إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

نجيب بن عبد الله: رجاء لا تقتلوا فيهم الأمل.. رجاء لا تقتلوه فيهم وفينا!..

 

 

بهذا الرجاء، وهذه الاستغاثة ختمت أحد تعاليقي الإذاعية الذي وقع منع إذاعته في نهاية الثمانينات من القرن الماضي بتعليمات من إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزة آنذاك، وتفضلت صحيفة "الصباح" الغراء التي كنت أتعاون معها بصفة قارة منذ أواسط تلك العشرية، بنشرها لمقالي في ركن قار اخترت له منذئذ اسم "متنفس" إيحاء بأني كنت أختنق في مؤسستي وواصلت تحريره أسبوعيا للتعليق على الأخبار في صحف "دار الصباح" ("الصباح" و"الصدى") لما ضاقت بي السبل وضيّق علي الخناق، نعم فتحت لي "دار الصباح" صفحاتها بترحاب لأكتب وأعلق وأحلل وأبدي رأيي بكل حرية (بإمضائي وبإمضاءات مستعارة) بتشجيع من الزملاء رؤساء التحرير آنذاك عبد اللطيف الفراتي وعبد السلام الحاج قاسم ومصطفى الخماري وصالح الحاجة والمرحوم أحمد عامر.

كما أن جريدة "الصباح" الغراء كانت المحطة الأولى لتجربتي في الصحافة المكتوبة فانتميت (إضافة إلى صفتي كصحفي بالإذاعة والتلفزة) إلى قسم الأخبار العالمية بـ"الصباح" (بصفتي صحفيا متعاونا قارا) والذي كان يضم آنذاك الزملاء نور الدين عاشور، ومدير التحرير الحالي سفيان رجب ومحمد الطوير والصحفية آسيا العتروس (وكانت في بدايتها آنذاك) إضافة إلى الصديق المرحوم عمار منصور ("رأس الغول" كما كان يناديه محبة وتوددا الصحفي القدير الأستاذ المرحوم الهادي العبيدي، عمار منصور صاحب ركن "تحت السور" والذي تمسكت بصداقته واستفدت من تجربته لاحقا كما أشرفت على إدارة تحرير "مجلة التلفزة" سنة 2007 وضممته إلى أسرة التحرير الموسعة وأفدت فريق المجلة بخبرته وقد واصل معي التجربة في المجلة كتابة وشعرا وتدقيقا لغويا حتى وفاته، كما ضممت إلى الأسرة الموسعة الزميل الطاهر السويح في ركن قار).

هذا النداء ـ الاستغاثة الأولى كان تعبيرة عما تشعر به جاليتنا بالخارج وتحديدا جاليتنا بألمانيا من غبن وحيف إثر زيارة وفد من جمعية الصحافيين التقينا بعض أفرادها وعبروا عن مشاغلهم وكذا الصعاب التي تعترضهم عند عودتهم وعائلاتهم إلى ارض الوطن إضافة إلى المعاملات اللااخلاقية والمهنية التي يلقونها من قبل بعض المسؤولين عن شركتي الملاحة وتونس الجوية هناك.

هذا النداء وإن تسبب لي في بعض المشاكل مع مؤسستي فإنه وللحقيقة يمكن أن أقول أنه أتى أكله إذ تم بعد أيام فقط عقد مجلس وزاري مضيق خصص لعودة مواطنينا بالخارج في الصائفة واتخذ جملة من الإجراءات والقرارات لفائدتهم أهمها تخفيض في سعر تذاكر السفر وكذلك تخصيص ناقلات جوية وسفرات بحرية إضافية.

وبهذا الرجاء وبهذا النداء ـ الاستغاثة ختمت مراسلة مطولة جاءت في شكل عريضة حررت باسم الأسرة الموسعة للمأسوف عليها مجلة "التلفزة التونسية" وجهت إلى رئيس الوزراء في صائفة 2011 المرحوم الباجي قائد السبسي من اجل إغاثة صرح عريق آخر واكب المشهد الثقافي والإعلامي منذ أكثر من نصف قرن (1959) "مجلة الإذاعة والتلفزة" التي تحول اسمها لما ترأست تحريرها سنة 2007 وبعد فصل الإذاعة عن التلفزة إلى مجلة التلفزة التونسية) وقد سلمت الرسالة شخصيا للمستشار الإعلامي للسبسي آنذاك بالقصبة، غير أنه رغم الوعود والتطمينات التي نقلتها بعدئذ المستشارة الثانية السيدة عائدة القليبي باسم السبسي فإن المجلة وئدت وتم اغتيالها في سابقة أولى وفضيحة كبرى عرفتها الساحة الإعلامية والثقافية ما بعد الثورة.

الأزمة الخانقة والخطر الداهم الذي تواجهه "دار الصباح" هذه الأيام (والصحافة المكتوبة عموما) وخطر الاحتجاب والزوال الذي يطل برأسه مجددا ويهددها في كل لحظة أعاد إلى ذاكرتي المعطوبة تجربة "مجلة التلفزة التونسية" الموءودة والمأسوف عليها وحرك الساكن في داخلي بعد أن خيرت الابتعاد والنأي بنفسي إثر إحالتي على شرف مهنة اخترتها عن وعي وروية خاصة في ظل الظروف التي أصبحت عليها الصحافة بكل فروعها وأساسا في المجال السمعي والبصري الذي تحولت فيه بعض الإذاعات والتلفزات الخاصة إلى مجرد حلبة لصراع الديكة زادها الوحيد السباب والشتائم والصياح وهتك الأعراض في الأوقات القليلة المخصصة لهذه السلعة البائسة وفي الأوقات المتبقية وعلى امتداد طول النهار والليل تحولت إلى دكاكين وواجهات عرض خلفية لترويج سلع وبضائع مستوردة ومحلية رثة ومن سقط المتاع، عملية يقوم بها بكل بؤس وصفاقة البعض من الدخلاء وأشباه الإعلاميين و"المنشطين" حولوا معها المهنة وهذه الدكاكين إلى سوق نخاسة جديد وتحول هؤلاء بدورهم إلى أعوان تسويق وإشهار في مشاهد سمجة وقمئة تذكرني بالمنادين أو "البراحة" (crieurs publics) في الأسواق الأسبوعية في ستينات القرن الماضي ولكن هذه المرة في شكل "متطور" و"عصري".

ولا يفوتني بالمناسبة أن شد على أيدي العديد من الزملاء الذين خيروا البقاء في الواجهة للدفاع عما تبقى من شرف هذه المهنة مع ضرورة التمييز بين الصحافي وغيره من العاملين في الحقل الإعلامي والاتصالي الذي اختلط فيه الحابل بالنابل وبحكم ارتباط وتشبث الصحافي بجملة من القواعد المسلكية والأخلاقيات المهنية التي تنص عليها مختلف المواثيق الصحفية من نزاهة وموضوعية وإنصاف وتجرد والتي يشكل احترامها (مثلما يؤكد ذلك الكاتب الصحفي الكندي مارك فرانسوا بيرنييه في احد كتبه) "قاعدة العقد الاجتماعي بين الصحافي والمواطن".

غير أن الوضع المتأزم الذي تعيشه "دار الصباح" أحد أعرق المنارات الإعلامية والتي شهدت بداياتي في الصحافة المكتوبة وكذلك النداء الصرخة أو الاستغاثة الموجهة من قبل أسرة تحريرها إلى رئيس الجمهورية حرك الراكد داخلي وأكد لي أن التطبيع مع الرداءة يعد تخاذلا وخيانة كما أن السكوت واختيار الجلوس على الربوة في الأوقات العصيبة والمحطات الفارقة يعد جرحما لا يغتفر وهو ما أكد لي جسامة الكارثة التي تنتظر القطاع والساحة الإعلامية والثقافية باحتجاب إحدى كبرى الصحف التي اقترن اسمها وتاريخها بتاريخ الوطن بكل تمفصلاته.

وبعد الندوة الصحفية التي عقدها الزملاء بـ"الصباح" وأطلقوا فيها صيحة الفزع بان الصحيفة في ظل عدم استجابة سلط الإشراف لاستغاثتهم لم يبق لها من الورق ومستلزمات الطباعة وبالتالي البقاء في الساحة إلا بضعة أيام معدودات قبل احتجابها قررت ليلة الجمعة الماضي مراجعة الرسالة (نداء الاستغاثة) في بعض أبوابها على أمل تسليمها "صباح" السبت الماضي قصد نشرها يوم الأحد في "الصباح".

وأنا بصدد مراجعة المقال عندما كنت أشاهد القناة الوطنية عندما أطلت المفاجأة السارة على شاشة التلفزة:

رئيس الدولة داخل أروقة "دار الصباح" يتفقد مكاتب "دار الصباح" ومطبعتها وخاصة أرشيفها الذي يمثل جزءا لا يستهان به وشاهدا حيا على الذاكرة الثقافية والإعلامية خصوصا والذاكرة الوطنية عموما وتفاعل سيادته مع أسرة التحرير وأسرة الدار عموما وتحاور معها مبديا دعمه لمطالبهم المشروعة مؤكدا أن "الصباح جزء من الموروث الوطني وذاكرة التونسيين لا يمكن التفريط فيه" "وهي ذاكرة وتاريخ حافظ لكل الأحداث الوطنية بكل تفاصيلها".

وشدد على أن "بيع دار الصباح أشبه ببيع متحف باردو أو مسرح قرطاج" وأن ديمومتها أمر حتمي رافضا "الحلول الترقيعية".

ولأنني كنت ولازلت اعتقد أن القائد الحق هو الذي يلتقط اللحظة التاريخية في إبانها وينصهر من خلالها مع شعبه ومع نبض أبناء وطنه فيلتحم بشواغلهم وانتظاراتهم ويجعل من الظرف الطارئ أو اللحظة الصعبة والعابرة لحظة تاريخية هامة وفارقة من خلال قرار جريء يتخذه يقلب به الموازين السائدة ويحول صعوبات اللحظة العابرة إلى قرارات جريئة وإلى مكاسب لفائدة المجموعة والصالح العام والوطن عموما.

كما أن القيادة الرشيدة هي التي تتخذ القرارات الصائبة والرائدة في اللحظة الحاسمة بكل كفاءة واقتدار وتمتاز بوضوح الرؤية وصواب الاختيارات وتبقى نافذة البصر والبصيرة حتى عندما تختل الأشياء وتختلط الأولويات من أجل ذلك ومن أجل تكريس ثقافة جديدة، ثقافة الإصغاء والاستماع للمواطنين وحتى لا تبقى هذه الصرخة يتيمة ومعزولة مثل صرخة في واد حتى يكون لها رجع الصدى لصوت أسرة "دار الصباح" وأسرة الإعلام والثقافة عموما ولصوت المواطن ومشاغل الناس واهتماماتهم فإن كل رجائي يا سيادة الرئيس أن تتابعوا أولا بأول تنفيذ تعليماتكم في هذا المجال حتى تتسجد على أرض الواقع وحتى لا تلتف عليها الإجراءات البيروقراطية الكامنة والمتربصة في ثنايا وأروقة الإدارة العميقة وتجهز عليها في المهد وحتى لا يغتال الأمل مجددا لدى كل من راهن على دور الإعلام في توعية المواطن وتثقيفه ونحت إنسان جديد لتونس الجديدة.

وهي مناسبة لتنقية الساحة الإعلامية من الأدران والانتصار للصحافة الجادة وذات الرسالة الإعلامية النبيلة لأن انتصاركم لدار الصباح ولأصحاب الكلمة الحرة والإعلام الجاد هو انتصار للمواطن الواعي وانتصار للوطن لماضيه وحاضره ومستقبله وانتصار لنبل الرسالة الإعلامية وأهميتها.

هذه الصحف وجدتموها أنتم أنفسكم يا سيادة الرئيس ملجأ ونافذة فتحت اذرعها وصفحاتها إليكم لإبداء الرأي وإيصال مواقفكم والتعبير عن آرائكم فلا تبخلوا عليها بالدعم العمومي والمساندة والإحاطة والتأهيل التكنولوجي استئناسا بأهل المهنة والاختصاص حتى تتجاوز صعوباتها وأزماتها. فلما لا يخصص الدعم وكذا الإشهار العمومي حصريا يوزع على وسائل الإعلام حسب جديتها وموضوعيتها وتمسكها بالأخلاق المهنية وبناء على دورها التوعوي والتثقيفي والإعلامي "وهو دور لا يقل أهمية عن دور المؤسسة التربوية والتعليمية) حتى نتصدى لإعلام الفضائح والمجاري الذي غزا الساحة وبلد الأذهان وأفسد الذائقة، رجاء لا تتركوا الأمل يقتل مجددا، رجاء سيدي الرئيس لا تتركوهم يقتلوه في رواد المعرفة ورواد الكلمة الحرة.

رجاء لا تتركوهم يقتلوه فيهم... وفينا.

وسيسجل لك التاريخ بأحرف من ذهب هذه الهبّة الوطنية.

محمد نجيب بن عبد الله

الرئيس الأسبق لجمعية الصحافيين التونسيين

رئيس تحرير سابق لمجلة التلفزة التونسية

عضو سابق باللجنة الدائمة للحريات التابعة لاتحاد الصحافيين العرب

نجيب بن عبد الله:   رجاء لا تقتلوا فيهم الأمل.. رجاء لا تقتلوه فيهم وفينا!..

 

 

بهذا الرجاء، وهذه الاستغاثة ختمت أحد تعاليقي الإذاعية الذي وقع منع إذاعته في نهاية الثمانينات من القرن الماضي بتعليمات من إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزة آنذاك، وتفضلت صحيفة "الصباح" الغراء التي كنت أتعاون معها بصفة قارة منذ أواسط تلك العشرية، بنشرها لمقالي في ركن قار اخترت له منذئذ اسم "متنفس" إيحاء بأني كنت أختنق في مؤسستي وواصلت تحريره أسبوعيا للتعليق على الأخبار في صحف "دار الصباح" ("الصباح" و"الصدى") لما ضاقت بي السبل وضيّق علي الخناق، نعم فتحت لي "دار الصباح" صفحاتها بترحاب لأكتب وأعلق وأحلل وأبدي رأيي بكل حرية (بإمضائي وبإمضاءات مستعارة) بتشجيع من الزملاء رؤساء التحرير آنذاك عبد اللطيف الفراتي وعبد السلام الحاج قاسم ومصطفى الخماري وصالح الحاجة والمرحوم أحمد عامر.

كما أن جريدة "الصباح" الغراء كانت المحطة الأولى لتجربتي في الصحافة المكتوبة فانتميت (إضافة إلى صفتي كصحفي بالإذاعة والتلفزة) إلى قسم الأخبار العالمية بـ"الصباح" (بصفتي صحفيا متعاونا قارا) والذي كان يضم آنذاك الزملاء نور الدين عاشور، ومدير التحرير الحالي سفيان رجب ومحمد الطوير والصحفية آسيا العتروس (وكانت في بدايتها آنذاك) إضافة إلى الصديق المرحوم عمار منصور ("رأس الغول" كما كان يناديه محبة وتوددا الصحفي القدير الأستاذ المرحوم الهادي العبيدي، عمار منصور صاحب ركن "تحت السور" والذي تمسكت بصداقته واستفدت من تجربته لاحقا كما أشرفت على إدارة تحرير "مجلة التلفزة" سنة 2007 وضممته إلى أسرة التحرير الموسعة وأفدت فريق المجلة بخبرته وقد واصل معي التجربة في المجلة كتابة وشعرا وتدقيقا لغويا حتى وفاته، كما ضممت إلى الأسرة الموسعة الزميل الطاهر السويح في ركن قار).

هذا النداء ـ الاستغاثة الأولى كان تعبيرة عما تشعر به جاليتنا بالخارج وتحديدا جاليتنا بألمانيا من غبن وحيف إثر زيارة وفد من جمعية الصحافيين التقينا بعض أفرادها وعبروا عن مشاغلهم وكذا الصعاب التي تعترضهم عند عودتهم وعائلاتهم إلى ارض الوطن إضافة إلى المعاملات اللااخلاقية والمهنية التي يلقونها من قبل بعض المسؤولين عن شركتي الملاحة وتونس الجوية هناك.

هذا النداء وإن تسبب لي في بعض المشاكل مع مؤسستي فإنه وللحقيقة يمكن أن أقول أنه أتى أكله إذ تم بعد أيام فقط عقد مجلس وزاري مضيق خصص لعودة مواطنينا بالخارج في الصائفة واتخذ جملة من الإجراءات والقرارات لفائدتهم أهمها تخفيض في سعر تذاكر السفر وكذلك تخصيص ناقلات جوية وسفرات بحرية إضافية.

وبهذا الرجاء وبهذا النداء ـ الاستغاثة ختمت مراسلة مطولة جاءت في شكل عريضة حررت باسم الأسرة الموسعة للمأسوف عليها مجلة "التلفزة التونسية" وجهت إلى رئيس الوزراء في صائفة 2011 المرحوم الباجي قائد السبسي من اجل إغاثة صرح عريق آخر واكب المشهد الثقافي والإعلامي منذ أكثر من نصف قرن (1959) "مجلة الإذاعة والتلفزة" التي تحول اسمها لما ترأست تحريرها سنة 2007 وبعد فصل الإذاعة عن التلفزة إلى مجلة التلفزة التونسية) وقد سلمت الرسالة شخصيا للمستشار الإعلامي للسبسي آنذاك بالقصبة، غير أنه رغم الوعود والتطمينات التي نقلتها بعدئذ المستشارة الثانية السيدة عائدة القليبي باسم السبسي فإن المجلة وئدت وتم اغتيالها في سابقة أولى وفضيحة كبرى عرفتها الساحة الإعلامية والثقافية ما بعد الثورة.

الأزمة الخانقة والخطر الداهم الذي تواجهه "دار الصباح" هذه الأيام (والصحافة المكتوبة عموما) وخطر الاحتجاب والزوال الذي يطل برأسه مجددا ويهددها في كل لحظة أعاد إلى ذاكرتي المعطوبة تجربة "مجلة التلفزة التونسية" الموءودة والمأسوف عليها وحرك الساكن في داخلي بعد أن خيرت الابتعاد والنأي بنفسي إثر إحالتي على شرف مهنة اخترتها عن وعي وروية خاصة في ظل الظروف التي أصبحت عليها الصحافة بكل فروعها وأساسا في المجال السمعي والبصري الذي تحولت فيه بعض الإذاعات والتلفزات الخاصة إلى مجرد حلبة لصراع الديكة زادها الوحيد السباب والشتائم والصياح وهتك الأعراض في الأوقات القليلة المخصصة لهذه السلعة البائسة وفي الأوقات المتبقية وعلى امتداد طول النهار والليل تحولت إلى دكاكين وواجهات عرض خلفية لترويج سلع وبضائع مستوردة ومحلية رثة ومن سقط المتاع، عملية يقوم بها بكل بؤس وصفاقة البعض من الدخلاء وأشباه الإعلاميين و"المنشطين" حولوا معها المهنة وهذه الدكاكين إلى سوق نخاسة جديد وتحول هؤلاء بدورهم إلى أعوان تسويق وإشهار في مشاهد سمجة وقمئة تذكرني بالمنادين أو "البراحة" (crieurs publics) في الأسواق الأسبوعية في ستينات القرن الماضي ولكن هذه المرة في شكل "متطور" و"عصري".

ولا يفوتني بالمناسبة أن شد على أيدي العديد من الزملاء الذين خيروا البقاء في الواجهة للدفاع عما تبقى من شرف هذه المهنة مع ضرورة التمييز بين الصحافي وغيره من العاملين في الحقل الإعلامي والاتصالي الذي اختلط فيه الحابل بالنابل وبحكم ارتباط وتشبث الصحافي بجملة من القواعد المسلكية والأخلاقيات المهنية التي تنص عليها مختلف المواثيق الصحفية من نزاهة وموضوعية وإنصاف وتجرد والتي يشكل احترامها (مثلما يؤكد ذلك الكاتب الصحفي الكندي مارك فرانسوا بيرنييه في احد كتبه) "قاعدة العقد الاجتماعي بين الصحافي والمواطن".

غير أن الوضع المتأزم الذي تعيشه "دار الصباح" أحد أعرق المنارات الإعلامية والتي شهدت بداياتي في الصحافة المكتوبة وكذلك النداء الصرخة أو الاستغاثة الموجهة من قبل أسرة تحريرها إلى رئيس الجمهورية حرك الراكد داخلي وأكد لي أن التطبيع مع الرداءة يعد تخاذلا وخيانة كما أن السكوت واختيار الجلوس على الربوة في الأوقات العصيبة والمحطات الفارقة يعد جرحما لا يغتفر وهو ما أكد لي جسامة الكارثة التي تنتظر القطاع والساحة الإعلامية والثقافية باحتجاب إحدى كبرى الصحف التي اقترن اسمها وتاريخها بتاريخ الوطن بكل تمفصلاته.

وبعد الندوة الصحفية التي عقدها الزملاء بـ"الصباح" وأطلقوا فيها صيحة الفزع بان الصحيفة في ظل عدم استجابة سلط الإشراف لاستغاثتهم لم يبق لها من الورق ومستلزمات الطباعة وبالتالي البقاء في الساحة إلا بضعة أيام معدودات قبل احتجابها قررت ليلة الجمعة الماضي مراجعة الرسالة (نداء الاستغاثة) في بعض أبوابها على أمل تسليمها "صباح" السبت الماضي قصد نشرها يوم الأحد في "الصباح".

وأنا بصدد مراجعة المقال عندما كنت أشاهد القناة الوطنية عندما أطلت المفاجأة السارة على شاشة التلفزة:

رئيس الدولة داخل أروقة "دار الصباح" يتفقد مكاتب "دار الصباح" ومطبعتها وخاصة أرشيفها الذي يمثل جزءا لا يستهان به وشاهدا حيا على الذاكرة الثقافية والإعلامية خصوصا والذاكرة الوطنية عموما وتفاعل سيادته مع أسرة التحرير وأسرة الدار عموما وتحاور معها مبديا دعمه لمطالبهم المشروعة مؤكدا أن "الصباح جزء من الموروث الوطني وذاكرة التونسيين لا يمكن التفريط فيه" "وهي ذاكرة وتاريخ حافظ لكل الأحداث الوطنية بكل تفاصيلها".

وشدد على أن "بيع دار الصباح أشبه ببيع متحف باردو أو مسرح قرطاج" وأن ديمومتها أمر حتمي رافضا "الحلول الترقيعية".

ولأنني كنت ولازلت اعتقد أن القائد الحق هو الذي يلتقط اللحظة التاريخية في إبانها وينصهر من خلالها مع شعبه ومع نبض أبناء وطنه فيلتحم بشواغلهم وانتظاراتهم ويجعل من الظرف الطارئ أو اللحظة الصعبة والعابرة لحظة تاريخية هامة وفارقة من خلال قرار جريء يتخذه يقلب به الموازين السائدة ويحول صعوبات اللحظة العابرة إلى قرارات جريئة وإلى مكاسب لفائدة المجموعة والصالح العام والوطن عموما.

كما أن القيادة الرشيدة هي التي تتخذ القرارات الصائبة والرائدة في اللحظة الحاسمة بكل كفاءة واقتدار وتمتاز بوضوح الرؤية وصواب الاختيارات وتبقى نافذة البصر والبصيرة حتى عندما تختل الأشياء وتختلط الأولويات من أجل ذلك ومن أجل تكريس ثقافة جديدة، ثقافة الإصغاء والاستماع للمواطنين وحتى لا تبقى هذه الصرخة يتيمة ومعزولة مثل صرخة في واد حتى يكون لها رجع الصدى لصوت أسرة "دار الصباح" وأسرة الإعلام والثقافة عموما ولصوت المواطن ومشاغل الناس واهتماماتهم فإن كل رجائي يا سيادة الرئيس أن تتابعوا أولا بأول تنفيذ تعليماتكم في هذا المجال حتى تتسجد على أرض الواقع وحتى لا تلتف عليها الإجراءات البيروقراطية الكامنة والمتربصة في ثنايا وأروقة الإدارة العميقة وتجهز عليها في المهد وحتى لا يغتال الأمل مجددا لدى كل من راهن على دور الإعلام في توعية المواطن وتثقيفه ونحت إنسان جديد لتونس الجديدة.

وهي مناسبة لتنقية الساحة الإعلامية من الأدران والانتصار للصحافة الجادة وذات الرسالة الإعلامية النبيلة لأن انتصاركم لدار الصباح ولأصحاب الكلمة الحرة والإعلام الجاد هو انتصار للمواطن الواعي وانتصار للوطن لماضيه وحاضره ومستقبله وانتصار لنبل الرسالة الإعلامية وأهميتها.

هذه الصحف وجدتموها أنتم أنفسكم يا سيادة الرئيس ملجأ ونافذة فتحت اذرعها وصفحاتها إليكم لإبداء الرأي وإيصال مواقفكم والتعبير عن آرائكم فلا تبخلوا عليها بالدعم العمومي والمساندة والإحاطة والتأهيل التكنولوجي استئناسا بأهل المهنة والاختصاص حتى تتجاوز صعوباتها وأزماتها. فلما لا يخصص الدعم وكذا الإشهار العمومي حصريا يوزع على وسائل الإعلام حسب جديتها وموضوعيتها وتمسكها بالأخلاق المهنية وبناء على دورها التوعوي والتثقيفي والإعلامي "وهو دور لا يقل أهمية عن دور المؤسسة التربوية والتعليمية) حتى نتصدى لإعلام الفضائح والمجاري الذي غزا الساحة وبلد الأذهان وأفسد الذائقة، رجاء لا تتركوا الأمل يقتل مجددا، رجاء سيدي الرئيس لا تتركوهم يقتلوه في رواد المعرفة ورواد الكلمة الحرة.

رجاء لا تتركوهم يقتلوه فيهم... وفينا.

وسيسجل لك التاريخ بأحرف من ذهب هذه الهبّة الوطنية.

محمد نجيب بن عبد الله

الرئيس الأسبق لجمعية الصحافيين التونسيين

رئيس تحرير سابق لمجلة التلفزة التونسية

عضو سابق باللجنة الدائمة للحريات التابعة لاتحاد الصحافيين العرب