانون الجمعيات سنة 1959 منظما للمسألة بأن تكوين الجمعيات يتطلب وجوبا العودة إلى وزارة الداخلية فكان هذا القانون أقوى من الدستور لتظل تونس إلى غاية 1981 دون أحزاب وجمعيات إلا لمن ترضى عنهم السلطة".

ويرى عبدالجليل بوقرة أن بورقيبة انتهج سياسة تسلطية بلغت درجة قصوى سنة 1975 عندما أصدر قرارا بإلغاء الانتخابات وإقرار الرئاسة مدى الحياة باعتبار أن آخر انتخابات رئاسية في تونس كانت سنة 1974. ويعتبر أن من تداعيات هذه السياسة التسلطية في مرحلة حكمه الأخيرة تعدد المحاكمات السياسية ولأصحاب الرأي وإجبار بعض المعارضين والرافضين لسياسته على الهجرة وطلب اللجوء في الخارج.

ويضع المؤرخ والكاتب التونسي انحياز بورقيبة الجهوي وتمييزه للمسقط رأسه المنستير على بقية الجهات من السلبيات التي تحسب له وخلفت نوعا من الأحقاد الجهوية التي أضيفت لعيوب نظامه وذلك بإجماع أغلب من عايشوا فترة حكمه من سياسيين ومقربين منه.

"الصباح" المرجع

كما أقر المؤرخ بالجامعة التونسية أنه رغم الوضع الذي أصبح عليه واقع التضييق على الصحافة بشكل عام في تونس بعد أن أصبحت مراقبة بشكل مزعج، إلا أن مؤسسة "الصباح"، استطاعت أن تنأى بنفسها موضحا ذلك بالقول: "كانت الصباح مؤسسة خاصة يديرها صاحبها الراحل الحبيب شيخ روحه، كانت تحاول أن تمرر وتنشر بعض ما هو موجود في المناخ السياسي لتلك الفترة عبر متابعة المحاكمات السياسية ونشر مداولات المحاكمات والاستنطاق والمرافعات في مراحل مفصلية في تاريخ تونس المعاصر على غرار 1962 و1958 وجانفي 1978 فكانت إلى يومنا هذا مرجعا تاريخيا هاما".

نزيهة

المؤرخ رضا التليلي لـ"الصباح":

فترة حكم "بورقيبة" ثرية لكن !

تونس – الصباح

يعتبر الجامعي المختص في التاريخ رضا التليلي، في حديثه عن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة أن فترة حكمه تنقسم إلى مراحل مختلفة رغم أنها بدأت مباشرة مع الاستقلال وكانت ثرية، تجمع بين الإيجابي والسلبي. وقسمها في حديثه عن بورقيبة لـ"الصباح"، أنه نجح في السنوات الأولى من مرحلة حكمه في تطبيق جزء من مطالب ومبادئ الحركة الوطنية التي ساهمت بدورها، وفق تأكيده في تكريس وغرس روح الوطنية لدى التونسيين والمتمثلة في تعميم التعليم والخدمات الصحية لكل التونسيين والنهوض بالفئات الفقيرة والمتوسطة لاسيما أمام ما يحظى به بورقيبة من حب ومقبولية في أوساط الحزب الحر باستثناء التيار اليوسفي. لكنه في المقابل اعتبر بمجرد قطع سياسة بورقيبة مع أهداف ما كان مخططا له في الحركة الوطنية، بدأت القطيعة مع الروح الوطنية تتلاشى.

واعتبر أن القراءات التاريخية لفترة حكم بورقيبة المطولة تبين التغيرات التي رافقتها معتبرا محاولة الانقلاب التي جدت سنة 1962 قد أحدثت نقلة نوعية في سياسة الرئيس الراحل بعد أن شعر هو والمحيطون به من أقاربه وأبناء جهته أنهم جميعا في خطر. وأضاف قائلا: "محاولة الانقلاب تلك دفعت بورقيبة للدخول في تحالف جهوي ضيق بهدف الحفاظ على السلطة فتأسست منذ ذلك الوقت إيديولوجية الحزب الواحد ليتغير بذلك النظام ويصبح يخضع لقيادة الحزب الواحد بعد إلغاء التعددية وأصبحت النقابات والجمعيات تحت الحزب الواحد وتعويضها بشعب مهنية. ونفس هؤلاء من طالبوا أو دفعوا لقراره الحكم مدى الحياة لأن هناك مطامع في المنصب". ليكرس بذلك ولاءات جهوية في مواقع القرار والدولة وقيادة الحزب الواحد. لأنه يعتبر أن خيار الرئاسة مدى الحياة هي عملية افتكاك للسلطة من قبل فئة معينة قريبة منه لاسيما بعد أن أصبح بورقيبة عاجزا عن اتخاذ القرار.

الديمقراطية والسياسة الخارجية

كما ذهب الأكاديمي المختص في التاريخ المعاصر أن ما يحسب لسياسة بورقيبة التغيير الذي أحدثه في علاقة تونس الخارجية هو اختياره التوجه إلى مساندة الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، رغم النقاشات والجدل الذي رافق تلك الخيارات على اعتبار أن في ذلك انحيازا قطع مع التعددية وحصرا للسياسة الخارجية في توجه معين، وضد البلدان والتيارات الإيديولوجية والماركسية والاشتراكية.

أما في الجانب الاقتصادي فيرى محدثنا أن البورقيبية عرفت نوعا من التذبذب بالمرور من الاقتصاد الحر إلى اشتراكي ثم اقتصاد حر فاقتصاد الدولة وانفتاح على الليبرالية فليبرالية الدولة التي تلقي نفوذها وسيطرتها على الاقتصاد الحر إلى اليوم.

ويعتبر رضا التليلي أن تكريس فكرة الحزب الواحد وعدم الإيمان بالديمقراطية التي كان يعتبرها الرئيس الراحل تهدف لافتكاك السلطة منه، هي نفس الفكرة التي ينتهجها بعض السياسيين اليوم في رفضهم للديمقراطية وللآخر.

نزيهة